رواية عنيدة في حرملك السلطان الفصل الرابع عشر
" إنت بتبصلي كده ليه ؟ نزل حواجبك دي بدل ما هي عاملة زي رقم ثمانية كده ! قولتلك ماليش دعوة بمغارة على بابا بتاعتكم دى، أنا أخرى أفتح برطمان الصلصة بالعافية ولما بيعصلج بخبطه في الحيطة ! مغارة أرواح إيه وباب سحري إيه اللي هفتحه؟ إنتوا فاكريني معايا المفتاح السحري بتاع الجبل ؟!"
نور رجعت خطوتين لورا وهي بترفع إيديها في وش مالك اللي كان بيقرب منها بخطوات بطيئة، وعينيه السودا بتخترقها كأنها كتاب مفتوح بيحاول يفك طلاسمه نظراته كانت مزيج بين الشك والإعجاب، والفضول القاتل.
مالك وقف قدامها بالظبط صوته كان هادي بس بيرعد جوا دماغها :
" لا تحاولي التهرب هذه المرة بكلماتك المعتوهة. كيف يعرفك أبي؟ ولماذا يثق أن جارية مثلك قادرة على فتح باب لم يستطع أعتى حكماء السلطنة فتحه ؟ من أنت يا نور؟ وما هذا المكان الذي جئت منه ؟"
نور بلعت ريقها وحست إن الأرض بتسحبها عينيه قريبة جداً، وريحته وترتها. لو قالتله إنها جاية من المستقبل وإنه بالنسبة لها مجرد شخصية تاريخية أو خيال، هيعلقها على باب زويلة بتاع العصر ده!
يصت للسلطان العجوز بنظرة استغاثة :
" يا حاج الحقني ! ابنك هيعمل مني بطاطس محمرة ! فهمه إنك مجرد شبهت عليا !"
السلطان العز الدين ضحك بضعف، وسند على دراع باتور، وقال بصوت حكيم هدى الموقف "اتركها يا مالك الفتاة لا تملك سحراً ولا تخفي جيشاً، كل ما في الأمر أنني حين بنيت تلك المغارة في شبابي لحفظ الختم وضعت على بابها لغزاً رياضياً معقداً من بلاد الهند.. لغز يعتمد على منطق لا يفهمه أهل زماننا الذين يعتمدون على السيف قبل العقل، قرأت في عينيها ذكاء غريباً، وطريقة تفكير لا تنتمي لتقاليدنا الجامدة.. لذلك قلت إنها الوحيدة التي قد تملك المفتاح. "
نور أخدت نفس عميق وطلعت لسانها لمالك في الخباثة:
" سمعت؟ ذكاء غريب! بابا ده بيفهم والله.. مش زيك كل ما تشوفني تقولي ثرثارة وجارية أنا عقلية فذة بس إنتوا اللي ما يتفهموش في المواهب !"
مالك عقد حواجبه وبص لأبوه، ورجع بص لنور بصرامة ممزوجة بتنهيدة استسلام:
"حسناً.. سأصدق هذا التبرير مؤقناً، ولكن أقسم لك، لو اكتشفت أنك تتلاعبين بي، فلن ينقذك مني أحد.. لا أبي ولا ذكاؤك هذا المزعوم"
نور ربعت ايديها ولوت بوزها
طب بالا يا أخويا بالا، قدامي على المغارة خلينا نخلص من المسلسل الهندي ده، أنا ورايا مستقبل عاوزه أرجعله "
مالك مفهمش قصدها، بس لف ظهره ونادى على باتور يجهز الخيل. نور حصانها كان هرب وقت الانفجار، فمالك شد لجام حصانه الأسود الضخم، ويصلها ببرود:
"تعالي "
نور بصت للحصان اللي قد الفيل وبصت لمالك:
"نعم؟ أجي فين؟ أركب معاك على نفس الحصان؟ إنت بتهزر صح؟ مفيش أوبر.. قصدي مفيش حنطور؟ مفيش حصان ثاني؟"
مالك يصلها بنفاد صبر: "لا وقت لتدللك الآن كل ثانية تمر يقترب فيها شهاب من التتويج !
اصعدي قبل أن أحملك وأربطك في ذيل الحصان"
نور برقت عينيها : ذيل مين يا بيئة ! أنا هركب لوحدي "
حاولت تحط رجلها على الركاب، بس الحصان كان عالي جداً، مالك نفخ بضيق، ونزل من على حصانه، شالها من وسطها بإيديه الاثنين كأنها عروسة لعبة، ورفعها حطها على السرج.
نور وشها جاب ألوان من لمسته وقوتها، بس كابرت
" إيه العافية دي؟ براحة شوية أنا مش شوال دقيق !"
مالك ركب وراها، وحاوطها بدراعاته عشان يمسك اللجام صدره العريض كان لازق في ظهرها، وأنفاسه الدافية بتخبط في رقبتها، نور حست بكهربا ماشية في جسمها كله. واتصلبت مكانها.
" استرخي أيتها العنيدة، لن ألتهمك " همس مالك جنب ودنها بصوت خشن خلى قلبها يدق زي الطبل
ضرب الحصان برجله، وانطلقوا كالسهم في وسط الغابة، ووراهم باتور ورجالته بيحرسوا السلطان العجوز.
الرحلة كانت في صمت مليان توتر وكهربا نور كانت بتحاول تركز في الطريق عشان تتجاهل دقات قلبها اللي فضحاها، ومالك كان بيحاول يبعد نظره عن خصلات شعرها اللي يتطير وتخبط في وشه مع الهوا.
بعد مسيرة ساعة في طرق جبلية وعرة، وصلوا لمنطقة ضلمة جداً، صوت الماية فيها كان بيرعد. ده كان " الشلال الأسود". الماية نازلة من ارتفاع شاهق بين صخور سودا كحل
والمكان مقبض جداً ومخيف.
نزلوا من على الخيل السلطان العجوز شاور على نقطة ورا الشلال:
" المدخل هناك.. خلف ستارة الماء الكثيفة. ولكن احذروا الصخور زلقة."
مالك سحب سيفه ومسك ايد نور بقوة :
"امسكي بيدي جيداً، ولا تتركيها."
نور شدت على إيده، ودخلوا من ممر ضيق جداً في الصخر الماية كانت بتطرطش عليهم وهما بيعدوا من ورا الشلال لحد ما وصلوا لكهف ضخم جواه ضلمة مرعبة، باتور ورجالته ولعوا مشاغل نورت المكان.
في آخر الكهف، كان فيه باب حجري ضخم جداً، عليه نقوش غريبة، وفي نصه دائرة حجرية متقسمة لتسع مربعات محفور عليها أرقام غريبة، وفي مربعات فاضية.
باتور تراجع خطوة برعب وهو بيبص للباب
" إنه باب اللعنة ! يقال إن من يلمس هذا الباب ولا يحل طلاسمه في دقيقة واحدة، تخرج منه أسهم مسمومة تخترق قلبه !"
نور سابت إيد مالك، وقربت من الباب بفضول بصت للمربعات والأرقام، ورفعت حاجبها
"لعنة ؟ وطلاسم؟ تصدقوا إنكم شعب بائس ومحتاج محو أمية سريع ؟"
مالك يصلها بتحذير: "نور! لا تلمسي شيئاً! هذا فخ مميت !"
نور لفتله وابتسمت بثقة : "فخ مين يا عمنا ؟ إنتوا مصدقين نفسكم ؟ ده مربع سحري بتاع أرقام بازل أطفال يعني عندنا بتلعب بيه وإحنا في الحضانة وإسمه سودوكو الغلابة ! كل الفكرة إن المربعات دی لازم مجموعها بالطول والعرض والجنب يساوى 15.. السلطان الوالد طلع بيحب الرياضة وإنتوا قفلتوها لعنة وأرواح !"
السلطان العجوز ضحك بصوت عالي:
"ألم أقل لك يا مالك؟ هذه الفتاة كنز لم يستطع أحد من علمائي فهم فكرة المربع السحري الذي جلبته من الهند، فظنوه سحراً أسود!"
مالك كان باصص لنور بذهول البنت اللي كانت من شوية بتصوت من ركوب الحصان، واقفة
قدام فخ مميت بكل برود وبتتريق عليه.
يلا يا سيدي وريني إزاي بتتحرك البتاعة دي " نور ضغطت على حجر في المربع، وحركته.
المربعات كانت زي البازل المنزلق. بدأت تحرك الأرقام بسرعة وخفة.
" يا ستي اتهدي ده مفيش فيه باسورد دي أرقام هتتحط كده.. 8 و 1 و 6 فوق.. و 3 و 5 و 7 في النص.. و 4 و 9 و 2 تحت بس كده تاتا تاتا!"
وبمجرد ما نور حطت آخر حجر في مكانه ... سمعوا صوت تروس حجرية ضخمة بتتحرك جوه الجدار صوت زلزال خفيف هز الكهف، والباب الحجري الضخم انشق نصين وبدأ يتفتحببطه
با تور ورجالته سجدوا على الأرض من الرعب والذهول، ومالك عينيه وسعت وهو بيبصلها كأنها كائن من كوكب تاني.
نور نفضت إيديها من التراب، ولفت لمالك وغمز تله :
" عيب عليك.. أنا نور محمد أحل اللغز وأنا حاطة رجل على رجل فين الختم بقى خلينا نروح نلحق التتويج بتاع أخوك قبل ما البوفيه يخلص ؟"
مالك مقدرش يمسك نفسه، وقرب منها، ومسك وشها بين إيديه بحركة مفاجئة وسريعة عينيه كانت بتلمع بشغف وإعجاب حقيقي خرق كل حصونه الباردة
"أنت.. أنت أعجوبة ! لم أزر في حياتي امرأة بمثل شجاعتك وصفائك هذا."
نور اتصدمت من الحركة، ووشها احمر جداً، وقلبها كان هيقف. حاولت تستوعب الموقف فردت بلسانها اللي بيشتغل كالية دفاع:
"إحم.. يا سيدي ما تكبرش الموضوع دي مسألة حسابية مش اختراع الذرة ! وبعدين شيل إيدك لحسن باتور بيبصلنا وممكن ينزلونا على صفحات النميمة بتاعة العصر ده ! "
مالك ابتسم ابتسامة خطفت قلبها، وساب وشها بس فضل ماسك إيدها، ودخلوا جوه المغارة.
في نص المغارة، كان في قاعدة حجرية بينزل عليها شعاع نور خفيف من فتحة في سقف الكهف على القاعدة دي، صندوق صغير من الذهب الخالص.
مالك قرب، وفتح الصندوق، جواه كان الختم الملكي الحقيقي، أسد مجنح مصنوع من الياقوت الأحمر النادر أول ما مسكه الختم عكس النور بلون أحمر دموي على المغارة.
السلطان العجوز اتنهد براحة
"أخيرا.. الآن يا بني، أنت السلطان الشرعي الذي لا يجرؤ أحد على معارضة أوامره أمام هذا الختم "
مالك قفل الصندوق وربطه في حزامه، وبص لنور بنظرة كلها تصميم
" الآن.. لتنطلق إلى العاصمة الليلة، سيشهد قصر الحكم نهاية الخائن شهاب الدين !"
فجأة !
وقبل ما يتحركوا خطوة سمعوا صوت ضحكة شريرة خشنة جداً جاية من مدخل الكهف.. من ورا الشلال
"نهاية من يا مالك؟ يبدو أنك تعجلت في كتابة الفصل الأخير!"
كلهم لقوا بسرعة، وباتور ورجالته سحبوا سيوفهم. من بين ستارة الماية، دخل الأمير شهاب الدين بشحمه ولحمه ومعاه فرقة من أشرس المرتزقة اللي مدججين بالسلاح، وعددهم كان أضعاف عدد رجال باتور
نور خبطت على راسها: "يا دي النيلة السودة هو إنت مركب جي بي إس في قفانا يا ابني ؟ ما بتفصلش ؟ كل ما نروح حتة تطلعلنا زي الخازوق ؟"
شهاب ضحك بسخرية وهو بيسحب سيفه، وعينيه جت على السلطان العجوز
"أبي العزيز.. هل ظننت حقاً أنني سأتركك تهرب من حصن الغراب دون أن أضع من يراقب خطواتك؟ كنت أعلم أنك ستقود هذا الأبله إلى الختم الحقيقي في النهاية ! وفرتم على عناء حل اللغز اللعين !"
مالك وقف قدام أبوه ونور، وسيفه بيلمع في الضلمة :
"أنيت لتلقى حتفك يا شهاب لن تخرج من هذا الكهف حياً!"
شهاب شاور لرجاله: "اقتلوهم جميعاً اقطعوا رأس مالك وأبي ولكن المرأة.. هاتوها حية فهي تستحق أن تكون جائزتي الليلة !"
نور صرخت فيه من ورا ضهر مالك:
" جائزة مين يا منيل إنت ده أنا أجيب أجلك وإنت واقف إنت فاكرني كاس أمم أفريقيا
هتستلمني ؟"
المرتزقة هجموا زي الطوفان
المعركة جوه الكهف كانت مرعبة صوت ضرب السيوف بيتردد في الجدران، مالك كان بيقاتل بوحشية غير مسبوقة، سيفه بيصد الهجمات من كل اتجاه، وباتور ورجالته عاملين دايرة حماية حوالين السلطان العجوز.
نور كانت مرعوبة، بس عينيها كانت بتدور في المكان على أي حاجة تنفع سلاح، لقت مشعل مرمي على الأرض، مسكته بسرعة.
واحد من المرتزقة قدر يخترق الدفاع ورايح ناحية مالك من ظهره نور مصدقتش نفسها وبأعلى صوت عندها :
" يا مالك حاسب وراك !" وفي نفس اللحظة اللي الراجل رفع فيها سيفه، نور ضربته بالمشعل المولع في وشه !
المرتزق صرخ ورجع لورا، ومالك لفله وقطعه نصين بضربة سيف سريعة. مالك بص لنور وهو بيلهت
قلت لك ابقى في الخلف !"
نور زعقت فيه وهي بتلوح بالمشعل:
"خلف إيه إنت كمان إنتوا متكتفين هنا العدد بتاعهم كبير!"
شهاب لمح الختم مربوط في حزام مالك ابتسم بخبث وانسحب خطوتين لورا، ومسك
قوس وسهم من واحد من المرتزقة. بس شهاب ماكنش بيصوب على مالك !
شهاب وجه القوس ناحية نورا
السلطان العجوز صرخ: "مالك ! انتبه !"
شهاب ساب السهم من القوس السهم طار في الهوا بسرعة جنونية ناحية قلب نور!
نور برقت عينيها والسهم بيقرب عليها حست إن الوقت وقف تماماً مفيش فرصة تهرب.
في الكسر من الثانية ده مالك رمى نفسه بكل قوته قدام نور ""
صرخة مكتومة طلعت من مالك لما السهم اخترق كنفه الشمال واخترق الدرع لحد ما غاص في اللحم مالك وقع على ركبة واحدة من قوة الضربة، والدم بدأ ينزف من درعه.
نور صرخت صرخة قطعت القلب، ووقعت على الأرض جنبه يتمسك دراعه
" مالك ! مالك إنت كويس؟ يا لهوي الدم يا لهوي إنت أخدت السهم بدالي ليه يا مجنون ؟!"
مالك وهو بيجز على أسنانه من الألم القاتل، رفع عينه ليها، كانت نظرة مليانة خوف عليها هي مش على نفسه :
"ألم... ألم أقسم لك .. أنني سأتلقى الموت.. قبل أن يمسك ضرر؟"
شهاب ضحك بانتصار وهو بيشوف أخوه واقع على الأرض
"يا للرومانسية المقززة ! السلطان العظيم يسقط من أجل جارية سليطة اللسان خذوا الختم منه واقطعوا رأسه الآن !"
المرتزقة قربوا من مالك وهو واقع، ونور واقفة قدامه ماسكة المشعل بتترعش، وبتصرخ ودموعها بتنزل زي المطر
" لو حد قربله هحرقه هحرقكم كلكم يا بلاليص !"
باتور كان بيحارب الناحية الثانية ومش قادر يوصلهم، والسلطان العجوز عاجز مالك بيحاول يرفع سيفه بايده السليمة بس الألم كان بيشل حركته السهم كان مسموم
هل دى النهاية ؟ نور حست إن روحها بتتسحب منها وهي شايفة الراجل اللي حبيته بيموت قدامها بسببها، وشهاب بيقرب بخطوات بطيئة وسيفه مرفوع عشان يقطع رأس مالك.
" لقد انتهت اللعبة يا أخي " قالها شهاب وهو بينزل بالسيف
