رواية شظايا قلوب محترقة ( وكأنها لي الحياة ) الجزء الثانى الخاتمة الرابعة
توقَّف يوسف عند الباب، بينما رفع إلياس عينيه إليه.
تأمَّله طويلًا...
لاحظ ابتسامة غريبة فوق وجه ابنه، ابتسامة لم يرها على ملامحه منذ زمن، وكأن يوسف يحمل بين يديه شيئًا يخشى أن ينطق به، أو يخشى أكثر أن يصدِّقه..
_مبروك يا إلياس باشا هتبقى جد.
ابتسم وقال دون وعي:
_إيه شمس حامل تالت ولَّا إيه، هوَّ حمزة مش عايز يتهدّ أبدًا..
لازم أكلِّمه وأقولُّه كلمتين في جنابه الحيوان دا.
خطا يوسف وما زالت ابتسامته تنير وجهه:
_بابا أنا هكون أب.
قطَّب إلياس حاجبيه..علَّه يستوعب ما نطقه يوسف:
_إنتَ قولت إيه مسمعتش؟!
لم يُجبه يوسف فورًا..بل تقدَّم نحوه بخطواتٍ بطيئة، حتى أصبح أمامه مباشرة، ثم ابتسم ابتسامة مرتعشة فضحت دموعه قبل أن تتحدَّث شفتاه:
_ضي...حامل يا بابا.
توقَّفت الحياة داخل إلياس.
حدَّق فيه..مرَّة...و أخرى...
وكأنَّ الكلمتين مرَّتا من أذنيه، لكنهما لم تصلا إلى قلبه بعد:
_إيه؟
خرجت منه الكلمة ضعيفة، مرتعشة.
اقترب يوسف أكثر، وقال بصوتٍ مبحوح:
_ضي حامل..
ثبَّت إلياس عينيه على وجه ابنه، ثم أخذ نفسًا عميقًا اهتزَّ معه صدره:
حامل...ردَّدها بينه وبين نفسه، ينظر ليوسف بتمعُّن كأنه يريد أن يتيقن بما وصل لأذنيه.
هزَّ يوسف رأسه، وانبثقت دمعة عبر وجنته:
_هبقى أب!!
آاااااه.....انفلتت من بين شفتيه، ينظر إلى يوسف، هل أراد ربَّه بعد كل هذه السنين أن يجبره.
_ياالله...كم أنتَ رحيم بعبدك..ما زال ينظر إلى ابنه دون ردَّة فعل، كل ما نطقته شفتيه:
_ياالله....ظل يردِّدها دون وعي،
ابنه الذي عاش سنوات يخشى أن يُحرم من كلمة «بابا».
ابنه الذي كان يبتسم كلَّما رأى طفلًا، ثم يشيح بوجهه سريعًا حتى لا يفضح أحد ما خلف عينيه.
ابنه الذي أخبره الأطباء يومًا أن الطريق إلى الأبوة قد لا يكون سهلًا...
والذي عاش هو شخصيًّا سنوات يحمل هذا الوجع معه، دون أن يجرؤ يومًا على إظهاره أمام يوسف.
كم مرَّة جلس إلياس وحده في آخر الليل، ورفع يديه إلى السماء؟
كم مرَّة قال:
يارب...أنا مش عايز حاجة لنفسي، ولا بطلب لنفسي من الدنيا غير إنِّي أشوف ابني سعيد...يارب متحرموش من إنه يبقى أب.»
خرجت دعوته من قلبٍ أنهكه الانتظار، ثم سكت لحظة، وطاف بعينيه بمنزله.
كم مرَّة تخيَّل حفيدًا صغيرًا يركض في أرجاء هذا البيت، يملأه ضحكًا وفوضى، فيحمله بين ذراعيه ويضحك من قلبه، و يقف ابنه أمامه عاجزًا عن إخفاء فرحته.
كم مرَّة رسم في خياله ملامح طفلٍ لا يعرفه بعد، حتى أحبَّه قبل أن يأتي.
كان يتمنَّى...ثم يخاف من التمنِّي.
يخشى أن يعلِّق قلبه بأمنيةٍ قد لا تُكتب له، فيكون انتظارها أشدُّ ألمًا من فقدانها.
ومع ذلك، لم يستطع أن يمنع نفسه من الدعاء.
فمَن له غير الله حين تضيق الأمنيات، وتتعذَّر الأسباب، ويصبح المستحيل في نظر البشر أمرًا هيِّنًا على ربِّ المستحيل؟
رفع عينيه إلى السماء، و غصَّةٍ استقرَّت في صدره:
ألم يقل جلَّ وعلا: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾؟
إذن سيظل يدعو...
حتى وإن طال الانتظار، وحتى وإن خذلته كل الأسباب، لأنَّ الذي يملك خزائن السماوات والأرض لا يعجزه حلمٌ صغير خبأه قلب أبٍ من أجل ابنه.
اتَّجه بنظراته الى ابنه، وارتجفت شفتاه، بعدما تيقن أنَّه لم يتوهَّم:
_يعني...
توقّف..لم يستطع إكمالها.
اقترب يوسف، وأمسك بيده:
_يعني هتبقى جد يا بابا.
اتَّسعت عينا إلياس.
وكأنَّ الكلمة الأخيرة هي التي اخترقت كل الحواجز.
جد!! انهارت دمعة وحيدة على خدِّه.
ثم أخرى..رفع يده على جهه ابنه الذي جلس على عقبيه أمامه، وحاول أن يمنع شهقة خرجت منه رغمًا عنه:
_ضي حامل متأكِّد؟
أومأ يوسف، ولم يستطع هو الآخر منع دموعه:
_أيوه.
ضحك إلياس.
ضحكة مرتجفة، ثم انكسرت فجأة إلى بكاء.
ضمَّ ابنه إليه بعنف، وكأنَّه يريد أن يعانقه عن كل السنوات التي خاف فيها عليه، وعن كلِّ ليلة نام فيها وقلبه مُثقل بسؤال لا يملك له إجابة.
_الحمد لله...
خرجت منه مخنوقة.
_الحمد لله يا ابني...
أغمض عينيه، ودفن وجهه في كتف يوسف:
_كنت خايف عليك...
توقَّفت كلماته:
_كنت خايف تفضل طول عمرك محروم من الحاجة دي.
شهق يوسف، وأطبق ذراعيه حول والده:
_أنا عارف يا بابا.
ابتعد إلياس عنه قليلًا، وأمسك وجهه بين كفَّيه.
كانت عيناه غارقتينِ بالدموع:
_فاكر لمَّا الدكتور قال إن الموضوع ممكن يبقى صعب؟
أومأ يوسف:
_فاكر.
ارتعشت ابتسامة إلياس:
_أنا يومها رجعت البيت وقعدت لوحدي...وعيَّطت.
خفض يوسف عينيه، بينما أكمل والده:
_مش علشان خايف من اسم العيلة، ولا علشان عايز حفيد أشيله...
مسح دموعه بيده:
_كنت خايف عليك يا يوسف...كنت خايف تكبر وتبص حواليك وتلاقي كل اللي حواليك بقوا آباء، وإنتَ لأ...كنت خايف تشيل الوجع ده جوَّاك وتسكت، زي ما بتعمل دايمًا.
ثم وضع يده فوق قلب ابنه:
_أنا أبوك...وعارفك.
انهارت دموع يوسف.
احتضنه إلياس من جديد.
وضحك وسط بكائه.
ثم نظر إليه بنظرة مختلفة، كأنَّ شيئًا في داخله لم يستوعبه بعد:
_بس استنى...
ابتسم يوسف:
_إيه؟
_إنتَ قلتلي ضي حامل؟
_أيوه.
_يعني...
ابتلع إلياس ضحكته، ثم رفع حاجبيه في دهشةٍ طفولية لم يعتدها أحد منه:
_أنا فعلًا هبقى جد؟
ضحك يوسف وهو يمسح دموعه.
_أيه يا إلياس باشا ما إنت جد!
هزَّ رأسه وقال:
_لا..لا...إنتَ غير...قالها ثم
شهق ضاحكًا، ورفع يديه إلى وجهه:
_يااااااه...باقي قد إيه؟
كان يطالع والده بدموع تلمع بعينيه، هل كل هذا كان يخفيه أبي، هل كان يتمنى أن يكون له حفيدًا، ورغم ذلك لم يبوح لهم حتى ولو بنظرة؟.
نظر إليه إلياس وصمت قائلًا:
_بتبص لي كدا ليه؟
_أوَّل مرَّة أشوف حضرتك كدا، يعني طول السنين دي وحضرتك..
توقَّف عن الحديث، فحاوط كتف ابنه:
_حبيبي كنت منتظر قدر ربِّنا، ومحبتش أزعَّلك...وصدَّقني لو ربنا ما أرادش كنت راضي.
حاوط وجهه بين كفَّيه:
_بس منكرش إنَّك النهاردة ادتني أحلى خبر في الدنيا.
ضحك وعاد الى مكتبه، وقعت عيناه على بلال الواقف بصمت، ابتسم له:
_بلال عرف؟
أزال دموعه فهو كان واقفًا عند الباب منذ اللحظات الأولى، وعيناه تلمعان من التأثُّر.
قال مبتسمًا:
_إيه بلال عرف دي، دا أنا عرفت قبل أبوه وأمُّه.
هزَّ إلياس رأسه:
_كل اللي معصَّبني في الموضوع دا، إن الحلوف دا هيبقى خال ابنك.
_لا كدا كتير، دا شرف للعيلة الكئيبة بتاعتكم إن فيها واحد زيي.
_الواد دا جايبه معاك ليه؟
اقترب منه ضاحكًا:
_جاي أقولَّك مبروك يا إلياس باشا... علشان تديني حلاوة البشرى
_هوَّ إنتَ قاعد على كوبري ستة أكتوبر بتشحت.
حكَّ رأسه من الخلف:
_اشمعنى ستَّة أكتوبر يعني؟.
غمز يوسف:
_علشان تاريخ النصر.
_وأنا مالي بتاريخ النصر، شايفني بتعامل مع يهود؟
_الواد دا طلَّعه برة.
استند بلال على حافَّة المكتب:
_إخيييه على البخيل، بترسم الدور دا كلُّه علشان ما أخدش حلاوة الخبر.
_حلاوة إيه يلا...
انحنى ينظر لعيني إلياس:
_عايز حق شوية الدموع اللي نزلوا بسببك إنتَ وابنك، يعني كام مليون في البنك، على كام عربية، على كام عمارة كدا.
نهض إلياس من مكانه.
فتراجع للخلف:
_انا كنت جاي أسأل على عمُّو مالك، هوَّ لسة عايش؟
ابتسم إلياس رغمًا عنه:
_مش هتكبر خالص، معرفش إزاي إنتَ دكتور!
_الله...أكبر ليه، وأبقى عجوز، ومالقيش حد يعاكسني زيك، ما تهدى يا إلياس كدا وقول هديت، إنتَ غيران مني؟!
_تصدَّق بالله يلا، حلال فيك اللي بت رولا تعمله فيك.
_وإيه اللي جاب شمعتي المنوَّرة بس؟
قهقه يوسف يلكزه:
_ما تخرص بقى.
_ما تحوش أبوك يا أخويا، غير إن
أنا بعد سنين من الأبحاث التكنولوجية عرفت العيلة دي كارهاني ليه.
_ليه حزلقوم؟
_شايف...
أهي النفسنة...إنتَ اللي وصِّتهم عليَّا، علشان ما أخدش منك التورتة.
توقَّف يوسف أمامه يبعده عن إلياس:
_يلَّا نمشي.
أخرج رأسه من فوق كتف يوسف:
_عمُّو...اضحك اضحك ما تتكسفش، الضحك ببلاش أهو، علشان وشَّك ينوَّر.
سحبه يوسف وتحرَّك.
_يوسف...توقَّف مستديرًا.
_قبل ما ترجع على البيت عدِّي على عمَّك الأول، متخلهوش يعرف زي الغريب...أشار إلى بلال:
_وخد الحلوف دا معاك، يمكن أبوه يضـ ربه رصاصة ونخلص منه.
_أاه يا قاسي يا إلياس عايز تخلص مني على إيد أبويا...أهو تضرب عصفورين بحجر.
توجَّه بنظره إلى يوسف الذي ارتفعت ضحكاته:
_اتأكِّدت إن أبوك منفسن مني، لازم رولا تعرف.
سحبه يوسف من قميصه:
_إنتَ شارب إيه يلا!
عاد إلى إلياس:
_بقولَّك يا عمُّو، مش المفروض تتنازل عن أملاكك لحفيدك، ما هو حفيد إلياس باشا لازم ينزل مليونير، وإنتَ كفاية عليك تاخد طنط ميرال وتروح تقضِّي الباقي من عمرك في مسجد رسول الله.
تطلَّع إليه إلياس بصمت، ضحك بلال واقترب منه يقبِّله على وجنته:
_احلى عمُّو في الدنيا، ربنا يطوِّلنا بعمرك، بس برضو لازم تكتب أملاكك.
_ماشي يا بلال، مش عايز حاجة من الأملاك دي؟
صمت يطالعه بتدقيق:
_مش مرتاح لك.
قالها وتحرَّك للخارج.
بالجامعة..
خرجت من كلِّيتها، وما إن رفعت عينيها حتى وقعتا عليه.
كان يقف إلى جوار سيارته، متَّكئًا عليها في هدوء، يتحدَّث مع جنات.
توقَّفت خطواتها للحظة، وظلَّت تراقبه من بعيد، تحاول أن تقنع قلبها بأنَّ وجوده لا يعني لها شيئًا.
لكن عينيه التقطتا عينيها.
ابتسم لها، وهزَّ رأسه بتحية، فخفضت بصرها سريعًا، ثم تحرَّكت نحو سيارتها وكأنَّها لم تره.
اقتربت من السائق وقالت:
_عمُّو نعيم، عايزة أسوق أنا.
هزَّ الرجل رأسه باعتذار:
_بس الدكتور ما أمرش يا بنتي، معلش اعذريني.
تنهَّدت بضيق، ثم أخرجت هاتفها وابتعدت قليلًا عن السيارة:
_بابا...عايزة أرجع لوحدي بالعربية.
جاءها صوت والدها من الطرف الآخر:
_حبيبتي مينفعش، لسه ما اتعلِّمتيش كويس.
_بابا، لو سمحت...
وقبل أن تكمل، شعرت به يقف إلى جوارها.
لم تره، لكنَّها عرفته.
رائحة عطره كانت كفيلة بأن تجعل قلبها ينتبه قبل عينيها.
أغلقت المكالمة ببطء، واستدارت إليه.
كان يطالعها بابتسامةٍ هادئة:
_عاملة إيه؟
_كويسة.
قالتها ببرودٍ مصطنع، بينما قلبها كان يعلن عكس ذلك تمامًا.
اقترب خطوة، وقال بصوت أخفض:
_وحشتيني.
اهتزَّ شيء عميق داخلها.
حتى ارتبك نبضها، فتراجعت خطوة إلى الخلف..لم تجبه.
_فرح...
نظرت حولها سريعًا إلى الطلاب من حولهما، ثم عادت إليه بنظرة عتاب:
_حضرتك ناسي إنِّنا في الجامعة، وأنا مش زي البنات اللي تعرفهم.
ارتسمت ابتسامة واسعة على شفتيه، فقد لمح الغيرة التي حاولت إخفاءها خلف كلماتها:
_أكيد إنتِ مش زي البنات...إنتِ غير أي حد.
رفعت رأسها إليه، تحاول أن تبدو قوية أمامه:
_عايز مني إيه؟
_تعالي أوصَّلك ونتكلِّم.
_مينفعش، السوَّاق هنا.
قطَّب جبينه، وكأنه لم يجد في اعتراضها سببًا مقنعًا:
_وإيه يعني السوَّاق هنا؟ اعتذري له وأنا أوصَّلك.
_عمران، إيه اللي بتقوله ده؟
انحنى قليلًا نحوها، وعيناه تتجوَّلان حولهما ليتأكَّد من أن لا أحد يراقبهما، ثم قال بابتسامة مشاكسة:
_أحلى عمران أسمعها.
اتَّسعت عيناها، وارتبكت من قربه، بينما أخذ قلبها يخفق بعنف حتى خُيِّل إليها أنَّها تسمع نبضه بأذنيها.
ابتعد عنها فجأة، واتَّجه إلى سيارته.
راقبته باستغراب، ثم شهقت حين رأته يفتح حقيبة سيارته وعاد بشيء، اتجه إلى الإطار وعبث بشيء عند إطار سيارتها.
_إيه اللي عملته ده؟!
لم يجبها، بل اتَّجه مباشرة إلى السائق وقال بكلِّ برود:
_شوف عجلة العربية نايمة ليه.
خرج الرجل ليتفقَّد السيارة، ثم شهق:
_إيه اللي حصل؟! دي كنت لسه شايفها سليمة...وممعيش الاستبن!
وقبل أن تستوعب فرح ما حدث، أمسك عمران كفَّها:
_خلاص، هوصَّل فرح.
سحبت يدها سريعًا، ونظرت حولها في توتُّر إلى الطلاب الذين بدأ بعضهم يلتفت إليهما:
_الطلبة بتبصّ علينا! إيه اللي بتعمله ده؟
فتح باب السيارة، وأشار إليها بعينيه:
_اركبي.
_عمران...
_اركبي يا فرح.
أخرجت هاتفها لتتَّصل بوالدها، لكنه خطفه من يدها، ثم جزَّ على أسنانه وهو ينظر حوله:
_اركبي...الكل بيبص علينا.
نظرت إليه بغيظ، ثم صعدت إلى السيارة على مضض.
استدار إلى مقعد القيادة، وانطلق بها.
ساد الصمت بينهما دقائق، حتى ابتعدا عن الجامعة تمامًا.
التفتت إليه أخيرًا، وقد بدأ الغضب يتغلَّب على ارتباكها:
_إنتَ إيه اللي عملته ده؟! بوَّظت عجل العربية علشان تاخدني؟
غمز لها وهو يواصل القيادة:
_إيه رأيك؟ مع إنِّي ما رحتش الجيش، بس الجيش بيقول اتصرَّف.
_عمران!
ابتسم دون أن ينظر إليها:
_نعم يا حبيب عمران؟
احمرَّت وجنتاها في لحظة، فأدارت وجهها إلى النافذة سريعًا.
صفَّر بخفَّة، وكأنَّه استمتع بانتصاره الصغير.
همست وهي تبتسم رغمًا عنها:
_مجنون.
اقترب برأسه قليلًا من ناحيتها، بينما عيناه لا تفارقان الطريق:
_بتقولي إيه؟
التفتت إليه، فوجدته قريبًا منها على نحوٍ أربك أنفاسها.
شهقت، ثم دفعته بيدها في الهواء:
_ابعد يا دكتور، عيب كده! أومال لو مش قدوة لينا!
اعتدل في مقعده، وقال بسخرية:
_قدوة؟! ناقص تقولي سمَّعني خطبة للشيخ كشك.
نظرت إليه باستغراب:
_مين الشيخ كشك ده؟
_أنا عارف...أبويا كان بيقول كده.
ثم سكت لحظة، وكأنَّ فكرة خطرت له فجأة:
_طب لحظة...أنا عمري ما بحثت عنه.
أمسك هاتفه، وبعد لحظات دوى صوت الشيخ في السيارة.
توَّسعت عيناه وهو يستمع، ثم رفع يده إلى وجهه في حركةٍ مسرحية مضحكة:
_إنتَ بتقول إيه يا عم؟!
انفجرت فرح في الضحك.
ضحكت من قلبها، فضحك هو الآخر، ثم توقَّف للحظة ينظر إليها:
_إنتِ بتضحكي ليه؟! إحنا هنروح النار! تعالي أودِّيكي لأبوكي يا بنتي.
ازدادت ضحكاتها، وهزَّت رأسها:
_أحسن...اللي بيبدأ بخدعة بينتهي كده.
تظاهر بالصدمة:
_نعم! خدعة إيه يا بنتي، إيه الكلام الكبير ده؟
ارتفعت ضحكاتهما معًا مرَّةً أخرى.
وبعد دقائق، أوقف السيارة أمام النيل.
نظرت فرح حولها بدهشة، ثم عادت ببصرها إليه:
_جبتنا هنا ليه؟
تغيَّرت ملامحه.
اختفت ابتسامته العابثة، وحلَّ محلَّها هدوء عميق جعل قلبها يتوجَّس:
_عايز أتكلِّم معاكي.
نظرت إليه منتظرة.
ظلَّ صامتًا لحظات، كأنه يرتِّب الكلمات في صدره قبل أن يخرجها.
ثم قال:
_فرح...لازم يكون بينا رابط رسمي.
توقَّفت أنفاسها..حدَّقت فيه بعدم فهم:
_مش فاهمة.
استدار إليها بكامل جسده، وصوته هذه المرَّة لم يحمل أي مزاح:
_بصي...أنا مش عايز أفضل أقرَّب منك بالشكل ده من غير ما يكون ليَّا حق واضح فيكي، ولا عايز أفضل أخلِّيكي كل ما تشوفيني تقلقي من كلام الناس ونظراتهم.
ظلَّ ينظر إلى عينيها، ثم تابع بصوتٍ أكثر هدوءًا:
_أنا عايزك يا فرح.
اتَّسعت عيناها:
_عمران...
قاطعها برفق:
_لا، اسمعيني للآخر.
أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال:
_لازم نخطب.
ارتجف قلبها.
تابع:
_وكمان نكتب كتاب، زي ما حمزة عمل..معرفش نظامكم إيه بالظبط، بس أنا شايف إن كتب الكتاب أأمن لينا إحنا الاتنين...وأكرم ليكي.
ظلَّت تنظر إليه صامتة.
لم تكن تتوقَّع أن يأتي يوم يتحوَّل فيه ذلك الرجل الذي اعتاد أن يربكها بمزاحه ونظراته إلى رجل يجلس أمامها بهذه الجدية، يطلبها بوضوح، ويضع اسمها إلى جوار اسمه.
مدَّ يده إليها، لكنَّه لم يلمسها، تركها في منتصف المسافة وكأنَّه ينتظر اختيارها:
_أنا مش بطلب منك حاجة دلوقتي غير إنك تفكَّري...بس عايزك تعرفي حاجة واحدة يا فرح.
رفعت عينيها إليه.
ابتسم ابتسامة صغيرة، وقال:
_أنا بحبِّك.
ارتبكت، فأشاحت بنظراتها بعيدًا، تنظر من النافذة عن مهربٍ من عينيه.
قالت بصوتٍ خافت:
_ممكن توصَّلني على البيت؟
ظلَّ ينظر إليها للحظات، ثم ابتسم ابتسامة باهتة لم تصل إلى عينيه:
_مش ده الرد اللي كنت مستنيه يا فرح.
رفعت عينيها إليه سريعًا، وفي نظرتها شيءٌ من الرجاء والخوف معًا:
_اديني وقت أفكَّر يا عمران... متضغطش عليَّا.
زفر ببطء، ثم أومأ، وأعاد بصره إلى الطريق أمامه:
_خدي وقتك...أنا مش هضغط عليكِ.
ارتفعت انفاسه يطرق على المقود، قبل أن يضيف بنبرةٍ هادئة، لكنها كانت تحمل خلفها قلبًا ينبض بالخوف، قال وهو ما زال على وضعه:
_بس أنا متأكِّد إن فيه مشاعر...لو كنت شاكك، مكنتش قاعد معاكي دلوقتي، ولا كنت اتكلِّمت معاكي بكلِّ الصراحة دي.
ثم التفت إليها، يراقب ارتباكها، يحاول أن يقرأ في عينيها إجابةً لم تجرؤ شفتاها على قولها:
_أنا صح يا فرح..ولَّا أنا اللي برسم مستقبل كامل على رمال واهية؟
ارتجفت أصابعها، وأخذت تفرك طرف ردائها في توتر، بينما اشتعلت وجنتاها بحمرةٍ خجولة.
نظر إليها طويلًا، ثم قال بهدوء:
_طيب...بصيلي وأنا بتكلِّم.
لكنَّها لم تستطع.
ظلَّت عيناها معلَّقتين بردائها، وكأنَّ النظر إليه صار أصعب من مواجهة اعترافه.
هزَّ رأسه ببطء، وارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ موجوعة:
_ما هو لازم تقولي أي حاجة يا فرح... أنا مش هفضل أتكلِّم لوحدي.
سكت لحظة، ثم تابع، وصوته أكثر صدقًا هذه المرَّة:
_دي مش خروجة وخلاص...دي ممكن تكون حياتنا، ولو هنمشي فيها سوا، لازم نتشارك في كل حاجة...حتى خوفنا وتردُّدنا.
رفعت رأسها أخيرًا.
تعلَّقت عيناها بعينيه، وكلماته، التي اخترقت الحواجز التي أقامتها حول قلبها:
_حياتنا؟!.
ردَّدتها كأنها تختبر وقع الكلمة على قلبها للمرَّة الأولى..ظلَّ يطالعها بصمت.
لم يجب.
كان ينتظر منها أن تقولها مرَّةً أخرى، أن تمنحه شيئًا صغيرًا يتعلَّق به، لكنَّه رأى في عينيها ذلك الخوف الذي لم تستطع إخفائه.
فأشاحت بوجهها من جديد، وقالت بصوتٍ خفيض:
_ممكن نمشي؟...مش عايزة بابا يفقد الثقة فيَّا.
ظلَّ صامتًا لثوانٍ، ثم أومأ:
_تمام.
مدَّ يده إلى مفتاح السيارة، وأدار المحرِّك.
انطلقت السيارة، يقود وعيناه معلَّقتان بالطريق، لكن ذهنه لم يكن هناك.
كان يتمنى أن تلتفت إليه الآن، أن تقول له ببساطة:
أنا معاك.
كان يتمنَّى كلمةً واحدة تُطمئنه أنَّ ما شعر به بينهما لم يكن وهمًا، وأنَّه لم يكن الرجل الوحيد الذي بنى في قلبه بيتًا تكون هي ملكته.
أمَّا هي، فكانت تجلس إلى جواره، تعبث بأصابعها في طرف ردائها، تحاول أن تجمع شجاعتها.
كم مرَّة أرادت أن تتحدَّث؟
كم مرَّة التفتت إليه في خيالها قبل أن تتراجع؟
لكن صمته هذه المرَّة أخافها.
التفتت إليه للحظة، فرأته يقود بهدوءٍ غريب، وملامحه ساكنة إلى حدٍّ جعل قلبها ينقبض.
لم يكن غاضبًا...ولم يعاتبها.
وكان ذلك تحديدًا ما أخافها.
فصمته لم يكن صمت رجلٍ ينتظر إجابة، بل صمتُ رجلٍ بدأ يتهيأ لتقبُّل الخيبة.
وصل إلى منزلها، أوقف السيارة أمام البوَّابة، ثم أطفأ المحرِّك.
ولم يلتفت إليها.
ظلَّ ينظر أمامه، كأنَّ الطريق الذي قطعه معها قبل قليل لم يكن سوى طريقٍ قصير انتهى قبل أن يبدأ شيءٌ آخر.
راقبته فرح بصمت، ثم استدارت بجسدها نحوه، وقالت بتردُّدٍ امتزج بالخوف:
_أنا لسه في تانية...والجواز مسؤولية، وأنا عايزة أتجوز وأنا قدِّ المسؤولية دي، مش عايزة أدخل في حاجة أكبر منِّي، أتعبك وأتعب نفسي، وأوصل في الآخر لدرجة أكره الجواز...وأنا أصلًا شايفاه حياة جديدة واستقرار.
استدار إليها سريعًا، وكأنّّ كلماتها أعادته من مكانٍ بعيد:
_أنا معاكي...مستحيل أتعبك يا فرح.
ابتسمت ابتسامةً مرتجفة، ثم خفضت عينيها:
_مش عايزة أكون عبء عليك...عايزة اللي أتجوزه يحبِّ الحياة، ميكرههاش بسببي يا عمران..أنا لسه معرفش حاجة عن الجواز غير إنِّ الراجل يحب مراته ويحترمها، ويكون أمان ليها.
لمعت عيناه بسعادةٍ لم يستطع إخفاءها.
يا الله...
أيُّ قلبٍ بريء هذا الذي وقع فيه؟
كانت تتحدَّث عن الزواج وكأنَّها تتحدَّث عن شيءٍ مقدَّس تخشى أن تفسده بجهلها، بينما هو لم يكن يريد منها سوى أن تكون هي.
هي فقط..لو ظلَّ الأمر بيده، لأمضى عمره كلّه يعلِّمها الحياة، لا ليحاسبها على أنَّها لم تعرفها بعد.
وأقسم بينه وبين نفسه، في تلك اللحظة، أنَّه لن يتركها حتى لو كان الطريق إلى الزواج طويلًا...وحتى لو احتاج أن ينتظرها أعوامًا.
قال بصوتٍ هادئ، يحمل يقينًا لم يتزعزع:
_وأنا مش عايز من الجواز غير كده... حب واحترام وأمان، ومش مستني منك أكتر من اللي تقدري عليه.
رفعت عينيها إليه.
كانت عيناه تقولان لها أشياء كثيرة، أكثر ممَّا استطاعت الكلمات أن تحمله:
_عمران...لو سمحت.
اقترب قليلًا، دون أن يضغط عليها، وقال بصوتٍ خافتٍ صادق:
_فرح...أنا حقيقي بحبِّك وعايزك.
ارتجف قلبها.
للحظةٍ لم تسمع شيئًا سوى دقَّات قلبها، وكأنَّ اعترافه عبر المسافة الصغيرة بينهما استقرَّ مباشرةً في أعمق مكانٍ داخلها.
لم تعرف ماذا تقول.
لم تكن تملك شجاعة النظر إليه، ولا القدرة على الهرب من حقيقةٍ باتت تعرفها الآن.
لكن قبل أن تجد كلماتها طريقًا إلى شفتيها، دلفت سيارة والدها إلى البوَّابة.
انتفضت فرح، والتفتت إليها، ثم عادت بعينيها إليه.
وجدته لا يزال ينظر إليها..وكأنَّه منتظرًا جوابها.
همست، بصوتٍ خجول كاد يضيع بين أنفاسها:
_أنا كمان...
اتَّسعت عيناه.
لم يتحرَّك...يشعر بأنَّ عقله احتاج لحظةً كاملة حتى يستوعب ما سمعه قلبه قبل أن يفهمه.
أمَّا هي، فلم تمنحه فرصةً ليرى وجهها بعدما قالتها.
فتحت باب السيارة على عجل، وترجّّلت منها، ثم أسرعت نحو البوَّابة بخطواتٍ مرتبكة، تكاد تتعثَّر من شدَّة خجلها.
ابتسم عمران..
ابتسامةُ رجلٍ عاد إليه قلبه بعد أن ظنَّ أنَّه فقده.
ظلَّ يراقبها بعينينِ تلمعان بعشقٍ صافٍ، حتى رأى آدم يترجَّل من سيارته.
اقترب من ابنته، وأحاط كتفيها بذراعه في حنان، فمالت إليه وقبَّلته على وجنتيه.
نظر آدم ناحية السيارة، فرفع عمران يده محيِّيًا.
وبعد لحظات، استدار آدم يلوِّح له، فأومأ عمران بابتسامةٍ هادئة، ثم أدار محرِّك السيارة وغادر.
لكن هذه المرَّة...
قاد السيارة وقلبه يردِّد كلمتها:
أنا كمان....كلمتان فقط...
لكنَّه شعر وكأنَّ الجميع يحتفل به وله.
عند ضي...
وصلت إلى منزلها، وأغلقت الباب خلفها بهدوء، ثم بقيت للحظات مسندةً ظهرها إليه، كأنَّها تحتاج إلى دقيقة واحدة فقط لتستوعب كل ما حدث.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة واسعة، حالمة، حين عادت إلى ذاكرتها ملامح يوسف وهو يستقبل خبر حملها... فرحته التي لم تستطع عيناه إخفاءها، وارتجافة صوته، وذلك اللمعان الذي ظهر في عينيه
أنزلت كفَّيها إلى بطنها، وابتسمت من بين دموعها:
_الحمد لله...يارب كمِّل فرحتنا، واحفظهولي واحفظ ولادنا ليه.
وصلت الخادمة إليها، فتوقَّفت ضي والتفتت إليها.
_مدام ضي...
اعتدلت في وقفتها ومسحت سريعًا طرف عينيها:
_فيه حاجة؟
_لا، أنا سمعت الباب بيتقفل، ولمَّا لقيتك واقفة هنا افتكرت إنك محتاجة حاجة.
ابتسمت لها ضي وهزَّت رأسها:
_لا، أنا كويسة.
ثم صعدت الدرج بخطواتٍ هادئة، لكن قلبها كان يركض من شدَّة السعادة.
دخلت غرفتها، وأغلقت الباب خلفها، ثم اتَّجهت إلى المرآة.
وقفت أمام انعكاسها طويلًا.
رفعت كفَّيها إلى بطنها، وظلَّت تحدِّق بها وكأنَّها تراها للمرَّة الأولى...وكأنَّها لا تصدِّق أن داخلها الآن قلبين صغيرين، وأنَّها تحمل بين أحشائها الحلم الذي طالما خافت أن يظلَّ مجرَّد حلم.
أفلتت منها ضحكة مرتجفة، امتزجت بدموعها:
ياالله...
أي شعور هذا الذي أكرمتني به؟
كيف يمكن لقلبٍ واحد أن يحتمل كل هذا الفرح؟
نزعت حجابها وحذاءها، ثم اتَّجهت إلى فراشها واستلقت عليه، واحتضنت بطنها بذراعيها، وكأنَّها تحتضن العالم كلِّه.
وبابتسامة غارقة في الحب، همست:
_عارفين إنتم أغلى من حياتي؟
سكتت لحظة، ثم ضحكت وهي تمسح دموعها:
_لو خيَّروني بينكم وبين عمري... هختاركم من غير ما أفكَّر.
ارتعشت شفتاها، وعادت إلى صورة أبيهما أمام عينيها:
_فرحة باباكم النهاردة أثبتتلي قدِّ إيه هوَّ عانى...
أغمضت عينيها، وكأنها تتمنَّى لو تستطيع العودة إلى كل لحظةٍ آلمته فيها، لتحتضنه بدلًا من أن تضغط عليه:
_حبيبي كان بيدفن جوَّاه وجع كبير... وأنا مكنتش حاسة.
ابتلعت غصَّة علقت بحلقها:
_عارفين يا حبايبي إيه اللي بيوجع أكتر؟
فتحت عينيها ونظرت إلى بطنها:
_إنِّي اتَّهمته...وضغطت عليه كتير... أوي.
نزلت دمعة ساخنة على وجنتها:
_كنت فاكرة إنِّي بحمي نفسي... ومخفتش أفكَّر هوَّ كان بيحس بإيه.
مرَّرت كفَّها بحنان فوق بطنها:
_عايزة منكم لمَّا تيجوا الدنيا...تحبُّوا بابي أوي.
ابتسمت من بين دموعها:
_أوي أوي...حتى أكتر مني.
سكتت، ثم شردت بعينيها، وكأنَّها تراه أمامها:
_لأنُّه يستاهل حبّ الدنيا دي كلَّها.
ضحكت ضحكة باكية:
_ولو إنتوا مش حتة منه...كنت حبِّيته أكتر منكم.
ثم وضعت كفَّها فوق قلبها، وقالتها من أعماقها:
_أنا بحبُّه أوي...
ارتجف صوتها:
_وبحبُّكم أوي أوي...
وقبل أن تكمل، دوى طرقٌ خفيف على الباب، ثم انفتح لتظهر غرام:
_ضي؟
اعتدلت ضي سريعًا، ومسحت دموعها بظهر كفِّها:
_فيه حاجة يا ماما؟
اقتربت غرام منها، وما إن رأت عيني ابنتها حتى تغيَّرت ملامحها:
_إنتِ معيطة؟
هزَّت ضي رأسها سريعًا، وأبعدت عينيها عنها:
_لا.
جلست غرام إلى جوارها، تتأمَّلها بقلق:
_مالك يا روحي؟ أوَّل مرة تكوني مسافرة ومتعديش عليَّا...وأنا معرفتش غير من حماتك.
تنفَّست ضي ببطء:
_مرهقة بس يا ماما.
حدَّقت بها غرام طويلًا:
_مرهقة...ولَّا زعلانة مع جوزك؟
رفعت ضي عينيها إليها بسرعة وهزَّت رأسها:
_لا، أبدًا يا ماما.
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة حاولت أن تخفي بها ارتباكها:
_مرهقة وعايزة أنام بس.
تأمَّلتها غرام من رأسها حتى قدميها، ثم قالت:
_كنتي نايمة بهدومك، وبعدين فين جوزك، ليه جاية لوحدك؟
_قالِّي رايح مشوار مهم.
ظلَّت غرام تنظر إليها، وكأنَّها تنتظر تكشف ما تخفيه..لكن ضي لم تقل شيئًا.
اكتفت بأن ابتسمت لها...
ثم نهضت واقتربت منها، وتسلَّلت إلى أحضانها كطفلةٍ صغيرة.
ضمَّتها غرام على الفور، وراحت تمسِّد على خصلات شعرها بحنان.
وفي اللحظة التي شعرت فيها ضي بذراعي أمَّها حولها...
انهار كل ما حاولت أن تخفيه.
بكت..بكت بشدَّة، حتى ارتجف جسدها بين ذراعي أمَّها، وخرجت شهقاتها متتابعة، كأنَّ قلبها ظلَّ طوال الأيام الماضية يحمل فوق احتماله، ولم يجد أخيرًا إلَّا حضن أمِّه ليسقط فيه.
فزعت غرام من حالتها، وأحاطت وجهها بكفَّيها:
_حبيبتي...مالك! إيه اللي حصل؟
رفعت ضي وجهها، ودموعها تملأ عينيها، ثم ابتسمت وسط بكائها:
_أنا فرحانة أوي يا ماما...
شهقت، وعادت تختبئ في حضنها:
_أوي...
ظلَّت غرام تمسِّد على شعرها، وقلبها يرقص من أجل ابنتها رغم أنَّها لم تفهم بعد سر تلك الدموع.
ابتسمت وهي تقبِّل رأسها:
_يارب يفرَّح قلبك كمان وكمان يا بنتي...
ثم ضمَّتها أكثر وهمست:
_بس هوَّ الفرحان...بيبكي كده ليه؟
أغمضت ضي عينيها، وابتسامتها لم تفارق وجهها:
_أنا بحبّ يوسف أوي يا ماما، أوي.
ضحكت غرام:
_يا بت اعقلي، خضِّيتيني، إيه الجديد يعني؟
تمدَّدت على ساق أمَّها:
_الجديد إنِّي بقيت أعشقه أكتر من الأوَّل، ربِّنا يحفظه ليَّ يارب.
قطبت غرام جبينها وطالعتها بقلبِ أمٍّ تخشى حزن ابنتها:
_مالك حبيبتي فيكي إيه النهاردة؟
هزَّت كتفها واقتربت من والدتها تقبِّلها على وجنتيها:
_لمَّا يجي يوسف هتعرفي.
_يوسف..خير فيه حاجة حصلت معاكم؟!
اومأت بسعادة، تريد أن تخبر والدتها ولكنَّها وعدته بأن تنتظره.
عند يوسف...
وصل إلى النادي الرياضي الخاص بأرسلان، وما إن علم أنَّه في اجتماع مع أحد الأعضاء حتى جلس في الخارج ينتظره، بينما غادر بلال متَّجهًا إلى المشفى.
مرَّت أكثر من نصف ساعة...
نصف ساعة كاملة كان يوسف خلالها عاجزًا عن الجلوس بهدوء، تتردَّد في رأسه كلمات ضي، وتعود إلى قلبه تلك اللحظة التي أخبرته فيها بأنَّها تحمل طفلهما...
طفلهما!
كلَّما تذكَّر، ارتسمت على وجهه ابتسامة رغماً عنه.
بعد قليل، انتهى الاجتماع.
خرج أرسلان وإلى جواره مساعده، يتحدَّثان في بعض النقاط، حتى توقَّفت خطواته فجأة حين لمح يوسف جالسًا في الجهة الأخرى، شاردًا وهو ينظر من الشرفة إلى الخارج.
تأمَّله للحظات..كان شاردًا بالخارج، وعلى وجهه ابتسامة.
التفت إلى السكرتيرة التي أسرعت بالاقتراب منه:
_الدكتور بقاله نصِّ ساعة مستني حضرتك، وعامل البريد جاب الحاجات دي.
تبع أرسلان نظراتها إلى الصندوق الموضوع على الطاولة، ثم عاد ببصره إلى يوسف.
تحرَّك نحوه، وما إن اقترب حتى ناداه:
_يوسف.
التفت يوسف إليه، وما إن وقعت عيناه على عمِّه حتى نهض من مكانه.
_فيه حاجة؟
ابتسم، واقترب منه أكثر، ثم قال بنبرةٍ مازحة:
_نفس سؤال أبوي أوّل ما شافني.
رفع أرسلان حاجبه:
_إنتَ كنت عند أبوك؟
أومأ يوسف، واتَّسعت ابتسامته دون أن يستطيع إخفاءها:
_آه...خرجت من عنده عليك.
تأمَّله أرسلان لحظة، ثم اقترب منه وربت على كتفه بحنان:
_خير يا حبيبي، فيه حاجة؟
ظلَّ يوسف صامتًا للحظات.
ثم ابتسم وقال:
_حاجات.
ضحك أرسلان بخفَّة، ثم أشار بيده نحو مكتبه:
_تعال نتكلِّم جوَّا.
تحرَّك يوسف إلى جواره، لكن أرسلان لم يستطع منع نفسه من النظر إليه مرَّةً أخرى.
كان يشعر أن ابن أخيه اليوم غير كل يوم.
وما إن أغلق باب المكتب خلفهما، حتى التفت أرسلان إليه وقال:
_قول بقى...إيه اللي مخلِّيك من ساعة ما دخلت وإنتَ مبتسم كده؟
خفض يوسف رأسه للحظة، ثم رفع عينيه إليه...
وكانت الفرحة فيهما أصدق من أن تحتاج إلى تفسير.
اقترب يوسف منه حتى توقَّف أمامه مباشرة، ثم قالها ببساطة لم تكن أبدًا بحجم ما تحمله الكلمات:
_ضي حامل يا عمِّي.
تجمَّد أرسلان في مكانه.
ظلَّ ينظر إلى يوسف لثوان:
_ضي مين؟
ابتسم يوسف، وكانت ابتسامته وحدها كفيلة بأن تجيب قبل أن ينطق:
_مراتي.
اتَّسعت عينا أرسلان، ورفع كفَّيه في تيه، ثم أشار إليه كأنَّ الأمر أكبر من أن يستوعبه:
_إنتَ...إنتَ متجوز واحدة؟
خرجت منه ضحكة قصيرة مشوبة بالذهول، ثم سكت وهو يتأمَّل وجه يوسف..
ينظر إليه وكأنَّ سعادته سعادة رجلٍ امتلك فجأة الشيء الذي ظلَّ قلبه يخشاه ويحلم به في الوقت نفسه.
اقترب أرسلان منه خطوة:
_يعني إيه حامل؟
هزَّ يوسف رأسه، ولمعت عيناه بالدموع قبل أن يقول بصوتٍ مرتجف من فرط السعادة:
_هبقى أب...
سكت لحظة، كأنَّه لا يزال غير مصدِّق.
ثم ابتسم، وقالها هذه المرَّة من أعماق قلبه:
_أخيرًا...ربِّنا كرمني وهبقى أب يا عمُّو.
شهق أرسلان.
وتوقَّفت الكلمات على شفتيه، وشعر بعينيه تمتلئان بالدموع دون أن ينتبه.
ضي...ابنته.
مرَّت صورتها أمام عينيه طفلةً صغيرة تركض نحوه، ثم مراهقةً تتعلَّق به، ثم شابَّةً، ثم معاناتها مع زواجها، هل أكرمها ربُّها بعد تلك السنوات!.
سعد وهو يتطلَّع إلى يوسف، بأنَّ ابنته
أصبحت اليوم تحمل حياةً داخلها.. بعد سنواتٍ حتى فقدت الأمل
خرج صوته مبحوحًا:
_ضي حامل؟
اقترب أكثر، وكأنَّه يحتاج أن يسمع الإجابة مرَّةً أخرى حتى يصدِّق:
_بنتي حامل؟
رفع عينيه إلى يوسف:
_إنتَ متأكِّد؟
ضحك يوسف وسط دموعه، وهزَّ رأسه:
_متأكِّد يا عمُّو.
لم يحتمل أرسلان أكثر.
جذبه إلى صدره واحتضنه بقوة، وضرب على ظهره بكفِّه وهو يردِّد بصوتٍ اختلطت فيه الضحكة بالبكاء:
_الله أكبر...الله أكبر!
ثم ابتعد عنه وهو يردِّد:
_الحمد لله...الحمد لله يارب.
عاد يضمُّ يوسف إليه، ثم قال وهو يضحك كطفلٍ تلقَّى أجمل هدية في حياته:
_ياالله على جمال الخبر يا حبيبي!
ابتعد عنه، وأمسك كتفيه بكلتي يديه، يتأمَّله..
ثم انفجر ضاحكًا:
_هتبقى أب!
ضحك يوسف، فهزَّ أرسلان رأسه بعدم تصديق:
_يعني إلياس هيبقى جد!
ضحك أكثر، ومسح دموعه بيده:
_أبوك عرف صح؟
أومأ يوسف، ولم يعد قادرًا على السيطرة على سعادته:
_آه...عرف.
أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال:
_ربِّنا يتمِّم فرحتكم على خير يا ابني... ويقرّ عينكم بيه، ويجعله ذريَّة صالحة ليكم.
سكت لحظة، ثم تبدَّلت ملامحه فجأة إلى جديَّة مصطنعة، وأمسك يوسف من كتفيه محذِّرًا:
_بس اسمعني كويس.
ضحك يوسف:
_نعم؟
اقترب أرسلان منه، وقال بلهجة تهديد ساخرة وهو يكتم ضحكته:
_الواد أو البنت اللي هتخلِّفها...لو جيت إنتَ ومراتك ناحيته بس، مش هقولَّك هعمل فيكم إيه.
اتَّسعت ابتسامة يوسف:
_ليه؟
_دول أنا اللي هربِّيهم.
ضحك يوسف، فضربه أرسلان على كتفه وهو يقول:
_دول أحفادي، فاهم؟ من اللحظة دي ضي نفسها بقت تحت وصايتي... وإنتَ كمان.
ثم ضحك من قلبه، قبل أن يهمس وعيناه لا تزالان تلمعان بالدموع:
_بنتي هتبقى أم...
سكت، وكأنَّ الجملة وحدها هزَّت شيئًا عميقًا داخل يوسف.
بمنزل بلال..
كانت تجلس بجوار طفلها تطعمه، رفعت عيناها الى آسيا الشاردة:
_أفريقيا مالك؟
_مفيش...ما تيجي نخرج، من زمان ما خرجناش.
_قصدك سهرة يعني، معرفش والله بلال هيوافق ولَّا لأ، عنده شغل كتير في المستشفى، والأيام دي مشغول أوي.
_وإيه جاب سيرة بلال، نخرج إحنا البنات مع بعض.
قاطعهم يوسف:
_مامي شبعت، عايز أروح ألعب مع جدُّو.
أزالت بقايا الطعام من فمه بالمحرمة، وقبَّلته تنادي على المربية:
_اغسلي ليوسف وانزلي بيه عند بابا، يلعب شوية في الجاردن ويرجع.
_تمام.
نهضت رولا بعدما مسحت كفَّيها، وجلست بجوار آسيا:
_حاسة إن فيه حاجة، إيه مش هتقوليلي؟
عادت برأسها تستند على الأريكة:
_سدن.
_مالها؟!
تجمَّعت الدموع في عينيها وقالت:
_وحشتني أوي يا رولا.
_معرفش ليه مصرَّة تفضل تشتغل في شرم.
اعتدلت آسيا تزيل دموعها:
_تعرفي إنَّها جت الأسبوع اللي فات وحاولت تتكلِّم معايا، وأنا طردتها.
_غلطانة يا آسيا، إزاي جالك قلب كدا؟!
مسحت على وجهها، وبكت بصوتٍ مرتفع وهي تهمهم بالكلام:
_أنا بغير من أختي يارولا، كل لمَّا أشوفها جنب آسر ببقى مش قادرة أتحمِّل.
وضعت كفَّها على صدرها تضربه بخفَّة:
_أنا تعبانة ومضَّايقة من نفسي، بس غصب عني...كل ما أشوفها أفتكر قربهم لبعض، على قد حبِّي لأخوكي، على قد ما نفسي أضربه وأوجعه زي ما وجعني.
_اهدي...بطَّلي عياط، مش عارفة أقولِّك إيه، لأنِّي أكتر واحدة حاسة بيكي، كأننا إحنا الاتنين في نفس المركب.
صاحت باكية:
_بس بلال ما حاولش يقرَّب منها وإنتِ عارفة دا، جوازه كان مجبور، إنما دا راح خطبها بكيفه، وقف جنبها والناس كلَّها شافتهم مع بعض.
اقتربت من رولا تهمس بهسيسٍ موجع:
_أخوكي باسها قدَّامي، حضنها قدامي..
قالت له بحبَّك، بص في عيونها يا رولا.
_حبيبتي ممكن تهدي، أنا عذراكي، بس علشان كدا لازم تقعدي مع أختك، لازم الفجوة دي تتمحي، مينفعش يا آسيا، آسر، غلط أه، بس إنتِ كمان غلطتي.
هبَّت من مكانها وتحرَّكت قائلة:
_أنا ماشية.
_آسيا استني...ولكنها لم تستمع إليها.
تحرَّكت سريعًا، وفجأة توقَّفت حين وجدته واقفًا أمامها ينظر إليها بحزن.
اقتربت رولا منهما:
_أهلا حبيبي.
أومأ لها ورسم ابتسامة:
_عاملة إيه حبيبتي؟
_الحمدلله...ادخل واقف ليه؟
اتجه بنظراته إلى آسيا، عانق كفَّيها:
_لا...ورانا سفر، أشوفك بعدين.
_تمام...قالتها ولم تعلِّق بسبب حالة آسيا.
تحرَّكت بجواره بصمت إلى أن وصل إلى منزله، أغلق الباب واستدار إليها.. سحبت أنظارها من عينيه.
ولكنه احتضن وجهها بين راحتيه، ثم انحنى وقبَّلها قبلة دافئة كأنها اعتذار،
حاوطت خصره ودفنت نفسها بأحضانه:
_غصب عني.
قبَّل رأسها وضمَّها:
_عارف...يلَّا علشان نسافر يومين الغردقة أو شرم اللي تحبِّيه.
رفعت رأسها وقالت:
_نروح شرم.
هزّّ رأسه بابتسامة:
_إنتِ تؤمري يا روحي.
بمنزل إسحاق..
طرق الباب، رفعت شمس صوتها:
_ادخل.
حمحم على الباب:
_شمس أنا عمران كنت عايز أتكلِّم معاكي شوية.
_عمران...همست بها، ثم سحبت روبها وارتدته، وخرجت وجدته يقف على باب الغرفة:
_فيه حاجة، حمزة، إيه اللي حصل؟.
حاول أن يهدِّئها، ولكن هربت الكلمات.
اقتربت أكثر:
_ماله حمزة، إيه اللي حصل؟
_على فكرة وتَّرتيني، حمزة كويس، كنت عايز أتكلِّم معاكي في موضوع تاني.
تنهَّدت وهي تهمس:
_ربنا يسامحك، قلبي وقع.
_هيسامحني إن شاءلله، المهم هستنَّاكي تحت، لحدِّ ماتغيَّري وتنزلي.
أومأت له، فغادر المكان.
زوت ما بين حاجبيها:
_ماله دا، أوَّل مرة يكون عامل زي التلميذ المتعاقب، يا ترى إيه اللي حصل؟!
بالخارج..
رفع هاتفه في محاولة لمهاتفتها، ولكن تلك الرسالة جعلته يلقي الهاتف بغضبٍ ويسبُّه.
_عمران قاعد كدا ليه؟
_مستني مراتك..نطقها دون وعي.
_نعم يا أخويا، مراتي؟!
في تلك اللحظة، وصلت شمس:
_آسفة يا عمران اتأخَّرت عليك.
قالتها ولم تلاحظ وقوف حمزة خلفه.
التفت إليها حمزة:
_اتأخَّرتي عليه، وأنا بقى موقعي من إعراب المبني للمجهول إيه، ضم ولَّا كسر؟
تطلَّعت إليه بذهول:
_والله.
حاوط جسدها وهو يقيِّم عمران بعينيه:
_فيه إيه؟
عايز شمس في موضوع خاص.
لكزه حمزة بقوة بصدره:
_ماتتلم يلا.
ضحكت شمس وتوقَّفت بينهما:
_ما تصبر إنتَ كمان.
التفتت إلى عمران وقالت:
_شكل الموضوع كبير، مش كدا يا دكتور؟
_هوَّ أنا هلاقيها منك ولَّا من جوزك، كنت عايزك تتِّصلي بحد من تليفونك.
ضيَّق حمزة عيناه:
_الواد دا عايزني أقتله الليلة.
قاطعهم وصول إسحاق ودينا من الخارج:
_مالكم فيه إيه؟
مشَّط عمران عيناه على الجميع ثم تحرَّك دون رد.
راقبه حمزة وهو يتمتم:
_روح شوف ابنك، شكله عامل مصيبة، ومصيبة كبيرة كمان.
رفع إسحاق نظراته إلى مغادرة عمران:
_ليه إيه اللي حصل؟
بمنزل إلياس…
وصل الياس، بوصول يوسف وأرسلان.
ترجَّل أرسلان واقترب من إلياس يفتح ذراعيه:
_مبرووووووك يا أحلى جدُّو.
لكزه إلياس ضاحكًا وعيناه على يوسف:
_أنا جد من قبلك يا أخويا.
رفع أرسلان حاجبه:
_أهو بدأنا بالغرور.
استدار لابنه:
_المهم يوسف وضي يكونوا مبسوطين.
اقترب منهم يوسف:
_على فكرة بقى يا إلياس باشا، أنا كان يكفيني إنك أبويا وعمُّو أرسلان عمِّي، دي سعادة لوحدها، منكرش شعور الأبوَّة حلو بس هيكون نصيب وكنت اتعوِّدت خلاص.
لكزه أرسلان في صدره:
_ماتبقاش نكدي زي أبوك، يلَّا اطلع فرَّح أمَّك وجدِّتك.
أومأ يوسف، ولكن أوقفه إلياس:
_اطلع لماما حبيبي، وأنا وعمَّك هنروح لجدِّتك.
التفت أرسلان إليه:
_ليه ما تخليش يوسف يقولّّها؟
_تعال بس...
بعد قليل..
دفع عربة الطعام وطرق الباب.
بالداخل كانت تقرأ وردها، خلعت نظَّارتها وأذنت للطارق.
دلف وهو يدفع العربة.
تبسَّمت تهزُّ رأسها:
_معقول إنتَ اللي جايب العشا!
_تنازلات...تنازلات، لفريدة هانم.
_هوَّ الصراحة تنازلت يا إلياس باشا.
_متخديش على كدا كتير.
افلتت ضحكة وهي تنظر إليه:
_مهما السنين مرِّت هتفصل زي ما إنتَ.
_ما أكيد، هيغيَّروني يعني، إلّّا إذا مت.
_بعد الشر عليك يا حبيبي، ليه توجع قلبي؟
اقترب منها، وساعدها بالنهوض، ثم حاوط جسدها:
_ربِّنا يباركلنا في عمرك يا فريدة هانم، وتفضلي تضحكي عليَّ بدعوة.
_إحم إحم
قالها أرسلان الذي يحمل صينية بها أكواب من العصير.
ضيَّقت فريدة عيناها:
_إيه حكايتكم بالظبط؟
اقترب ارسلان يضع الأكواب:
_هنحجر عليكي.
رفعت حاجبها:
_لا ياشيخ، طب لو طلبت مني حاجة هقولَّك لأ.
_لا ما هو إنتِ وارثة أكتر من اللي هنطلبه، فإلياس اقترح نرفع عليكي قضية حجر.
التفت لإلياس الذي يطالعها بغموض
وقال:
_أول مرة الواد اللي مش هيكبر دا يقول حاجة صح.
توسَّعت عيناها:
_وأنا حيلتي حاجة؟!
اقترب أرسلان وأجلسها على المقعد:
_بصي إحنا ولاد مش عاقِّين إزاي، جينا نعرَّفك قبل ما تعرفي من برة، عرفنا إن مصطفى باشا الله يرحمه كاتب لك نصِّ ثروته.
والصراحة أنا مزنوق في شوية فلوس.
رمشت عدِّة مرَّات:
_إنتَ بتقول إيه، رفعت رأسها لإلياس الذي أومأ برأسه:
_ضيَّع فلوسه على القمار والستَّات.
_مالك ياواد إنتَ وهوَّ؟
_ابنك هيبقى جد.
_ابني مين، وجد إيه؟
_جد شكشك يافريدة، إنتِ نمتي مننا ولَّا إيه؟
رفع عيناه لإلياس:
_يا بني قولت لك نحجر عليها.
أنهت ميرال صلاتها، ثم جلست لحظاتٍ تسبِّح الله في هدوء، قبل أن تنزع إسدالها وتضعه جانبًا.
وما إن همَّت بالصعود إلى فراشها، حتى وصل إلى مسامعها طرقٌ خافت على باب الغرفة.
رفعت رأسها وقالت:
— اتفضل.
انفتح الباب، فالتفتت إليه، وما إن وقعت عيناها عليه حتى ارتسمت على وجهها ابتسامة دافئة.
— مساء الخير يا ميرال هانم.
ضحكت بحنان، وهي تراه يقترب منها:
— مساء الخير يا حبيبي...عامل إيه؟ كده تيجي وتمشي من برَّه لبرَّه، من غير حتى ما تعدِّي عليَّ؟
اقترب منها، ثم جلس إلى جوارها على طرف الفراش، وظلَّ للحظات يتأمَّل وجهها في صمت.
نظرت اليه وقالت وهي تبتسم:
— مالك، بتبصلي كده ليه؟
ابتسم يوسف، وقال بصوتٍ هادئ:
— تيتا كانت بتقولِّي إن أنا شبهك في حنيِّتك...وشبه أبويا في الشكل.
مدَّت يديها إليه، واحتوت وجهه بين راحتيها، تنظر إلى عينيه وكأنَّها ترى فيهما طفلها الذي حملته يومًا بين ذراعيها:
— مش مهم إنتَ شبه مين فينا يا يوسف...المهم إنك قطعة من روحنا. إنتَ ابني، وأغلى حاجة ربِّنا رزقني بيها.
انحنى يوسف وقبَّل كفَّيها، ثم رفع عينيه إليها، وقال من أعماق قلبه:
— أنا بحبِّك أوي يا ماما...ربِّنا يخليكي ليَّا.
كانت جملة بسيطة...لكنها أصابت قلبها في أعمق موضع فيه.
ارتعشت شفتاها، وانسابت دموعها فجأة، حتى شهقت وهي تضع كفَّها على فمها محاولةً إخفاء بكائها.
اتَّسعت عينا يوسف، وسحبها إليه تحت ذراعيه، يضمُّها، يخشى أنه يؤلمها بحديثه:
— طيب ليه العياط ده، مش عايزاني أحبِّك يعني ولّّا إيه، عايزة إلياس بس؟
ضحكت وسط دموعها، ثم رفعت رأسها إليه ومدَّت كفَّيها تمسح بهما وجهه:
— إنت أغلى من نور عيوني يا يوسف... ومش طالبة من ربِّنا حاجة غير إني أشوفك أسعد واحد في الدنيا.
توقَّفت لحظة، ثم مرَّرت أصابعها على وجنته بحنان أم:
— وتأكَّد يا حبيبي إن قلبي راضي عليك...راضي عنك من غير ما تطلب مني، وبدعيلك في كل صلاة، وأقول يارب اجبر خاطره...يارب ما تحرموش من فرحة نفسه فيها..يارب فرحة تنسِّيه كل وجع ويبكي من سعادته.
ارتجف شيءٌ في عينيه.
حاول أن يبتسم، لكن دمعة خانته، ثم تبعتها أخرى، حتى انخفض بصره كمن يحاول أن يخفي انكساره.
قال بصوتٍ مبحوح:
— تعرفي..أنا أسعد واحد في الدنيا... علشان إنتِ أمِّي.
شهقت ميرال من شدِّة حبَّها له، وضمَّت وجهه بين كفَّيها، ثم أسندت رأسه إلى صدرها، كما كانت تفعل حين كان طفلًا صغيرًا:
— وأنا اللي محظوظة بيك يا نور عيوني...ربِّنا يوفقك ويسعدك، ويرزقك فرحة من جمالها تبكي يا ابني...
عندها...
انهار آخر جدارٍ حاول يوسف أن يتمسَّك به.
انسابت دموعه بغزارة، ودفن وجهه في صدر أمِّه، فراحت يداها تمسِّدان شعره في حنان.
ابتسمت وسط دموعها:
— اشش...إيه يا حبيبي، مالك النهارده، رجعت طفل صغير ولَّا إيه؟
رفع يوسف وجهه إليها.
كانت عيناه ممتلئتينِ بالدموع، لكن خلفهما كانت هناك فرحة لم تستطع الكلمات أن تحملها:
— ماما...
ابتسمت، ومرَّرت يدها على خدِّه.
ابتلع غصَّته، ثم أمسك كفَّيها بكلتي يديه، وضغط عليهما وكأنَّه يستمد منهما القوة:
— أنا...هبقى أب يا ماما.
توقَّفت أنفاسها.
حدَّقت فيه للحظات، وكأنَّ عقلها لم يستوعب ما سمعته.
أمَّا هو، فابتسم وسط دموعه، وقال بصوتٍ متهدِّج، كأن كل سنوات الانتظار والألم والخوف قد ذابت من جمال ما يشعر به:
— دعوتك استجابت يا ماما...ضي حامل.
ظلَّت تنظر إليه، لا تنطق.
