رواية اقتحمت جنتي الفصل الحادي عشر
لا تجالس أنصاف العشاق، ولا تصادق أنصاف الأصدقاء، لا تقرأ لأنصاف الموهوبين، لا تعش نصف حياة، ولا تمت نصف موت، لا تختر نصف حل، ولا تقف في منتصف الحقيقة، لا تحلم نصف حلم، ولا تتعلق بنصف أمل، إذا صمتّ.
. فاصمت حتى النهاية، وإذا تكلمت.. فتكلّم حتى النهاية، لا تصمت كي تتكلم، ولا تتكلم كي تصمت.
إذا رضيت فعبّر عن رضاك، لا تصطنع نصف رضا، وإذا رفضت.. فعبّر عن رفضك، لأن نصف الرفض قبول.. النصف هو حياة لم تعشها، وهو كلمة لم تقلها، وهو ابتسامة أجّلتها، وهو حب لم تصل إليه، وهو صداقة لم تعرفها.. النصف هو ما يجعلك غريباً عن أقرب الناس إليك، وهو ما يجعل أقرب الناس إليك غرباء عنك.
النصف هو أن تصل وأن لا تصل، أن تعمل وأن لا تعمل، أن تغيب وأن تحضر.. النصف هو أنت، عندما لا تكون أنت.. لأنك لم تعرف من أنت، النصف هو أن لا تعرف من أنت.. ومن تحب ليس نصفك الآخر.. هو أنت في مكان آخر في الوقت نفسه.
نصف شربة لن تروي ظمأك، ونصف وجبة لن تشبع جوعك، نصف طريق لن يوصلك إلى أي مكان، ونصف فكرة لن تعطي لك نتيجة.. النصف هو لحظة عجزك وأنت لست بعاجز.. لأنك لست نصف إنسان.
أنت إنسان وجدت كي تعيش الحياة، وليس كي تعيش نصف حياة ليست حقيقة الإنسان بما يظهره لك.. بل بما لا يستطيع أن يظهره، لذلك.. إذا أردت أن تعرفه فلا تصغِ إلى ما يقوله.. بل إلى ما لا يقوله.
جبران خليل جبران
لم يقبل سليم طوال حياته بأنصاف الحلول، فإما الكمال أو لا شيء. لذا فقد وقف أمام معشوقته، يمسك يديها وينظر لعينها، وفجأة ركع على ركبة ونصف، وأسند جسده على إحدى ساقيه، ورفع بصره ناحيتها وهتف بصوت ناعم ورقيق
طوال حياتي لم أشعر بذلك الذي ينبض بداخلي سوى أنه يؤلمني، وأنا أكره الشعور بالألم، ولم يذهب ذلك الألم سوى بوجودك يا جنة، لذا أنا آسف، فلن أضيع الوقت، ولن أرتضي بأنصاف الحلول، ولن أتمهل بعلاقتنا كما طلبتِ.
انتظر أن يرى تعابير جسدها حتى يطمئن قلبه، ولكنها كانت تنظر له بنظرة هائمة أعطته الثقة بنفسه أكثر وأكثر. وضع يده بجيب سترته وأخرج علبة قطيفة تحمل شعار أشهر ماركات الألماس، وبداخلها خاتم مرصع بفص ضخم.
ردد بصوت غلفه الشجن
هل تقبلين بي يا جنة؟ تقبلينني كحبيب وزوج وأخ وسند؟ هل تقبلين أن نكمل ما تبقى من حياتنا معًا، وأن لا نضيع الوقت أكثر من ذلك؟.
طبول.. طبول تقرع بداخلها ولا تعلم كيف تسكتها. طوال حياتها كان يتفق قلبها مع عقلها، لكن الآن فالقلب يريد شيئًا والعقل يأبى أن يتركها تشعر بتلك السعادة، فيرسل لها إشارات من الماضي وخذلان الحب.
لكن لحظة.. هذا الراكع أمامها قد فعل المستحيل وتحدى العقبات، كما قال لها سأهدم أي جدار يقف بيني وبينك. فلم لا تعطيه فرصة؟
لحظة.. فرصة!! ماذا إذا خذلها أو تخلى عنها فيما بعد؟ ماذا إذا أمسك يدها الآن وعاد ليتركها عند أول مفترق طرق؟
ظل عقلها وقلبها يتصارعان حتى دفعتها رايتشيل تهتف بمرح
أجيبي أيتها المعتوهة، فالرجل جالس أمامك، ماذا دهاكِ يا جنة؟.
عادت لواقعها تنظر لذلك العاشق الولهان، فبكت من فرط السعادة. فانتفض سليم واقفًا يمسح عبراتها ويهدئها قائلًا بصوت حنون
أنا آسف.. لا تبكي، خلاص انسى اللي قلته، أنا فقط أحبك لدرجة أنني...
قاطعت حديثه تمسح عبراتها وتنظر له بتسلية
واضح جدًا تمسكك بي، من أول لحظة تراجعت في كلامك!
ابتسم يردد
أبدًا.. مستحيل.. عمري ما أتراجع أبدًا، لكن ممكن أعطيكِ وقتًا أكبر شوية لو ده هيريحك.
أجابته بالإنجليزية
وأنا موافقة.
لمعت عينه وفقد النطق فور حديثها لتكمل
موافقة أن أتزوجك يا سليم الراوي، شرط أن لا تترك يدي أبدًا مهما حدث بيننا، أن نظل يدًا واحدة لا نفترق أبدًا.
ابتسم بفرحة ليشعر بنبضات قلبه ستخرج من صدره، فأخرج الخاتم وألبسها إياه وهو يردد بتأكيد
موافق.. وسألزمك بهذا العهد يا جنة، وتذكري تلك اللحظة، أنا أعاهدك أن لا أترك يدك إلا وأنا في قبري، فهل تعاهدينني بالمثل؟.
أومأت برأسها فاحتضنها بقوة وقبلها من جبينها، ينظر لها بعيون حالمة.
. فها هو أخيرًا قد اجتمع بها وأصبحت له، وانتهى الأمر، فهي من تلك اللحظة أصبحت خاصته؛ ليس فقط بالقول، بل قولًا وفعلًا.
في قصر الراوي بالصعيد..
أخذت قمر تتزين بغرفتها، تجرّب الملابس لتختار المناسب لاستقبال زوجها، ونزلت لتخرج وتتسوق وتشتري ما يلزمها. فور نزولها قابلت سليمان فنظر لها بتفحص وردد بوجوم
على فين؟
أجابته برقة وتوتر
هااا.. كنت رايحة لأمي.
بوجه ممتعض ونبرة حادة ردد
إنتي شايفة إن خروجك ودخولك بالشكل ده مش كتير شوية يا قمر ولا إيه؟ ومش معنى إننا ساكتين إنك تسوقي فيها، سليم معاود بكرة وأكيد هيكون ليه كلام معاكي.. بس أنا شايف إنك مش بيهمك حد، وشايفاني أنا وأبوي واقفين في صفك وده بس لخاطر سليم أخوي، لكن للصبر حدود يا بنت الحديدي.
ابتلعت ريقها برهبة وصمتت، فنظر لعينها وردد بخشونة
اكسبي الشر واطلعي أوضتك، وبكفاية خروج عاد.
حركت رأسها موافقة والتفتت هرعت على الدرج لتصعد إلى غرفتها وتغلقها عليها.
وقف العروسان يفتتحان الرقص برقصة رومانسية، وتبعهما ثنائيات الحفل.
وضع سليم يده على خصرها بحنان، وأمسك بالأخرى راحتها، وأسندت هي كفها على كتفه، ليظلا في عالم خاص.
قطع نظراتهما صوته الذي غلفه الشجن يردد
أنا هفاتح أهلي أول ما أرجع مصر، وإن شاء الله نحدد ميعاد للفرح بأسرع وقت.
ابتلعت ريقها بتوتر وخجل وهتفت بصوت ضعيف
أنا.. أنا قررت أثق فيك يا سليم، قررت أعطيك ثقتي وقلبي، بس برضه ادينا وقتنا نعرف بعض، بلاش التسرع ده.
اعترض بقلبه وحواسه يهتف
لا.. أنا مش هقدر أستنى، على فكرة أنا بلغت باباكي إني هتقدم لك النهاردة.. يعني هو عارف.
ابتسمت وشعرت بالفرحة، فهو رجل، ولأول مرة تشعر بمعنى الكلمة.. أفعاله وأقواله تجعلها تشعر دائمًا أنه المنشود.
التف بها أثناء رقصةما لتدور بسعادة وهي بين ذراعيه وتهتف
طيب على الأقل نقعد ونتكلم في حياتنا، وإزاي هنقدر نظبطها مع بعض بسفرك المستمر ده!!
أجابها بيقين وحزم
أنا هعمل كل حاجة وأي حاجة ما تبعدكيش عني، وغير كده مش مهم، حتى لو اضطريت أقفل فروع الشركة كلها.
توقف عقلها عن التفكير.. أصبحت دقات قلبها فقط هي ما تسمع وسط صخب الموسيقى. تحشرج صوتها وهي تجاهد أن تخرجه طبيعيًا
طيب لما ترجع بالسلامة نبقى نتكلم مع بابي في كل حاجة.. هو أنت راجع إمتى؟
ابتسم بفرحة، فهو علم من لغة جسدها أنها تتصنع الجمود، فطمأنها قائلًا
المفروض أقعد شهرين أو أكتر، بس أنا مش هقدر أغيب عنك كل ده، أنا هخلص الشغل وشهر بالكتير وأكون راجع إن شاء الله.
أومأت ببسمة مقتضبة ترددت بصوت حزين
ترجع بالسلامة.
أخذ يحرك أنامله على طول ذراعها بحركة هادئة، فنظرت
له بفضول تسأله باهتمام
شكلها بيضايقك؟
حرك رأسه معترضًا
أبدًا.. العلامات دي محفور زيها في قلبي لأني السبب فيها، ولو حابة
نعمل ليها تجميل أنا مستعد أوديكِ لأكبر دكاترة تجميل في العالم.
وضعت رأسها على صدره تستند عليه أثناء رقصها، فسمعت نبضات قلبه الصاخبة، فرفعت بصرها تجاهه تردد بتأكيد
أنا عمري ما اهتميت بيها، ولو مش مضيقاك فأنا مش عايزة أعملها.
انحنى ليقبل ذراعها بكل تقدير وامتنان، ثم قبل راحة يدها قائلًا
القبلة جوه كف الإيد معناها إنك امتلكتيني.. يعني أنا ملكية خاصة لجنة الصاوي من اللحظة دي.
أمسكت راحتيه وقبلت كفيه من الداخل في إشارة عهد ومودة، ورفعت بصرها تردد
وأنا كمان من اللحظة دي ملكية خاصة جدًا لسليم الراوي.
انتهى الزفاف وتوجه سليم بسيارته ليوصل جنة لمنزلها. أثناء عودتهما، تداخلت أصابعهما وأحكم قبضته على يدها يشعر بفيض من السعادة. تنهد بعمق، فنظرت له جنة بفضول وهتفت
مالك؟
زفر بقوة يردد
حاسس براحة غريبة.. عارفة لما تقعدي عمرك كله بتحاولي توصلي لهدف في حياتك وفي الآخر توصلي له؟ بتحسي بإيه ساعتها؟
ابتسمت تنظر له بحب
مش عارفة.. أنا الحب والمشاعر بالنسبة لي عمرها ما كانت هدف أو أولوية في حياتي.
أجابها وهو ينظر لها بحب
بتحسي براحة كبيرة أوي، وإنك كملتِ مهمتك بنجاح.. زي كدة لما كنتِ بتحلمي تكوني دكتورة وحققتِ ده، حسيتِ بإيه ساعتها؟
أومأت برأسها، ثم اعتدلت بجلستها تهتف بحيرة
طيب هنقدر نتفاهم إزاي ونتواصل ونقرب من بعض عشان نفهم بعض أكتر وأنت بتقعد وقت قليل أوي في أمريكا؟
أجابها
بصي يا ستي.. أنا بقالي فترة كبيرة بحاول أكبر شغلي هنا في نيويورك، وإن شاء الله أقدر أعمل ده، بس المشكلة إن شغلي بيعتمد على إيطاليا أكتر من أي بلد تانية، عشان كدة أنا بقعد هناك وقت أكتر حتى من الوقت اللي بقضيه في مصر.
امتعض وجهها ورددت
منا بقول إن الموضوع مش سهل.
أمسك راحتيه ونظر لها بنظرات عاشقة
أنا هعمل المستحيل عشان أكون معاكِ.. وأنتِ برضه حاولي تتنازلي شوية عشاني.
نظرت له بدهشة فاستطرد
أنا مش بقول لك سيبي شغلك مثلًا، بس ممكن تحوشي إجازاتك عشان تسافري معايا أو تشتغلي بدوام جزئي.
تنهدت بعمق وأردفت
اللي فيه الخير يقدمه ربنا.
فور وصولهما لأبواب منزلها استقبلهما محسن بترحاب، وأمسك يدها التي بها الخاتم ونظر لها ببسمة
الف مبروك يا جنة.. سليم طلب إيدك مني إمبارح وأنا وافقت.
نظر لها بمكر يكمل وهو يتمعن النظر بالخاتم
وأنتِ كمان واضح إنك وافقتِ.
احتضنت والدها تردد بخجل
أنا بحبك أوي يا بابي.
نظر لها سليم بخبث يهتف هامسًا لها برومانسية
أنا كدة هغير على فكرة.
ابتسمت بحب وجلسوا يتشاورون فيما بينهم، فهتف سليم يوضح
أنا أول ما هوصل هكلم أهلي عشان أعرفهم إني خطبت، وكنت عايز بالمرة أعرفهم ميعاد الفرح، فإيه رأيك يا عمي؟
نظر محسن لابنته بمعنى ماذا تريدين، فهتفت بضيق
مصر برضه تجري بالموضوع؟
أجابها بتحدٍ
آه.. مش هضيع وقت أكتر من كدة، أولًا أنا مش صغير ومن حقي أتجوز وأفتح بيت مع الإنسانة اللي بحبها، وثانيًا أنا مقتدر والحمد لله، وثالثًا والأهم إنك موافقة عليا، يبقى ليه التأخير؟
ابتلعت ريقها وبدأت تشعر بتوتر استطاع هو قراءته، فنظر لمحسن وهتف برجاء
معلش يا عمي ممكن تسيبني معاها شوية لوحدنا؟
أومأ له محسن وغادر المكان. نظر لها سليم يتساءل
أنتِ مش أعطيتِني ثقتك؟ يبقى إيه لازمة الخوف والتردد ده؟
أجابته بغصة تؤلم حلقها
الجواز يعني متطلبات أنا مش مستعدة ليها في الوقت الحالي.. كل حاجة بتجري بسرعة ومعنديش كنترول عليها، أنا من ساعة ما اتعرفت عليك يا سليم وأنا ولأول مرة أفكر إني أروح لدكتور نفسي عشان أنا عارفة إني عندي مشاكل نفسية محتاجة تتعالج و......
قاطعها بإصرار
وأنا هفضل جنبك وهدعمك وهساعدك تحلي مشاكلك.
رددت بخوف وعيون باكية
وأفرض اتضايقت ولا زهقت مني، هعمل أنا إيه ساعتها؟
أجابها بتأكيد عازمًا أن يفهمها من هي بالنسبة له
اسمعيني.. أنا مش عايز من دنيتي غيرك أنتِ يا جنة، مهما حصل اطمني، أنا هفضل جنبك، مش إحنا عاهدنا بعض إننا نفضل ماسكين إيدين بعض للنهاية؟
شعرت
براحة إثر حديثه فابتسمت ليردد بغناء وصوت عذب انبهرت هي من حلاوته
ضحكت يعني قلبها مال.. وخلاص الفرق ما بينا اتشال.. يلا يا قلبي روح لها.. يلا قول لها كل اللي بيتقال.
رددت بإعجاب
صوتك حلو أوي.
قبلها من وجنتها وردد
وبعزف جيتار كمان، أكيد لازم في مرة هغنيلك وألعبلك على الجيتار.
استأذن ليردد بجدية
أنا لازم أرجع الفندق عشان الطيارة الساعة 6 الصبح.
أجابته بحيرة
ليه قاعد في فندق؟ ما اشتريتش بيت هنا زي إيطاليا وقبرص؟
تداخلت أصابعه بخاصتها وردد
جربت تأجير الغرف الفندقية وارتحت فيها، وغير كدة أنا مش بقعد هنا كتير عشان كدة ما اهتممتش، بس دلوقتي أكيد هشتري بيت عشان نتجوز فيه يا جنتي.
رققت صوتها قليلًا ليخرج ناعمًا وعذبًا
هو إحنا ما ينفعش نتجوز هنا مع بابي؟ أصله كدة هيعيش لوحده وأنا بصراحة......
قاطعها على الفور
طلباتك أوامر يا روح قلبي.. بس هشتري بيت وييجي باباكي يعيش معانا فيه، أنا مقدرش أعيش في بيت حمايا.. معلش صعيدي بقى ودماغي هتلاقيها قفل كدة في شوية حاجات، وأهمها اللبس والفستان العريان ده، ولأني متأكد إن دي مش طريقة لبسك كنت اتضايقت جامد.
بنظرة لعوب وصوت متصنع الجدية هتفت
والله.. طيب إيه رأيك إني هلبس عريان واللي عندك اعمله، وريني بقى العرق الصعيدي هيعمل إيه؟
أجابها ضاحكًا بلهجته الصعيدية الصارمة
ما أعملش حاجة يا قلبي.. هحبسك في قفص ذهب وأخبيكِ عن عيون الخلق كلاتهم.
لينحني مقربًا فمه من أذنها يهمس لها برقة
أنتِ نسيتِ إنك ملكية خاصة لسليم الراوي ولا إيه يا جنتي؟
طبع قبلة على صدغها قبل أن يستأذن ويتحرك للخارج مودعًا إياها بنظرات ملتهبة من أثر العشق والهيام.
في فيلا سليم بالقاهرة..
جلست الحاجة شادية وسط أحفادها من ابنتها سالي تشعر معهم بالألفة، فهي دائمًا وحيدة، لكنها تمتعض من ابنتها وزوجها بسبب أسلوبهما الطامع. ترددت سالي
كنت لسه أنا ومجدي يا مامي بنفكر لو ننقل ونقعد معاكي هنا بدل ما أنتِ على طول قاعدة لوحدك كدة.. إيه رأيك؟
نظرت لها بتعجب وهتفت
إزاي يا سالي؟ الفيلا بتاعة سليم.
رددت بلامبالاة
وإيه يعني.. هو يعني هيعترض؟ ده يبقى لا بيرحم ولا بيسيب رحمة ربنا تنزل.
هتفت شادية بضيق
إيه الكلام ده؟ هو سليم يا حبيبي مخليني محتاجة حاجة؟
بتقوس فمها هتفت بحنق
ما أنتِ أعطيتِه كل فلوسك يشتغل بيها.. يبقى أقل حاجة يعملها لك إنه يكتب لك الفيلا دي باسمك، وده يبقى كمان أقل من حقك يا مامي.
تدخل مجدي زوج سالي بالحوار يهتف
أيوه يا حماتي.. ده أنتِ وقت ما أعطيتِ له الفلوس كانوا مبلغ يفتح شركة، ويمكن اللي هو وصل ليه ده بسبب فلوسك أنتِ.
زفرت بملل تهتف
الكلام ده كله مش حقيقي.. سليم ما أخذش فلوسي لنفسه، ده بيشغلهالي وبيديني أرباحها كل سنة، ومعايا كمان ورق يثبت حقي.
لمعت عين كل من سالي ومجدي بالطمع والجشع.
هتفت سالي بنزق
أيوه كدة.. أمال أنتِ ليه ما قلتليش الكلام ده قبل كدة؟
أجابتها ببساطة تكشف طمعهما
أولًا لأنك ولحد
ما جوزك فلس لا كنتِ بتسألي عليا ولا كان بيهمك حد.. وثانيًا لأنها حاجة تخصني ولا أنتِ ولا جوزك ليكم دخل.
أدارت وجهها عنهما تمتم داخل نفسها
بندم لما بعزمكم عندي، بس هعمل إيه؟ أحفادي بيوحشوني.
لم يمر الكثير من الوقت حتى سمعت شادية صوت سيارة سليم تدلف للفيلا، فاستندت على عصاها تهرع ناحية الباب وتبعها أحفادها لاستقباله وهي تردد بفرحة
يا حبيبي.. وحشتني أوي يا سليم.
انحنى ببسمة رقيقة يقبل كفها ويربت عليه بحنان وهو يهتف
حبيبتي يا جدتي.. عاملة إيه؟
ابتسمت له بحنان تردد
الحمد لله يا حبيبي.
التفت ليجد أبناء خالته يلتفون حوله. هتف أكبرهم رامي 20 عامًا
وحشتنا يا سليم.. فينكَ يا راجل؟
أجابه سليم وهو يحتضنه
ليك وحشة والله، بس الشغل ما بيرحمش، خلص أنت جامعتك وهأخذك تشتغل معايا أهو تشيل عني شوية.
ثم انحنى للابنة الوسطى ريتال 18 عامًا وقبلها من جبينها وردد
إزيك يا جميل؟
ابتسمت وهي تشعر بنبضات قلبها تقرع بداخلها
الحمد لله يا سليم، وحشتني.. أقصد وحشتنا كلنا يعني.
أجابهما وهو ينحني للأخ الأصغر يقبله
وأنتوا وحشتوني أوي.
ثم نظر لآخرهم رايان 10 سنوات وردد
والشقي ده عامل إيه؟
أجابه بحب
كويس الحمد لله، وخلصت امتحانات كمان، وفاضي خالص عشان تأخذني معاك الصعيد وأنت مسافر.
أومأ برأسه يهتف
طيب تعالى نشوف مامتك ولو وافقت هاخدك معايا.
نظرت له شادية بفضول تهتف بضيق
أنت رايح الصعيد إمتى؟
أجابه وهو يتحاشى النظر لها
النهاردة يا جدتي.
تذمرت وصرخت به بحدة وغضب
بقيت تيجي زي الضيف يا سليم، أنا حاسة إني يوم ما أموت الناس مش هتحس بيا غير لما ريحتي تطلع.
انحنى يقبل كتفها ويهتف بتخوف
بعد الشر عليكي يا شادية هانم.. بس أنتِ أكتر واحدة عارفة ظروفي.
أجابته بتصميم
وظروفك دي مخلياك ما تقدرش إنك تقعد معايا لبكرة حتى؟
نظر لها ببسمته القاتلة وهتف بتأكيد
أنا هقضي اليوم كله هنا وهسافر آخر الليل، عشان بكرة الصبح عندي شغل مهم في البلد يا جدتي، أرجوكِ ما تضايقيش نفسك، وأنا أصلًا جاي وجايب لك أخبار حلوة أوي أوي.
دلف البهو ليجد خالته وزوجها المتملق، الذي فور أن رآه انتفض من مجلسه يرحب به ويهتف بمباركة
أهلاً أهلاً يا سليم، وألف مبروك على الجواز.
ليردد بخبث
أصل حماتي قالت لي إنك اتجوزت في الصعيد، بصراحة كان آخر حاجة ممكن أصدقها إنك تتجوز واحدة من الصعيد.
امتعض وجهه وهو يردد بحدة
ومالهم الصعايدة يا أستاذ مجدي؟ إيه مش قد المقام؟!
حرك رأسه برفض وتخوف وردد
لا أبدًا، والدليل أهو قدامنا يا سليم.
زفر باختناق من تملقه وجلس يحتضن أبناء خالته على الأريكة. اقتربت منه ريتال وأزاحت رايان من جانبه وجلست بجواره تردد بدلال
تيته قالت إنك متجوزها غصب عنك.. صحيح الكلام ده يا سليم؟
نظر سليم لجدته بخزي وعاد ينظر لريتال وردد بتأكيد وقوة
محدش يقدر يجبر سليم الراوي على حاجة يا رورو، ولا أنتِ أول مرة تعرفيني؟
ابتسمت له بسمة حزينة وهتفت
يعني أنت مش متضايق من الجوازة دي؟
أجابه بإيجاز حتى يقطع تعلقها المراهق به
لا.
ثم نظر لجدته وهتف بمرح
وحشني أكلك يا شادية هانم.
رددت بلهفة وهي تنادي على خادمتها لتحضر الطعام
حالًا يا حبيبي، والأكل يكون جاهز، ده أنت حماتك بتحبك لأننا لسه ما اتغديناش.
وقفت جنة بالمشفى الذي تعمل به تتلقى التهاني والمباركات من رفقاء العمل حتى أتى جون ويلسون، رئيس قسم الطوارئ ورئيسها المباشر، الذي حاول أكثر من مرة سابقًا أن يستميلها ناحيته ورفضت.
اقترب منها ونظر لها بتفحص يهتف
عجيب أمرك يا جنة.. فطوال عملك هنا بالمشفى لم نسمع أو نراكِ تتحدثين للرجال، لكنك الآن، ويا للعجب، ترتبطين، وليس مرة واحدة بل مرتان وفي مدة قصيرة جدًا.. هل كان هذا بسبب نقص الرجال من حيث أتيتِ، أم أنك لا تهوين الرجال الأمريكان؟.
هي تعلم جيدًا طريقته الدائمة في استفزازها. هتفت جنة بهدوء
هل هذه مباركتك دكتور ويلسون؟.
ضحك بسخرية ومد يده يردد بمباركة زائفة
مبارك لكِ يا جنة.
مدت هي الأخرى يدها لتصافحه بالمقابل وتجيب
أشكرك دكتور ويلسون.
حاولت سحب كفها من براثته لكنه ظل ممسكًا بها. شعرت رايتشيل بغضب جنة الوشيك،
فاقتربت تسحبها من أمامه، فاضطر لتركها وهي تهتف بمرح
أستأذنك دكتور ويلسون، فلدينا حالة طارئة.
سحبتها لغرفة استراحة الأطباء لتصرخ جنة بغضب جم
وقح وغد ومتحرش، أقسم أنني لن أدعه وشأنه، وسأتقدم بشكوى لمجلس إدارة المشفى عن مضايقاته المستمرة.
حاولت رايتشيل تهدئتها لتردد بهدوء
اهدئي ولا تثيري الأمر، فهو كما قلتِ.. وغد، ولن يصمت إن فعلتِ، وسيهاجمكِ بكل ما أوتي من قوة، ولن تكن مواجهة عادلة، فأنتِ لستِ مواطنة أمريكية وتعلمين مدى العنصرية التي يتعامل بها البعض هنا، خصوصًا مع العرب، فأرجوكِ أن تزيلي تلك الفكرة من رأسك اليابس هذا حتى لا تتأذي.
صمتت لحظة وأخذت تفكر فيما تقوله رايتشيل، ثم رددت رايتشيل بحذر
جنة.. عديني أنكِ لن تتهوري، أرجوكِ.
زفرت باستسلام ورددت
حسنًا.. كفي عن الثرثرة.
ابتسمت رايتشيل تردد بخبث
حسنًا، فلتخبريني بكل ما حدث بينك وبين سليم.
نظرت لها ببسمة مستسلمة، فهي تعلم أنها لن تدعها وشأنها أبدًا
لا يوجد ما يُحكى يا رايتش.. فقط أوصلني للمنزل، وحتى الآن لم يهاتفني لأطمئن أنه قد وصل لمصر بسلام.
اقتربت منها رايتشيل بفضو
ل
حسنًا.. فلتخبريني عن علاقتكما، كيف تسير؟.
بدهشة وتعجب امتعض وجهها
أي علاقة تتحدثين عنها؟.
زغرت رايتشيل بعينها، لتفهم جنة ما تقصده، فترددت برفض
لا.. لا.. أنتِ تبالغين.
لمعت عين رايتشيل بالدهشة
ماذا؟ هل هو طبيعي؟ تقف أمامه حبيبته التي تلوى بنار عشقها لسنوات ولا يتقرب منها فور أن وجدها؟ يخطبها ويلبسها خاتمًا من الألماس الحر ولا يبدي حرارة كافية؟.
حركت جنة كتفيها بلامبالاة
أولًا أنتِ تعلمين أنني متحفظة لذلك الأمر وهو يعلم هذا، لذلك لم يحاول معي.. وثانيًا هو نفسه ليس ذلك الشخص الذي يستغل حب الفتاة له ليفعل بها ما يشاء، بل هو شهم ومحترم، وفوق ذلك صعيدي.
حاولت رايتشل تلفظ الكلمة
صعيدي!! ما معناها؟.
أجابتها
إنها بلدة كبيرة في جنوب مصر، معروف أهلها بالصرامة والشدة والتمسك بالعادات والتقاليد والأعراف، ورجالها من أفضل الرجال بمصر لرجولتهم وشهامتهم وطيبتهم أيضًا، فهم مزيج غريب ما بين الشدة والطيبة.
ابتسمت رايتشيل تردد
إذًا أنتِ محظوظة يا جنة.
بسعادة غامرة رددت
نعم أنا كذلك، وأتمنى من الله أن تمر الأمور بسلاسة ولا تقع أي عقبات بطريقنا، وهناك سبب ثالث وهو ديننا وعقيدتنا يا رايتش، والتي تحرم التقارب الجسدي بأي شكل قبل الزواج.. أفهمتِ؟.
سافر سليم لبلدته بالصعيد ليصل قبيل منتصف الليل، فيجد كل من بالقصر نيام، فهذه هي حياتهم هنا، ينامون مبكرًا ويصحون منذ طلوع الفجر.
دلف وسط عتمة البهو وصعد لغرفته فوجد قمر تنام على الفراش بوضعية مريحة، ترتدي ثيابًا هادئة، ويبدو على وجهها أثر البكاء، فاقترب منها وهتف هامسًا
قمر.. يا قمر.. اصحي.
انتفضت بهلع لتتحول ملامحها للحظة إلى السعادة، فتقفز متهللة وتحتضنه
بلهفة وشوق
حمد لله على سلامتك يا سيد الناس.. اتوحشتك جوي جوي.
ابتعد عنها قليلًا بابتسامة مصطنعة
الله يسلمك.. معلش صحيتك، بس قلت
أعرفك إني رجعت.
أجابته فورًا
ولا يهمك يا سي سليم.. جعان أحضر لك تاكل؟
هز رأسه رافضًا يردد بتعب
أنا محتاج للنوم عشان فرق التوقيت عامل لي صداع.
جلس على الفراش يخلع حذاءه، فاستندت خلفه وأخذت تدلك رقبته وجبينه بحركات هادئة كما علمتها زوجة عمها، وهي تردد بلوعة اشتياق
سلامتك من الوجع يا سي سليم.. إن شاء الله اللي فيك يجي فيا أنا.
ربت على كفها يردد بامتنان
متشكر يا قمر.
ودون سابق إنذار انحنت لتقترب منه بحنان، محاولةً التخفيف من إرهاقه، لكنه تراجع بلطف وتنهد بحرج يردد معتذرًا
معلش يا قمر.. أنا تعبان جوي من السفر ومحتاج أرتاح وأنام.
رددت بحب ولهفة
نام يا سيد الناس ولا يهمك، لسه الأيام جاية كتير.
غير ملابسه واستند على الوسادة، يعيد داخل رأسه جملتها لسه الأيام جاية كتير.
نعم.. معها حق، ما أكثر الأيام القادمة التي سيضطر بها للمكوث معها، وما الطريقة المناسبة لإخبارها بحقيقة مشاعره؟
تذكر طلبه منها أن تحاول إسعاده وأن تزيل الخجل من قاموسها، ليلعن نفسه على تسرعه، ويلعن الظروف التي وضعته بهذا الموضع.
هو سليم الراوي الذي يهابه أكبر عائلات المافيا بإيطاليا، أما هنا في مسقط رأسه فهو منبوذ العائلة.. الطفل الذي لم يرغب به أحد.
هو يعلم تمامًا أن قمر لها حقوق، ويجب عليه أن يراعي الله بها، لكنه لن يستطيع فعلها الآن بعد أن أخرج قلبه من بين أضلعه وأعطاه طواعيةً لهوسه وعشقه الأبدي لجنة.
هو يعلم تمام العلم أن انتهاء تلك الزيجة يعني انتهاء أمر الصلح وفتح باب الدماء من جديد، وهل يستطيع أن يتحمل اللوم الذي سيقع على عاتقه إن حدث ذلك؟
ظل يفكر حتى نظر لساعته ليحتسب الوقت ويعلم أنها ربما تكون الظهيرة بنيويورك، فقرر أن يهاتف حبيبته، فهو لم يحدثها منذ وداعهما بأمريكا.
أنهت جنة جزءًا من دوامها فجلست باستراحة الغداء، وجلست رايتشيل معها تفتح الكثير من الأحاديث، فصاحت بها جنة توبخها
توقفي عن الثرثرة أيتها المعتوهة.. ألم تكتفي من التحدث طوال اليوم مع المرضى وذويهم؟.
قوست شفتاها بحزن طفولي ورددت بصوت حزين متصنعة الغضب
ماذا تريدين يا جنة؟.
أجابتها بصوت هادئ
بعض الهدوء والسكينة.
أشارت رايتشيل بيدها على فمها كأنها تغلقه، وجلست تتناول طعامها حتى صدح صوت هاتف جنة يعلن عن اتصال دولي، فقفزت بلهفة تجيب برقة
ألو.. سليم.
أجابها ببسمة ملتاعة من الاشتياق
جنتي.. إزيك؟ وحشتيني.
رددت بلهفة
الحمد لله، وصلت بالسلامة؟
أجابها
آه يا حبيبتي ما تقلقيش.
تدخلت رايتشيل تهتف بصياح حتى يستمع لها سليم
تحدثا بالإنجليزية من فضلكما حتى أفهم ما تقولا.
ضحك سليم بصخب
دي هنعمل معاها إيه يا جنة، شكلها لازقة؟
ضحكت هي الأخرى
أنت بتقول فيها.. ومش بعيد تتعلم العربي مخصوص عشان تفهم كلامنا، أنت عارف إيه حلها الوحيد؟
إيه؟
نشوف لها بوي فريند يشغلها عننا.
هنا تدخلت رايتشيل بعد أن فهمت تلك الكلمة
حسنًا، عن أي بوي فريند تتحدثين؟ لقد فهمت تلك الكلمة فقط من وسط ثرثرتك يا جنة.
نظرت لها بامتعاض
كفى.. المكالمة دولية، هيا اتركيني ولا تضيعي الوقت.
تحدث سليم بتصميم
لا.. أنا لازم أشوف لها حد فعلًا يشغلها عننا.. بصي استني عليَّ لما أرجع، وأنا مش هسكت غير لما ألاقي حد يرضى بيها.
ضحكت بصخب وفرحة، فهتف بغزل
يا جمال الضحكة يا جنتي وروحي.
تنهدت بحيرة لتفاتحه في الأمر، لكنها عزمت أمرها لتهتف
سليم.. فاتحت أهلك في جوازنا؟
ابتسم بفرحة، هل صحيح ما يسمعه؟ هل هي متعجلة ومتلهفة مثله تمامًا لزواجهما؟ فردد بتأكيد
أنا لسه داخل من ساعة والناس هنا كلها نايمة، شكلك نسيتِ فرق التوقيت، بس ما تقلقيش، أول حاجة هعملها الصبح على الفطار إني هبلغهم.
بتعجب أردفت
إزاي لسه داخل؟
أجابها بمنطقية
لأنني نزلت على مطار القاهرة ورحت لجدتي أطمن عليها وبعدين سافرت للصعيد.. بس أنا قلت لجدتي على جوازنا وفرحت جدًا، ونفسها تشوفك.
أثناء خروج تلك الكلمات، كانت تقف قمر خارج غرفة المكتب تستمع للحديث وتتنصت عليه من أوله، لتصدمها آخر كلماته، وتجعلها تشعر برأسها تدور وعالمها ينتهي، لتقرر أن تحارب من أجل الاحتفاظ بزوجها،
لتردد
طيب يا سليم يا ولد الراوي.. مش قمر اللي يتلعب بيها أكده، إن ما خليتك تلف حوالين نفسك ما أبقاش أنا قمر الحديدي.
