رواية ألوان مستعاره الفصل التاسع 9 بقلم سها رمضان


 

رواية ألوان مستعاره الفصل التاسع 

الوان مستعارة

الحلقه التاسعه
كاسر فضل ساكت فترة طويلة، كان بيحاول يستوعب إن كل اللي كان بيعمله ده مكنش حب بالمعنى اللي هو فاهمه، كان مجرد تلاعب بمواد كيماوية في عقله. خيالاته، نيرانه، إحساسه بإن حبيبة بتنادي عليه.. كل ده كان أوهام؟
​رفع عينه لطارق وبصوت متقطع قال: يعني أنا كنت ميت، والمهدئات دي كانت بتحييني في عالم تاني؟ طب والوجع اللي في قلبي.. الوجع ده كان حقيقي ولا هو كمان وهم؟
​طارق مسك إيده جامد وبص له بجدية: الوجع اللي في قلبك حقيقي يا كاسر، بس رد فعلك هو اللي كان غلط. أنت بنيت قصر من أوهام فوق حقيقة مرة، والمهدئات دي خلتك تحارب طواحين هوا. المهم دلوقتي إننا نقفل الصفحة دي ونبدأ من جديد.
​في اللحظة دي، خبط الدكتور ودخل، كان معاه ممرضين، وملامحه كانت حازمة.
الدكتور: يا كاسر، أنا مقدر الحالة اللي أنت فيها، بس مفيش وقت نضيعه. الإجراءات جاهزة، وعربية الإسعاف مستنية تحت عشان تنقلك لمصحة متخصصة.. حالتك محتاجة سحب السموم دي من جسمك تحت إشراف طبي دقيق، لأن الأعراض الانسحابية هتكون صعبة.
​كاسر بص لأمه اللي كانت بتترجاه بعيونها، وبص لطارق اللي كان مستني قراره. كاسر حاسس إن العالم بيلف بيه، وإن الأرض بتسحب من تحت رجليه. لو دخل المصحة، هيقطع صلته بالعالم، بحبيبة، وحتى بيوسف.. يمكن ده اللي هو محتاجه فعلاً، ويمكن ده المكان الوحيد اللي هيقدر يلم فيه شتات نفسه.
​كاسر بهدوء غير متوقع: أنا موافق.. بس علي شرط 
أمه بعياط: قول يا ابني وريحني ... فتره علاجي كلها تكون في البيت ... انا ليا وضعي وشغلي وكمان خطيبتي
​أمه انفجرت بالأمل : مفيش مانع ي خويا ....، اي رايك ي دكتور 
الدكتور : مفيش مانع لو كل السبل اتوفرت 
طارق : اعتبر كل حاجه متوفره 
الدكتور : تماام وانا برضو هكتبلك تحويل وفي حد معرفه هناك هيساعدكم في كل حاجه 
وطارق اتنفس اخيرا : شكرا ي دكتور 
بس كاسر قبل ما يغمض عينه تاني، كان جواه صوت خفي بيقول: حتى لو جسمي اتعالج، قلبي لسه متعلق بخيط رفيع.. خيط مش عارف أقطعه.
طلعوا من المستشفي روحوا البيت ريح كاسر وراح هو علي المصحه يخلص كل حاجه من تمريض من اجهزه 
وهئ اوضه من اوض الفيلا وكأنها في المستشفي بالظبط 
أمه ميرفت : بس انا خايفه ي طارق لايجي محمد ((جوزها))ويشوف دا هيقول اي 
طارق : مش قلك هبنزل بعد شهر ؟
مرفت بخوف : ايوا 
طارق : يبقي خلاص أن شاء الله الدنيا هتتحسن ... متقلقيش 
مرفت مسكته من كتفاهه: تعبتك معايا ي ابني 
طارق : اهو الكلام اللي يزعل مش انا زي خالد وسليم وتقي ولا اي 
مرفت : اه طبعا ي حبيبي 
طارق : تقي مقلتش هتنزل امتا ؟
مرفت : لسه لما تخلص امتحاناتها .... بتقول الكليه صعبه 
طارق : ربنا معاها 
عدي الوقت من تنظيم اوضه كاسر وهو ونايم 
طارق قفل الكلام مع ميرفت، وبص على باب أوضة كاسر المقفول بتنهيدة تقيلة. طالع السلم ببطء ودخل الأوضة، لقى كاسر لسه نايم على السرير، المحاليل متوصلة بإيده، والممرض كان بيظبط جهاز النبض والدوا، وشكل الأوضة فعلاً بقى يتحول لمستشفى مصغرة.
​ميرفت دخلت ورا طارق وهي بتمسح دموعها بطرف طرحتها، وقعدت على الكرسي اللي جنب السرير، مسكت إيد كاسر الباردة وقعدت تبوس فيها وتهز رأسها بحزن:
ـ يا حبيبي يا ابني.. ربنا يشفيك ويعافيك ويرد لك عقلك وصحتك يا رب.
​كاسر فتح عينيه ببطء، النظرة فيها زغللة وتعب رهيب، حاسس بدوخة وجسمه كله مكسر ومفيهوش حيل، بس نبرة الهوس والجنون اللي كانت في عينيه بدأت تروح، ودخل مكانها كسرة وخوف. بص لطارق وقال بصوت بحوح ومخنوق:
ـ طارق.. هو أنا بجد.. بجد كنت بصرخ وبقول الكلام ده؟ أنا.. أنا حاسس إن دماغي كانت في خلاط، مش فاكر غير خيالات وأصوات.
​طارق قرب منه وقعد على طرف السرير، مسك كتفه بثبات وقال:
ـ انسى كل اللي فات يا كاسر، المهم دلوقتي إنك معترّف إن كان فيه حاجة غلط، والدكتور قال إن المهدئات دي هي اللي كانت بتلعب في كيميا مخك وتعملك الهلاوس دي.. الساعات الجاية مش هتبقى سهلة عليك يا صاحبي، لما المادة دي تبدأ تتسحب من جسمك تماماً، هتتعب وهتحس بأعراض انسحاب سخيفة.. بس لازم تستحمل عشان ترجع لنفسك.
​كاسر حرك رأسه بضعف وبص لأمه:
ـ أمي.. سامحيني.. أنا آسف إني خضيتك وعملت فيكي كده.
​ميرفت بكت بأعلى صوتها وحضنت إيده:
ـ مسامحاك يا ضنايا، المهم تقوملي بالسلامة، وتنسى بقى القرف ده وتلتفت لحياتك وخطيبتك الغلبانة اللي ملهاش ذنب في حاجة.
​في اللحظة دي، تليفون كاسر اللي كان محطوط على الكومودينو ينور ويرن..
الاسم على الشاشة كان: "آيتن
​الثلاثة بصوا للموبايل، والهدوء نزل على الأوضة زي السكينة.
كاسر بص لطارق
ميرفت اتكلمت برعب وارتباك، وسألت بصوت تقيل:
ـ "آيتن؟..هنعمل اي .... دي هتكون مصيبه لو عرفت حاجه علي مرات اخوها 
    طارق بص لكاسر ونزّل عينيه على التليفون، وبعدين مسك الموبايل وفتحه وداه لكاسر في إيده من غير ما يتكلم.
​كاسر أخد التليفون بإيد بترتعش، من نتيجه العلاج اللي واخده أخد نفس عميق محاولاً يجمع كل قوته وثقته، وفتح السكة وعمل فيها نبرته الطبيعية:
ـ "ألو.. أيوة يا آيتن."
​بس نبرة الثقة اللي حاول يصنعها خيانته تماماً، صوته طالع بحوح، تقيل، ومخنوع كأنه طالع من بئر، ونفسه كان مسموع ومتطوح.
​آيتن أول ما سمعت صوته، البسمة اختفت من على وشها كلياً، وسكتت ثانية بذهول وبعدين قالت بقلق واضح وصوت مشدود:
ـ "كاسر؟! مال صوتك؟ أنت بتتكلم كده ليه؟ أنت فيك إيه يا حبيبي؟"
​كاسرغمض عينيه وشد على الموبايل، وحاول يظبط نبرته تاني بثقة أضعف من الأولى:
ـ "مفيش يا آيتن.. أنا كويس، بس.. بس مرهق شوية من ضغط الشغل والتعب بتاع البارح، الصداع ماسك فييا ومش قادر أفتح عيني."
​كمل وهو بيحاول يهرب من أي مقابلة عشان وضع الأجهزة والمحاليل اللي في أوضته:
ـ "عشان كده بقولك.. بكره عندي شغل كتير جداً ومواغيد ومستندات لازم أخلصها، فمش هينفع أقابلك ولا أعدي عليكِ."
​آيتن سكتت، ونفسها بقى حاد وسريع عبر التليفون.. شكها زاد للضعف، إحساسها بإن فيه حاجة كبيرة ومستخبية عنها بقى يقرص في قلبها. صوتها طلع زعلان وفي نفس الوقت شاك ومتقطع:
ـ "مرهق شوية؟ كاسر أنت صوتك طالع بالعافية كأنك خارج من عملية! أنت بتخبّي عليا إيه؟ وبُكره مش هتعرف تشوفني كمان؟ هو أنت بتهرب مني يا كاسر ولا أنت تعبان بجد وفيك حاجة ؟
كاسر غمض عينيه وحاول يجمع أخير نقطة طاقة جواه عشان يهدّيها، قال بصوت بحوح ومكسور بس ناعم:
ـ "لا يا حبيبتي مفيش حاجة.. أنا عارف إن الفترة دي مقصر معاكي معلش، بس عدي معايا الشهر ده وهعوضك عنه، متزعليش."
​آيتن كانت واقفة في أوضتها، هزت رأسها بقلة حيلة ودموعها في عينيها، حاسة إن بينها وبينه جدار مش قادرة تعديه، ردت بنبرة طالع منها الوجع:
ـ "ماشي يا كاسر.. باي."
​أول ما السكة اتقفلت، كاسر رمى الفون من إيده على السرير بضعف ووجع، ورجع رأسه لورا على المخدة، وطلع وجعه كله في صرخة مكتومة وطالعة من جوه روحه:
ـ "آاااااااه!.."
​ميرفت حطت إيدها على قلبها وبكت، وطارق قرب منه بسرعة يثبت إيده عشان المحلول متتحركش
بعد ما كاسر رمى التليفون على السرير وتوجّع بـ "آاااااااه" حادة من كثر التعب والضغط اللي عليه، غمض عينيه بتعب شديد وكأنه جثة هامدة مش قادر حتى يرفع جفنه.
​في اللحظة دي، تليفون كاسر نور ورن تاني على السرير.. الاسم المرة دي كان " جدته فريال".
​ميرفت بصت لشاشة التليفون واتخضت، وحطت إيدها على صدرها وقالت بخوف وتردد:
ـ "يا لهوي.. دي فريال! لو عرفت باللي فيه كاسر هتقلق عليه جداً وتيجي جاري، وممكن تعمل لنا مناحة هنا
​طارق بص لكاسر، لقاه مغمض عينيه كلياً، مش قادر يفتح بؤه ولا ينطق حرف واحد من التعب والإنهاك. طارق اتنهد بقلة حيلة، وقرر يسحب التليفون ويرد هو بنفسه.
​أول ما فتح السكة، صوت فريال جه حاد ومستغرب من غير ما تستنى:
ـ "ألو.. كاسر؟
​سكتت ثانية لما سمعت صوت طارق بيكلمها:
ـ "ألو.. أيوة يا فريال، أنا طارق.
​فريال استغربت جداً ونبرة صوتها اتغيرت لقلق وشك:
ـ طارق؟! أنت بترد عليا ليه ي واد ؟ فين كاسر؟، هو فين ومش بيرد عليا ليه؟!"
​طارق بص لكاسر ولـ ميرفت اللي كانت بتهز رأسها بـ "لا"، بس طارق حس إنه مش هيعرف يخبّي أو يحوّر أكتر من كده، ونطق بالحقيقة بأسف:
ـ "فريال.. اهدي بس.. كاسر تعبان جداً ومرمي على السرير ومش قادر يتكلم، الدكاترة هنا معلقين له محاليل وأجهزة في الأوضة في الفيلا عشان يسحبوا مواد ومهدئات شديدة من جسمه."
​فريال صرخت في التليفون بصدمة:
ـ "إيه؟! تعبان ومحاليل ومواد إيه؟! أنت بتقول إيه يا طارق؟!"
​وقبل ما طارق يلحق يكمل، كانت قفلت السكة في وشه فوراً.
طارق ابتسم من رده فعلها ونزل الفون وميرفت سألته : قفلت في وشك ؟
طارق بيضحك وهو راسو 
ميرفت : يبقي جايه
​ما مرش وقت طويل، وصيت عربية فريال الخاص وقف بصوت عالي قدام باب الفيلا. نزلت منها فريال متلهفة وطايرة من القلق، دخلت من الباب وجريت على السلم لأوضة كاسر فوراً.
​أول ما فتحت الباب وشافت منظر الأوضة المتحولة لمستشفى، والمحاليل المربوطة في إيد كاسر وشحوب وشه، اتصدمت وقربت من السرير بلهفة وقعدت جنبه، مسكت إيده التانية بحنان وهي بتبص لـ ميرفت وطارق بذهول:
ـ "إيه اللي حصل له ده؟! إزاي تسيبوه يوصل للمرحلة دي من غير ما تقولوا لي؟! 
................................................................
الظلمة كانت مالية صالة الشقة، ويوسف قاعد وسطها زي الشبح، سجارة ورا سجارة بتتحرق في إيده، وعينيه مثبتة على اللاشيء.
​الأفكار كانت بتدشّش في دماغه زي الشواكيش.. فكرة ورا فكرة، وكل فكرة أبشع وأمرّ من اللي قبلها.
"هي ليه كل ما أقرب منها بحس إنها جثة؟ ليه بتترعش من لمستي كأني غريب؟ ليه رافضاني وبتبعد عني ومخلياني مش قادر ألمسها كل الفترة دي برغم إننا متجوزين؟"
​وفجأة.. الفكرة المسمومة دخلت عقله كأنها أفعى: "يكونش كاسر لمسها قبلي؟ يكونش اللي بينهم أبعد من مجرد قصة حب قديمة؟ يكونش رافضاني عشان فقدت  اغلى ما تملك معاه قبلي؟!"
الدم غلي في عروقه لدرجة حس إن رأسه هينفجر، عيونه احمرت زي الجمر، وشيطانه أكل عقله بالكامل وصوت وسواسه بقى يسد أودانه.
​قام وقف بجمود مرعب، كأنه مش في وعيه، ومشي بخطوات تقيلة وساكنة ناحية أوضة النوم.
​فتح الباب ببطء شديد.. الأوضة كانت دافية وهادية، وصوت أنفاس حبيبة الخفيفة المكتومة هو الصوت الوحيد المسموع. حبيبة كانت نائمة على جانبها، انكماشة جسمها تحت الغطاء كانت بتبين قد إيه هي مكسورة وخايفة حتى وهي نايمة.
​يوسف قرب خطوتين، وضغطة النور الخفيفة من أباجورة الجنب كشفت المستور..
وشها الصغير الناعم كانت باينة عليه الكدمات اللي سابهالها الضرب، وشفتها المتورمة، وعلامات أصابعه اللي لسه طابعة على بشرتها.
​بصلها بجمود تـام.. مفيش في عينيه أي نقطة شفقة ولا ندم، عينيه كانت خالية تماماً من أي إنسانية، كأن اللي قدامه دي مش مراته، بل متهمة بينه وبينها حساب أسود.
​سحب الكرسي التقيل بالراحة خالص من غير ما يعمل صوت، وحطه قدام نومتها بالظبط.. قصاد وشها على بُعد خطوات بسيطة.
قعد وحط إيديه على ركبه، ومال بجسمه لقدام، وبقى متنح فيها بجمود وثبات يرعبوا..
​الأفكار الشيطانية كانت بتدور في دماغه وبتسخنه أكتر وأكتر:
"الخوف ده كله ليه؟ والهروب ده كله من إيه؟ بتداري إيه يا حبيبة؟ بتداري سرك مع كاسر؟ فاكرة إنك لما تمثلي الضعف والتمرد ده أنا هسيبك؟ قسماً بالله لو طلع الشك اللي في دماغي ده صح، لو طلعتي خدعتيني وضيّعتي نفسك معاه.. ما هسيب فيكي ولا فيه حتة سليمة، أنا هنهي حياتك وحياته بإيدي دول."
​فضل قاعد، عينيه مابتطرفش، زي النمر اللي مستني فريسته تصحى عشان ينقض عليها، ومستني بس رمش من عينها يتحرك أو تفتح عينها عشان تفوق على كابوس وجوده قدامها في الضلمة بالنظرة دي!
فجأة، حبيبة بدأت تقلب في نومتها بتعب، صدرها بيعلى ويهبط بنفس متقطع كأنها بتغرق في كابوس، لحد ما فتحت عينيها ببطء شديد.
​الرؤية كانت مشوشة في البداية، بس أول ما عينيها أجمعت الصورة وشافت يوسف قاعد على الكرسي قصادها بالظبط، سادن بجسمه لقدام ومسيّب نظرة الموت دي في عينيها، اتفضت من مكانها وشهقت شهقة طالعة من جوه قلبها.
​رجعت لورا بعنف لحد ما ظهرها خبط في ظهر السرير، وانكمشت في نفسها وسحبت اللحاف لرقبتها، قلبها كان بيدق بصوت مسموع في الأوضة، وشها اصفرّ تماماً والكدمات بقت باينة أكتر مع الخوف.
​حبيبة بنبرة بترتعش وصوت طالع بالعافية:
ـ "يـ.. يوسف؟! أنت.. أنت قاعد كده ليه؟ فيه إيه؟"
​يوسف ما تحركش من مكانه ولا ملّي، ولا حتى رمش، فضلت عينيه مثبتة في عينيها بنظرة جافة، سرد صوته بهدوء مرعب يخوف أكثر من الصريخ:
ـ "صحيتي يا هانم؟.. كويس، أصل السرير كان وحشك وأنتِ نايمة في أوهامك."
​حبيبة بلعت ريقها برعب وهي حاسة إن فيه مصيبة جديدة جاية في الطريق:
ـ "أنت بتبصلي كده ليه؟ أنا.. أنا عملت إيه تاني؟"
​يوسف ابتسم ابتسامة صفرا مسمومة، وقام من على الكرسي ببطء شديد، خطواته كانت تقيلة وثابتة وهو بيقرب من السرير، لحد ما بقى واقف فوقيها، وطأ برأسه شوية ونظراته بتفحص وشها المضروب:
ـ "عملتي إيه؟.. ولا حاجة يا حبيبتي، أنا بس كنت قاعد بفكر في حاجة مهمة أوي.. بفكر في السر اللي مخليكي مرعوبة مني كل ما أقرب منك.. السر اللي خلي كاسر ييجي لحد عندي ويتحسس أخبارك ويسأل عنك وعن حملك بقلب جامد!"
​حبيبة صرخت بدموع مكتومة وهي بتهز رأسها بنفي جنوني:
ـ "والله العظيم ما فيه أسرار! والله العظيم أنا مظلومة وما بيني وبينه أي حاجة من يوم ما بقيت على اسمك! أنت ليه بتعمل فيا كده؟ أنت عايز مني إيه يا يوسف?!"
​يوسف مد إيده ببطء ومسك فكها بقوة، صوابعه ضغطت على الكدمات القديمة لدرجة إنها اتوجعت وغمضت عينيها، وقرب وشه منها وقال بنبرة حادة زي السكينة:
ـ "عايز إيه؟.. عايز الحقيقة! والنهاردة بالذات هعرفها، يا إما هطلع الشك اللي في دماغي ده صح وأدفنك مكانك، يا إما هثبت لنفسي إنك ملكي وبتاعتي غصباً عنك وعن أي حد يفكر فيكي!"
حبيبة اتلوت بين إيديه من شدة الضغط على فكها، الوجع كان بيسمّع في العضم والمكان المضروب قبل كده بيصرخ، دموعها نزلت سخنة على صوابعه، وبصت في عينيه بنظرة مليانة حسرة ووجع طالع من قعر قلبها، وتأتأت بصوت مخنوق ومتقطع من بين سنانها:
ـ "يعني.. يعني أنت عايز إيه؟ مش فاهمة.. حرام عليك فك إيدك، فك إيدك فكي هينكسر!"
​يوسف ولا هزه وجعها، بل بالعكس، نبرة الضعف اللي في صوتها زادته شراسة وتوحش. زاح وشه أكتر لحد ما أنفاسه السخنة بقت تضرب في وشها، وبص لها بعيون مليانة بجاحة وعصبية عمياء، وصوته طلع مكتوم وزي الحشرجة المسمومة:
ـ "عايز أتأكد إن كاسر ملمسكيش!.. عايز أطمن إن الشرف اللي أنا اتجوزته ده محدش فرط فيه قبلي، وإن القرف اللي أنتِ عاملة نفسك بتهربي منه معايا ده مش عشان خايفة أكتشف سرك الأسود معاه!"
​الكلمة نزلت على حبيبة زي الطعنة النافذة في صدرها، حسيت بإهانة تكسر النفس وتدبح الكبرياء. الوجع اللي جواه مكنش بس من مسكته العنيفة لوشها، ده كان وجع روح بتموت بالبطيء ومظلومة من أقرب حد ليها. بصت له بجمود مفاجئ، وسط دموعها اللي بتجري، وبنفس الوجع والخنق ردت عليه وهي بتتحداه بنظرة مكسورة بس صادقة:
ـ "مستعدة أروح معاك لدكتور!.. حالاً دلوقتي، حطني في عربيتك ووديني لأي دكتور أنت تختاره عشان تقتنع وترتاح من قرف أفكارك دي!"
​أول ما نطقت الكلمة، يوسف ساب فكها فجأة وكأنه اتلسع، ورجع لورا خطوة. عينيه وسعت بصدمة واستفزاز، وبعدين طلّع ضحكة عالية، مجنونة ومطبوشة بالغل، وبدأ يلف حوالين نفسه في الأوضة، بيضرب كف بكف ويهز رأسه باستخفاف مرعب، ورجع وقف قدام السرير تاني وبص لها بتحدي وبجاحة أشد:
ـ "دكتور؟! نروح لدكتور وأنتِ متجوزة؟! ههههههه.. ليه يا حبيبتي؟ هو حد قالك إني مش راجل ولا مش مالك هدومي عشان أستنى دكتور يكشف على مراتي ويقولي هي إيه؟! أنتِ فاكرة إني هفضح نفسي وأبقى مسخرة عشان شكوكك وأوهامك؟!"
​قرب منها خطوة كمان بجمود، ووطّى عليها بتهديد صريح:
ـ "الكشف ده هيبقى هنا.. وعلى إيدي أنا، والنهاردة بالذات هعرف الحقيقة، ومش هسيبك تقفلي بابك في وشي تاني تحت أي مبرر يا حبيبة.. فاهمة يعني إيه؟!"



تعليقات