رواية غالية سيدة قلب يونس الفصل الخامس عشر
سقطت الكلمة كالقنبلة بين أركان القاعة الشاسعة..
«غالية رضوان العزازي!»
ساد صمتٌ مريب ومفزوع، كأن الجميع قد أُصيبوا بالخرس المفاجئ! تسمرت الأبصار، وتجمّدت الدماء في العروق..
اتساع عيني الحاجة صفية جاء بذهول مطبق، ونظرت لعمام يونس «عبد الحميد» و«عبد الرحيم»، اللذين انتفضا من مجلسهما بغير تصديق، بينما تبادلت «نعمة» و«وصال» و«سمر» و«راوية» نظرات التشكيك والصدمة.
هتف الحاج «عبد الحميد» بصوت متهدج وغير مصدق:
ـ «إزاي يعني يا يونس؟! كيف الحكي ده؟! رضوان أخونا الله يرحمه اتجوز سنة واحدة بس ومات بعدها وما خلفش! ومراته سميرة لفت هدومها ورجعت لأهلها تاني بعد موته بشهرين! كيف تقول إن غالية بتكون بنته؟! جرى لعقلك إيه يا ولدي؟!»
وانضم إليه الحاج «عبد الرحيم» مستنكراً وهو يهز رأسه بحدة:
ـ «صُح يا يونس! رضوان ما كانش له خلفة واصل! الجول ده ما يتدخل عقل ولا ينعقل!»
وهنا صاحت «نعمة» بنبرة ملؤها الغل والتشكيك، وهي تتطلع في يونس بغضب:
ـ «عشان هتكون مرتك عايز تعمل لها أصل وفصل وتخليها بنت عمك اللي مات من تسعتاشر سنة؟! عشان ترفع راسها تلبّسها لأخوك الميت يا حاج نعمان؟!»
تزايد اللغط والهمهمات في الصالون، و«منصور» و«حمزة» و«رجب» يتبادلون النظرات في صدمة شلت ألسنتهم..
كل هذا.. وغالية تقف بجوار يونس متسمرة كتمثال من رخام، أذناها تطنان، وعيناها معلقتان بوجنتيه بذهول يمزق القلوب.. يدها المرتجفة داخل كفه تشد بغير وعي، وصوتها يخرج خافقاً مكسوراً كأنها حالمة وسط كابوس:
ـ «أنا.. أنا أكون بنت عمك رضوان؟! أنت بتتحدث جد يا يونس؟! أنا مش بت حرام ولقيطة زي ما كانوا بيجولوا؟!»
لم يتحمل يونس نبرتها المكسورة؛ اعتصر قلبه وجعاً عليها.. التفت نحو الحاجة حكمت التي كانت تقف أقصى الصالة بدموع تسيل على وجنتيها، وزأر بصوت صعيدي حاسم هز الجدران وألجم الجميع:
ـ «هاتي الجواب والسلسلة يا خالة حكمت!! هاتيهم دلوك قبال العيلة كلها خلينا نقطع القول والشك ده على الكل!»
التفتت العيون كلها نحو الخالة حكمت التي أخرجت من جيبها سلسلة ذهبية قديمة تعلوها علامة مميزة، وجواباً أصفر تطويه الأيام منذ تسعة عشر عاماً..
في تلك اللحظة.. كان الحاج نعمان يجلس على كرسيه الكبير، مطرق الرأس أرضاً بخزي ورعشة تسري في جسده، يفرك قبضة عكازه دون أن يجرؤ على رفع عينيه في عيون إخوته أو ولده يونس!
تقدمت حكمت بخطوات مرتجفة، وسلمت السلسلة والجواب ليونس وسط ترقب واختناق الأنفاس في الصالة بأكملها.
رفع يونس السلسلة في الهواء وقال بنبرة قاطعة:
ـ «دي السلسلة الذهبية اللي كانت ملفوفة في قفاطين غالية وهي حتة لحمة حمرا على باب الدوار هني! مكتوب عليها من جوة: «رضوان ونسمة».. ودي اللي أخدها الحاج نعمان وخباها مع الخالة حكمت كل السنين دي!»
ثم فتح يونس الجواب المطوي، ونظر للحاضرين بعينين تشتعلان لهيباً، وبدأ يقرأ حروف كلمات أمها الراحلة بصوت جاد يتردد صداه في أركان الدوار:
ـ «إلى الأستاذ نعمان العزازي.. أنا نسمة، زوجة المرحوم رضوان العزازي، اللي اتجوزني في السر على سنة الله ورسوله في القاهرة.. بعد ما مات رضوان وسابني، ما بقاش ليا حد ولا قادرة أصرف على بنته ولا أعيّشها عيشة كويسة.. وعشان أنتم أهلها وأولى بيها، بعتها لكم أمانة في أيديكم تتربى في عز أبوها وفي بيت أبوها وأهله.. واسمها غالية زي ما كان رضوان يتمنى يسميها.. دي أمانة في رقبتك يا أستاذ نعمان علشان أنت الوحيد اللي كنت شاهد على عقد جوازنا وعارف إنها بنت أخوك.. ربيها مع أولادك واديها من حنيتكم..»
بقلمي نسرين نادر
وفور أن أنهى يونس قراءة الجواب، طارت الكلمات في أرجاء الصالة كأسراب من النمل الفزع، وساد صمتٌ أثقل من الحجر..
في تلك اللحظة.. شعرت غالية بالدنيا تدور بها! ثقل جفناها، وشعرت بدوارٍ شديد يتملكها، وكأن الأرض تميد من تحت قدميها. ارتجفت ركبتاها، وكادت تسقط لولا أن التقطها يونس بسرعة وضمها لساعده الصلب، بينما أسرعت «زينب» ونزلت لجوارها تمسك بيدها الأخرى، وساعداها ببطء حتى أجلستاها على أقرب كنبة.
وضع يونس السلسلة الذهبية بين كفيها المرتجفين.. كانت السلسلة عبارة عن قلب ذهبي قديم ومحفور عليه من الخارج اسما: «رضوان ونسمة».
وبأصابع ترتجف، فتحت غالية القلب الذهبي.. لتجد في إحدى الجهتين صورة صغيرة تجمع بين أبيها «رضوان» وأمها «نسمة» وهما يبتسمان بصفاء، بينما كانت الجهة الأخرى فارغة تنتظر صبيتها!
أمسكت غالية بالسلسلة والجواب، وعيناها مثبتتان على صورة أمها وأبيها.. غابت بالكامل عن الواقع الصاخب حولها، وأصبحت كأنها في عالم آخر بعيد؛ تطن أذناها، ودموعها تنهمر في صمت ذهول مقتول، وهي تردد في سرها:
«أنا ليا أب وأم.. أنا بنت رضوان العزازي!»
وفجأة.. شقت «وصال» هذا الصمت، وقامت واقفة بنبرة حادة مليئة بالغل والتشكيك، وهي تشير بإصبعها نحو الخالة حكمت:
ـ «إيه الحديث الفارغ اللي بتقولوه ده؟! أنتم شكلكم متفقين ومظبطينها ويا بعضكم عشان البت دي!»
وانتفضت «راوية» هي الأخرى مسرعة وهي تصيح بتأييد لأمها:
ـ «عندك حق يا أما! جواب إيه وسلسلة إيه اللي جايين تضحكوا بيها علينا وتفهمونا إن دي بنت عمنا؟! إيه الإثبات في كل ده؟!»
وهنا تقدم «رجب» خطوة للأمام، ونظر ليونس بنبرة تشكيك خبيثة وقال:
ـ «عندهم حق يا يونس! إيه اللي يثبت لنا إنها تكون بنت عمنا ومن دمنا صُح؟! وليه محدش قال على الحقيقة دي من السنين دي كلها وسكتوا لحد دلوك؟!»
تحولت عينا يونس للشعلة النارية، والتفت صوب أبيه الحاج نعمان الذي كان يطأطئ رأسه في الأرض بعجز وخزي، وهتف يونس بنبرة حادة:
ـ «رد عليهم يا أبوي!! قول لهم إيه الحقيقة بدل السكوت ده!»
وقبل أن ينطق الحاج نعمان حرفاً، تقدمت الخالة «حكمت» بخطوات ثابتة، ونظرت للجميع بعينين تشتعلان بصلابة، وقالت بصوت قاطع هز القاعة:
ـ «لاه يا ولدي.. أنا اللي هرد عليهم المرة دي!»
التفت الحاج نعمان إليها بسرعة، ونظر لها بعينين مرتجفتين وهتف بضعف وتوجس:
ـ «قصدك إيه يا حكمت؟!»
ابتسمت حكمت بمرارة وقالت بثبات:
ـ «قصدي إن قفطانية الولادة بتاعة البت اللي جت بيها.. كان فيها شهادة ميلادها، وصورة من بطاقة أبوها رضوان وأمها نسمة، والأهم من ده كله.. فيها قسيمة الجواز الرسمية بتاعة المرحوم رضوان ونسمة! أنا رايحة أجيبهم من الأوضة جوة دلوك وأجي أوريهم للكل!»
دخلت الخالة حكمت إلى الغرفة مسرعة لتأتي بالأوراق الحاسمة للشك، ليبقى الصمت هو السيد والجلاد في الصالة.. صمتٌ أثقل من الحجارة على الصدور!
التفتت الحاجة صفية نحو زوجها الحاج نعمان ببطء شديد، وعيناها لا تصدقان هذا الخزي المائل في هيئته. اقتربت منه بخطوات ثقيلة، وصوتها يخرج حزيناً ومكسوراً، ملؤه العتاب والمرارة:
بقلمي نسرين نادر
ـ «أنت ساكت ليه يا نعمان؟! ما تتحدث وتقول يا حاج! أنت كنت عارف إن غالية بتكون بنت أخوك رضوان صُح؟! وليه ما قلتلناش لو كنت عارف؟! وليه سيبتها تتربى وتعيش هني خدامة في الدوار وأنت عارف إنها من دمك وبنت أخوك الله يرحمه؟! ما ترد عليا يا نعمان!»
كان الحاج نعمان مطرق الرأس أرضاً، يفرك قبضة عكازه بيدين ترتجفان، غير قادر على رفع عينيه أو نطق كلمة واحدة ترد غائلة هذا الاتهام!
اعتصر قلب الحاجة صفية، واستطردت وهي تنظر إليه بخزي ودمعة تتجمد في عينها:
ـ «أنت يا نعمان؟! ما جيتش جولت لي أنا بالذات ليه؟! ده أنا مرتك وسرك وصبيتك.. ليه ما جولتليش؟! ليه خبيت عليا سر زاي ده تسعتاشر سنة؟!»
ولم تتلقَّ منه سوى السكوت القاتل.. فنظرت إليه بنظرة خيبة أمل ومرارة، وابتعدت عنه وهي تهز رأسها بغير تصديق.
في تلك الأثناء.. كان الجميع يترقبون في ذهول وحالة من الشلل التام؛ عبد الحميد وعبد الرحيم يتبادلان نظرات الغضب والذهول من أخيهما الكبير، ومنصور ورجب ورجال الدوار واقفون بحيرة وصدمة، بينما أفاعي الحريم «نعمة» و«سمر» و«راوية» و«وصال» يتصاعد منهن الغل والشرارة تحسباً لما سيحدث، وفي المقابل كانت عيون «كريمة» و«زينب» تفيضان بالدموع والشفقة.
أما غالية.. فكانت جالسة على الكنبة، ممسكة بالقلب الذهبي بكفيها المرتجفين، تنظر لصورة أمها وأبيها بذهول وأذناها تطنان. ولكن.. وفور أن نطقت الخالة حكمت بوجود شهادة الميلاد وقسيمة الزواج الرسمية، انتبهت كل حواسها فجأة!
شخصت أبصارها ونبضات قلبها تتسارع بصورة جنونية، وسادها حالة من الصمت والترقب وهي تنتظر خروج حكمت من الغرفة بالأوراق التي ستغير قدرها وعمرها للأبد!
خرجت الخالة حكمت من الغرفة بخطوات متزنة وهي تحمل في يدها ملفاً قديماً يحتفظ بالأوراق الرسمية. اقتربت من يونس وسلّمته الملف، فأخذه يونس بمهابة، وفتحه ليفحص ما بداخله بعينين ثاقبتين..
تأكد يونس من صحة كل حرف؛ قسيمة زواج رسمية موثقة بين المرحوم «رضوان العزازي» و«نسمة»، شهادة ميلاد رسمية باسم «غالية رضوان العزازي»، وصور البطاقات الشخصية!
رفع يونس الأوراق في الهواء والدوار يغلي، ودار بدورة كاملة يُري الأوراق للجميع وهو يهتف بصوت رجولي حاسم:
ـ «أهو!! أدي قسيمة الجواز الرسمية وشهادة الميلاد!! وكل حاجة موثقة ومبصومة ومختومة بأختام الحكومة! أظن مفيش كلمة تاني هتتقال ولا حد يسترجي يشكك في حرف واحد بعد النهاردة!»
تقدم الحاج «عبد الحميد» والحاج «عبد الرحيم» بسرعة، وسحبا الأوراق من يد يونس بشغف وذهول، واقترب منهما «منصور» و«رجب» يطالعون الأختام والأسماء بذهول مطلق يقطع الشك باليقين.
وفي لحظة غل وطيش، اندفعت «نعمة» ونتشت الأوراق من أيديهم بقسوة، وتجمعت حولها «سمر» و«راوية» و«وصال» يطالعن قسيمة الزواج وشهادة الميلاد بأعين متسعة من الصدمة والانكسار!
في هذه الأثناء.. كانت غالية تجلس على الكنبة والدموع تنهمر من عينيها كالشلال، وإلى جوارها الحاجة صفية وزينب وكريمة.
تطلعت «كريمة» في وجه غالية بعينين تفيضان بالدموع والدهشة الحنونة، وهتفت بنبرة دافئة:
بقلمي نسرين نادر
ـ «يعني غالية بتكون بنت عمي ومن دمي؟! يعني لما كنت بقول لك يا خيتي.. كانت فعلاً أختي صُح؟!»
ثم التفتت كريمة لعمها نعمان وهتفت بحسرة ووجع:
ـ «ليه يا عمي عملت كده؟! ليه خفيت الحقيقة وخليت غالية تخدم وتتعذب بالطريقة دي في دار أبوها؟!»
أما «زينب» فكانت تنظر لأبيها نعمان بنظرة عتاب وزعل شديد، ثم التفتت لغالية واحتضنت يدها بقوة وقالت:
ـ «طول عمرك خيتي يا غالية، من قبل حتى ما أعرف إنك بنت عمي وإن دمنا واحد.. ربنا ما يحرمني منك أبداً!»
انهمرت دموع غالية بصوت مكتوم وهي تمسك بأوراق أمها وأبيها.. وفي تلك اللحظة، لم تتحمل الحاجة صفية رؤيتها كذلك؛ وهي الجالسة بجوارها على الكنبة، شدتها مرة واحدة إلى أحضانها بقوة، وظلت تربت على ظهرها وتجهش بالبكاء وهي تقول بنبرة مكسورة:
ـ «حقك عليا أنا يا بنتي!! حقك عليا أنا يا نور عيني على كل يوم عشتيه هني مظلومة ومكسورة خاطرك.. حقك عليا يا بت الغالي!»
في تلك الأثناء، كان الحاج «عبد الحميد» والحاج «عبد الرحيم» يتبادلان نظرات الذهول والحسرة، ثم التفتا ونظرا لـ«نعمان» الجالس مطرق الرأس أرضاً بكبرياء مكسور..
هتف الحاج «عبد الحميد» بنبرة ممتلئة باللوم ووجع الدم:
ـ «ليه يا نعمان؟! ليه خبيت علينا سر زي ده تسعتاشر سنة؟! ليه سبت بت أخونا رضوان تتربى هني خدامة ومكسورة الجناح وأنت عارف إنها من دمنا؟! كنا عرفنا نصونها ونربيها زين، وكانت اتمتعت بخير أبوها وما كناش هنكره لها الخير أبداً يا أخي.. ليه عملت كده؟!»
وانضم إليه الحاج «عبد الرحيم» وهو يهز رأسه بأسى ونبرة عتاب حادة:
ـ «صُح يا نعمان! الحكي ده يوجع القلب.. بت أخونا الوحيدة تعيش بيناتنا محنية الرأس وتخدم الحريم والدوار كله؟! ليه حرمتها من اسم أبوها وعزه كل السنين دي؟!»
أما «منصور» فتقدم بخطوات ثقيلة، ونظر لعمه نعمان بنبرة يملؤها القهر والتأثر:
ـ «ليه كده يا عمي؟! ليه خليت بنت عمي وأختي اللي من دمي تخدم هني وتتذل؟! أنت شايف اتظلمت قد إيه واتكسرت قد إيه طول السنين اللي فاتت؟! ليه هانت عليك أمانة عمي رضوان؟!»
وكان الحاج نعمان يستمع لكل كلماتهم وأسياخ النار تطعن في قلبه، يفرك قبضة عكازه ومطرق الرأس في الأرض لا يملك جواباً يرد به عن جرمه!
وعلى الجانب الآخر.. كانت أفاعي الحريم «نعمة، وسمر، وراوية، ووصال» يتنفسن بغل وشرارة؛ فلم يكن يهمهن حق بنت الأخ أو ظلم السنين، بل كان كل ما يأكل قلوبهن بالحسد هو أن «الخدامة» أصبحت بنت العزايمة ورأسها برأسهن!
وفي وسط هذا الشلل.. كان «رجب» يقف بوجنتين شاحبتين كالموتى، وعيناه معلقتان بغالية بذهول ورعبٍ أكل قلبه! ارتجفت أطرافه وسرت البرودة في جسده وهو يتذكر كيف كان يضايقها ويحاول التحرش بها والتعرض لها في ممرات الدوار.. بلع ريقه بصعوبة وشعر بملك الموت يقف خلفه، وهو يعلم أن يونس لن يرحمه إذا علمت غالية أو باحت بما كان يفعله معها!
خطى يونس خطوات قاطعة نحو نعمة وسمر وراوية ووصال، وشد الأوراق من أيديهن بعنف وهيبة أرجعتهن للخلف بذهول.. ثم اتجه نحو غالية، وانحنى بجسده وقدم الأوراق الموثقة بين يديها المرتجفتين، وقال بنبرة مليئة بالفخر والحماية:
ـ «خدي يا غالية.. خدي حقك وإثبات أصلك، واعرفي إن ليكي أهل ومش أي أهل.. ده أنتِ بتكوني بنت «العزايمة»!»
ساد المقعد صمتٌ مذهول، ونعمة وسمر وراوية ووصال يقفن كالتماثيل الشمعية من هول الصدمة والانكسار قبال الجميع!
هنا.. أدار يونس وجهه الصارم ونظراته النارية نحو الحاضرين جميعاً، ثم التفت لأبيه الحاج نعمان الشاخص بمكانه، وقال بصوت جهوري يحبس الأنفاس:
ـ «ولسه.. أبوي كمان هيدّي غالية كل حقها اللي اتحرمت منه طول عمرها!»
بقلمي نسرين نادر
وفور أن نطق يونس كلماته الأخيرة، اتجهت العيون قاطبة نحو الحاج «نعمان»، الذي مدّ يده المرتجفة إلى الكرسي المجاور له، وسحب دوسيه أزرق كبيراً محكماً بالإغلاق، ثم مدّ به نحو ولده يونس دون أن ينطق بكلمة!
تناول يونس الدوسيه من يد أبيه بثبات وهيبة، وفتحه بعينين صقريتين يتفحص ما بداخله..
في تلك اللحظة، لم تستطع «نعمة» كبح جماح غلها، فخطت خطوة للأمام وهتفت بتوجس ورعشة غضب:
ـ «إيه ده يا يونس؟! الدوسيه ده فيه إيه يا حاج نعمان؟!»
رفع يونس عينيه إليها، وتطلع في وجهها ونظراته تفيض بابتسامة باردة ومستفزة، وهتف بنبرة هادئة أشد قسوة من العاصفة:
ـ «هتعرفي حالا يا مرات عمي.. ما تستعجليش على رزقك!»
ثم التفت يونس إلى الجميع، ودار بجسده يرمق عمامه وإخوته والحاضرين بنظرات قاطعة، وصاح بصوت رجولي واثق يتردد صداه في أركان الدوار:
ـ «أنتم طبعاً كلكم عارفين إن عمي رضوان -الله يرحمه- هو المؤسس الأول للشركة الكبيرة اللي في مصر، والتي أنا بديرها دلوك.. وعارفين زين إن أكبر حِصة وأغلب الأسهم فيها كانت باسمه هو؛ لأنه هو اللي بناها وأسسها بحد سيفه وشقاه!»
واستطرد يونس وهو يقلب أوراق الدوسيه ويرفعها في الهواء:
ـ «وده غير إن عمي رضوان عشان يرضى يتجوز الخالة سميرة زمان، جدي كتب له نص البيت ده بالكامل.. نص الدوار ده ملك للمرحوم رضوان! ده غير حقه الشرعي في باقي الأراضي والزراعات والأملاك والتِركة كلها!»
صمت يونس لحظة، ثم نظر نحو غالية الجالسة بدموعها، وهتف بنبرة حاسمة هزت القاعة:
ـ «وغالية بتكون بنته الوحيدة والوارثة الوحيدة لشغله وماله وأملاكه.. وعشان كده، كل الحاجات دي هتتكتب باسم «غالية رضوان العزازي» بحق ربنا وعدله من النهاردة!»
سقطت الكلمات كالصاعقة المدوية! اتساع الأعين جاء بذهول مطلق، وساد الدوار حالة من الذهول والصدمة الشديدة التي ألجمت ألسنة الجميع..
شخصت أبصار «نعمة» و«وصال» و«سمر» و«راوية» بغير تصديق، وكأن الأرض انخسفت من تحت أقدامهن، بينما خيمت الصدمة على عمام يونس ورجال العيلة من ثقل ما أُعلن!
أما «غالية» نفسها.. فكانت تجلس وسط هذا الذهول كالمغيبة عن الوجود! تتطلع في يونس وفي الوجوه حولها بعينين تائهتين لا تستوعبان شيئاً.. تتنفس بصعوبة كأنها في حلم ثقيل؛ فهي حتى اللحظة لم تستوعب بعد حقيقة أنها بنت رضوان وأن لها عائلة وأصلاً، فكيف لها أن تستوعب أنها أصبحت صاحبة نصف الدوار وأكبر حِصة في أملاك العائلة كلها؟!
وفور أن أنهى يونس كلماته، خطت «نعمة» للأمام بجسد يرتجف من شدة الغل والانشياط، وصاحت بصوت حاد يملؤه الشرار:
ـ «بس ده حرام وظلم!! كيف تكون هي واخدة أكبر ورث وأكبر حصة من ولادنا كلهم؟! دي كده واخدة أكتر منك أنت ذات نفسك يا يونس! حرام اللي بيحصل ده!»
تطلع يونس إليها ببرود وثبات يثير الجنون، وهتف بنبرة هادئة وقاطعة:
ـ «حرام ليه يا مرات عمي؟! ده جدي الله يرحمه هو اللي كان كاتب لعمي رضوان كل ده.. وعلى عينك يا أبوي وعين الكل! صح يا أبوي؟ مش كان بعلم الجميع وقتها وكلهم موافقين وما اتعملتش حاجة من ورا حد؟!»
أشار الحاج نعمان برأسه في انكسار وصمت تأكيداً لكلام يونس، لكن «نعمة» لم تستسلم وصاحت بغل:
ـ «بس هو كتب له كل ده وقتها عشان يرضى يتجوز سميرة بنت الحسب والنسب! وعمك رضوان ما خلفش من سميرة ومات!»
رد عليها يونس بنبرة حاسمة أسكتتها:
ـ «بس اتجوز أم غالية وجاب لنا غالية! يعني لو سميرة كانت خلفت ولد ولا بنت وعمي مات.. مش كان من حقهم يورثوا كل أملاك أبوهم اللي انكتبت له؟! غالية هي بت رضوان الوحيدة، ومال أبوها يرجع لها!»
انعقد لسان «نعمة» وشخصت بأبصارها عاجزة عن الرد، بينما تقدم الحاج «عبد الرحيم» وربت على لحيته وقال بتعقل وهو ينظر ليونس:
ـ «أنا معاك يا ولدي وعارف إنها ليها الحق في كل حاجة، وإن ده حق واحدة بتاخد ورث أبوها.. بس أنت تدري وعارف إن جدك باللي عمله زمان كان فيه ظلم وجور! لأن الشرع ما قالش يكتب لحد أكتر من التاني!»
ابتسم يونس بذكاء وقوة، وقال بنبرة واثقة أذهلت الجميع:
ـ «الحديث ده يا عمي يتقال لو كنتم ما تعرفوش وجدي كتب من وراكم! لكن أنتم كلكم كنتم عارفين وموافقين وقتها.. وغير كده، جدي كتب لعمي الحسابات والأملاك دي وهو عايش، وفي الشرع دي اسمها «عطية في حياة صاحبها» مش توزيع تركة بعد الموت! وعشان كده غالية من حقها كل جنيه وكل قيراط من حق أبوها.. وأنا كلمت المحامي، والمحامي زمانه على وصول دلوك عشان يكتب ويتنازل عن كل الأملاك دي باسم «غالية رضوان العزازي» رسمي!»
سقطت الكلمات كالمسامير الصلبة، فسكت الجميع وأُلجمت ألسنتهم تماماً، ولم يعد يستطيع أحد أن ينطق بحرف واحد أمام حجة يونس القاطعة والمستندات القانونية!
في هذه اللحظة.. كانت أفاعي الحريم «نعمة، وسمر، وراوية، ووصال» يشتعلن بغيظ وغل لا يوصف! كانت عيونهن تطق شراراً وشيطاناً يتطاير حقدًا، وهن يرين «الخدامة» تحظى بنصف الدوار وأكبر حصة في أملاك العائلة كلها، وستصبح كلمتها فوق الجميع!
أما «غالية».. فكانت تجلس وسط هذا الصمت المهيب، وعيناها معلقتان بعمها «نعمان» الجالس مطرق الرأس بعجز وخزي..
شعر الجميع بنظراتها الثقيلة.. وفجأة، وقفت غالية ببطء شديد تحت أبصار الجميع المندهشة!
خطت خطوات متزنة وثقيلة نحو عمها نعمان، عيناها مثبتتان في وجهه الشاحب، والأرجاء كلها ساكنة تحبس الأنفاس لترقب ما ستفعله بنت رضوان مع من حرمها من حقها وعزها تسعة عشر عاماً..
توقفت غالية أمامه مباشرة، ونظرت لعمها نعمان بنظرة حارقة تتفجر جرحاً وألماً.. ثم التفتت برأسها ببطء نحو يونس، وقالت بصوت مكسور ولكن يخرج ناريًا هز أركان الدوار بأكمله:
ـ «هتجيب لي حقي من أبوك إزاي يا يونس؟!»
