رواية طيور تهوى الخداع الفصل التاسع 9 بقلم فاطمة عبد المنعم


 رواية طيور تهوى الخداع الفصل التاسع 

كانت أمنية "بلال" الوحيدة بعد خروجه من المشفى أن يبقى بمفرده، بعيدًا عن أي إزعاج أو أسئلة، وهو ما حرص "شهاب" على تحقيقه له.

جلس "بلال" على فراشه في الغرفة التي خصصها له عمه منذ سنوات، وللمرة الأولى أخذ يتأمل تفاصيلها، يقارن بينها وبين غرفته في منزل والده.

حرص "شهاب" على أن يجعل كل شيء فيها يشبه ابن شقيقه؛ من صور لاعبه المفضل المعلقة على الحائط، إلى كتب المغامرات المرتبة بعناية فوق المكتب، وبمرور عينيه على تفاصيلها، أدرك "بلال" أنها أكثر إبهارًا من غرفته في منزل والده، وربما لو رآها ابن خالته "مالك" لرفض مغادرتها إلى الأبد.

لكن، رغم كل شيء، كانت تفتقد شيئًا لا يعرف كيف يصفه،
تفتقد الدفء الذي كان يشعر به في كل ركن من أركان منزلهم، قبل أن ينقلب كل شيء رأسًا على عقب.

قطع شرود "بلال" دقات منتظمة على الباب، ظن أن الطارق "شهاب"، فسمح له بالدخول، لكنه فوجئ بوالده أمامه.
لم يرغب "بلال" في الحديث معه إلا أنه أدرك أنه لا مفر من ذلك حين أضاء "طارق" نور الغرفة، ثم جلس على الفراش أمامه وسأله:
عامل إيه دلوقتي يا "بلال"؟

_ كويس.

قالها باختصار، متجنبًا النظر إلى والده، فتنهد "طارق" بتعب قبل أن يقول:
طيب وبتكلمني وأنت مش بتبصلي ليه؟

رفع "بلال" عينيه إليه، فرأى في عيني والده حزنًا ويأسًا لم يعتدهما، لكنه لم يجد ما يقوله، أما "طارق" فربت على كتفه وسأله برفق:
أنت عارف إني مبحبش حد قدك صح ولا لا؟

_ أنا مبقتش عارف حاجه.
قالها "بلال" بنبرة بان فيها ضيقه، ثم أكمل للمرة الأولى بما ظل عاجزًا عن قوله طوال السنوات الماضية:
أنا كل اللي أعرفه إني بقالي كذا سنة مش مرتاح مع إنك يا بابا وعدتني إن مفيش حاجه هتتغير.

وصارحه بما يثقل صدره:
أنت كنت بتلومني على إن ماما مش عايزه تكمل مع إني مليش ذنب في ده، هتسمحلي بقى ألومك على إني طول الوقت بحاول مزعلكش ومزعلش ماما ومبعرفش؟

رأى "طارق" الألم يزداد في عيني ابنه وهو يضيف:
ألومك على إني كل يوم بقارن علاقتك أنت وماما دلوقتي بعلاقتكم زمان، وبيتنا دلوقتي ببيتنا زمان؟

تنهد "بلال" بتعب، ثم تابع:
أنتوا ولا عرفتوا ترجعوا زي الأول، ولا حتى عرفتوا تتعاملوا كويس، وعلى فكره يا بابا لما بتتخانقوا وتبقوا مفكرين إني مش عارف أو مش سامع أنا ببقى عارف وسامع.

لم يعد قادرًا على تحمل الأمر، فخرجت كلماته محملة بكل ما كتمه طويلًا:
وأنا مبقتش مستحمل أشوفكم كده، مش قادر أشوفكم طول الوقت بتتخانقوا على كل حاجه وأي حاجه، وأنا من ضمن الحاجات دي.

ثم قال بحزن شديد:
أنا زعلان من نفسي أوي علشان قاعد هنا وسايب ماما، بس أنا مبقتش عايز أدخل البيت، والحاجات اللي كنت بستحملها قبل كده مبقتش قادر استحملها، ومش عايزك تزعل، ومش هسيب ماما مهما حصل.

رافق العجز صوته وهو يقول:
لكن مبقتش عارف أعمل إيه.
عاد "بلال" إلى الهروب من نظرات والده بعدما قال كل ما استطاع قوله، ولم يعد قادرًا على إضافة كلمة أخرى.

أما "طارق" فظل يتأمله بألم، وهو يرى بوضوح حجم ما تركته خلافاته مع "نوارة" في ابنه، وتمنى لو أنه وافق على طلبها بالانفصال حين أصرت عليه في المرة الأولى؛ ربما كان ذلك سيجنب "بلال" رؤية كل تلك الشجارات، سواء من جانب أمه التي صارت تبغض حياتهما معًا، أو من جانبه هو بعدما أثقلته محاولات الإصلاح الفاشلة بينه وبين "نوارة"، بالتزامن مع تشتته بين حياته معها و"سهر".

تنهد "طارق" بقلة حيلة، ثم ربت على كف ابنه برفق وقال:
مش هقدر أوعدك تاني بحاجه علشان أخاف متحصلش وتحاسبني بعدين عليها.

رفع "بلال" عينيه إلى والده، الذي أكمل بابتسامة رغم الألم:
لكن أنا هحاول أصلح الأمور علشان منتخانقش تاني أنا وماما على أي حاجه ولا حتى عليك ويبقى اللي بينا الاحترام بس سواء كان قدامك أو من وراك.

هز "بلال" رأسه، متمنيًا أن يكون والده صادقًا هذه المرة، وقرر "طارق" مغادرة الغرفة، فاستقام واقفًا وأخبره:
أنا هسيبك دلوقتي بس إن شاء الله هتروح بالليل، كفاية قعدة هنا.

لم يعترض "بلال"، كان يريد العودة إلى أمه التي افتقدها بشدة خلال اليومين الماضيين، ويعرف أنها بالتأكيد حزينة لغيابه عن المنزل.

أما "طارق"، فنزل من غرفة ابنه إلى الصالة، حيث كان شقيقه يجلس مسترخيًا أمام التلفاز.

نظر إليه "شهاب" وسأله:
عملت إيه؟

_ اتكلمت معاه، وهو أحسن وهيرجع النهارده البيت.

لم يبد "شهاب" راضيًا عن قراره، فاعترض:
ما تسيبه قاعد يومين، "بلال" مضغوط وأعصابه تعبانه.

لكن رد "طارق" جاء في اتجاه آخر تمامًا:
أنا هطلق "نوارة".

ظهرت الصدمة على وجه "شهاب"، وقبل أن يتمكن من التعليق على قرار شقيقه، أكمل "طارق":
ومتقنعنيش باللي بقالك سنين بتقنعني بيه ومبيحصلش.

ابتسم "طارق" بحزن، وقال:
اهتمامي منساش "نوارة" حاجه، والسنين عدت وهي لسه واقفة عند نفس اليوم اللي عرفت فيه جوازي من "سهر".

رافقت الحسرة نبرته وهو يضيف:
حتى طلاقي لـ "سهر" مخلهاش تسامح، علشان كده أنا هعملها اللي هي عايزاه، مش هينفع أشوف ابني في الحالة دي بسببنا.

نظر إلى "شهاب" ثم هتف:
الوقت اللي قولتلي إنه هيخليها تعدي اللي حصل معملش أي حاجه غير إنه خلى "بلال" بقى كاره البيت ومش عايز يقعد فيه.

_ يعني بقت غلطتي علشان أقنعتها ساعتها متطلقش وقولتلك حاول تصلح؟

سأله "شهاب" باستنكار، فرد عليه "طارق" بضيق:
لا غلطتك ولا غلطتي، اللي باظ أنا هصلحه بنفسي، وكفايه أوي لحد كده.

طالبه "شهاب" برجاء:
طيب خلي "بلال" هنا اليومين دول بعيد عن أي حاجه هتحصل، ما أنت سمعت بنفسك كلام الدكتور، وأكيد هو مش هيكون سعيد يعني بطلاق أبوه وأمه.

وكأنه لم يسمع شيئًا مما قاله شقيقه، استقام "طارق" وتحرك نحو الباب تحت نظرات "شهاب"، وحين وصل إليه استدار وأكد:
بالليل هعدي أخد "بلال" يا "شهاب".
ثم رحل، تاركًا "شهاب" يغمض عينيه بضيق، ويتأفف بانزعاج من كل ما يحدث.

______________________________________________

الانفصال... كان هذا أكثر ما تمنته "نوارة" خلال الفترة الأخيرة. حاربت زوجها بشدة منذ علمت بارتباطه بأخرى، وتمسكت بطلب الطلاق رغم رفضه وتعنته لسنوات، وها هي الآن تجلس أمامه في صالة منزلهما، تنتظر وصول الشيخ لإتمام انفصالهما.

خلال ذلك الوقت عادت بذاكرتها إلى حياتهما معًا، وفكرت طويلًا في أثر هذا القرار على ابنها، وتساءلت إن كانت قد ظلمت والد "بلال" حين عجزت عن مسامحته، هل حرمت "بلال" من حياته القديمة حين رفضت محاولات والده في الإصلاح ولم ترضخ للأمر الواقع؟، وهل ظلمت "طارق" وابنها بعنادها، أم أن زوجها هو من تجنى عليها وقتل شيئًا بداخلها، حتى أصبحت تعيش بجسد حاضر وروح غائبة؟

تابعت "أميرة" شقيقتها بعينين امتلأتا بالشفقة، وتمنت لو أنها لم تضطر يومًا إلى خوض كل هذا الألم، أما "طارق" فاستدار نحو زوجته، ورأى في عينيها ما أخبره بأنها حسمت أمرها، ومع ذلك قال:
لأخر مره بقولك يا "نوارة" إني باقي عليكي، وعايزك.

قررت "أميرة" أن تتركهما وحدهما في تلك اللحظة، بينما لم تمنحه "نوارة" ردًا، اختارت الصمت بعدما أدركت أن الحديث لن يغير شيئًا على عكسه إذ تابع محاولته الأخيرة:
تعالي نحاول ننسى كل حاجه حصلت في وقت كنا غضبانين فيه، ونبدأ من حديد علشان "بلال".

_ احنا لو كملنا يا "طارق" محدش هيتأذي غير "بلال".

قالتها بتعب، ثم أخبرته بما قتل آخر ما تبقى من أمل داخله:
وهكررهالك تاني لو قولتلك إني هقدر أنسى ونرجع زي ما كنا هبقى بكذب عليك.

هز رأسه موافقًا، ودموعه تلمع في عينيه، ثم أبعد نظراته عنها وهو يخبرها:
أنا هعملك اللي أنتِ عايزاه، واطمني مصاريفك ومصاريف بلال وإيمان هتفضل زي ما هي.

ردت عليه بحزن:
أنا مش عايزه حاجه، كفايه بس مصاريف "بلال".

تجاهل رغبتها وأكمل، يخبرها بما سيحدث بعد انفصالهما:
الخميس بعد المدرسة هاخد "بلال"، والسبت هرجعه، والنقطة دي بالذات يا "نوارة" مفيش نقاش فيها.

وافقت، ومنعت نفسها من سؤاله إن كان سيعود إلى "سهر"، وإن كان سيستضيف ابنه عندها، حتى لا يزيد ذلك من توتر الأمور بينهما، وارتاح "طارق" لصمتها، فأضاف باهتمام:
ولو احتاجتي أي حاجه أنا موجود.

وقبل أن ينزل إلى الأسفل لانتظار الشيخ ألقى على مسامعها:
وخليكي فاكره إني كنت أقدر أعمل حاجات كتير أوي يا "نوارة" من زمان ومعملتهاش.

_ حاجات زي إنك تاخد ابنك وهو أصغر في وقت أنا مش هقدر عليك فيه علشان تنسيه أمه وتندمها على إنها سابتك... مش كده يا "طارق"؟

كانت تعرف جيدًا ما يقصده، والنظرة القاسية التي استقرت في عينيه الآن أخبرتها بكل شيء، لذلك قالت بابتسامة ساخرة:
كتر خيرك، بس لو فاكر إنك لو عملت كده كنت هعقل زي ما أنت حابب وأرجعلك يبقى ريح نفسك لإنه مكانش هيحصل.

ثم قالت بنبرة حملت قهر سنوات كاملة:
خلينا ننهي اللي بينا دلوقتي يمكن نقدر بعد كده نبص في وش بعض باحترام علشان خاطر ابننا.

هذه المرة لم يرد "طارق"، أدرك أن هذه هي النهاية فغادر المنزل دون كلمة أخرى، بينما تركت "نوارة" لدموعها العنان.

وفي اللحظة ذاتها، عاد كل منهما بذاكرته إلى البداية.
شرد "طارق" في الأيام الأولى من زواجهما، وفي السعادة التي عاشها برفقة "نوارة"، تذكر ميلاد "بلال"، فرحتهما الأكبر، وكيف كان كل منهما يبذل أقصى ما لديه ليتعاملا مع صغيرهما كما ينبغي، يومها كان الدفء يملأ منزلهما، ولم يكن لسوء الفهم أو النزاع مكان بينهما.

أما الآن، فلم يستطع "طارق" أن يصدق أنها فرطت في كل ذلك ورفضت أن تمنح حياتهما فرصة أخرى، بينما لم تستطع "نوارة" أن تصدق أن من أحبته واختارته فرّط في كل ما جمعهما حين ارتبط بـ"سهر"، ظنًا منه أنه يستطيع أن يحتفظ بكل شيء.

حضر الشيخ أخيرًا، وجلست "أميرة" إلى جوار شقيقتها لتساندها، حاول الشيخ نصحهما بالتراجع، للحظات عاد الأمل إلى قلب "طارق" لكنه لم يلبث أن انطفأ حين قالت "نوارة":
احنا اتفقنا على كل حاجه، وخلاص الموضوع منتهي.

طالعها "طارق" بخذلان، لكنها هربت بعينيها منه.
مرت عليها تلك اللحظات بصعوبة، خاصة حين كرر "طارق" خلف المأذون كلمات الطلاق، رأت في عينيه الدامعتين سنوات عمرهما معًا، وتذكرت كل ما كان بينهما، ثم أدركت أن كل ذلك انتهى.

رحل الشيخ، وتم الانفصال، وسيستلمان الأوراق الرسمية بعد أيام، ولم يعد يربطهما بعد الآن سوى "بلال".
ربتت "أميرة" برفق على كتف شقيقتها، التي انهمرت دموعها بقهر، وللمرة الأولى شعرت أميرة بالشفقة تجاه "طارق" أيضًا بعدما ظل جالسًا في مكانه يطالع الأرض بحسرة رجل أدرك أنه خسر كل شيء.

لم يرفع رأسه إلا حين سمع صوت الصغيرة "إيمان"، التي خرجت من غرفتها للتو ونادته:
عمو "طارق".

رسم بصعوبة ابتسامة على وجهه، ثم تناول كفها الصغير وسألها:
إيه يا حبيبتي؟

_ هو أنت كده مش هتيجي هنا تاني؟

سألته بعينين حزينتين فمنذ ولادتها لم تعرف أبًا سواه، أغدق عليها حنانه، ولم يفرق بينها وبين ابنه يومًا، وأحبها هو الآخر، ولم ينس للحظة وصية أمها الراحلة له بشأنها.

مسح على خصلاتها ورد عليها برفق:
لأ طبعًا هاجي، وكل أجازة هاخدك أنتِ و"بلال" ونخرج نتفسح زي ما متعودين.

اقترحت عليه بعينين دامعتين:
طيب ما خلاص متمشيش، ليه أنت وماما هتسيبوا بعض؟

ثم نظرت إلى كليهما وأضافت:
أنا بحبك وبحبها، وعايزه كلنا نبقى سوا.

_ مش احنا اتكلمنا في الموضوع ده يا "إيمان" يا حبيبتي؟

سألتها "أميرة" بهدوء، فنظرت إليها "إيمان" وقالت معبرة عن خوفها:
يعني هو عمو طارق هيمشي، وكده ماما كمان ممكن تمشي، وأنا هفضل لوحدي.

أسرعت "نوارة" إلى طمأنتها، وأشارت إليها لتأتي نحوها، ثم ربتت على ظهرها وقالت:
لأ طبعًا محدش هيمشي ويسيبك، وأنا هفضل جنبك طول عمري، وبعدين زي ما عمو "طارق" قالك هو هيجي وهياخدك أنتِ و"بلال" وتخرجوا، ومفيش حد هيسيبك لوحدك أبدًا يا موني.

أومأت الصغيرة رغم حزنها، ثم احتضنت "نوارة"، أما "طارق" فلم يتحمل البقاء أكثر فأخبرهما بهدوء:
بالليل أو بالكتير أوي بكرا هجيب "بلال" من عند "شهاب".

ثم استقام واقفًا وتحرك نحو الباب، توقف للحظات قبل أن يغادر، وألقى نظرة أخيرة على المكان؛ على البيت الذي شهد سنوات عمرهما، وعلى المرأة التي لم يرافقها منذ ما فعله بها سوى الخذلان، ثم خرج تاركًا خلفه "نوارة"، التي لم تعد تتمنى سوى أن تهدأ حياتها قليلًا، وأن تحصل على قسط من الراحة بعد تحررها منه، لعلها تستطيع بعدها أن تواجه كل هذا الألم.

________________________________________________

تأتي علينا أوقات نتمنى فيها لو نتلاشى، لا لأننا نرغب في الموت، وإنما لأننا نعجز عن احتمال ما نشعر به.
كان "طارق" يعيش واحدة من تلك اللحظات؛ يتجول بسيارته في الطرقات دون وجهة، ولا يفكر في شيء سوى ما خسره.. في البداية خسر "سهر"، والآن فارقته "نوارة" أيضًا، ولم يبقَ له سوى الحسرة على ما آل إليه كل شيء.

قرر العودة إلى المنزل الذي كان يعيش فيه مع "سهر"، بعدما ظن أنها غادرته. أوقف سيارته وصعد إلى الشقة، لكنه فوجئ بوجودها. 

كانت تجلس على إحدى أرائك الصالة، ويبدو أنها لم تتوقع رؤيته؛ ظهر ذلك جليًا حين سألته بحدة:
جاي ليه يا "طارق"؟

_ ده بيتي، وأنا اللي مأجره.

قالها ببساطة، فردت عليه بانزعاج:
لأ خلاص أنا بعفيك من إيجاره، أعتبره من النهارده بيتي، وبالمناسبة أنا عايزه حقوقي كاملة مش ناقصة مليم.

سألها ساخرًا:
وإيه كمان؟

وبالنبرة ذاتها ردت عليه:
عندك حق، لازم يبقى في كمان، على الأقل كنت تشتري الشقة دي وتكتبهالي زي ما عملت لغيري، بس مش مشكلة أنا مش عايزه.

اقترب من مكان جلوسها، وانحنى قليلًا نحوها، فنظرت إليه بارتباك، ولم تصدق ما سمعته حين قال:
غيرك دي اتطلقت خلاص فشيليها من دماغك بقى.
تجمدت "سهر" للحظات.

هل انفصل عن "نوارة" حقًا؟
ظهر السؤال في عينيها، بينما ابتعد "طارق" عنها وجلس على الأريكة المقابلة، أسند رأسه إلى الخلف وأغمض عينيه بتعب، ثم قال:
أنا هبات هنا النهارده.

ردت عليه، ولا يزال التوتر يرافق نبرتها بعد خبر طلاقه الذي سمعته منه للتو:
تبات هنا ازاي وأنا موجودة؟

_ أنتِ نسيتي إنك لسه في العده ولا إيه؟

لم تجبه، فأكمل دون أن يفتح عينيه:
وبعدين أنا مكنتش أعرف إنك لسه هنا.

عاد الصمت إلى المكان، لم يكن "طارق" يريد شيئًا سوى النوم، ربما يتمكن من إيقاف كل ما يدور في رأسه.
تأملته "سهر" طويلًا، ورأت الحزن وقد استقر على ملامحه، فبدا أكبر من عمره بأعوام.

مرت ساعة كاملة وهو على حاله حتى غلبت الشفقة "سهر" فاقتربت منه، وربتت على كتفه برفق ونادته:
"طارق".

فتح عينيه من غفوته وطالعها، فقالت بهدوء:
قوم نام على السرير.

علق ساخرًا:
كتر خيرك والله، كنت فاكر إني مبقتش فارق مع حد.

نظرت إليه بعينين بان فيهما ألمها، وردت:
لأ يا "طارق" أنت فارق معايا، وزعلانه على حالتك دي، لكن أنت اللي كذا مره تثبتلي إني مش فارقة معاك.

ابتلعت غصة مريرة، وأضافت وهي تراه يطالعها باهتمام:
ورغم كسرتي منك بس مش هاين عليا أسيبك وأنزل دلوقتي وأنت كده.

تنهدت بثقل، ثم قالت:
علشان للأسف بحبك.

استدارت لتغادر، لكن قبضته أوقفتها، إذ أمسك بذراعها وجذبها نحوه.
لم تمنحه فرصة للتراجع، احتضنته بكل ما تملك من قوة، وانهمرت دموعها وهي تتمسك به كأنها تخشى أن يفلت منها مرة أخرى.

وفي اللحظة ذاتها، تمنى "طارق" لو كانت "نوارة" هي من تفعل ذلك.
تمنى لو تمسكت به كما تتمسك به "سهر" الآن، ولو غفرت له ما تراه خطيئة، ولو جعلت حبه في كفة، وكل ما فعله في الكفة الأخرى، ثم اختارت حبه، لكن "نوارة" اختارت الرحيل، بينما بقيت "سهر" إلى جواره.

ومع ذلك لم يشعر "طارق" أن وجود "سهر" إلى جواره يعوض خسارته، حتى وهو بين ذراعيها، ظل جزء منه عالقًا عند المرأة التي فارقته منذ ساعات، عند "نوارة".

حارب هذا الجزء  بأن أحاط "سهر" بذراعيه هو الآخر، وقرر أن ينسى الليلة كل شيء، وأن يتشبث بهذه اللحظة وحدها، ولو إلى حين.

_____________________________________________

الخذلان من أسوأ المشاعر التي قد يمر بها الإنسان، وكان ذلك تمامًا ما شعرت به "سما" بعدما خرجت برفقة والدها، الذي وعدها بقضاء اليوم معها بين النادي والتنزه، ورغم انشغاله فور وصولهما بالحديث مع صديقه الذي انضم إليهما حاولت أن تحافظ على هدوئها وألا تسمح لخيبة أملها بإفساد اليوم.
 جلست تحتسي مشروبها الذي طلبه لها والدها في صمت، حتى قطع أحد الاتصالات لحظتها، واهتز قلبها وهي تسمع أبيها يقول:
أنا جاي حالا.

سأله صديقه الجالس على المقعد المقابل له:
في إيه يا "خالد"؟

_ مشكلة في الشغل.

قالها وهو يجمع مقتنياته التي وضعها على الطاولة، بينما سألته ابنته بحيرة:
يعني مش هنخرج يا بابا؟

لم يجبها، واكتفى بأن قال لصديقه المقرب:
معلش يا "صلاح"، ياريت توصل "سما".

ظهر الانزعاج على وجهها بوضوح، خاصة أنه لم يكلف نفسه حتى عناء الاعتذار لها، وها هي الآن تعود إلى المنزل برفقة "صلاح"، صديق والدها المقرب، الذي سألها بابتسامة أثناء قيادته للسيارة:
زعلانة ليه يا سيمو؟

_ مش زعلانة ولا حاجة يا عمو.

قالتها بهدوء، ثم عادت تحدق عبر النافذة، تتابع الطريق في صمت، حتى قطع شرودها شعورها بيد "صلاح" تربت على ذراعها، قبل أن تسمعه يقول:
مش عايزك تضايقي من بابا، هو بس مشغول اليومين دول، ولو تحبي أنا ممكن أخرجك بنفسي.

نظرت إليه، لكنها لم ترتح لنظراته، ولا ليده التي استقرت على ذراعها، ابتلعت ريقها بتوتر ثم أبعدت ذراعها عنه وقالت:
لأ شكرًا، عايزة أروح.

توقفت السيارة فجأة فتضاعف ارتباكها وهي تلتفت حولها، فلم تجد سوى طريق غارق في الظلام، وفي اللحظة نفسها أصبحت لمسات الجالس إلى جوارها أكثر جرأة، وامتدت أنامله إلى وجهها بينما تابع:
أنتِ متعرفيش غلاوتك عندي يا "سما".

احتدت نظراتها وأبعدت يده عنها، متجاهلة كلماته، ثم قالت بسرعة:
عمو ممكن نمشي من هنا، حضرتك وقفت ليه؟

وكأنه لم يسمعها، مال نحوها، فابتعدت عنه في ذعر وصرخت، لكنه بادرها بنبرة خبيثة:
مالك بس يا حبيبتي، كان في حاجة على شعرك بشيلها، متخافيش.

ثم ابتعد عنها وقال بابتسامة:
هروحك حالا.

هزت رأسها موافقة، وقد غلبها الخوف، بينما ارتجف جسدها دون أن تملك القدرة على إخفاء ذلك، عادت أنامله تتجول على وجهها، وتوقفت قرب شفتيها، وهو يقول:
مش عايزك تخافي من أي حاجة وأنتِ معايا أبدًا، مش أنا زي بابا ولا إيه؟

لم تجد "سما" ما تفعله سوى أن توافقه في كل ما يقول، وتسايره حتى تصل إلى المنزل بسلام، وبالفعل أبعد يده عنها وعاد إلى قيادة السيارة.

أما هي، فظلت أنفاسها متسارعة، تحدق من النافذة في الطريق المظلم، عاجزة عن استيعاب ما حدث قبل دقائق، لم تعد تفكر في النادي، ولا في وعد والدها الذي أخلفه، ولم يعد يعنيها سوى شيء واحد؛ أن تصل إلى المنزل.

______________________________________________

تمر الأعوام، ونحيا بعدما أقسمنا في أشد لحظات ألمنا أننا لن نستطيع العيش من جديد، لكن تلك هي الحياة؛ تقتلنا في الصباح، ثم تدفعنا في المساء إلى الركض فيها بما تبقى لنا من أنفاس.

كانت "أميرة" ترتب منزلها بمساعدة ابنة زوجها، التي لم تعد تلك الصغيرة المشاغبة بل أصبحت شابة يافعة لا تتركها أبدًا

قالت "رنا" لزوجة أبيها بتذمر:
أنا تعبت بقى، هقعد أريح.

_ تعبتي إيه يا بت؟ هو أنتِ عملتي حاجة؟

قالتها "أميرة" باعتراض، فردت "رنا" وهي تجلس على الأريكة:
أنا من الصبح بعمل ومش عاجبك.

ثم تناولت "رنا" هاتفها، وما إن رأت رسالة وصلت إليها من "علي" حتى اتسعت ابتسامتها دون إرادة منها:
وحشتيني.

أرسلت إليه بغيظ:
وكنت واقف مع بنت أم حنان ليه لما أنا وحشتك؟

فأسرع ينفي عن نفسه أي صلة بتلك الفتاة:
والله كانت عايزاني أصلحلهم عدة، وبعدين كده تشكي فيا برضو؟

تدللت عليه وأرسلت:
مش مصدقاك.

اتسعت ضحكتها أكثر وهي تقرأ رده:
يا بت هبصلها ليه وأنا معايا أحلى واحدة في البنات كلهم؟

ثم كتب لها بحب صادق:
ده أنا لو خيروني بينهم كلهم وبينك هختارك أنتِ.

_ يا سلام يا أخويا، برضو مش مصدقاك.

لكن رده هذه المرة جعلها تشحب خوفًا:
يارب لو بكدب عليكي أمـ.وت دلوقتي.

كتبت له سريعًا، محاولةً ردعه:
بلاش الدعوات دي يا "علي"، بعد الشر عليك.

وجاءها رسالته التي أعادت الابتسامة إلى وجهها من جديد:
خلاص يبقى يارب أتجوزك دلوقتي يا "رنا" يا بنت عبد الكريم.

انتبهت "أميرة" إلى حالة ابنة زوجها، فاقتربت منها وجذبت الهاتف من يدها فجأة، وما إن وقعت عيناها على الرسائل حتى تيقنت أن "علي" هو من يرسل إليها، فوبختها:
أهو ده اللي أنتِ فالحة فيه، الحب والخيابة.

ثم توعدتهما بغضب:
أنا هوريكي وهوريه.

وقبل أن تتمكن "رنا" من الرد، تعالت طرقات متلاحقة على باب المنزل، فاتجهت "أميرة" إلى الباب، وهي تقول بقلق:
خير يا رب، مين اللي بيخبط كده بس؟

وما إن فتحته حتى وجدت أمامها أحد شباب الحارة الذين تعرفهم لصداقتهم بابنها، كان يلهث بشدة، وكأنما قطع الطريق إليها راكضًا قبل أن يخبرها بما حدث:
ألحقي يا خالتي أميرة، بيقولوا عمي عبد الكريم وراضي عملوا حادثة على الطريق، ونقلوهم المستشفى.

_ مين اللي قال كده يا واد؟

سألته بفزع، بينما هرولت "رنا" لتقف إلى جوارها، عندها أخبرها:
كله برا بيتكلم، وأمي بعتتني أبلغك علشان سمعنا إن...

توقف عن إكمال حديثه، لكن "أميرة" لم تحتمل انتظاره، فخرجت من المنزل مسرعة، وهي تصرخ فيه:
أنطق قول سمعت إيه؟

خفض الشاب عينيه بأسى، ثم قال بصوت خافت:
إن عم عبد الكريم... تعيشي أنتِ.

تجمدت "رنا" في مكانها، وكأن الكلمات سلبتها القدرة على الحركة، ثم ترنحت وكادت تسقط مغشيًا عليها.
أما "أميرة" فلم تنتظر لحظة أخرى، بل هرولت لتتيقن مما عرفته، كانت تركض وهي تتشبث بأمل صغير، وتحاول بكل ما أوتيت من قوة أن تكذب الحقيقة، أن تقنع نفسها أن الحياة بعدما أخذت منها الكثير، لن تكون قاسية إلى هذا الحد... وأنها ولو لمرة واحدة، ستترك لها فرصة لتتنفس.


تعليقات