رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الخاتمة الثالثة بقلم سيلا وليد


 رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الخاتمة الثالثة 

"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين "


ما بدأ يومًا لا بد أن يبلغ منتهاه، لكن هل يكون هذا حقًا هو المنتهى؟

ربما ظننتم أنكم وصلتم إلى السطر الأخير، وأن الحكاية بلغت موضعها الذي لا يليه شيء، وأن الوقت قد حان أخيرًا لتُغلق الصفحات وتبقى كل التفاصيل حبيسة ما قرأتموه. لكن يبدو أننا استعجلنا الوصول إلى النهاية…

خاتمتان سبقتا هذه اللحظة، وفي كل مرة بدا أن الحكاية قد استنفدت ما لديها، وأن الطريق لم يعد يحمل مفاجآت أخرى. كنا نضع النقطة الأخيرة، نلتفت خلفنا، ونعتقد أن كل شيء أصبح في مكانه الصحيح.

إلا أن بعض الحكايات لا تنصاع للنقاط الأخيرة.

تترك دائمًا شيئًا ما خلفها؛ سؤالًا لم يُجب عنه، بابًا لم يُفتح، أو حقيقةً اختارت أن تنتظر حتى نظن أننا انتهينا.

ولهذا، إن كنتم قد وصلتم إلى هنا معتقدين أنكم تقرؤون الخاتمة الثالثة والأخيرة، فدعوني أخبركم بشيء ربما لم يكن في حسبانكم…

أن ما حسبناه آخر الحكاية، لم يكن سوى الطريق إلى ما تبقّى منها.

وصل عمران إلى المشفى، وأدخلها إلى غرفة الفحص، وظلَّ إلى جوارها،  
لم تمضِ سوى دقائق حتى دلفت الممرِّضة إلى الغرفة:
ـ الدكتور جاي خلال خمس دقايق.
رفع عمران عينيه إليها، ثم سألها بهدوء:
ـ مفيش دكتورة؟
هزَّت الممرضة رأسها معتذرة:
ـ لا يا فندم، كلُّه مشغول.
ما إن سمعت فرح كلماته حتى انقبض قلبها، وشعرت بتوتُّر يزحف إلى ملامحها..تشبَّثت بذراع عمران، وهمست بصوتٍ خافتٍ متعب:
ـ روَّحني...مش عايزة دكتور، أنا كويسة.
تراجع عمران نحوها، وانحنى قليلًا حتى أصبح في مستوى عينيها، وكأنَّ كل ما حولهما لم يعد يعنيه بقدر خوفها الذي رآه في عينيها.
وقال بنبرةٍ هادئة تحمل إليها شيئًا من الطمأنينة:
ـ نطمِّن عليكي الأوَّل، وبعدها أبقى أروَّحك بنفسي.
هزَّت رأسها برفض، وازدادت ملامحها توتُّرًا:
ـ عمران..أنا كويسة.
توقَّف للحظة عند اسمه الذي خرج من بين شفتيها مجرَّدًا من كل الألقاب، فارتسمت على شفتيه ابتسامة صغيرة، وخفق قلبه:
ـ متخافيش...أنا معاكي.
وقبل أن تجيبه، دلف الطبيب إلى الغرفة برفقة الممرِّضة.
تراجعت فرح قليلًا إلى الخلف، بينما وقف عمران إلى جوارها، وعيناه لا تفارقان وجهها، يراقب كل ارتجافة في ملامحها. 
أشارت الممرِّضة إلى الفراش:
ـ اتفضلي يا مدام، علشان الدكتور يكشف..ثم نظرت إلى عمران: 
_لو هيَّ مش عايزة أساعدها ممكن حضرتك تساعد مراتك. 
اتَّسعت عينا فرح فجأة، ونظرت إليها بإرهاقٍ شديد، ثم تمتمت باعتراض ضعيف:
ـ مين دي اللي مدام؟
التفت عمران إليها، وكأنَّها، رغم تعبها، استطاعت أن تمنحه لحظة صغيرة يبتسم فيها.
أشار إليها بغمزة خفيفة وقال:
ـ يلَّا يا مدام.
رمقته بنظرةٍ مرهقة، ولم تملك حتى طاقة الجدال معه، فاكتفت بأن أغمضت عينيها للحظة، ثم تمدَّدت على الفراش.
بعد دقائق، انتهى الطبيب من فحصها، وعلَّقت الممرِّضة المحلول في يدها.
ظلَّ عمران واقفًا بجوارها، يراقب قطراته.
رفع عينيه إلى الممرِّضة وسأل بقلق لم يستطع إخفاءه:
ـ ليه المحلول دا ؟
أجابته بهدوء:
ـ نزلة شعبية حادَّة، ومحتاجة راحة وعلاج.
نظر عمران إلى المحلول المعلَّق فوق رأسها، ثم سأل سريعًا:
ـ العلاج فيه يعني؟
أومأت الممرضة:
ـ أيوه، هتمشي بعد ما تخلَّصه.
تنفَّس عمران بارتياحٍ خافت، ثم عاد بنظره إليها.

كانت  مغمضة العينين، شاحبة ومرهقة، بينما ظلَّ عمران إلى جوارها دون أن يتحرَّك، يراقب ملامحها الهادئة بعد أن هدَّأها المحلول قليلًا.
أخرج هاتفه، وأجرى اتِّصالًا بآدم، لكنه وجده مغلقًا للمرَّة الثانية.
أنهى المكالمة، وظلَّ للحظات يحدِّق في شاشة هاتفه بشرود، ثم رفع عينيه إليها من جديد.
شيء ما كان يشغله..شيء لم يعرف له اسمًا.
نهض ببطء، واتَّجه إلى النافذة، وأسند كفِّه إلى حافَّتها، وظل يحدِّق في الخارج بعينينِ شاردتين.
وفجأة، شقَّت ابتسامة صغيرة شفتيه حين تذكَّر كلمات الممرِّضة:
«اتفضلي يا مدام...»
ثم جاء صوت فرح المعترض المتعب:
«مين دي اللي مدام؟»
ضحك بخفوت، وأطرق رأسه قليلًا:
ـ مدام...
ردَّدها بينه وبين نفسه، وكأنَّه يتذوق وقع الكلمة للمرِّة الأولى.
ثم أضاف هامسًا، وقد اتَّسعت ابتسامته دون إرادة منه:
ـ مراتك...
ظلَّ صامتًا لحظات، قبل أن يرفع عينيه إلى انعكاسه على زجاج النافذة، وكأنَّه فوجئ بنفسه وهو يكرِّرها:
مراتك!
كلمة بسيطة...لكنَّها حين ارتبطت بفرح، بدت مختلفة تمامًا.
استدار ببطء، وعاد بنظره إليها.
كانت ما تزال غارقة في نومها الهادئ، يستقرُّ المحلول في يدها، وملامحها التي أرهقها المرض تبدو أكثر ضعفًا واحتياجًا.
اقترب منها حتى وقف بجوار فراشها، وظلَّ يتأمَّلها طويلًا.
ثم قال بصوتٍ خافت، لا يكاد يسمعه:
ـ غريبة أوي الكلمة دي عليكي...بس ليه حاسس إنَّها لايقة ليكي؟
بعد فترة كانت تستند برأسها على المقعد، ملامح مرهقة.
_فرح. 
لفَّت برأسها إليه: 
_حاسة بإيه دلوقتي؟ 
_الحمدلله...نطقتها بخفوت، وصل إلى أمام الفيلا، ثم توقَّف بالسيارة: 
_عايز أكلِّمك علشان أطمِّن عليكي. 
_أنا كويسة...شكرًا لحضرتك. 
استدار بجسده إليها: 
_فيه حد يقول لجوزه حضرتك. 
اعتدلت فجأة، وكأنَّ المرض لم يمرَّ بها:
_مين دا اللي جوزي، ممرِّضة هبلة. 
ضحك بصوتٍ مرتفع، ثم غمز بعينيه:
_تطولي. 
فتحت باب السيارة، وقالت:
_مش عايزة أطول..شوف اللي يطول. 
ظلَّ يراقبها الى أن دلفت للداخل، وهو متوقِّفًا مكانه: 
_وبعدهالك يا فرح، إيه اللي حصل؟
عاد بجسده وأغمض عيناه للحظة، ومازالت ابتسامته على وجهه، تنهَّد وقام بتشغيل المحرِّك وغادر المكان. 
وصل إلى منزله، ترجَّل من سيارته يطلق صفيرًا، راقبته دينا، حتى وصل  إليها:
_مساء الورد يا دينا هانم. 
_مساء الورد حبيبي، إيه الروقان دا؟ 
حاوط جسدها من الخلف:
_أومال فين إسحاق باشا، قاعدة لوحدك ليه؟
_راح كمبوند الشافعي...تعال اقعد معايا واحكيلي إيه سبب السعادة دي.
جلس على المقعد مع وصول شمس  إليهم. 
نظرت إليها دينا بابتسامة: 
_إيه الجمال دا؟!
تورَّدت وجنتيها وقالت: 
_عيونك الجميلة يا طنط، فين حمزة؟ 
أشارت إلى الشرفة: 
_بيتكلِّم في التليفون، هترجعوا ولَّا حتباتوا عند باباكي؟.
_معرفش لسة، هشوف حمزة. 
نظرت إلى عمران: 
_لو عايز تروح معاهم.
_رايحين فين؟
_النهاردة افتتاح مستشفى دكتور آدم، وباباك قال لازم يروحوا.
_آدم الرفاعي؟ 
اومأت وقالت: 
_أه...قريب شمس. 
نظر لوالدته بتفكير:
_لو المفروض أروح، أروح عادي. 
ــــــــــــــــــــــــ
بمنزل بلال.. 
فتح عيناه على رنين هاتفه، سحبه بإرهاق:
_ألو. 
_إنتَ في البيت؟ 
_أيوة...كنت نايم فيه حاجة؟
_خلاص كمِّل نومك. 
_فيه حاجة؟ 
_لا...نام.
_اتَّجه بنظره لرولا، سحب رأسها بهدوء من فوق صدره، ووضعها على الوسادة، ثم نهض وخرج: 
_معاك صحيت، فيه إيه؟ 
_أنا برَّة في الجنينة.
_تمام، هاخد شاور وأنزل. 
_مستنيك. 
استمع إلى صوت طفله، تحرَّك متَّجهًا إليه، وجده يجلس مع مربيته، تعلِّمه بعض الأشياء. 
_يوسف. 
رفع عيناه إلى والده. 
_بابي...نهض سريعًا واتَّجه إليه، انحنى يحمله وقبَّله: 
_غيَّر هدومك علشان ننزل لبابا يوسف. 
نظر إلى المربية:
_جهِّزي يوسف، ولو ما أكلش أكِّليه.
_بس لازم ينام علشان حضانته الصبح. 
مطَّ شفتيه ينظر إلى طفله. 
جلس على عقبيه أمامه: 
_ايه رأيك نلعب شوية صغيَّرين أوي مع بابا يوسف، وبعدين نرجع ننام علشان نصحى بدري؟ 
هزَّ الصغير رأسه، فأشار إلى المربية بتجهيزه.
دلف للداخل وجد زوجته ما زالت غارقة بنومها، جلس على طرف الفراش يرفع خصلاتها من فوق عينيها، ثم انحنى يقبِّلها على ثغرها. 
فتحت عيناها مبتسمة: 
_بتتحرَّش بيَّا.
ارتفعت ضحكاته يقرص وجنتيها: 
_لسة فاكرة؟ 
اعتدلت تجمع خصلاتها، وضحكت:
_أه ما هو إنتَ قليل أدب.
سحبها  لأحضانه، وداعب شفتيها:
_أنا قليل أدب يا روليتا؟!
رفعت عيناها إليه، وظلَّت تنظر بصمت. 
دنا يطبع قبلة على ثغرها، وهمس بين قبلاته: 
_بحبِّك يا أغلى ما أملك. 
_أيوة اضحك عليَّ بكلمتين.
_الله مش إنتِ اللي دايمًا تضحكي عليَّ، يابت دا إنتِ فضحتيني وقولتي إنِّي بتحرَّش بيكي. 
قهقهت تدفن رأسها بصدره وتذكَّرت 
حين خرجت من عملها، وجدته يقف مستندًا أمام سيارته، توقَّفت حين رأته، وتذكَّرت حديث أرسلان:
_بلال بيحبِّك يا رولا، ومن حبُّه فيكي بيخبَّط، اعذريه يا بنتي، النهاردة قطع لسان معتز، ودا علشان اللي قاله عنك.
_وحضرتك ليه معذرتنيش يا عمُّو، لمَّا ثورت عليه لمَّا اتجوز كارما؟
_لأنُّه مااتجوزهاش، بلال لو عايز يتجوِّزها، ما كانت قدَّامه هيَّ وغيرها، ما تفوقي بقى واعقلي، إنتِ عارفة ومتأكدة جوزك بيحبِّك والظروف ظلمته، زي ما أنا متأكد إن بنت يزن مش من الساهل ترجع لواحد اتجوز عليها، مش كدا ولَّا إيه يا بنت يزن؟ 
_حضرتك عايز إيه دلوقتي؟ 
_تبطَّلي هبل.
_بقولَّك إيه يا عمُّو، أنا رفعت قضية طلاق. 
_طلاق إيه يا بت، اللي قدَّامك أرسلان الجارحي قبل ما يكون الشافعي، ودا روحي اسألي عليه، ألص في عينك أجيب قرارك وقرار أبوكي كمان.
أفلتت ضحكة:
_حضرتك بتخوِّفني يعني ولَّا إيه، أنا مبخافش على فكرة.
_ودا أكتر حاجة عجباني فيكي يا بنت يزن. 
_أنا بحب بلال أوي يا عمُّو، بس هوَّ وجع لي قلبي. 
احتضن وجهها وأزال دموعها: 
_وهوَّ بيعشقك، طيب أقولِّك حاجة، ربِّيه بس وإنتِ في حضنه، متخليش البعد يقتل المشاعر اللي بينكم يا بنتي. 
خرجت من شرودها، تنظر إلى وقوفه أمامها: 
_أنا مش قولت مفيش شغل
_وإنتَ مين بقى إن شاءلله، دا شغلي وأنا حرَّة فيه.
_عارفة لو ما مشتيش قدامي هعمل فيكي إيه؟
_أيوة عايزة أعرف هتعمل إيه؟
انحنى وحملها، ليجعل رأسها بالأسفل وساقيها الأعلى. 
صرخت تضربه على ظهره:
_نزِّلني يا بغل.
_صفـ عها على ظهرها، فشهقت تضربه بيدها الاثنتين وتصرخ للمارَّة:
_الحقوني...حرامي خطـ فني 
وبيتحرَّ. ش بيَّا.
ألقاها بقوَّة فسقطت فوق الأرضية، تجمَّعت المارَّة حولهما. 

صاح أحدهم: 
_اتِّصلوا بالشرطة، دارت عينيه على تجمُّع المارَّة حوله، ثم اتَّجه بنظره إليها:
_آه...أنا بتحرَّ. ش بيها.
أفلتت نفسها تنظر للمارَّة بذهول: 
_لا...لا،دا جوزي،بنهزَّر مع بعض. 

رمقهم أحد المارَّة: 
_إيه الاستهبال دا؟! 
سحبها بلال بعنف على السيارة،ودفعها للداخل: 
_عارفة لو سمعت صوتك، هقطع لسانك. 
خرجت من شرودها،حين حملها بين ذراعيه واتَّجه بها الى داخل الحمَّام، شهقت: 
_بلال نزِّلني لسة عايزة أنام.

في منزل آسر...
كانت تقف في المطبخ أمام الخادمة، تتابع ما بين يديها باهتمامٍ شديد، وكأنَّها تخوض معركةً حقيقية لا مجرد محاولة لإعداد الطعام.
ألقت ورقة العنب أمامها بضجر، ثم تنهَّدت وهي تنظر إلى الكمية التي ما زالت تنتظرها:
— أووف...زهقت بقى، صعب أوي!
ابتسمت الخادمة، ثم أخرجت ماكينة إعداد ورق العنب، ووضعتها أمامها قائلة:
— طب إيه رأيك يا مدام، جرَّبي هنا. هتحطِّي الورقة هنا، وبعدين تسحبي الرز كده...وهي هتطلع مظبوطة.
أمسكت آسيا بالورقة بحذر، ووضعتها كما أخبرتها الخادمة، ثم ضغطت بيديها على الماكينة.
خرجت الورقة ملفوفة بطريقةٍ متقنة.
اتَّسعت عيناها بسعادة، وصفَّقت بيديها كطفلةٍ صغيرة نجحت في إنجاز مهمتها الأولى:
— لقد فعلتها!
ضحكت الخادمة، بينما لم تنتبه أيٌّ منهما إلى الباب الذي فُتح في تلك اللحظة.
دخل آسر، وتوقَّفت خطواته فور سماعه صوت ضحكتها.
تبع الصوت حتى وصل إلى المطبخ، ثم توقَّف عند الباب دون أن تشعر به.
ظلَّ يراقبها في صمت...
كانت تضحك كلَّما نجحت في لف واحدة، وتقطب جبينها كلَّما أخطأت، ثم تعيد المحاولة بإصرارٍ طفولي أسر قلبه. 
ارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة، وهو يتأملها وكأنَّ المشهد أمامه أغلى من أي شيءٍ آخر.
قالت آسيا للخادمة بحماس:
— ممكن متقوليش لآسر إنِّي عملت حاجة.
ضحكت الخادمة:
— بالعكس يا هانم، ده هيفرح أوي، خصوصًا لو عرف إنِّك عملتي كده علشان ده أكتر أكل بيحبُّه.
هزَّت آسيا رأسها سريعًا:
— معلش، أنا عايزة كده...وبلاش هانم دي، أنا آسيا.
— بس ما يصحش يا مدام...
قطبت آسيا جبينها باستغراب:
— إيه اللي ما يصحش؟ إنتِ قدِّ ماما! خلاص بقولِّك أنا آسيا وبس.
اتَّسعت ابتسامة آسر أكثر.
تراجع بخفَّة قبل أن تشعر بوجوده، ثم خرج من المكان وأغلق الباب خلفه بقوَّة متعمَّدة.
مرَّت دقائق قليلة، حتى خرجت آسيا من المطبخ، تتشمَّم رائحة ملابسها بضيق، ثم قالت لنفسها:
— ريحتي سوس...ينفع كده؟
وضعت الخادمة يدها على كتفها وربتت عليها:
— اطلعي بسرعة خدي شاور على السريع، وبعدين ريحتك زي العسل أهو.
— آسيا!
التفتت لتجد آسر أمامها، يتطلَّع إليها باستغرابٍ مصطنع:
— إنتِ كنتِ في المطبخ؟
هزَّت رأسها سريعًا، ورفعت الكوب أمامه:
— كنت بجيب ميَّة...سعاد كانت مشغولة.
أشار إليها أن تقترب:
— طيب واقفة بعيد ليه، إيه...مش وحشتك؟
وضعت الكوب جانبًا، ثم اقتربت منه بخطواتٍ متردِّدة، وما إن وقفت أمامه حتى أحاط خصرها بذراعيه، وقال بصوتٍ خافت يحمل عتابًا حنونًا:
— بقولِّك وحشتيني...وأنا هخرج دلوقتي، يوسف برَّه.
وانحنى ليقبِّلها، لكنَّها أبعدت وجهها سريعًا وهي تهمس:
— آسر...سعاد جوَّه.
في تلك اللحظة ، دلفت الخادمة وهي تحمل كوب العصير:
— عصيرك يا هانم.
التقط آسر الكوب من يدها بسرعة، بينما رمقت آسيا إياه بنظرةٍ محرجة.
وضعت الكوب أمامه وقالت:
— هطلع خمس دقايق وأرجع.
أومأ لها بابتسامة، ثم اتَّجه نحو الأريكة، وما إن ابتعدت حتى نادى:
— سعاد.
التفتت إليه.
— المدام كانت بتعمل إيه في المطبخ؟
ارتبكت للحظة، ثم أجابت:
— مفيش يا بيه...كانت عايزة عصير.
نظر إليها لثوانٍ، ثم هزَّ رأسه وأشار لها بالانصراف.
عاد بجسده إلى الأريكة، وأخرج هاتفه واتَّصل بسدن:
— سدن، أنا هنزل مع يوسف تحت. وإنتِ تعالي حاولي تراضيها...ومهما قالت استحمليها.
جاءه صوت سدن من الطرف الآخر:
— ماشي...قدَّامي خمس دقايق.
نظر إلى ساعته:
— أنا لسه قدَّامي شوية، لمَّا أخرج هرن عليكي.
— إنتوا مش هتروحوا الحفلة بتاعة دكتور آدم؟
— لا...بابا وعمُّو إلياس هناك.
— تمام.
سألها :
— عايزة تروحي ولَّا إيه؟
— لا...بس بسأل علشان ماما كانت بتتكلِّم.
أنهى المكالمة، وظلَّ للحظات في مكانه، قبل أن ينهض ويصعد إلى الطابق العلوي.
دلف إلى الغرفة، فتوقَّفت عيناه عليها.
كانت تخرج من الحمَّام ترتدي روبها، وشعرها ما زال يحمل أثر الماء.
التفتت إليه عند سماع صوت إغلاق الباب، وقالت :
— كنت هلبس وأجيلك.
لكنَّه لم يجب..فقط دنا منها، وعيناه تتفحَّصان وجهها، ثم قال بصوتٍ خافت:
— مقدرتش أستحمل الوقت.
وقبل أن تضيف كلمة، جذبها إليه، 
حتى استقرَّت بين ذراعيه كأنَّها المكان الذي خُلقت لتكون فيه.
رفعت كفَّيها إلى وجهه، ونظرت إليه بعشقٍ صادق:
— إنتَ كمان وحشتني أوي.
أغمض عينيه لحظة، ثم دفن وجهه عند عنقها، يستنشق رائحتها، 
أغمضت عينيها، وشعرت بجسدها يلين بين ذراعيه، وكأنَّ كل مقاومةٍ كانت تحاول التمسُّك بها ذابت بمجرَّد أن عادت إلى حضنه.
ابتعد قليلًا، ورفع عينيه إليها.
التقت عيناه بعينيها...
هنا لم تعد الكلمات ضرورية.
كان بينهما حديثٌ كامل، قالته النظرات وحدها؛ شوقٌ طويل، وحنينٌ لم يجد طريقه إلى اللسان، وطمأنينةٌ لا يعرفها سوى من وجد وطنه أخيرًا في حضن من يحب.
مرَّرت أناملها حول عنقه، فابتسم لها ابتسامةً غارقة في العشق.
اقترب أكثر، وهمس لها بكلماتٍ خاصَّة بهما، كلماتٍ لم يسمعها سواها، لكنَّها كانت كفيلة بأن تربك قلبها وتخونها ساقاها.
أسندت رأسها إلى صدره، هنا لم يعد للغة القلوب سوى النبض، ليأثر بها عالمه.

بعد فترة، وصل الشباب إلى ملعبهم الرياضي، وما هي إلَّا دقائق حتى امتلأت الحديقة بضحكاتهم ومشاغباتهم..كانوا يلعبون وكأنَّهم لم يتقدَّموا في العمر يومًا، وكأنَّ الطفولة ما زالت تسكن بينهم، لا يغادرها إلَّا حين تستدعيهم الحياة.
هبطت ضي من المنزل، واتَّجهت إلى المقعد الخشبي وجلست عليه، تتابعهم في صمت.
كانت عيناها معلَّقتين بيوسف وحده...
تراقبه بكلِّ نبضةٍ في قلبها، تتبع حركاته وابتساماته، وكأنَّها تحاول أن تقرأ في وجهه شيئًا لم تستطع الكلمات أن تخبرها به.
لمحتها رولا من النافذة، فخرجت إليها واتَّجهت نحوها:
_ما اتصلتيش ليه؟
رفعت ضي عينيها إليها، ثم ابتسمت ابتسامة لم تصل إلى عينيها:
_يمكن كنتِ مشغولة...يوسف نام؟
جلست رولا إلى جوارها وقالت:
_كان هنا ولسه طالع علشان الحضانة.
أومأت ضي برأسها، ثم عادت عيناها إلى الملعب.
لاحظت رولا شرودها، فمالت نحوها قليلًا:
_مالك يا ضي؟ حاسة إنِّك زعلانة.
هزَّت ضي كتفها، تحاول أن تخفي ما يعتمل بداخلها:
_مفيش..زهقانة بس.
ثم أخذت نفسًا عميقًا وقالت:
_هطلع يمكن لمَّا أقرأ قرآن أرتاح شوية.
نهضت رولا وأمسكت بذراعها قبل أن تتحرَّك:
_إنتِ متخانقة مع يوسف؟
توقَّفت ضي لحظة، ونظرت إلى زوجها من بعيد.
كان يضحك معهم، لكن شيئًا ما بداخلها لم يطمئن.
ربتت على كتف رولا قائلةً بهدوء:
_لا يا حبيبتي، مفيش حاجة...أنا بس زهقانة شوية.
ثم ابتسمت لها:
_أسيبك...سلام.

بعد فترة...
كان يوسف يتمدَّد على العشب إلى جوار بلال، بينما جلس آسر بالقرب منهما، يلتقط أنفاسه بعد جولةٍ من اللعب.
فجأةً قال آسر وهو ينظر إلى يوسف:
_واد يا جو...
_نعم؟
ابتسم آسر بمكر:
_لو جبت توأم، هتنازل وأسمِّي ولادي ببلاوي المجنون وجو العبيط.
ساد الصمت لثانية واحدة...
ثم اعتدل يوسف في مكانه، وفي اللحظة نفسها اعتدل بلال:
_إنتَ بتقول إيه يا يلا؟!
انفجرت ضحكات آسر:
_هعصر على نفسي كرتونة ليمون حامض وأصطبح بأساميكم طول عمري!
لم يمهله ببلاوي، فانقضَّ عليه، وأمسكه من عنقه حتى سقط على الأرض، ثم صعد فوقه:
_إنتَ تطول يا حيـ...وان، إنتَ تطول شرف اسمي؟!

ارتفعت ضحكات يوسف وهو يراقبهما، ثم نهض تاركًا لهما المعركة الطفولية.
رفع بلال رأسه، وما إن رأى يوسف يبتعد حتى اعتدل سريعًا:
_هوَّ يوسف زعل ولَّا إيه؟ أنا بهزَّر!
نهض خلفه، ولحق به آسر هو الآخر.
وما إن وصلا إليه حتى أمسكاه من ساقيه، ورفعاه عن الأرض وسط صرخاتهما التي ملأت أرجاء الحديقة.
_نزِّلوني يا مجانين!
_قول إن اسمنا حلو!
_اسمكم زفت!
_ارفعوه تاني!
وتعالت ضحكاتهم أكثر.
ومن شرفة غرفتها، كانت فريدة تتابعهم.
لم تكن ترى أمامها رجالًا تجاوزوا أعمار الشباب، بل كانت تراهم كما عرفتهم دائمًا.
أحفادها...
أطفالها الذين كبروا، لكن ضحكاتهم لم تكبر معهم.
ابتسمت، واغرورقت عيناها بالسعادة، وهمست لنفسها:
_الحمد لله...الحمد لله.
بعد قليل، عاد يوسف إلى الداخل، ومسح على وجهه مبتسمًا.
قال وهو يتَّجه نحو الدرج:
_خلاص، كبرنا على لعب الأطفال ده.
ثم التفت إليهما:
_هسيبكم، عايز أقعد مع تيتا شوية قبل ما أنام.
أمسكه بلال من ذراعه سريعًا:
_خدني معاك، أنا كمان مبقتش أقعد معاها.
ابتسم يوسف، وتحرَّك معه إلى غرفة فريدة.
بعد فترة...
أغلقت ضي روبها وخرجت من غرفتها، وما إن وصلت إلى الدرج حتى قابلت إلياس وهو يصعد إلى غرفته.
توقَّفت وسألته:
_عمُّو...مشفتش يوسف؟
نظر إليها وقال:
_آه شوفته.
انتظرت إجابته، فأكمل بكلِّ برود:
_في جيب البنطلون.
حدَّقت فيه ضي لثوانٍ، ثم ضربت قدمها بالأرض:
_أنا غلطانة إنِّي بسألك أصلًا!
ونزلت وهي تتمتم بضيق، بينما أكمل إلياس طريقه دون أن يلتفت.
فقالت بدهشة:
_هوَّ هيجيبه من بعيد يعني؟!
التفت إليها من أعلى الدرج:
_روحي اتخمدي يا بت وبطَّلي دوشة.
ثم توقَّف عند نهاية الدرج، وأضاف بنبرةٍ ساخرة:
_ملزَّقة هانم...جوزك في أوضة ستُّه.
اتَّسعت عيناها:
_ملزقة هانم؟! الله يرحم...أنا عندي ألقابك كلَّها!
التفت إليها:
_بتقولي إيه يا بت؟
ابتسمت ابتسامة بريئة مصطنعة:
_بقول تصبح على خير يا عمُّو يا حبيبي...وخلِّي بالك من السلِّم، النظر برضه مش قدِّ كده.
قالتها وهربت من أمامه قبل أن يلحق بها.
ظلَّ إلياس واقفًا يحدِّق في أثرها، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة رغمًا عنه:
_مجنونة...
دلف إلى غرفته، فوجد زوجته تشعل المدفأة وتجلس تقرأ في كتابها المفضَّل.
رفعت رأسها إليه مبتسمة:
_سامعة مشاكسة لضي.
خلع سترته وقال وهو يبتسم:
_كنت بضايقها...بت مجنونة، دي لاسعة.
نهضت تساعده، وما زالت ابتسامتها تملأ وجهها:
_بتحبَّها يا إلياس؟
نظر إليها لحظة، ثم قال ببساطة:
_ربِّنا يسعدهم.
سكت قليلًا قبل أن يضيف بنظرةٍ ذات مغزى:
_تعرفي المجنونة دي بتفكَّرني بمجنونة تانية.
رفعت حاجبها:
_مجنونة، مش كده؟
ضحك إلياس، بينما اكتفت هي بنظرة عتابٍ مصطنعة.
أمَّا في الأسفل، وتحديدًا داخل غرفة فريدة...
كان يوسف متمدِّدًا على أحد طرفي الفراش، وبلال على الطرف الآخر، بينما توسطتهما فريدة، تحكي لهما تفاصيل حياتها منذ هروبها من راجح، وحتى اليوم الذي كبر فيه الاثنان أمام عينيها.
كانا يستمعان إليها باهتمام، يتخلَّله بين الحين والآخر تعليق من بلال أو ضحكة من يوسف.
وفجأة، انفتح الباب.
دلفت ضي، وتوقَّفت تضمُّ ذراعيها أمام صدرها:
_والله عيب عليك، أنا قالبة البيت عليك وإنتَ هنا بتسمع حواديت تيتا!
رفعت فريدة يدها نحوها وهي تضحك:
_تعالي يا بت...حواديت إيه يا هبلة؟
صعدت ضي إلى الفراش، ثم دفعت بلال من كتفه حتى سقط على الأرض متأوِّهًا:
_إنتَ ما لكش بيت؟ روح، مراتك بتسأل عليك!
اعتدل بلال سريعًا، وأمسكها من إحدى خصلات شعرها:
_هوَّ كان بيت أبوكي يا حلوفة؟!
_سيب شعري!
راحت تلكمه في صدره:
_امشي اطلع برَّة!
انفجرت فريدة في الضحك، وأشارت إلى يوسف:
_الحق مراتك يا يوسف، الغبي هيعوَّرها!
فرد يوسف ظهره بجوار جدَّته بكل هدوء، وقال:
_سيبيهم يخلَّصوا على بعض.
توقَّفت ضي عن ضرب بلال، واستدارت إليه ببطء:
_والله؟! طب تعال هنا يا بتاع الحواديت.
ضحك بلال، وساعد فريدة على الابتعاد قليلًا:
_ابعدي يا تيتا، هتشوفي ماتش تحلفي بيه!
ظلَّت فريدة تضحك، بينما امتلأت الغرفة بصوتهم ومشاغباتهم، وكأنَّ البيت بأكمله استعاد روحه القديمة.
وفجأة...
انفتح الباب بقوَّة.
ظهر إلياس عنده، فتوقَّف لحظة وهو ينظر إلى يوسف الذي كان يضمُّ ضي إليه، ثم قال بنبرة أبويَّة صارمة:
_إنتَ يا بني آدم! طيب اعمل حساب لجدِّتك!
قاطعته فريدة وهي تضحك:
_مالك يا إلياس؟ سيبهم.
_صوتكم واصل لآخر الكمبوند! ده دكتور، مش عيِّل صغير!
ابتسم يوسف، ثم أمسك كف ضي، وانحنى يقبِّل رأس فريدة:
_تصبحي على خير يا تيتا...هنروح بيتنا علشان أهزَّر مع مراتي براحتي.
نظرت فريدة إلى إلياس بعتاب، وكأنَّها تقول له: دعهم يعيشون فرحتهم.
لكن إلياس لم يتراجع.
وقف أمام ابنه وقال:
_إيه شغل الأطفال ده؟ إنتَ داخل على الأربعين، وشعرك الأبيض طلع ولسه بتلعب زي العيال! وكمان دكتور!
ظلَّ يوسف صامتًا للحظات.
لم يجبه.
فقط سحب يد زوجته، واستعدَّ للمغادرة.
لكن ضي توقَّفت أمام إلياس، وانحنت تطبع قبلة على وجنته:
_آسفة يا عمُّو...عملت لك قلق، هنروح بيتنا.
ثم لحقت بيوسف.
اقترب بلال قائلًا:
_ يوسف من المغرب وأنا ملاحظة إنُّه مضَّايق...حاولنا نعمل جو فرفشة، مش علشان دكتور أو كبر شوية يبقى ممنوع يهزَّر ويضحك يا عمُّو.
تبدَّلت ملامح إلياس قليلًا.
تابع بصوتٍ أكثر هدوءًا:
_معرفش ماله...بس حاسس إنُّه مش طبيعي النهاردة.

نظر إلياس إلى ابنه الذي كان قد ابتعد خطوات، ثم إلى بلال بصمت.

مضت عدَّة أشهر والوضع كما هو عليه، بمنزل كارما، استمعت إلى رنين هاتفها:
دكتور كارما، تم تعيينك بمستشفى الشافعي.
_مستشفى الشافعي! 
_أيوة يا دكتور.
_مين اللي عيَّني ممكن أعرف. 
_إلياس باشا. 
_تمام شكرًا. 
خرجت كندا وهي تحمل طبقًا من الحلويات:
_مبروك يا كوكي، إيه الدكتور الحليوة. 
نهضت ترمقها بنظراتٍ صامتة، ثم تحرَّكت للداخل، دلفت كندا خلفها: 
_بهزَّر يا رمضان، إيه ما بتعرفش تهزَّر! 
توقَّفت تشير إليها بتحذير..
لو جبتي اسم بلال تاني هزعَّلك.
التهمت قطعة الحلوى:
_إنتِ حرَّة، المهم عايزة نسافر أي مكان، زهقانة.
ابتسمت كارما على طفوليَّتها، اقتربت منها، وسحبت الطبق الذي يُوضع به الحلوى:
_كفاية هتتخني يا غبية.
سحبت كارما الطبق وقالت:
_هتجوز واحد يحبِّني تخينة، ما لكيش دعوة. 
سحبتها من شعرها، وأشارت إلى الحلوى:
_قولت كفاية. 
ناولتها الحلوى قائلة:
_مفترية. 
_اجهزي هنخرج نروح النادي شوية.
_قولي والله! 
_والله يا ختي. 
قبَّلتها على خديها، وركضت إلى غرفتها. 
بفيلا السيوفي.. 
كانت تجلس بجوار طفلها لمراجعة مذاكرته، وصل إسلام إليها:
_ملك اجهزي إنتِ والولاد هنروح كمبوند الشافعي، وهنبات هناك.
نهض إلياس الصغير يصفِّق بحماس:
_فليحيا بابا، وتموت المذاكرة.
قهقه إسلام يداعب خصلاته:
_بس لمَّا نرجع هنذاكر.
_أكيد أكيد. 
تجوَّل بعينيه بالمكان ثم قال: 
_فين تاليا؟ 
_مع الناني بالحديقة. 
_تمام حبيبتي، شوفيها ويلّّا نغيَّر جو كام يوم. 
اقتربت منه وتوقَّفت:
_ممكن أطلب منك طلب؟ 
_تؤمري يا ملك مش تطلبي. 
_عايزة أروح عند عمُّو إسحاق يومين، زعلان أوي، ولمَّا يعرف روحت كمبوند الشافعي هيزعل، وطبعًا هيقولِّي رايحة لأرسلان وأنا لأ.
سحب رأسها وطبع قبلة حنونة فوق جبينها: 
_خلاص نروح عند إلياس وأرسلان يومين، ويبقى خدي الولاد وروحي لعمِّك يومين. 
شبَّت تطبع قبلة على وجنتيه:
_شكرًا يا أحلى زوج في الدنيا.

بمنزل طارق وخاصَّةً بغرفة مازن ابنه الأكبر..
كان يتابع دروسه بتركيز، دلفت إليه هند وهي تحمل بعض الساندوتشاوت وكوب من اللبن، طرقت الباب أوَّلًا، فأذن لها بالدخول. 
رفع عيناه إليها. 
_عملت لك كام ساندوتش وكوباية لبن، لو مش عايز خلاص. 
نظر إليها لدقائق ثم نزل ببصره للطعام:
_ليه مخلتيش الشغالة تجيبه؟ 
_علشان مبحبِّش ولادي ياكلوا من إيد الشغَّالين يا مازن. 
_بس أنا مش ابنك قولت لك.
اقتربت ووضعت الطعام أمامه وهي تقول: 
_بس أخو ولادي، علي وميرال.
على العموم لو مش عايز تاكل براحتك، بس اشرب اللبن علشان الكالسيوم وكمان يساعدك في التركيز.
قالتها واستدارت للمغادرة، فأوقفها قائلًا:
_آسف...التفت إليه سريعًا ولمعت عيناها بدمعة، ابتسم يهزُّ رأسه: 
_بعتذر لأنِّي كنت بعاملك وحش، شكرًا على كل حاجة، وشكرًا أكتر إنِّك ما حاولتيش تقولي لبابا، أنا عرفت بابا إنُّه عرف من الكاميرات. 
أومأت مع دمعة تحرّّرت من جفنيها:
_أنا بحبِّ باباك فعلًا، مش علشان فلوسه أبدًا. 
نهض من مكانه وتوقَّف أمامها: 
_ما أنا بعتذر، لحضرتك، وعارف إنِّك بتحبِّي بابا، أنا اللي كنت فاهم غلط.
_يعني هتحب أخواتك وتعاملهم كويس. 
_دول أخواتي يا طنط.
_ما هو إنتَ حاولت تقتل علي قبل كدا يا مازن.
استدار يواليها ظهره:
_كنت طايش ومش فاهم، عاد ينظر إليها: 
_بس والله بحبُّه دلوقتي وبخاف عليه، وميرال بموت فيها. 
_بعد الشرِّ عليك يا حبيبي، ما تجبش سيرة الموت تاني.
ابتسم لها بحنان: 
_إنتِ طيِّبة أوي، زي ما عمِّتو ميرال بتقول. 
ضمَّت وجهه بين راحتيها:
_وإنتَ ولد شاطر أوي، وذكي كمان. 
قاطعهم دخول طارق وهو يحمل ميرال الصغيرة: 
_مساء الخير، إيه بدوَّر عليكي. 
قالها وهو ينظر إلى ابنه. 
تراجع مازن إلى كرسيه وقال:
_كنت بشكر طنط هند. 
ظلَّ طارق يراقبه، سحبته هند وقالت:
_عنده امتحان بكرة، سيبه علشان يراجع.
التقطت عيني طارق اللبن والساندوتش. 
التفت إلى هند، وأعطاها الصغيرة:
_شوفي علي، وخلِّيهم يجهِّزوا العشا.
أومأت له وخرجت دون حديث.
اقترب من ابنه، سحب المقعد وجلس بمقابلته:
_بتذاكر إيه؟
رفع رأسه لوالده ورد: 
_ساينس.
سحب الكتاب من بين يده، يقلِّب بين صفحاته:
_فيه حاجة واقفة معاك، ولَّا كلُّه تمام؟ 
_لا كلُّه تمام. 
_أممم...نسأل شوية يعني، ولَّا… 
ضحك يشير إلى الكتاب:
_لا، ممكن حضرتك تسأل عادي. 
بدأ يتحاور معه في بعض الدروس، والآخر يجيب بثقة، دقائق إلى أن انتهى، ثم نهض يقبِّل رأسه:
_برافو عليك حبيبي، عايزك دايمًا متفوِّق. 
_شكرًا لحضرتك، إدِّتني من وقتك.
انحنى طارق يستند على مكتب طفله:
_انا فاهم معنى كلامك يا مازن، بس عايزك تتأكَّد من حاجة مهمَّة، إنتَ زيك زي علي وميرال، حط دا في دماغك، إنتَ ابني الكبير، اللي هيشلني بعد كدا، واعرف إنَّك في نعمة كبيرة إن ربِّنا بعت لك واحدة زي هند مش زي مامتك، ومش بقولَّك كدا علشان تكرهها، لأنَّها مامتك برضو، بس بقولَّك علشان عيشت نفس حياتك بس بالعكس؛ أمِّي الطيِّبة رمتني لمرات أب فهِّمتني إن الدنيا مفيهاش جنَّة كلَّها نار وعذاب. 
اعتدل وعينه على طفله: 
_اهتم بمذاكرتك، وخلِّي عندك هدف إيجابي تحقَّقه. 

مضت عدَّة أشهر، إلى أن بدأ العام الدراسي الجديد وخاصَّةً الجامعي، عدَّة أشهر تغيَّر بها حاله، بعد سفرها مع أخيها لبعض أصدقائهم بالخارج، جاء أوَّل يوم جامعي، دلف لداخل القاعة وقلبه يبحث عنها قبل عينيه، هو من طلب تدريس الفرقة الثانية. 
وقعت عيناه عليها، كانت تتحدَّث مع إحدى صديقاتها بابتسامتها الطفولية كما شبَّهها، توقَّفت عيناه عليها للحظات، صمتٌ تام بالقاعة بعد دخوله، رفعت عيناها بعدما ألقى تحيَّة السلام، وعيناه تعانق عيناها: 
_وحشتوني طلَّابي الأعزَّاء. 
تورَّدت وجنتيها من نظراته، فلقد اشتاقت له هي الأخرى، ورغم إرهاقها من السفر، لم تهتم وجاءت لكي تراه فقط، بعدما وجدت اسمه ضمن الأساتذة الذين يدرِّسونها.
بدأت المحاضرة بعد حديثه وترحيبه بهم وترحيبهم به، ظلَّ لبعض الوقت بالشرح، ثم قال: 
_مين يقول بعض النقط الاساسية اللي قولناها، عايز أشوف الاتنشين قدِّ إيه.
رفع بعض الطلاب أيديهم ولكنَّها لم ترفع، اتَّجه بنظره إليها، ينتظر منها أن تقف كعادتها وتحاوره، يريد الحوار معها، يريد أن يستمع إليها، ولكنَّها خذلته كما ظن، فهي لم تقف لعدم قدرتها على النظر إليه والحديث معه، تعلم أن قلبها سيضعف أمامه...نعم شعرت بنظراته لها، وكلماته الغير مباشرة. 
تصنَّعت الانشغال بدفترها، حين تحرَّك بين الطلبة كعادته، إلى أن وصل إلى مكانها، وهو يتحدَّث مع بعض الطلَّاب في بعض النقط، التفت إليها: 
_إيه يا فرح الدرس ما وصلش ولَّا إيه؟ 
رفعت عيناها إليه، ثم اتَّجهت تدور بعينيها بالقاعة، دون أن ترد. 
_فرح...نظرت إليه وليتها لم تنظر، صمت كل شئ حولها، لقد حاولت ألَّا تهتم ولكن قربه ونظراته تلك أفقدتها السيطرة، إلى أن قالت:
_آسفة مش مركِّزة. 
_ليه....همس بها بضيق حين ظنَّ أنَّها لم تكترث لوجوده. 
ارتبكت تتلاعب بدفترها ولم ترد، إلى أن ردَّت صديقتها:
_أصلها جاية من المطار على هنا يا دكتور ومُرهقة. 
عاد بعدما أومأ برأسه دون حديث، وداخله يحترق، كيف تقابله بتلك اللامبالاة، وهو الذي فعل الكثير حتى يصبح معها هذه السنة!. 
انتهت المحاضرة بعد قليل..جمع أشيائه سريعًا، بعدما اقترب من الطلَّاب، رفع يده معتذرًا:
_آسف يا شباب، مشغول. 
قالها وهو يرمقها بنظرةٍ أخيرة، وخرج من القاعة.
جمعت أشياءها وقالت لصديقتها:
_هروح، حاسة مش هقدر أكمِّل. 
قالتها وتحرَّكت خلفه، صعدت إلى مكتبه بتردُّد، طرقت الباب، ففتح المسؤول عن مكتبه وهو يخرج:
_تحت أمرك يا دكتور. 
بالداخل، نزع عمران سترته وألقى بها على ظهر المقعد، ثم رفع أكمام قميصه إلى ساعديه، وجلس خلف مكتبه محاولًا أن يشغل نفسه بأي شيء.
فتح كتابًا أمامه، لكن الكلمات ظلَّت جامدة أمام عينيه لا تدخل إلى عقله.
كان غاضبًا منها...أو ربَّما كان غاضبًا من نفسه أكثر.
منذ أن شعر بعدم مبالاتها وشئ ثقيل يضغط على صدره..جمودها، صمتها، نظراتها التي لم يفهمها...كل ذلك أشعل بداخله ضيقًا لم يستطع التخلُّص منه.
دلفت فرح إلى المكتب بعد خروج المسؤول، وأغلقت الباب خلفها بهدوء.
اقتربت من مكتبه، وهو منشغلًا بصفحاته، ولم يشعر بوجودها.
توقَّفت لحظات تراقبه في صمت.
رفرف قلبها رغمًا عنها وهي تراه أمامها بهذا الهدوء الطاغي...أكمامه المطوية، ملامحه التي تجذب أي شخص، وخصلة شعر تمرَّدت قليلًا فوق جبينه..دنت حتى توقَّفت بالقرب منه وقالت بصوتٍ خافت:
_إزيك؟
رفع رأسه سريعًا، وما إن وقعت عيناه عليها حتى تجمَّدت ملامحه للحظة، وكأنَّ مجرَّد رؤيتها أطفأ كل الغضب الذي كان يحاول التمسُّك به.
همس باسمها:
_فرح...
اقتربت منه أكثر وقالت محاولةً أن تبدو طبيعية:
_كنت تعبانة ومش مركِّزة خالص، وحتى مش هكمِّل...أنا هروح دلوقتي.
نهض من مكانه، واتجه إليها، حتى توقَّف أمامها.
نظر إليها طويلًا، ثم خرجت منه الكلمة التي عجز عن حبسها:
_وحشتيني.
ارتجف قلبها..واتَّسعت عيناها، تلتمع  بالدموع، وهو ينظر إليها كأنَّه يعاتبها بعينيه على كل لحظة غابت فيها عنه.
انحنى قليلًا، يبحث عن عينيها:
_وحشتيني أوي..لمَّا سألتك كنت عايز أسمع صوتك.
لم تجبه.
ظلَّت تنظر إليه فقط، عاجزة عن الرد، ورغم ذلك كان قلبها يصرخ بالسعادة.
كم اشتاقت إلى سماع تلك الكلمة منه...
لكنَّها تراجعت خطوة حين شعرت أنَّه اقترب منها أكثر.
فقال بصوتٍ خافت:
_فرح...
رفعت عينيها إليه:
_نعم؟
_مش هتقولي حاجة؟
خفضت عينيها وقالت:
_عايزة أروح...أنا تعبانة.
تغيَّرت ملامحه قليلًا:
_مش ده اللي مستنِّيه.
لم تجبه.
ظلَّت عيناها معلَّقتين بالأرض، بينما اقترب منها خطوةً أخرى.
تراجعت هي بدورها، وهمست بتوتُّر:
_دكتور...لو سمحت.
توقَّف لحظة.
ثم ابتسم ابتسامة هادئة، لكنَّها حملت شيئًا من الوجع:
_دكتور...تمام يا فرح، ممكن بقى أوصَّلك؟
رفعت عينيها إليه سريعًا، وكأنَّها تذكَّرت شيئًا فجأة:
_بس حضرتك عندك محاضرة للفرقة الأولى بعد نصِّ ساعة.
قالتها بسرعة، دون أن تنتبه لما فضحته كلماتها.
ابتسم عمران، وارتفع أحد حاجبيه بمكر، ثم غمز لها:
_ده أنا معرفش مواعيدي؟
ارتبكت، وتراجعت خطوة:
_لا...ماهو أنا أصلي اتلخبطت و...
قاطعها بهدوء:
_فرح.
استدارت إليه.
تعلَّقت عيناه بعينيها، وساد بينهما صمتٌ طويل...
صمتًا كان يحمل من الكلمات أكثر ممَّا يستطيع اللسان قوله.
اشتياق..عتاب...خوف.
وحب يحاول كلٍّ منهما أن يخفيه خلف كبريائه.
سحبت فرح عينيها منه وقالت:
_هكلِّم ماما...لو وافقت تمام.
قال دون تردُّد:
_أنا هكلِّم باباكي.
رفعت عينيها إليه بدهشة:
_بابا! هتقولُّه إيه؟
ضحك بخفَّة:
_تعبانة وهوصَّلها...هوَّ إنتِ مش تعبانة؟
ارتبكت أكثر:
_آه...لا...يووه، أنا هنزل تحت.
ابتسم وهو يراقب ارتباكها:
_تمام...خمس دقايق وألحقك.
خرجت من مكتبه، وما إن أُغلق الباب خلفها حتى وضعت يدها على صدرها.
كان قلبها يخفق بسعادة لم تستطع إخفاءها.
رفعت هاتفها واتَّصلت بوالدتها.
_أيوة حبيبتي.
_مامي...خلَّصت أوَّل محاضرة، بس أنا مرهقة ومش مركِّزة، هرجع علشان أرتاح.
_أبعتلك السوَّاق؟
تردَّدت فرح لحظة قبل أن تقول:
_لا...ماهو أنا اتَّصلت بيكي علشان أقولِّك، دكتور عمران الجارحي قالي هيوصَّلني.
تغيَّر صوت والدتها قليلًا:
_ليه، إنتِ تعبانة؟
_مش أوي...بس دايخة ومصدَّعة.
_طيب ينفع يا فرح، الراجل يقول علينا إيه؟
ابتسمت رغمًا عنها:
_هوَّ اللي طلب يا ماما.
_طيب يا حبيبتي، متتأخريش...تعالي وارتاحي.
_أنا واقفة تحت مستنياه.
_ماشي..بس بقولِّك، لو مشغول هاتي أوبر وتعالي، رائد نايم وبابا في إسكندرية، وأنا داخلة عمليات.
_متقلقيش...يلَّا سلام.
أغلقت الهاتف، وظلَّت تنتظره أمام الجامعة.
بعد دقائق، ظهر عمران وهو يتحدَّث في هاتفه:
_قدَّامي ساعة...
أنهى المكالمة، ثم فتح باب سيارته..بحث عنها بعينيه لمحها تتحرَّك بعيدًا عن المكان.
ظنَّ للحظة أنَّها سترحل وحدها.
استقلَّ سيارته، ثم تحرَّك نحوها.
وجدها تقف في بداية الطريق، وحولها بعض الشباب.
تعلَّقت عين أحدهم بها، ثم اقترب منها أكثر، هي لا تنتبه.
تصلَّبت ملامح عمران.
انقبضت أصابعه حول المقود، وضغط عليه بقوة، وكأنَّ الغيرة أشعلت النار في صدره.
أوقف السيارة أمامها مباشرة، وخفض الزجاج.
تحرَّكت فرح نحوه وركبت دون أن تنطق بكلمة.
لكن صوته جاء حادًّا:
_مشيتي ليه برة، وليه واقفة في الزحمة، مش شايفة الولاد لازقين فيكي إزاي؟
نظرت إليه بدهشة:
_إيه اللي بتقوله ده؟ أنا خفت حد يفهم غلط...وأسمع كلامك.
_مالِّي يقول يقول! هوَّ أنا من الشارع؟
رفعت عينيها إليه، وقد بدأ الخوف يتسلَّل إلى ملامحها:
_لو سمحت يا دكتور...صوتك عالي ليه؟
استدار إليها، وقد غلبته غيرته:
_صوتي عالي؟ احمدي ربِّنا إنِّي بكلِّمك بس! ماحسِّتيش بالواد اللي كان لازق فيكي؟
تجمَّدت فرح في مكانها..وتجمَّعت الدموع في عينيها، وارتجفت شفتاها وهي تنظر إليه بذهول.
لم يكن ما يؤلمها غيرته...
بل الطريقة التي جعلتها تشعر وكأنَّها هي المخطئة.
توقَّف عمران فجأة على جانب الطريق.
ظلَّ للحظات صامتًا، ثم مرَّر كفَّه على وجهه بقوة، وأغمض عينيه مستغفرًا:
_أستغفر الله...
التفتت فرح ناحية النافذة، تحاول أن تخفي دموعها، لكن دمعة خانتها وانسابت على وجنتها.
رآها...وشعر أنَّه تجاوز حدوده.
فقال بصدق خرج منه رغمًا عنه:
_أنا...اتضايقت لمَّا شوفته بيقرَّب منك.
سكت لحظة، ثم تابع وهو ينظر أمامه:
_معرفش مسكت نفسي إزاي..
لم تلتفت إليه...ظلَّ صمتها يؤلمه أكثر من أي كلمة.
قالت بصوتٍ مختنق:
_لو سمحت...روَّحني.
ثم ابتلعت غصَّتها وأكملت:
_أو نزِّلني آخد أوبر.

أعاد عمران جسده إلى الخلف، وأسند رأسه إلى مسند المقعد، ثم أغمض عينيه طويلًا.
كان يعلم أنه تعصَّب دون داعٍ...يعلم أن كلماته كانت أقسى ممَّا ينبغي، لكنَّه لم يستطع أن يمنع نفسه.
غيرته كانت أقوى من قدرته على التحكُّم بها.
تنفَّس بعمق، ثم قال وهو ما زال على حاله:
_غيرت عليكي...
خرجت الكلمات منه هادئة هذه المرَّة، صادقة إلى حدٍّ أوجعها.
ثم تابع:
_مقصدتش أجرحك، بس...مبحبِّش حد يقرَّب من حاجة تخصِّني.
التفتت إليه، وقالت بهدوء يحمل اعتراضًا واضحًا:
_بس أنا مش أخصَّك.
فتح عينيه، وأدار وجهه إليها، ثم ارتسمت على شفتيه ابتسامة:
_تعرفي عملت إيه علشان أكمِّل معاكي السنة دي؟
سكت لحظة، ثم نظر إليها مباشرة:
_تعرفي ضغطت على نفسي كام محاضرة علشان بس تكوني قريبة مني.
تسارعت دقََّات قلبها.
للحظة، شعرت وكأنَّ قلبها يخبط بعنف داخل صدرها، وكأنَّ كل كلمة منه تهدم حاجزًا كانت تبنيه حول مشاعرها.
رفع عينيه إليها:
_وتعرفي الشهرين اللي سافرتيهم برَّة عملوا فيَّا إيه؟
ابتلع ريقه، ثم قال بصوتٍ أكثر هدوءًا:
_لو كنت أعرف مكانك...أو كان عندي الجرأة، كنت جيتلك.
اتَّسعت عيناها.
_لأنِّك وحشتيني أوي يا فرح.
همست:
_ليه؟
نظر إليها طويلًا، ثم ابتسم ابتسامة حزينة:
_مش عارفة؟
هزَّت رأسها بالنفي، وكأنَّها تخشى الاعتراف حتى لنفسها:
_لا...معرفش.
سحب بصره إلى الطريق، وقال:
_معقول مش حاسَّة؟
صمت لحظات، ثم أضاف:
_لو فعلًا مش حاسة...يبقى العيب فيّا أنا.
ارتبكت:
_دكتور عمران...ممكن توضَّح كلامك؟
استدار إليها فجأة، وطالعها بضيق:
_إيه "دكتور" اللي من ساعة ما رجعتي وإنتِ بتغنِّيها دي؟
رمشت بحيرة:
_ليه! هو مش حضرتك دكتوري؟
اقترب بجسده قليلًا، وثبَّت عينيه في عينيها:
_لا يا فرح...مش دكتورك.
انحبست أنفاسها من قربه..فتلعثمت:
_قصدي...أستاذي.
ابتسم وهو يلتقط مراوغتها، ثم قال دون أن يبعد عينيه عنها:
_لأ...حبيبك.
اتَّسعت عيناها، واشتعلت الحمرة في وجنتيها دفعةً واحدة.
ابتعدت عنه بسرعة، وكأنَّ قربه أربك كل دفاعاتها، وتمتمت:
_إنتَ بتقول إيه؟
مدَّ يده، وبأنامله أدار وجهها إليه برفق، حتى التقت عيناه بعينيها.
لم يبتسم هذه المرَّة..ولكن قالها ببساطة:
_أنا بحبِّك.
ارتجف جسدها كلِّه.
خرج اسمه من بين شفتيها كهمسة مرتعشة:
_عمران...
ابتسم، ولمعت عيناه بشيء يشبه الفرح والانتصار معًا:
_نعم يا حبيبة حبيبك. 
لم تحتمل النظر إليه.
ابتعدت قليلًا، وارتفعت أنفاسها، ثم أدارت وجهها نحو النافذة وأغمضت عينيها، وكأنها تحاول إيقاف الضجيج الذي أحدثه اعترافه داخل قلبها.
أمَّا هو، فراقب حالتها بابتسامة عاشقة، ولم يعلِّق.
ترك لها المساحة التي تحتاجها، ثم أدار المحرِّك وانطلق.
ساد بينهما صمتٌ قصير، قبل أن يمدَّ يده إلى مسجِّل السيارة ويشغِّله.
انطلقت كلمات الأغنية:
"لو أقولِّك إنِّي بحبِّك...الحب شوية عليك."
التفت عمران إليها.
في تلك اللحظة  التفتت هي إليه.
وجدته يتمتم مع الأغنية، ينظر إليها مرَّة، ثم يعيد عينيه إلى الطريق.
ابتسمت رغمًا عنها.
احتضنت كتبها إلى صدرها، وأسندت رأسها إلى المقعد، تنظر من النافذة بابتسامةٍ صغيرة لم تستطع إخفاءها.
مدَّ يده فجأة وسحب الكتب من بين ذراعيها.
نظرت إليه بدهشة:
_إيه ده؟
أشار إلى ساقيها ثم إلى المقعد بجوارها:
_الكتب دي بيتشالوا هنا...مش هنا.
ثم وضعها أمامه، وقال بمكر:
_ولَّا أقولِّك...خلِّيهم معايا.
ضحكت بخفَّة:
_هتذاكر مكاني؟
_مستعد...قالها ثم نظر إليها للحظة:
_إنتِ بس اقعدي جنبي، وأنا مستعد أذاكر طول السنة، مش مهم.
اتَّسعت ابتسامتها رغمًا عنها.
تابع بفخرٍ مصطنع:
_أنا أصلًا أخدت في الشهر اتناشر محاضرة زيادة علشان خاطر أشوف العيون اللي قتلتني دي.
ردَّت بسرعة:
_بعد الشر.
ابتسم ومدَّ يده إليها:
_بعد الشر من حبِّي ليكي... 
لا، لو شر، أنا عايزه.
سحبت يدها إلى صدرها، وهمست وهي تحاول إخفاء ارتباكها:
_عمران، لو سمحت كفاية بقى.
_طيب هاتي إيدك.
نظرت إلى كفِّه الممدودة، ثم أدارت وجهها نحو النافذة:
_آسفة...مينفعش.
سكت لحظة، فتابعت بخجل:
_إنتَ محرَّم عليَّ...ومينفعش أصلًا أركب معاك على فكرة، أنا بركب معاك أكتر من الأوبر نفسه.
ضحك عمران:
_تمام يا فرح...براحتك، مش هضغط عليكي.
ثم أضاف بثقة:
_بس على فكرة، إنتِ مش راكبة مع حد غريب...أنا جوزك.
استدارت إليه بسرعة:
_نعم؟
ابتسم:
_الله! نسيتي الممرِّضة جوِّزتنا من كام شهر؟
انفجرت في الضحك، ما إن تذكَّرت الموقف حتى غطَّت فمها بيدها.
ظلَّ يراقب ضحكتها للحظات، وكأنها أجمل شيء رآه منذ عرفها.
ثم قال:
_طب كفاية...علشان مش هستحمل، بقولِّك أهو.
هدأت ضحكتها، فنظر إليها وأضاف:
_وعلى فكرة علشان تبقي عارفة...أنا غيور أوي.
رفع حاجبه:
_ومبحبِّش حد يقرَّب من مملكتي.
ثم ابتسم:
_ودي حاجات عادية...تخيَّلي بقى لو بقيتي حبيبتي رسمي.
نظرت إلى النافذة، تخفي ابتسامتها:
_برضه هتبعدي بعيونك عني؟
_ممكن تسكت بقى.
توقَّف بالسيارة فجأة.
التفتت إليه.
_ممكن أسكت بس بطريقة تانية.
قطبت جبينها:
_إيه هيَّ دي؟
نظر إلى شفتيها للحظة خاطفة،
ابتسم ابتسامة غامضة:
_بعدين أقولِّك عليها.
ثم أشار إلى الباب:
_يلا انزلي.
نظرت حولها بدهشة:
_إيه ده! مش هتوصَّلني؟
ابتسم وهو ينظر إلى عينيها:
_والله بتمنَّى ما نكونش وصلنا أصلًا... بس لو عايزة نرجع، معنديش مشكلة.
التفتت فرح إلى الخارج.
توقَّفت أنفاسها حين وجدت نفسها أمام بوَّابة منزلها:
_ليه واقف هنا؟
ابتسم:
_أحسن.
ثم نظر إليها بنظرة طويلة:
_علشان لو دخلت جوَّا...مش ضامن أخرج من غيرك.
فتحت باب السيارة، لكنَّه أوقفها بصوته:
_فرح.
توقَّفت، ثم التفتت إليه:
_نعم؟
نظر إليها طويلًا، وكأنَّ كل المزاح اختفى من ملامحه فجأة..وقال بصوتٍ هادئ:
_بحبِّك أوي.
ارتعشت عيناها.
تابع:
_وعايزك تحبِّيني زي ما أنا بحبِّك... بس.
صمت لحظة، ثم قال:
_قلبي أمانة عندك...حافظي عليه.
ابتسمت رغم ارتباكها، فأضاف بنبرةٍ مازحة:
_وإنتِ قلبك مقفول عليه بجميع الأقفال، بكلِّ أنواع العملات كمان.
ضحكت بخفوت:
_عايز حاجة؟
صمت وهو ينظر إليها.
انتظرت إجابته.
_آه.
سكت لحظة أخرى، ثم قال:
_هكلِّمك بالليل...افتحي المكالمات، متلغيش رقمي هوَّ مش رقم غريب.
ابتسمت:
_هشوف.
هزَّ رأسه رافضًا:
_لا...اسمها هستنَّاك.
نزلت من السيارة، وأغلقت الباب خلفها.
ظلَّ عمران يراقبها بعينيه حتى وصلت إلى البوَّابة.
وقبل أن تدخل، التفتت إليه.
كانت ابتسامتها خجولة، وعيناها تحملان شيئًا لم تجرؤ على قوله بعد.
رفع رأسه إليها وأومأ لها برفق

بعد اسبوع بشرم ااشيخ 
استيقظت على خيوط صباحٍ دافئ تتسلل إلى روحها قبل عينيها، وعلى شفتيها ارتسمت ابتسامة خجولة تشي بسرٍ جميل. فتحت عينيها ببطء، تتلمس المكان من حولها، حتى داهمتها ذكرى ليلة أمس بكل دفئها وهمسها، فاشتعلت وجنتاها بحمرةٍ رقيقة، وكأن قلبها يعيد نبض تلك اللحظات من جديد.
اعتدلت، تلملم خصلات شعرها المبعثرة ثم سحبت روبها الحريري فوق منامتها الحمراء،  نادت اسمه بصوتٍ رقيق، ولم تجد إجابة
خرجت إلى سطح اليخت، فوجدته واقفًا عند الحافة، مغمض العينين،  يستنشق نسيم الصباح الذي يلامس وجهه برفق، وابتسامة هادئة ترتسم على شفتيه… ابتسامة رجل ما زال غارقًا في عشقٍ لم ينتهِ.
توقفت للحظات تتأمله…  الهدوء الذي يميّزه، حتى في أكثر لحظاته غضبًا،  دق قلبها بقوة وهي تهمس باسمه، بصوتٍ ناعم 
استدار إليها، وعيناه التهمتا  ببطءٍ مُسكر، من خصلات شعرها الفوضوية التي زادتها سحرًا، إلى ملامحها التي تشع دفئًا، مرورًا بجسدها الذي يزينه تلك المنامة الحمراء، وصولًا إلى عنقها الذي ما زال يحمل آثار ليلتهما…كوشمٍ من عشق.
مد يده إليها، دون كلمات، اندفعت نحوه، وارتمت بين ذراعيه.
احتضنها بقوةٍ ذيب عظامها بين ذراعيه، دفن وجهه في عنقها، يستنشقها كأنها أنفاسه، وهمس بصوتٍ مبحوح، يحمل كل ما فيه من حب:
— "بحبك يا وهج روحي… يا قدري اللي اختارني قبل ما أختاره."
ارتجفت بين ذراعيه، وأحاطت عنقه بذراعيها، تغوص أكثر في دفئه، وهمست بصوتٍ ذائب:
— "وأنا بعشقك يا سلطان قلبي… يا ملاذي الوحيد،.
رفعت رأسها إليه وقالت
_كنت عايزة اقولك خبر حلو، بس حضرتك ماتدنيش فرصة
تراجع يستند على حافة اليخت
_ايه هيكون أحسن من أنك بين أحضاني
سحبت كفيه، ووضعتها على بطنها تهمس بالقرب من شفتيه وعيناها تخترق عيناه
_جايلنا اجمل هدية حبيبي 
بعد ست شهور هتبقى اجمل أب في الدنيا 
لحظة اثنان ثلاثة يستوعب مانطقته تلك الشفاة، ينظر اليها بتيه، اومأت له مع دموعها 
_أنا حامل في الشهر التالت

وضعت كفَّيه فوق أحشائها، وضمَّت أصابعه بين أصابعها، وابتسمت له من بين دموعها، ارتجف صوتها وهي تنطق بالكلمة التي اختزنتها طويلًا في قلبها، تريد أن توصله إلى تلك الحقيقة التي عجز لسانها عن حمل ثقلها وحده.
نظرت إليه طويلًا، ثم قالت بصوتٍ مرتجف، غارقٍ في ابتسامةٍ لم تستطع دموعها أن تطفئها:
_أنا حامل يا يوسف...

هزَّت رأسها، وهو ينظر إليها، ثم همست: 
_ في التالت.
حدَّق بها طويلًا، وعيناه تحملان ذلك التيه الغريب لرجلٍ ظلَّ لسنواتٍ يتعلَّم كيف يعيش دون أمنيةٍ كان يظنُّها أبسط حقوقه...حتى جاءته الآن، دون مقدِّمات، ودون أن يمنحه قلبه فرصةً ليستعد.
ربَّما سمعها خطأ.
ربَّما من شدَّة اشتياقه، صنع عقله معجزةً صغيرة وصدَّقها..ظلَّ ساكنًا.
نظر إلى يديه فوق بطنها، ثم رفع عينيه إليها ببطء، وكأنَّ الكلمات مرَّت من حوله ولم تستطع الوصول إليه..
_حامل...
_في التالت...
_هو؟
توقَّفت أنفاسه لحظة، واتَّسعت عيناه في ذهولٍ خالص، كأنَّ عقله يرفض أن يصدِّق ما تسمعه أذناه، أو كأنَّ قلبه الذي اعتاد أن يخشى الأمل، لم يعد يعرف كيف يستقبل معجزةً طال انتظارها.
ربَّما ظنَّها أمنيةً أخرى من تلك التي كان يدفنها كل ليلة قبل أن يغمض عينيه.
ربما خشي أن يصدِّق...فيستيقظ.

اقتربت منه أكثر، ورفعت ذراعيها حول عنقه، ثم شَبَّت على أطراف أصابعها، وقبَّلت شفتيه قبلةً رقيقة ارتجفت فيها كل سنوات الانتظار.
ابتعدت عنه قليلًا، وهمست بابتسامةٍ باكية:
_هتكون أحنّ أب في الدنيا.
لم يجب.
ظلَّ ينظر إليها وكأنَّه للمرَّة الأولى يراها، ثم عاد ببصره إلى بطنها، وكأنَّ هناك عالمًا كاملًا يُولد أمام عينيه ولا يعرف كيف يلمسه.
_يوسف... 
لم يتحرَّك..حتى أنفاسه بدت وكأنَّها توقَّفت.
كان ينظر إليها كمن يقف أمام بابٍ ظل مغلقًا في وجهه سنوات، ثم فُتح فجأة...ولم يصدِّق أن ما يراه خلفه حقيقي.

أمسكت كفَّيه من جديد، وأعادتهما إلى بطنها.
راحت تمرِّر أصابعه فوقها بحنان، ثم انحنت قليلًا، وقالت بصوتٍ حنون:
_حبايب مامي...عارفين مين ده؟
ابتسمت وسط دموعها:
_ده بابي.
شهق..

شهقة خرجت من أعماقه، كأنَّ الكلمة أصابت مكانًا ظلَّ ينزف في داخله لسنوات.
_بابي.
ارتعشت أصابعه فوق بطنها.
نزل ببصره إليها، ثم إلى يده، ثم عاد إليها مرَّةً أخرى، تحرَّكت شفتاه، حاول أن يتحدَّث، لكن صوته خانه..فتح فمه، ثم أغلقه.
حاول مرَّةً أخرى، فلم يخرج سوى نفسٍ مرتجف..يتمتم:

_بابي...هل قالت بابي، هل سيصبح أب؟!
الكلمة التي حُرم من سماعها، والتي خاف طويلًا أن تمرَّ حياته دون أن تُقال له.
ارتعشت أصابعه فوق بطنها.
نزل ببصره إليها، ثم إلى يده، ثم عاد إليها مرَّةً أخرى، ..
لأوَّل مرَّة، لم يجد يوسف الكلمات.
هو الذي كان يجد الكلمات لكل شيء.
للحزن...للصبر...للخوف...ولطمأنة الآخرين حين كان هو أكثرهم احتياجًا لمن يطمئنه.
أمَّا الآن، أمام كلمة واحدة فقط...
بابي.
لم يستطع أن ينطق.

مرَّرت أناملها فوق وجهه، تمسح وجهه الذي بدأ يبتلُّ بالدموع، وابتسمت له من بين بكائها:
_مكنتش عايزة من الدنيا غير ابن منك يا يوسف...كنت مستعدة أدفع عمري، بس يبقى بينَّا ولد، تعرف أنا حاسَّة بإيه يا حبيبي؟
رفع عينيه إليها.
كانت عيناه ممتلئتين بشيءٍ أكبر من الدموع..فرحةٌ موجعة، يشعر بأنَّ قلبه لا يعرف كيف يحتملها بعد أن اعتاد طويلًا على الحرمان.
_ضي...
خرج اسمها من بين شفتيه متقطِّعًا.
ثم صمت.
ارتجفت ذقنه، وانخفض بصره من جديد إلى بطنها.
ابتلع غصَّته، وكأنَّه يخشى أن ينطق فيستيقظ من الحلم.
_إنتِ...حا...مل؟
هزَّت رأسها، وانهمرت دموعها:
_آه.
ظلَّ ينظر إليها..ثم إلى بطنها.
ثم إليها من جديد.
_معقول...إنتِ حامل؟
هزَّت رأسها مرَّةً أخرى، فضحكت باكية، ومدَّت يديها إلى وجهه:
_آه يا يوسف...حامل.
أغمض عينيه.
وفي اللحظة نفسها، انهمرت دموعه.
لم تكن دموع فرحٍ عابرة...
كانت دموع رجلٍ صبر طويلًا على شيءٍ ظنَّ يومًا أنه لن يكون له.
رجلٍ أخبره القدر أن الأبوَّة قد تكون حلمًا بعيدًا، فتعلَّم أن يعيش دون أن يطالب بها.
رجلٍ خبَّأ وجعه خلف ابتسامته، وتظاهر بالقوة كلَّما رأى طفلًا يركض نحو أبيه، وكلَّما تخيَّل كيف كان يمكن أن تكون له يدٌ صغيرة تتعلَّق بإصبعه، وصوتٌ صغير يناديه يومًا:
_بابي.
سنواتٌ من الصبر...
سنواتٌ من الدعاء...
سنواتٌ من الرضا رغم الوجع...
ثم جاءه كرم الله دفعةً واحدة.
فتح عينيه، ونظر إليها وكأنَّها لم تمنحه طفلًا فحسب، بل أعادت إليه جزءًا كاملًا من الحياة.
اقترب منها، وأحاط وجهها بكفَّيه المرتجفتين، ثم أسند جبهته إلى جبهتها.
لم يستطع أن يقول شيئًا.
فبعض الأفراح أكبر من أن تُقال.
اكتفى بأن بكى...وبكت معه.
ثم انخفض بصره ببطءٍ إلى بطنها، وكأنه لا يزال غير مصدِّق أنَّ هناك قلبًا صغيرًا ينبض في الداخل، يحمل شيئًا منه...منها...منهما.
مدَّ يده إليها مرَّةً أخرى، ووضعها فوق بطنها بحذرٍ شديد، كأنَّ بين يديه أغلى ما خلق الله.
همس بصوتٍ مبحوح:
_أنا...هبقى أب؟
ابتسمت من بين دموعها:
_آه.
ارتعشت شفتاه، وضحك ضحكةً خرجت مخنوقةً بالبكاء.
ثم انحنى، ووضع قبلةً طويلة على بطنها.
_الحمد لله...
خرجت منه الكلمة كأنَّها اعترافٌ بكل ما مرَّ به.
ثم أسند جبهته إلى بطنها، وأغمض عينيه:
_الحمد لله يا رب...عوَّضتني.
توقَّفت أنفاس ضي للحظة.
أمَّا هو فظلَّ على حاله، يبكي ويبتسم في آنٍ واحد.
ثم رفع وجهه إليها، وقال بصوتٍ مرتجف:
_كنت فاكر إن الحلم ده مش ليَّا... كنت راضي يا ضي، والله كنت راضي... بس ربِّنا كان مخبيلي ده كلُّه.
احتضنته بقوَّة، بينما دفن وجهه في عنقها، وكأنَّ الرجل الذي ظلَّ قويًّا أمام الجميع سمح لنفسه أخيرًا أن ينهار في حضنها.
همس وهو يضمُّها إليه:
_هخاف عليهم من الدنيا كلَّها.
ضحكت وسط دموعها:
_عليهم؟
رفع رأسه إليها، وابتسم للمرَّة الأولى ابتسامةً، تشبه ابتسامة رجلٍ وُلد من جديد:
_آه...عليهم.
ثم نظر إلى بطنها من جديد، ومدَّ يده إليها بحنان:
_أنا هبقى بابا ...
قالها يتذوَّق حلاوة الكلمة للمرَّة الأولى.
ثم ابتسم، وامتلأت عيناه بالدموع من جديد:
_أنا هبقى بابا... 
انحنى دون تفكير يسجد لله شكرًا، يبكي بصوتٍ مرتفع، انهار حتى ارتجف جسده تمامًا، جلست بجواره وبكت على بكائه، لأوَّل مرَّة تراه بتلك الحالة. 
رفعت كفَّها على رأسه، تمسِّد فوق خصلاته تحمد ربَّها على أنه وهبها رجلًا مثله.
اعتدل يزيل دموعه، واستدار إليها..
_احتوى وجهها بين راحتيه، ومرَّر عيناه على كل ملامحها: 
_ضي...هيبقى عندنا بيبي، يعني بيتنا هيكون فيه أطفال، يعني هيقولوا بابا وماما. 
لم ترد عليه، رفعت ذراعيها تحاوط خصره:
_أه...أه حبيبي، هيبقى عندك طفلين. 
ابتعدت تنظر لعينيه:
_هيبقى قطعة منك، ماهو إنتَ شبه عمُّو، عايزة ابني شبه أبوه.
بتر حديثها حين ابتلع جملتها بين شفتيه، بدأ يقبِّلها بحنان، كأنَّه يحتفل بما أخبرته.
ابتعد وعيناه تحتضن عيناها، ثم نظر لبطنها يمرِّر أنامله فوقها. 
كأنَّه يحتفل بكلِّ دعوةٍ ظنَّ أنَّها تأخَّرت.
بكلِّ ليلةٍ ابتلع فيها وجعه وقال: «الحمد لله».
بكلِّ صبرٍ لم يذهب سدى.
كان يحتفل بكرم الله حين يأتي بعد طول انتظار، فيجعل العوض أكبر من كل ما تمنَّيناه.
أمَّا ضي، فكانت تنظر إليه وتبكي...
لأنَّها للمرَّة الأولى رأت في عينيه طفلًا لم يولد بعد.
ورأت أبًا...
كان موجودًا منذ سنوات، لكنَّه كان ينتظر فقط أن يُمنح فرصةً ليقول:
أنا أبوك.

بعد فترة كانت تجلس على الفراش تراقبه وهو يسجد لله وجسده يهتز، علمت أنَّه يبكي، بكت على بكائه، تعشقه بجنون، حتى أنَّها أقسمت، لو لم يكرمهما ربَّهما لن تتركه. 
سحبت روبها وارتدته، واتَّجهت إليه، جلست على الأرضية، تنظر إليه بصمت.
رفع عيناه إليها بعدما أنهى صلاته. 
كانت عيناه مكتظَّة بالدموع، ووجنتيه تختفي خلف عبراته، ومن يخبرنا أن الدموع خُلقت للحزن فقط، فهناك دموع خُلقت لمنحنا السعادة وابتعاد الغم. 
احتضنت وجهه، واقتربت تقبٍّله، كأنَّها تزيل دموعه بشفتيها.
لفَّ ذراعيه حول جسدها، ودفن وجهه بخصلاتها، وآااه انبثقت بصوته المختنق: 
_شوفتي كرم ربِّنا يا ضي، شوفتي ربِّنا هيرزقنا بالأولاد، هكون أب وإنتِ أم.
أغمضت عيناها وارتجف قلبها من كلماته: 
_المهم إنتَ يا يوسف، أنا كنت راضية.. والله، أه كنت عايزة، بس علشان إنتَ أبوهم. 
أبعدها عن أحضانه، يلتهمها بعينيه:
_النهاردة إديتني حياة جديدة ياا أغلى من روحي وحياتي. 
مرَّرت أناملها على وجهه:
_هتبقى أحسن وأحن أب، زي ما إنتَ أحسن وأحن زوج. 
احتضن ثغرها وأغمض عيناه يشعر وكأنَّه امتلك الدنيا وما عليها. 
بعد لحظات ابتعد ونهض يساعدها: 
_قومي خدي شاور، لازم ننزل مصر حالًا.
_دلوقتي...المؤتمر بعد الضهر.
_لا لا...مؤتمر إيه، لازم ننزل. 
بعد ساعات توقَّفت السيارة أمام بوَّابة الكموند.
_انزلي حبيبتي، فيه مشوار لازم أروحه، بس متقوليش لحد، لمَّا أرجع، عايز بابا يعرف أوَّل واحد. 
_بس بلال عرف. 
_بلال... 
أومأت وقالت 
_أيوة...كان في المستشفى لمَّا خرجت من عند الدكتورة. 
ربت على كتفها:
_تمام..مش هيعرَّف حد، بدليل مكلِّمنيش لحدِّ دلوقتي. 
انحنت تطبع قبلة على وجنتيه:
_متتأخَّرش... 
أومأ لها مبتسمًا. 
بعد قليل وصل إلى المقابر، ترجَّل من السيارة وتحرَّك متَّجهًا إلى قبر جدِّه. 
توقَّف أمام القبر للحظات، ونزلت دموعه، وهو يقول: 
_السلام عليكم أيُّها المؤمنون الراحلون السابقون، ونحن بكم  لاحقون. 
جلس أمام القبر، ومرَّر أنامله على القبر:
_وحشتني أوي يا جدُّو، وحشتني لدرجة عايز أنزل القبر وأحضنك، هتستغرب وتقولِّي مش عايز تكبر يا بن الياس، هقولَّك معاك مش عايز. 
(ربنا يسعدك يا ابن إلياس...ويرزقك باللي يطيِّب خاطرك)
آه......أخرجها من صدره كنفس متقطِّع.
كيف لدعوةٍ خرجت من قلب رجلٍ كان يقف على حافَّة الرحيل، أن تبقى حيَّة في القلوب؟
ثبَّت يوسف نظراته على القبر، كيف لإنسانٍ كان يومًا يملأ الدنيا حياةً، أن يصبح الآن حفنةً من تراب... 
ابتسم ابتسامةً باهتة، امتزجت بدمعةٍ أفلتت رغمًا عنه، ثم همس بصوتٍ مبحوح:
ـ النهارده الحياة رجعت تربت على روحي يا جدُّو...دعوتك لسه بترن في ودني، كأنَّك لسه  قدَّامي.
تنهَّد طويلًا، ومسح وجهه بكفِّه: 
ـ أوَّل ما خرجت من عند الدكتور...أوَّل مكان فكَّرت أجي له كان هنا، جيت أفرَّحك..وأقولَّك الخبر اللي كنت مستنيه معايا.
ارتسمت ابتسامة دافئة على شفتيه، رغم الدموع التي أحرقت عينيه:
ـ هبقى أب...ضي حامل يا جدُّو.
خفض رأسه قليلًا، وكأنه ينتظر أن يسمع سعادة جدِّه بالخبر:
ـ فاكر يوم ما سافرت لمَّا قولت لك: "هبعد وأطلَّقها لأنِّي مش قادر أدِّيها السعادة"..بصيتلي وقتها وقلت: "مفيش سعادة يا ابن إلياس من غير اللي بتحبُّه."
ابتلع غصَّته، ثم مرَّر يده فوق التراب برفق، كأنه يربت على يد جدِّه:
ـ صدقت...عرفت معنى كلامك؟ بس تعرف..سعادتي مهما كبرت، فيها كسرة عمرها ما هتتصلَّح بعد غيابك. كنت أتمنَّى تكون معايا، أوَّل واحد أحضنه، وأسمع ضحكتك، وأشوف الفرحة في عينيك.
قطع حديثه صوت بلال خلفه:
ـ كده يا يوسف تقلقني عليك؟
رفع يوسف رأسه، فوجد بلال يقف ينظر إليه بعينين يغمرهما الأسى، ثم اقترب وجلس إلى جواره:
ـ باباك قالِّي هلاقيك هنا.
لم يحوِّل يوسف بصره عن القبر، واكتفى بابتسامةٍ صغيرة شاحبة:
ـ جيت أشكره يا بلال.
_البيت كلُّه مقلوب وإنتَ هنا، طيب أنا زعلان، مش المفروض أنا أوَّل واحد، مش كفاية هتنولوا شرف أكون خال ابنك الغبي. 
_زادنا الشرف والأرف يا خويا.
قهقه بلال وأشار إلى قبر مصطفى: 
_ما تصدَّقش حزنه يا جدُّو، دا جوز ضي.
كل هذا أمام أنظار تلك التي تقف على مقربة منهما.
بعد فترة..
خرج من المقابر، واستقلَّ سيارته بجوار بلال. 
_بابا في البيت؟ 
_لا...عمُّو مالك اتصل بيه وخرج. 
التفت يوسف إليه: 
_ضي...قالت لحد عن حملها؟ 
_لا...قالت لمَّا إنتَ ترجع. 
_ودِّيني عند بابا في الشركة يا بلال. 
_أممممم...شايف ترجع على البيت علشان طنط ميرال، لو ضي قالت لرولا، اعتبر الكل هيعرف قبل ما إنتَ ترجع.
عاد برأسه على المقعد وقال:
_ودِّيني عند أبويا الأوَّل، لازم يعرف أوَّل واحد. 
أومأ بلال مبتسمًا:
_يعني لو مكنتش في المستشفى، مكنتش هعرف الأوَّل. 
التفت يوسف برأسه ولمعت عيناه بالسعادة: 
_نفسي ولادنا يحبُّوا بعض زينا يا بلال، إنتَ عارف إنَّك أخويا مش ابن عمِّي. 
_مردتش برضه يا جو، لو مكنتش موجود مكنتش هعرف الأوَّل. 
ربت يوسف على ساقيه: 
_أنا بحبَّك أوي، وأكيد إنتَ عارف، بس من حق إلياس باشا أوَّل واحد يعرف. 
_بتحبِّني إيه يا متخلف إنتَ، إيه نظام العشق الممنوع دا، وبعدين أه أنا اللي أعرف قبل إلياس كمان، هوَّ حد شال قرفك قدِّي. 
لكزه بكتفه وضحكا الاثنان معًا.
_بقولَّك إيه، أنا اللي هربِّي ولادك، مش واثق في تربيتك. 
قهقه يوسف:
_مش لمَّا تتربَّى إنتَ الأوَّل. 
ظلَّت المشاكسات بينهما إلى أن وصلا الشركة، ترجَّل من السيارة ينظر الى اللافتة الكبيرة: 
‏SHAFAI SECURITY& PROTECTION GROUP
وتحتها يدوَّن إلياس الشافعي وولده.

دلف يوسف إلى الداخل، وخلفه بلال، ثم اتَّجها معًا إلى الطابق المنشود.
كان يوسف يسير بخطواتٍ هادئة في ظاهرها، مضطَّربة في أعماقها، بينما قلبه يعزف داخل صدره بعنف، كأنَّما يدلف إلى أصعب اختبارٍ خاضه في حياته.
توقَّف أمام السكرتير وسأله:
_بابا مشغول؟
أجابه الرجل:
_لا يا دكتور، أستاذ مالك خرج من شوية.
أومأ يوسف، ثم تحرَّك نحو مكتب والده.
وما إن وصل إلى الباب حتى تباطأت خطواته.
رفع يده، ثم أنزلها دون أن يطرق.
ابتسم رغماً عنه، ابتسامة مرتجفة تخفي خلفها أعظم بشارة حملها قلب ابنٍ إلى أبيه:
لقد حان دورك يا أبي...لتصبح أعظم جد.
تنفَّس بعمق، ثم دلف إلى الداخل.
كان إلياس جالسًا خلف مكتبه، منشغلًا بجهازه، لا يعلم أن ابنه يقف أمامه حاملًا بخبرٍ سيقلب ملامح هذا اليوم كلُّه إلى فرح.
توقَّف يوسف عند الباب لحظات، وظلَّ يراقبه في صمت.
وكأنَّ الكلمات التي ظلَّ يردِّدها في طريقه فقدت قدرتها على الخروج الآن.
رفع إلياس رأسه أخيرًا.
وقعت عيناه على يوسف المتوقِّف عند الباب، فانعقد حاجباه حين لاحظ اضطراب ملامحه:
_يوسف...
صمت لحظة، ثم قال بقلق:
_فيه حاجة؟
ظلَّ يوسف ينظر إليه.
لم يستطع الإجابة فورًا.
فقط ابتسم...
ابتسامة ارتعشت معها عيناه، وكأنَّ قلبه سبق لسانه وأخبر أباه بالبشارة قبل أن ينطق بها.
نهض إلياس من مكانه ببطء، وقد ازداد قلقه:
_مالك يا يوسف! إنتَ كويس؟
اقترب يوسف خطوة..ثم خطوة أخرى.
حتى وقف أمام والده، وظلَّت ابتسامته معلَّقة على شفتيه، بينما كانت عيناه تلمعان بشيء لم يره إلياس فيهما منذ زمن.
قال بصوتٍ خافت، مرتجف من فرط الفرح:
_بابا...
توقَّف..ابتلع غصَّته، ثم ضحك بخفَّة وهو يهزُّ رأسه، كأنَّه لا يصدِّق أنه سيقولها أخيرًا:
_أنا...هبقى أب.

تعليقات