رواية نعيم الجهل الفصل التاسع 9 بقلم حور طه


 رواية نعيم الجهل الفصل التاسع

«فـــــــي المستشفــــــــى

وقفت قـــدر خلف الزجــــاج..
تحدق في الشاب النائم داخل الغرفة..
شــاب لا تعــــرف عنـــه شيئـــا..
ومع ذلك.. أصبحت فجأة مسؤولة عنه..

وقف الدكتور أشرف بجوارها..
يراقب ملامحها القلقة..ثم قال:
ــ خـــايفه؟!

قالت قدر دون أن ترفع عينيها عنه:
ــ النهارده يـــوم 27 في الشهــر..
بقيت أخــاف مـــن اليــوم ده..
لأني بكون تايهة ومش عارفة..
هتصرف معاه إزاي..

ثم ابتلعت ريقها وأكملت:
ــ بفضـــل أســـأل نفســـي..
يا ترى هيصحى هادي ولا عـــ ـدواني؟
طب المرة دي هعرف أتعامل معاه ولا لأ؟

نظر الدكتور أشرف إلى الشاب..
النائم خلف الزجاج.. يحيى..
ذلك الاسم الذي أطلقته قدر عليه..
لأنها لم تكن تعرف اسمه الحقيقي..
ولا أي شيء عن هويته...

وقال بهدوء:
ــ يحيى بيمسح ذاكرته كل 27 يوم..
ويبدأ ذاكرة جديدة...

التفتت قدر إليه ببطء:
ــ بيمسحها؟

أومأ أشرف:
ــ أيوه... كل اللي عاشه.. خلال الشهر بيختفي..
من دماغه.. وبيصحى كأنه.. بيبدأ حياته من جديد..

ثم أضاف بنبرة أكثر جدية:
ــ وده مرض نادر جدا..
والأغرب إن كل مرة بيصحى فيها..
شخصيته ممكن تتغير عن المرة اللي قبلها..

عادت قدر تنظر إلى يحيى.. وهمست:
ــ يعني كل يوم 27..
أنا ببقى قدام شخص جديد؟

لم يجبها أشرف فورا.. وبعد لحظة قال:
ــ مش شخص جديد يا قدر...

نظر إلى الشاب النائم:
ــ نفس يحيى.. بس من غير..
ما يفتكر اللي عاشه من قبل..

وفجأة.. تحركت أصابع يحيى فوق الفراش..
تجمدت قدر مكانها.. 
ثم انقبض وجهه بعــ ــنف..
ورفع يديه إلى رأســـه..
كأن ألما حادا اختــ ــرق جمجمته:
ــ اااآه...!

فتح عينيه فجأة.. واتسعتا بفـــ ــزع..
بـــــــدأ يتنفس بســــــرعة..
ثم أخذ يضـ ــرب رأسه بيديه:
ــ دماغي...!

اقترب الدكتور أشرف من الباب فورا:
ــ يحيى! اهدى.. اهدى!

لكن يحيى انتفض من مكانه..
وأسقط جهاز المراقبة بجواره...
ارتطم الجهاز بالأرض وتحطم صوته في الغرفة..

قالت قدر:
ــ يحيى ارجوك اهدي..

أمسك يحيى أول شيء..
وقعت عليه يده وقذفه بعــ ــنف..
في الحائط.. ثم دفع الطاولة فسقطت..
محتوياتهـــــــا أرض:
ــ ابعدوا عني! انتم مين؟

حاول أشرف الاقتراب..
لكنه تراجع عندما رأى يحيى..
يلتقط قطعة زجاج مكسورة من الأرض..
كانت عيناه مليئتين بالخوف والغضب..
وكأنه محاصر داخل رأسه ولا يفهم أين هو:
ــ أنا فين؟!

لم تجبه قدر..

فصـــ ـرخ مرة أخرى:
ــ أنا فين؟! ومين إنتوا؟!

اقتربت قدر خطوة.. رغم خوفها:
ــ اهدى يا يحيى... إنت في المستشفى..

استدار إليها وأمسك زراعها بعنف.. وحدق فيها:
ــ انتي... مين؟ وانا مين ..مين يحيى؟

توقفت قدر...
كانت تعرف هذا السؤال...
لكنها في كل مرة كانت تسمعه..
تشعر وكأنها تفقده من جديد..

قال أشرف بحذر:
ــ قدر... ابعدي عنه دلوقتي...

لكن يحيى ظل ينظر إليها..
ثم وضع يده على رأسه..
مرة أخرى وهو يصــ ـرخ من الألم:
ــ أنا... مش فاكر حاجة!

سقطت قطعة الزجاج من يده...
وجلس على الأرض يحاول استيعاب..
ما يحدث.. ارتجفت أنفاسه من شدة..
الألم والارتباك.. واضع يديه فوق رأسه..
ثم رفع عينيه إليها..
وقال بصوت مخيف ومكسور:
ــ أنا مين؟

اقتربت منه قدر ببطء..
وجلست أمامه.. ثم احتضنته دون تردد:
ــ إنت يحيى... وأنا أختك...

تجمد بين ذراعيها.. 
رفع عينيه إليها باستغراب..
وكأنه يحاول البحث عن شيء..
مـــألوف داخـــل وجههـــا:
ــ أختي؟!

ثم هز رأسه بألم:
ــ إزاي؟... أنا مش فاكر...

اقترب الدكتور أشرف بسرعة..
وأعطاه حقنة مهدئة... ظل يحيى يقاوم للحظات..
ثم بدأ جسده يرتخي تدريجيا..
وخفت أنفاسه.. وبعد قليل..
سقط بثقله داخل حضن قدر..
احتضنته أكثر.. وظل ينظر إليها..
بعينين مثقلتين بالنعاس.. وكأنه يحاول..
حفظ ملامحها قبل أن تغلق عيناه..

همست قدر:
ــ نام...
لما تصحى هتلاقيني جنبك.. مش هسيبك..

أغمض يحيى عينيه ببطء...
لكن يده ظلت متشبثة بإصبعها..
وكأنه رغم فقدانه لكل شيء..
كان هناك شيء بداخله يرفض أن يتركها..

              ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

               « فـــــــي دار الأيتـــــــــام »

وقف تليد وشهيرة أمام امرأة..
لم يكن في ملامحها ذرة واحدة من الرحمة..
كانت نظراتها وحدها كافية..
لتجعل الخوف يتسلل إلى قلوبهم..

قالت شهيرة بارتباك:
ــ إحنا طول عمرنا بنخدمك يا مدام..
ودي كانت أول غلطة.. السماح منك..

وأضاف تليد سريع.. بصوت مرتجف:
ــ وإحنا مستعدين نعمل أي حاجة..
عشان نكفر عن الغلطة دي..

تقدمت المرأة نحوهم ببطء..
وقالت بغضــ ـب مكتوم:
ــ دي مش أي غلطة..

توقفت أمامهم.. ثم تابعت ببرود مخيف:
ــ الغلطة دي السماح الوحيد اللي فيها..
إنــي أدفنـــ ـــكم صحيين..

ارتبك تليد.. لكنه جمع شجاعته وقال:
ــ أنا مش هسكت.. ومش هسيب الموضوع..
هقلب الدنيا لحد ما ألاقيه..

نظرت إليه المرأة بثبات.. ثم قالت:
ــ لازم تلاقيه..

صمتت لحظة..

قبل أن تضيف بنبرة قاطعة:
ــ ولازم باهر يمـــ ـــوت..

اتسعت عينا شهيرة..
أما تليد فابتلع ريقه بصعوبة..

اقتربت المرأة أكثر.. وقالت:
ــ لأن لو باهر ما مــ ــاتش...

نظرت إليهما واحدا تلو الآخر:
ــ إنتوا اللي هتمــ ـــوتوا..

شهيرة.. محاولة طمأنة..
نفسها قبل أن تطمئنها.. قالت:
ــ أكيد مــ ـات.. مستحيل يكون عايش..

أسرع تليد يؤكد كلامها:
ــ صح.. اللي اتعمل فيه صعب..
يخلي أي إنسان يفضل عايش..

وفجأة.. صفعته المدام بقوة.. ترنح تليد.. 
ووضع يده على وجهه في صدمة..
صـ ــرخت فيه:
ــ اخرس يا فاشل.. منك ليها!

ثم اقتربت منه.. وعيناها تشتعلان غضب:
ــ باهر اتخــ ـطف من إيدك إنت ورجالتك..
وإنت جاي تقولي استنتاجات؟!

سكتت لحظة.. ثم قالت ببرود أشد:
ــ لو باهر مـ ــات... تتأكدوا من مــ ـوته..

ثم اقتربت من وجهه وهمست:
ــ ولو عايش.. كل نفس بياخده..
هينقص من أنفاسكــــم...

نظرت إلى شهيرة..
ثم عادت بعينيها إلى تليد:
ــ فــــاهمين؟

           ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

         « فـــي شركــــة معتــــز الجمــــال »

انفتح باب مكتب معتز بعـ ــنف..
ودخـــل كـــاهان كالإعصـــ ــــار..
لا أحـــد استطـــاع إيقـــــافه..
ركل الباب بقدمه.. واتجه مباشرة نحو معتز..
ثم أمسكه من ياقة قميصه..ورفعه عن مقعده بعــ ــنف..
اندفع الحـ ــرس نحوه..محاولين السيطرة عليه..

لكن معتز رفع يده بهدوء:
ــ سيبوه... اخرجوا بره..

تردد الحرس..

نظر إليهم معتز بنظرة آمرة:
ــ قولت اطلعوا بره..
ومحدش يدخل علينا..

خرج الحــ ــرس واحدا تلو الآخر..
وظل كاهان ممسكا بياقة معتز..

اقترب معتز منه.. 
وأنزل يده عن قميصه بهدوء:
ــ اهدى... عشان نعرف نتكلم..

أخرج كاهان هاتفه.. وفتح الرسالة..
ثم وضع الشاشة أمام وجه معتز:
ــ معناته ايه الكلام ده؟

عدل معتز ملابسه ببرود..
ثم عاد وجلس خلف مكتبه:
ــ اقعد.. هطلبلك ليمون يريح أعصابك..

في لحظة.. دفع كاهان بيده..
الملفات فــوق المـــكتب..
فسقط بعضها على الأرض:
ــ رد عليا!

ثم رفع الهاتف أمامه مرة أخرى..
وعيناه تشتعلان غضب:
ــ يعني إيه.. مراتي اتاخدت مني؟!
مش هـــــربت منــــي..

اقترب من المكتب خطوة:
ــ معنى الكلام ده إيه يا معتز؟ اتكلم!

ظل معتز هادئا..
وكأنه كان ينتظر تلك اللحظة تحديدا:
ــ إنت مجبر تهدى..
لأن الدماغ السخنة مش بتوزن الأمور..

ثم أشار إلى المقعد المقابل:
ــ لو عايز مراتك..
يبقى تقعد وتهدى وتسمعني..

توقف كاهان للحظات..
وظل ينظر إليه بنظرة حادة..
ثم قال بصوت منخفض:
ــ أنا هديت...

اقترب من المكتب..
حتى أصبح وجهه في مواجهة معتز:
ــ أهو قاعد قدامك وبسمعك...

ثم وضع الهاتف على المكتب بقوة:
ــ اتكلم.. مراتي فين؟ومين اللي أخدها؟

ابتسم معتز ابتسامة غامضة:
ــ السؤال الأهم يا كاهان..
إنت متأكد إنك عايز تعرف الإجابة؟

ثبت كاهان عينيه عليه..
ثم قال ببرود مخيف:
ــ أنا مش جاي أعرف حاجة يا معتز...
أنـــا جــــاي آخد مــــراتي..

اقترب منه خطوة.. 
وانحنى قليلا فوق المكتب:
ــ وإنت هتقولي هي فين..
غصب عنك أو بمزاجك..

استقام في وقفته.. ونظر له بثبات:
ــ فبلاش تضيع وقتي..
في أسئلة ملهاش لازمة.. واتكلم..

معتز بابتسامة باردة:
ــ هديك مراتك... مع إني مش ناسي..
إنك كنت السبب في خروجي..
من الـــ ــوزارة بفضيــ ــــحة..

نظر له كاهان بحدة:
ــ وإنت أخدت أعز صاحب ليا..

تغيرت ملامح معتز للحظة:
ــ مــ ـوت تيمور كانت غلطة.. مش محسوبة..

وقف كاهان بانفعال..
وضــ ـرب بيده على المكتب:
ــ معتز.. أنا مش جاي أفتح دفاتر قديمة..
مـــــراتي فيــــن؟

ابتسم معتز بهدوء:
ــ هدهالك.. بس كل شيء وليه مقابل..

حدق به كاهان:
ــ عايز إيه؟

معتز:
ــ عايزك ترجع لشغلك القديم..
شغل المصور اللي بيفضـ ـــح...
المســـ ـؤولين الفاسدين ده مش لايق عليك..

رد كاهان فورا:
ــ أنا مش هرجع الــ ــداخلية تاني..

ضحك معتز بسخرية:
ــ مين قال إنك هترجع الـــ ــداخلية؟

مال إلى الخلف في مقعده.. ثم قال:
ــ إنت هتشتغل لحسابي أنا..

ضاقت عينا كاهان:
ــ عايز إيه يا معتز؟ بتلف وتدور على إيه؟

مد معتز يده.. وألقى ملف أمامه:
ــ الملف ده فيه كل المعلومات اللي..
هتحتاجها.. عشان تخلصني من فارس الكومي..

نظر كاهان إلى الملف..
دون أن يلمسه.. ثم رفع عينيه إليه:
ــ إنت عايزني أشتغل عندك قـــ ــاتل؟

ابتسم معتز ابتسامة خالية من الرحمة:
ــ أنا عايزك تستخدم الحاجة الوحيدة..
اللي عمرها.. ما خذلتك..

سكت لحظة.. ثم أضاف:
ــ إنت قناص ماهر يا كاهان...
وخسارة الموهبة دي تمــ ــوت وهي مركونة..
خصوصا إن عندي هدف يستاهل رصــ ـاصة..
من إيدك...

كاهان بسخرية وغضب:
ــ فارس الكومي وســ ـخ..
ما يقلش.. عن وســ ـــاختك..
بس أنا مش قــ ـــاتل.. ومراتي هاخدها منك..

ابتسم معتز ابتسامة باردة.. وقال:
ــ لو ما نفذتش.. وخلصتني من فارس الكومي..
صدقني مش هتشوف مراتك غير جثــ ـــة..

تجمد كاهان للحظة..

لكن معتز أكمل بلا رحمة:
ــ فكر في كلامي كويس..
لأني أعتقد إنك مش هتكون..
حابب تخسر حد تاني..

اقترب قليلا.. ثم قال بنبرة أكثر انخفاض:
ــ آه.. وبالمناسبة.. مــ ـوت تيمور ماكانش غلطة..

رفع كاهان عينيه إليه..

ابتسم معتز:
ــ كان قرصة ودن ليك..

اشتعل الغضب في عيني كاهان..
لكنه ظل صامت.. أشار معتز إلى الملف:
ــ معاك أسبوعين تفكر..
يا تجيبلي جثــ ــة فارس الكومي..
يا إما أنا هبعتلك جثــ ــة مراتك..

ثم توقف لحظة.. وأضاف ببرود قـــ ــاتل:
ــ ومش هتكون لوحدها...
ابنك هيونس أمه في تــ ــربتها..

ظل كاهان ينظر إليه لثواني طويلة..
ثم مد يده ببطء وأمسك الملف..
رفع عينيه إليه وقال بصوت..
هادئ بشكل مخيف:
ــ إنت غلطت يا معتز...

اقترب منه خطوة:
ــ غلطتك إنك فكرت إن تهديدك..
لمراتي وابني.. هيخليني أشتغل عندك..

ثم اشـــــار بالملف بوجهـــــه:
ــ هو بس هيخليني أخلص منك أسرع..

ضحك معتز بسخرية.. وأسند ظهره إلى مقعده:
ــ كاهان.. ماتنساش تقرأ الملف كويس..
لأن أي غلطة.. مراتك هتدفع تمنها..

ظل كاهان ينظر إليه لثواني..
ثم استدار وغادر المكتب دون كلمة أخر..

اتسعت ابتسامة معتز وهو يتابعه..
بعينيه حتى اختفى خلف الباب..

               ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

«بعد يومين فــــي حـــــــــديقة المستشفـــــى»

جلس يحيى ينظر إلى الأشجار من حوله..
وكـــــأنه يراهـــا للمـــــرة الأولــــى..
يحاول أن يتعرف على كل شيء..
بعينين خاليتين من أي ذكرى..

اقتربت منه قدر بابتسامة.. وجلست بجواره:
ــ أنا اطمنت على حالتك من الدكتور أشرف...
 وسمحلك تخــــرج ونرجــــع البيت..

نظر إليها يحيى بنظرة شاردة:
ــ هو... إحنا عندنا بيت؟

حاولت قدر أن تنتشله من حزنه..
فضحكت بخفـــــة:
ــ آه طبعا..
حد قالك إننا قاعدين في دار مسنين؟
عندنا بيت يعني.. مش كبير أوي..
بس دافي.. وهيعجبك أوي..

ابتسم يحيى ابتسامة صغيرة:
ــ تمام..

ظل ينظر أمامه للحظات.. ثم قال فجأة:
ــ مريم؟


تعليقات