رواية درة الجبالي الفصل التاسع 9 بقلم نور محمد


 رواية درة الجبالي الفصل التاسع 

"يا عمدة... إحنا عملنا اللي علينا، بس الحالة كانت صعبة جوي... النزيف كان شديد، واضطرينا نختار بين الأم والجنين... المدام درة كانت واعية للحظة، مسكت في يدي وحلفتني برحمة أغلى ما عندي إننا ننقذ الواد حتى لو على حساب حياتها..."

​الدكتور سكت ورجع لورا مرعوب من ملامح "عزيز الجبالي" اللي اتحولت في ثانية لعاصفة. عينين عزيز وسعت كأنها هتخرج من مكانها، ومد إيديه الضخمة مسك الدكتور من بالطوه الأبيض ورفعه من على الأرض كأنه حتة قماشة.

​"إنت بتجول إيه يا حكيم الغبرة؟! مرتي ماتت؟! جُسماً بالله العظيم لو درة جرالها حاجة لأهد المستشفى دي على نفوخكم كلكم وأحرج البلد باللي فيها! انطج يا كلب، درة فين؟!" صوته رج المستشفى كلها وجمع الناس مرعوبة.

​"يا بيه نزلني أبوس يدك، أنا مجولتش ماتت!" صرخ الدكتور وهو بينهج، "المدام عايشة يا عمدة! جدرنا نسيطر على النزيف في آخر لحظة بأعجوبة، بس هي فقدت دم كتير ودخلت في غيبوبة مؤقتة. والولد... بخير بس ضعيف شوية ومحطوط في الحضانة. الاتنين عايشين يا بيه!"

​عزيز ساب الدكتور فجأة فوقع على الأرض. رجع عزيز لورا وسند ضهره العريض على الحيطة وخبى وشه بين إيديه، وطلع تنهيدة شايلة كل وجع الدنيا. دموعه نزلت تاني بس المرة دي دموع الفرج؛ لسة فاقد أمه، ومكانش هيستحمل يفقد قلبه كمان.

​"عايز أشوفها... دلوك." همس عزيز بصوت مبحوح مفيهوش نقاش.

"بس يا عمدة هي في العناية وممنوع..."

"جولت عايز أشوفها! وسع من طريجي."

​محدش قدر يمنعه. لبس البالطو المعقم ودخل العناية. صوت أجهزة النبض كان هو الوحيد اللي كاسر الصمت. مشي بخطوات بطيئة، قلبه مرعوب يشوفها بالضعف ده. درة كانت نايمة، وشها الخَمري بهتان زي التلج، وشعرها متنعكش بتعب، والأسلاك محاوطاها.

​عزيز الجبل، عمدة الجبالية، وقع على ركبه جنب سريرها زي العيل الصغير. مسك إيديها الباردة وباسها ودفن وشه فيها.

​"إكده يا درة؟ إكده كنتي رايدة تسيبيني وتمشي؟ عايزة تدي روحك لابننا وتحرميني منيكي؟ إنتي خابرة زِين إني ماليش حياة من غيرك. الواد والبلد والدنيا كلها ما يساووش ضفرك عندي. جومي يا بت محمود... جومي يا بكرية جلبي ونور عيني، عزيز مكسور من غيرك، أمي راحت، ولو إنتي كمان روحتي، هسكن الجبر جابلك."

​فضل جنبها طول الليل، لا بياكل ولا بيشرب ولا حتى رضي يقعد على كرسي. راكع بيقرأ قرآن وبيدعي ربنا يردلها روحها. ومع أول ضوء للفجر، حس بضغطة خفيفة أوي من صوابعها. رفع راسه بسرعة، لقى رموشها بترتعش وبتفتح عينيها ببطء، وبصت لعينيه المليانة دموع.

​"عـ.. عزيز..." همست بصوت ضعيف.

ابتسم عزيز ابتسامة عريضة وباس جبينها وخدودها بلهفة واحد اتولد من جديد.

"يا روح عزيز.. يا جلب عزيز.. أنا إهنه يا درتي، أنا جارك."

​درة حاولت تبتسم بس الوجع كان شديد، وسألته بلهفة: "الواد... ولدي يا عزيز... ابني حصله حاجة؟"

مسك وشها بحنان: "ولدنا زِين ومفوش حاجة. راجل جُد الدنيا بيشبهك. في الحضانة دلوك عشان نزل بدري، بس الحكيم بيجول إنه بطل وبيكافح. إنتي اللي كنتي هتروحي مني يا درة! ليه جولتي للحكيم يضحي بيكي عشانه؟"

​نزلت دمعة من عينها وقالت: "عشان ده حتة منيك يا عزيز. ده الوريث اللي بتتمناه، وده ثمرة عشجنا. مكنتش هسامح نفسي لو عشت وهو مات."

"وأنا كنت هحرج الدنيا باللي فيها لو إنتي سبتيني!" قالها بانفعال وبعدين مسح دموعها براحة، "أوعي تفكري تضحي بروحك تاني. إنتي عندي بالدنيا كلها. ربنا رزجني بيكي عشان يحيني، مش عشان يموتني."

​عدت 4 أيام ودرة اتحسنت، والطفل شد حيله وخرج من الحضانة. عزيز شاله بحذر كأنه شايل قنبلة، وبص لملامحه اللي واخدة شعر عزيز الكثيف وهدوء ملامح درة.

"هنسميه إيه يا عمدة؟" سألته درة وهي ساندة على كتفه.

"هنسميه 'رحيم'.. عشان ربنا رحم جلبي بيكي، وعشان إنتي اللي دخلتي الرحمة والمغفرة لسراية الجبالي."

ابتسمت درة: "أحلى اسم في الدنيا يا أبو رحيم."

​الرجوع للسرايا كان موكب . ورغم حداد عزيز على أمه، رفض يحرم درة من فرحة سلامتها ووريثه. مفيش طبل ولا مزيكا احتراما للموت، بس السرايا كلها اتنورت والسجاد اتفرش واللحمة اتوزعت على فقرا قنا وإسنا. أول ما دخلوا، الغفر والخدم رشوا ورد أبيض.

​"حمد الله على السلامة يا ست الدار، نورتي مطرحك، وخطوة عزيزة للبيه الصغير." قالها رضوان بدموع الفرحة.

​عزيز شال درة وطلع بيها السلالم، وخدامة أمينة شايلة "رحيم" وراهم. الجناح كان حتة من الجنة؛ ورد ومسك وعود، وسرير ملكي صغير متزين بالدهب للولد. عزيز نيم درة براحة، وحط الولد في سريره بعد ما نام، ومشى الخدامة وقفل الباب.

​قعد جنب درة وبدأ يفك زراير عبايتها بهدوء وحنان وعينيه في عينيها.

"إنت بتعمل إيه يا عزيز؟" سألته درة بخجل.

"بهتم بمرتي وست جلبي." قالها وهو بيقلعها العباية عشان تفضل بقميص أبيض ناعم، "إنتي تعبتي جوي الأيام اللي فاتت، والحكيم جال إنك محتاجة راحة ودلع.. وأنا إهنه عشان أدلعك وأخدمك بعنيا."

​درة اتصدمت. العمدة بيخدمها بنفسه!

"يا عزيز ميصحش، أنا هنده للخدامة تغيرلي وتساعدني."

حط صباعه على شفايفها: "مفيش مخلوج يلمس شعرة منيكي غيري. جسمك ديه ملكي أنا، وراحتك دي مسئوليتي. إنتي شيلتي ابني في بطنك، وواجهتي الموت عشاني، لو فرشتلك الأرض رموش عيني مش هوفيكي حجك."

​قام جاب ميه دافية بورد وفوطة، وبدأ يمسح وشها ورقبتها ودرعاتها بحنان طهرها من وجع المستشفى. لمساته كانت ميكس غريب بين قسوة الرجولة ورقة مابتطلعش غير ليها. درة غمضت عينيها واستسلمت. شفايفه باسة كتفها ورقبتها، ففتحت عينيها لقت عينيه بتطق شرار شوق.

"وحشتيني يا درة. وحشني حضنك اللي بيرد فيا الروح. أنا صابر على بُعدك بالعافية الأيام اللي فاتت دي."

لفت إيديها حوالين رقبته بدلال: "وأنا بين إيديك أهو يا حبيبي.. مفيش حاجة هتبعدنا تاني."

عزيز مال عليها في بوسة لخصت كل الشوق والخوف والحب.

​بعد أسبوعين..

درة خفت خالص، والسرايا رجعت تنبض بضحك "رحيم". عزيز كان مابيفارقهمش. وفي يوم العصر، دخل الجناح لابس جلابية كحلي بتزيده هيبة ومبتسم.

"جهزي حالك يا درة، والبسي أحسن عباية عندك. عاملين غدوة كبيرة في ساحة السرايا بره، وكبارات البلد كلهم معزومين."

"غدوة إيه يا عزيز؟ بمناسبة إيه؟ إحنا دبحنا يوم ما رجعنا، وأمك لسة متوفية من جريب."

باسها من خدها وهو حاضنها من ضهرها: "بمناسبة إن عزيز الجبالي هيرد مجام مرته جُدام الصعيد كله. البسي بس وما تسأليش كتير."

​لبست عباية عنابي مطرزة بدهب ونزلت معاه. الساحة بره كانت مهيبة؛ موائد طويلة، وكبارات قنا وإسنا قاعدين. أول ما عزيز ودرة ظهروا، الكل وقف احترام. قعدوا في الصدر، ووقت القهوة، عزيز وقف.. والكل سكت.

​"يا رجالة الصعيد، يا كبارات وعواجل البلد." بدأ كلامه بنبرة حاسمة، "إنتو خابرين زِين مين هو عزيز الجبالي. خابرين جساوتي جبل حنيتي، وخابرين إن كلمتي سيف على رجبة التخين."

درة كانت بتبصله ومحبوسة الأنفاس.

"أنا لفيت ورا متع الدنيا سنين، واتجوزت وطلجت ومحدش كسر عيني. بس جُدامكم دلوك، وبكامل وعيي، أنا بعلن إن عزيز الجبالي تاب، وتاب على يد ست الستات، درة بنت محمود، مرتي وأم ولدي رحيم."

​الناس بدأت تتهامس بإعجاب، بس عزيز رفع إيده سكتهم وكمل:

"عشان إكده، وتكريماً للست اللي فدتني بروحها، واللي صانت اسمي وعرضي... أنا كِتبت نص أملاكي، نص أراضي الجبالية، ونص السرايا دي، باسم 'درة محمود'. ومحدش في البلد دي يجدر يمضي ورجة أو يبيع شبر من غير ختمها جارد ختمي!"

​درة شهقت من الصدمة. نص ثروته؟ الدنجوان بيشاركها إمبراطوريته؟ المجلس اتقلب مباركات وتهليل. عزيز بصلها وغمزلها، بس قبل ما الفرحة تكمل..

عربيات زمرت جامد، وعربية سودا ضخمة وقفت قدام البوابة ونزل منها رجالة ملثمين ومسلحين. عزيز قام زي الأسد سحب طبنجته وصرخ: "احرسوا ست الدار! السلاح يا رجالة!"

​الغفر رفعوا البنادق، ودرة استخبت ورا عزيز مرعوبة. واحد من الملثمين قدم بخطوات واثقة من غير سلاح، وقف في النص ورفع اللثام عن وشه.

عزيز اتصدم مكانه، ودرة صرخت صرخة مكتومة ووقعت المروحة من إيدها وحست إن الأرض بتنشق تبلعها.

​الشخص ده مكانش غريب ولا عدو.. ده واحد رجع من الموت! "صالح".. ابن عم درة وجوزها الأولاني اللي عاشت تبكيه سنة بحالها وافتكرته مات في حادثة!

صالح واقف حي، بوش مليان جروح قديمة، وعينين بتطق شرار وانتقام. بص لدرة وبعدين لعزيز وقال بصوت بارد زي الموت:

​"عمار يا سراية الجبالي... بتباركوا للعمدة على مراته وأم ولده؟ بس العمدة نسي يسأل الأول... إذا كانت الأرملة اللي اتجوزها... جوزها مات بجد، ولا لساته حي، وهي على ذمته وذمة الجبالي في نفس الوجت!"

​السرايا اتحولت والدم نشف في العروق. صالح عايش؟ درة على ذمة راجلين؟

تعليقات