رواية غالية سيدة قلب يونس الفصل السادس عشر
ساد صمتٌ أثقل من الجبال، وكانت الكلمات المكسورة تنزل كالكرباج على الأرواح، بعدما ردّدتها غالية بنبرة هزّت أركان المكان:
ـ «هتجيب لي حقي من أبوك إزاي يا يونس؟!»
وقف يونس في منتصف القاعة، مكبّلًا بين نار الحب والقهر اللي كانت بتأكل أحشاءه. وقف بين نارين؛ نار حبيبته وبنت عمه اللي عاشت تسعة عشر عامًا مكسورة الخاطر ومظلومة، ونار أبوه وسيد الدوار اللي شايفه النهارده مطرق الرأس ومكسور الهيبة!
تلاقت عينا يونس بعيني غالية المليانين بالدموع الحارقة، وبدا محتارًا وعاجزًا عن النطق، والجميع بيترقبوا كلمته.
لكن غالية ما استنتش إجابته، بل ابتسمت بمرارة وشقّت الصمت بصوت خافق مليان وجع، وقالت وهي بتبص ليونس:
ـ «مش هتقدر يا يونس.. مهما يكون ده أبوك، ومش هتقدر تجيب لي حقي منه!»
ثم التفتت برأسها ببطء شديد، وسلّطت نظراتها الحارقة ناحية رجب، اللي كان واقف شاخص في مكانه. ارتجف رجب وانخلع قلبه وهو بيشوفها بتشاور عليه بإصبعها المرتجف، وتكمل كلامها ليونس بنبرة تشعل النار:
ـ «ولا هتقدر تجيب لي حقي من رجب! رجب اللي كان بيعترض طريقي وبيضايقني، وكان بيتسبب لي في كلام العار والشر من أهله!»
سرت قشعريرة رعب في جسد رجب، بينما تحولت عينا يونس لشعلة جمر بتتوهج غضبًا، وهو بيلتفت لرجب بنظرة قاتلة!
وما وقفتش غالية عند كده، بل صرخت بدموع مقهورة خارجة من أعماق روحها:
ـ «ولا هتقدر تجيب لي حقي وتصلّح الكسر اللي في قلبي من كل واحد هني قال عليّ إني بت حرام ولقيطة، وأهلي رموني!»
ثم وسّعت دائرة مواجهتها، ولفّت بعينيها الباكيتين على وجوه الحاضرين كلهم، وهي بتستعيد قهر السنين:
ـ «ولا هتقدر تجيب لي حقي من أول عمري.. لما كنت عيلة صغيرة مش فاهمة حاجة، وأتضرب وأتهان كل يوم من حريم الدوار!»
وهنا بصّت لنعمة ووصال وسمر وراوية، بنظرة قسوة وكسرة خاطر خلّتهن يطأطئن رؤوسهن بغل وحرج. ثم التفتت لعمامها، عبد الحميد وعبد الرحيم، وقالت بنبرة حزينة بتتكسر فيها الدموع:
ـ «ولا هتقدر تجيب لي حقي لما اتحرمت من أبسط حقوقي في الدنيا، وعشت هني خدامة، باكل الفضلات تحت رجليكم، وأنتم عمامي ومن دمي! هتقدر ترجّع لي عمري اللي راح يا يونس؟! هتقدر تجيب لي حق كل ليلة نمت فيها ودمعتي على خدي من القهر والظلم؟!»
ثم خطت غالية خطوات بطيئة ومرتجفة ناحية عمها نعمان، اللي كان قاعد مطرق الرأس بعجز وخزي. وقفت قدامه مباشرة، وبصّت لملامحه المنكسرة بدموع بتحرق وجنتيها، وقالت بصوت خافق بيمزّق أركان الصمت:
ـ «ليه عملت فيا كده يا عمي؟! ليه؟! لو كان على الفلوس والشركات والدوار، لو كنت أعرف إنك هتعمل فيا كل ده عشان الفلوس، كنت تنازلت لك عنها كلها وما كنتش عوزت حاجة واصل! كنت بس ضمّيتني لحضنك وحسّستني إني بنتك، وعوّضتني عن حضن أبوي اللي اتحرمت منه وما شفتوش في دنيتي.. إيه كان هيجرى يعني لو كنت اعتبرتني بنتك؟!»
كان الحاج نعمان قاعد ساكن، والدموع بتتجمع في عينيه المنكسرتين، وجسده بيرتجف من الأسى والندم اللي أكل قلبه. ما قدرش يرفع عينيه فيها ولا ينطق بحرف!
استطردت غالية بنبرة ينفطر لها الفؤاد، وهي بتبكي بحرقة:
ـ «أنت عارف يا عمي أنا كان بيحصل فيا إيه كل يوم؟! تعرف أنا اتعذبت قد إيه وقلبي اتوجع قد إيه إني ماليش أهل؟! وإن كل يوم أتذل هني على إني بت حرام ولا لقيطة ولا خدامة، وحتى لما كنت أطلع من الدوار أرجع مكسورة ليكم تاني، لأن ماليش حد يلمني! تعرف كم مرة اتوجعت وقلبي اتكسر من الضرب والإهانة هني، وأنا ماليش لا ظهر ولا سند ولا حد يشيل عني ولا يحوش عني؟!»
سحبت أنفاسها المتهدجة، وأشارت ناحية الخالة حكمت، وقالت:
ـ «أنا لولا الخالة حكمت، هي اللي أخدتني وربّتني وهدّت سري، كان زماني انتحرت! كان زماني متّ وشبعت موت! تعرف يا عمي.. كنت ممكن تموتني وتخلّص مني من أول ما أمي جابتني هني، وكنت رحمتني من العيشة اللي كانت قهر ومرار طافح! حرام عليك.. عيّشتني عمري كله وأنا فاكرة إني مقطوعة من شجرة!»
وانهمرت دموعها بصوت مسموع، وهي بتصرخ في وشه بوجع العمر:
ـ «كل يوم كنت أدعي ربنا إنه ما يطلعش عليّ نهار! عشان عارفة إن كل يوم هيطلع عليّ فيه نهار، هتذل فيه بشكل جديد، وهتضرب وهتحرم من الوكل، وهشيل شيلة مش شيلتي! حرام عليك!! حرام عليك اللي عملته فيا.. كنت موتني وما كنتش تعيشني العيشة دي!»
وقف الحاج نعمان ببطء شديد، وجسده المنهك بيرتجف. اتكأ بكفيه المرتجفتين على عكازه لحد ما استقام واقفًا قبال غالية.
رفع عينيه اللي بتملؤهما الدموع والندم القاتل، ونطق بصوت متهدج بيقطر انكسارًا:
ـ «سامحيني يا بنتي.. سامحيني.. خابر زين إن كلام الدنيا ده كله ما هيعوّض اللي راح، وعارف إني كنت ظالم وغلطان في حقك، وإني كنت بفكر في نفسي وفي بيتي وبس.. سامحيني يا غالية يا بت الغالي، سامحيني عشان ربنا يسامحني!»
سكت لبرهة يلتقط أنفاسه بصعوبة، ثم استكمل بدموع حارقة:
ـ «من أول يوم حصل لحد النهارده، وأنا كنت شايل جبل ثقيل قوي على قلبي.. كنت كل يوم أقول لنفسي: لازم أقول لغالية إنها بنت أخوي.. بس يرجع طمعي ويعمي عيني تاني! حتى الخالة حكمت.. كانت تيجي وتقول لي: ما عشتش قادرة، لازم تقول لها، لازم تعترف لغالية وتقول لها إنها أحق واحدة هني بالكرامة وإنها ست الدار.. وكنت أنا أسكتها يا بنتي! حقك عليّ.. حقك عليّ يا بت الغالي!»
مدّ الحاج نعمان إيده المرتجفة، وخطى خطوة ناحية غالية، محاولًا يضمها أو يقبّل رأسها، علّه يخفف بعضًا من نار قهرها.
لكن غالية، بحركة سريعة ومفزوعة، تراجعت لورا بخطوات واسعة، لحد ما اختفت خلف ظهر يونس مباشرة، وألصقت كفها بكفه، ثم وجّهت نظراتها ناحية زينب وكريمة، اللي كانوا بيبكوا بحرقة تأثرًا بحالها.
حسّ يونس إنها مسكت إيده، فبصّ لها بحنان جارف. وما كانش منها إلا إنها بصّت لعمها نعمان، وقالت بنبرة خافقة متكسرة:
ـ «ما أقدرش أقول لك إني هسامحك بسهولة يا عمي.. ولا إني هعرف أنسى اللي عملته فيا من يوم وليلة! وجعي كبير، وعمري اللي ضاع مش هيرجع بالساهل.. لكن يونس يشفع لك يا عمي! لأجل خاطر يونس، وزينب، وكريمة.. اللي عاملوني أحسن معاملة واعتبروني أختهم، ولأجل يونس اللي حبني من قلبه وما همّوش إذا كنت خدامة ولا لأ.. أنا هحاول أسامح، ومش هكسر بخاطرهم!»
ثم دارت بعينيها ببطء ناحية الحاجة صفية، اللي كانت قاعدة يغلبها التوتر والخوف، وقلبها بيتألم في صمت. فهي اللي طالما عارضت ارتباط يونس بغالية، خوفًا على ابنها من عواقب نسبها المجهول قبل كده!
تفرّست غالية في ملامح صفية المرتبكة، وقالت بصوت هادئ فيه عتاب رقيق:
ـ «وحتى أنتِ يا خالة صفية.. على الأقل كنتِ بتعطفي عليّ أحيانًا، وكنتِ بتعامليني زي زينب في بعض الأوقات..»
وما إن سمعت الحاجة صفية الكلام ده، حتى انفجرت في البكاء من غير تصنّع، واقتربت منها بخطوات متراخية، وهي بتقول بنبرة مكسورة:
ـ «حقك عليّ أنا كمان يا بنتي.. سامحيني على أي حاجة بدرت مني أو ضايقتك في يوم من الأيام، والله العظيم ما كان قصدي أكسرك! سامحيني يا نور عيني!»
وقبل ما يهدأ صدى كلمات صفية المؤثرة في أرجاء الصالة، قطعت سمر الجو الإنساني بوقاحتها المعهودة وغلّها المستعر. وقفت بغضب وصاحت بصوت حاد بيقطر سمًّا:
ـ «خلصتونا ولا إيه؟! هي ناقصة نياحة وتمثيل كمان؟! خلاص الهانم بقت ست الدار وصاحبة النصيب الأكبر، هتعملوا لنا حفل دراما يعني ولا إيه الحكاية؟!»
وقبل ما تستكمل سمر سمّها، انتفض أبوها، الحاج عبد الرحيم، من مكانه، واندفع ناحيتها بخطوات غاضبة، وهوى بكف ثقيلة وقوية على وجهها بصفعة مدوّية أطاحتها أرضًا!
مسكت سمر وجنتها المشتعلة، وهي بتصرخ بذهول ودموع، بينما زأر الحاج عبد الرحيم بصوت هزّ الصالة:
ـ «اكتُمي يا بت الرفضي!! من هنا ورايح تتكلمي مع غالية زين، وأدبك يسعك! غالية مش بس هتكون مرّة يونس ولا ست الدوار.. غالية قبل كل ده بتكون بنت أخوي وأخويا الكبير!»
اندفعت نعمة، وهي بتشتعل غيظًا، ونزلت للأرض تسحب بنتها وتوقفها. فنظر لهما الحاج عبد الرحيم بنظرة قاطعة، ونهرها بحزم:
ـ «تاخدي بنتك وتطلعي فوق فورًا، وما أشوفش خلقتكم قبالي هني النهارده واصل!»
وقفت سمر وهي بتبكي بحرقة وغل، وتبادلت هي وأمها نعمة نظرات حقد وشرار مستعر ناحية غالية قدام الجميع.
أما غالية، فلأول مرة في حياتها، ما طأطأتش رأسها كالعادة، بل رفعت رأسها بثبات، وبصّت في عينيهما بنظرة قوة وكبرياء لأول مرة، وكأنها بتعلن إن بنت العزايزة مش هتتهان بعد النهارده!
شعر منصور بالخزي من موقف أمه وأخته ونظراتهما المسمومة، فصاح بأمه بنبرة حادة:
ـ «اطلعي يا أما.. خدي سمر واطلعي فوق دلوك!»
سحبت نعمة بنتها سمر، واتجهتا ناحية الدرج بخطوات غاضبة.
وفي اللحظة دي بالذات، انفتح باب الدوار، ودخل حضرة المستشار المحامي، وهو شايل حقيبته وأوراقه.
على الدرج، وقفت نعمة وسمر لثوانٍ، وتبادلتا نظرة مغلولة ومقهورة وهما بيبصوا للمحامي، قبل ما يطلعوا بسرعة لجوه، والأرض بتميد تحت أقدامهما!
استقبله يونس بمهابة، وقال:
ـ «اتفضل يا سيادة المستشار.. مرحب بيك.»
جلس المستشار مع يونس والحاج نعمان وعمام العيلة، وفتح الملفات الرسمية، وبدأت إجراءات التوقيع والبصمات الرسمية لنقل الملكية وإثبات نسب غالية رضوان العزازي، وتثبيت كل أملاك أبوها باسمها رسميًّا، قدام الجميع، وسط صمت القاعة وهيبتها.
وبعد ما انتهى المحامي من التوقيعات وجمع أوراقه، تنفّس الحاج نعمان بصعوبة، ثم بصّ للجميع وقال بصوت جهوري:
ـ «بكرة بالليل.. هعمل إشهار وحفلة كبيرة هني في الدوار، وهعزم فيها كبار البلد وكبار النجع كله بعيلاتهم.. عشان أعلن قبال الكل عن نسب غالية، وتتعرف إنها ست البنات وبنت رضوان العزايزي!»
تجمعت الدموع في عيني غالية وهي بتبص له بذهول، فنظر إليها الحاج نعمان بنبرة انكسار وندم ورجاء:
ـ «بحاول أصلح حاجة يا بنتي.. لعل الله يسامحني، وأنتِ كمان تسامحيني!»
في اللحظة دي، حست غالية بثقل كبير بيطبق على صدرها، وكأن الطاقة اتسحبت من جسدها بالكامل بعد كل الصدمات والمواجهات دي. ما بقتش قادرة تستحمل البقاء في الصخب ده ثانية واحدة!
وقفت غالية ببطء، وقالت بصوت خافق ومتعب:
ـ «بعد إذنكم..»
قفزت زينب من مكانها بلهفة، وقالت:
ـ «على فين يا غالية؟!»
بصّت لها غالية بعينين تايهتين، وقالت بنبرة رجاء مكسورة:
ـ «معلش يا زينب.. هملوني شوية لوحدي..»
تركت الأوراق وكل الحاضرين وراها، وخرجت مسرعة من باب الدوار الخارجي. وما إن ابتعدت عن أعين الغفر والحراس حتى انطلقت تجري!
ركضت بأقصى ما عندها من قوة، والدموع بتتطاير مع الهوا. ركضت عشان تبعد عن القهر والدوار والأملاك وكل اللي حصل، لحد ما وصلت لأقصى الأسطبل.
كانت أنفاسها متقطعة وهي بتبص للمُهرة السوداء الجميلة، نجمة، اللي بتميزها بقعة بيضاء زي النجمة في جبهتها، وبعض الخصلات البيضاء في شعرها.
اقتربت غالية منها بحذر وشوق، وارتمت في صدرها، ولفّت ذراعيها المرتجفتين حوالين رقبتها، ودفنت وشها في شعرها الناعم، وانفجرت في بكاء حارق ومكتوم.
وفي زاوية مظلمة وهادئة داخل الأسطبل، كان يونس واقفًا في الظل من وراها، بعد ما لحق بها، بيتابعها بقلب موجوع ومكسور عليها، وبيسمع كل حرف بتهمس به وهي بتكلم نجمة:
ـ «اتوحشتيني قوي يا نجمة.. بقالي سنين كتيرة ما شفتكيش، ما عدتش عارفة كام سنة حتى يا نجمة.. بس كنت أرتاح وألاقي الأنس وياكي! لكن حسبي الله ونعم الوكيل في اللي حرموني منك ومن قربك طول السنين دي!»
رفعت غالية إيدها المرتجفة، ولمست ببطء البقعة البيضاء اللي شبه النجمة على جبهة المهرة، وابتسمت وسط دموعها، وقالت بصوت خافق:
ـ «بس ما تجلقيش.. خلاص يا نجمة، ما عادش حد هيقدر يحوشني عنك، ولا يقدر يمنعني إني أجي أقعد معاكي وأتحدث وياكي وأركبك كمان! صحيح أنا ما بعرفش أركب خيل.. بس أكيد يونس هيعلمني!»
تنهدت بعمق، واستطردت وهي بتضحك وسط بكائها، وكأنها بتكلم صديقتها المقرّبة:
ـ «بتعرفي يا نجمة كمان؟! أنا طلع لي أهل! أيوة، زي ما بقول لك كده.. طلع لي أهل! ويونس.. مش بس حبيبي وعشقي.. ده طلع كمان ابن عمي! وزينب وكريمة.. طلعوا ولاد عمي كمان! صحيح أهلهم ما يحبونيش، وياما بهدلوني ومرمطوني، لكن أنا طلع لي عيلة كبيرة.. ومش أي عيلة! دي عيلة العزايزة، عمدة النجع كلاته!»
أخذت أنفاسًا متهدجة، واتغيرت نبرة صوتها بين الفرحة الطفولية والوجع الدفين:
ـ «أنا لسه مش مصدقة يا نجمة.. عارفة؟ على قد ما أنا مصدومة وقلبي مكسور إني عشت طول عمري هني خدامة في بيت أبوي! بنت أبوي اللي اتحرمت من إني أعيش فيه زي أي حد، واتحرمت من الحنية ومن إن حد يطبطب عليّ.. على قد ما أنا فرحت إني خلاص ما عادش حد هيقول لي إني بت حرام، ولا إنهم لاقوني في الشارع! خلاص.. بقى لي اسم! بقى اسمي غالية رضوان العزايزي!»
رفعت إيدها اللي ماسكة السلسلة الذهبية، وفتحت القلب الذهبي قدام عيني المهرة، وقالت بصوت بتكسّره الدموع الحارقة:
ـ «شايفة دي؟! دي بتكون صورة أمي وأبويا..»
سكتت فجأة لبرهة، وكأن الكلمات استقرت في عقلها وقلبها مرة واحدة. اتسعت عيناها بذهول، وخرجت منها شهقة صادقة:
ـ «أمي..! أنا لي أم يا نجمة؟! صحيح أنا ما أعرفش هي عايشة ولا ميتة.. بس قلبي بيقول لي إنها عايشة يا نجمة! أيوة صح.. أكيد أمي عايشة! يعني أنا هيكون لي أم حقيقية؟! مش هبقى يتيمة؟! هعرف أحضنها وألمسها وأشوفها بعيني يا نجمة؟! أنا مش مصدقة!»
أحاطت وجه المهرة بكفيها وضمّتها لصدرها بقوة، وارتعش جسدها بالبكاء وهي بتهمس:
ـ «أنا حاسة إني في حلم طويل.. طويل قوي! مش عارفة أصحى منه ولا أسيبني مكملة فيه.. أنا مبسوطة قوي، بس حزينة قوي! حزينة على العمر اللي ضاع كله وأنا ما أعرفش أنا مين.. وعلى كل يوم عشت أعيط فيه، على كل دمعة نزلت من خدي، وعلى كل ضربة وإهانة جسمي داقها..»
رفعت غالية رأسها فجأة، واتغيرت ملامح وشها المكسور لنظرة قوية وثابتة. مسحت دموعها بعنف، وقالت بصوت حاسم:
ـ «بس خلاص.. من النهارده أنا ما عادش هسيب حد يبص لي بصة واحدة ما تعجبنيش! هتغير خالص.. هبقى غالية حاجة تانية! هبقى مرّة يونس، هاخد حبيب قلبي الوحيد اللي ما همّوش إذا كنت خدامة ولا بنت زوات! خلاص يا نجمة.. أيامي المرّة كلها راحت، ومن النهارده هأكون غالية رضوان العزايزي وبس!»
وفي الخلف، كان يونس بيتابع كل حركة وكل كلمة بتنطق بها، وقلبه بيعتصر من شدة الوجع عليها وعلى اللي عاشته.
أقسم في سره بيمين غليظ ما يتراجعش عنه، إنه مش هيسمح لأي مخلوق على وجه الأرض يجرؤ يبصلها نظرة ضيق، وإنه هيخلّي كل واحد ظلمها وأهانها يدفع الثمن غالي، وإنه هيرفع رأسها فوق الجميع وللأبد!
مسح يونس وجهه بإيده، بيحاول يسيطر على الجمر المشتعل جواه، ثم خطا خطوات هادئة ونطق بصوت دافئ مليان حنان:
ـ «غالية..»
التفتت له غالية وهي لسه محتضنة نجمة، ومسحت دموعها بسرعة، ثم سابت المهرة ووقفت قدامه بملامح متعبة ورقيقة. بصّت في عينيه، وقالت بنبرة خافقة:
ـ «يونس..»
اقترب منها يونس خطوة تانية، وعيناه بتفيض بعشق جارف، وقال بصوت خارج من أعماق قلبه:
ـ «قلب يونس.. قلب يونس اللي بيموت ويتقطع عليكي وهو شايفك على طول في الهم والكسرة دي! بس خلاص يا غالية.. أوعدك، ووعد يونس العزازي مش زي أي وعد.. إني ما هاسيبش حد ظلمك ولا داس ليكي على طرف هني في الدوار، إلا وهأجيب لك حقك منه حبة حبة!»
ثم أطرق يونس رأسه للأرض، واعتصرت ملامحه بالألم وهو بيستطرد بنبرة مليانة عتاب وحرج:
ـ «مع إني مكسوف منك ومن اللي عمله أبوي وياكِ.. ويمكن ما ليش حق واصل إني أتكلم ولا أطلب منك حاجة بعد اللي شفتيه..»
وفور ما نطق كلماته، رفعت غالية إيدها المرتجفة بلهفة، وحطت كفها الرقيق على فمه تمنعه من استكمال حديثه، وقالت بنبرة بتفيض بالمشاعر والصدق:
ـ «إياك تقول كده يا يونس! لا يا حبيبي.. أنت ما لكش صالح بكل ده واصل! أنت غيرهم كلهم.. أنت يونس حبيبي وعشقي اللي عشقته وعشقني من غير ما نعرف إحنا مين، قلبي وقلبك اتعلقوا ببعض من قبل ما نفكر إنك ابن العمدة والسيد، ولا إن أنا خدامة ومكسورة الجناح!»
ابتسمت له وسط بقايا دموعها، واستطردت بحب جارف:
ـ «أنت طول عمرك ما عاملتنيش غير إني غالية.. وغالية قوي كمان عندك! أنت الحقيقة الحلوة الوحيدة اللي كانت بتصبرني على قسوة الدنيا دي كلها، وكنت بتخليني أحب نفسي وأحب عيشتي وأتحمل عشان بس أشوف عينيك.. ما تقولش كده تاني يا يونس، أنت سندي ودنيتي كلها!»
رفع يونس إيديه، وأحاط رأسها بحب وحنان، ثم طبع قبلة حنونة على جبهتها، أطالت لثوانٍ، وبعدها نظر في عينيها وقال بنبرة دافئة:
ـ «تعالي نعاود للدوار دلوك يا غالية.. عشان كريمة وزينب وأمي والخالة حكمت قلقانين عليكِ قوي، وبرّه منتظرينك.»
التفتت غالية بنظرة دافئة ناحية نجمة، ثم بصّت ليونس، فابتسم لها وقال بيقين:
ـ «خلاص.. نجمة بقت بتاعتك، وما حدش هيقدر يحوشك عنها ولا يمنعك منها واصل بعد النهارده.»
اتسعت ابتسامتها الباكية بصفاء، واقتربت من المهرة وطبعت قبلة رقيقة على جبهتها البيضاء، ثم اتجهت ناحية يونس وشابكت أصابعها المرتجفة بين أصابعه القوية.
سارا مع بعض، إيد في إيد، في طريق العودة للدوار.
وعندما فتحا الباب الخارجي ودخلا الصالة، كان الجميع قاعدين في انتظارهم في صمت وترقّب؛ الحاجة صفية، والخالة حكمت، وزينب، وكريمة، والحاج نعمان وعمام العيلة، بينما خلت الصالة تمامًا من نعمة وسمر، اللي فضلوا محبوسين في أوضتهم فوق!
وما إن وطئت قدمهما عتبة الدوار، حتى سبقت الخالة حكمت الجميع، وجرت ناحية غالية بدموع متناثرة وذراعين مفتوحتين، واحتضنتها بقوة وهي بتبكي وتقول:
ـ «سامحيني يا بنتي.. سامحيني! إن كنت عارفة كل ده ومخبية عليكي.. سامحيني!»
طوّقت غالية ظهر الخالة حكمت بذراعيها، ودفنت وشها في كتفها، وقالت بصوت مكسور يقطر حنانًا:
ـ «ما تقوليش كده يا خالة حكمت.. أنتِ اللي ربيتيني ورعيتيني وكنتِ حنينة عليّ! أنتِ عارفة إن أكيد كان ليكي أسبابك، أنتِ صاحبة الفضل الأول والأخير عليّ.. أوعي تقولي كده تاني!»
شدّت الخالة حكمت على حضنها أكتر، وقالت بصدق خارج من أعماق فؤادها:
ـ «ربنا يعلم يا غالية، لو كنتِ بنتي الحقيقية اللي من بطني، ما كنتش هحبك أكتر من كده! والله العظيم بحبك حب عظيم يا غالية!»
ابتعدت غالية قليلًا، ومسحت دموعها وقالت بابتسامة دافئة:
ـ «وأنا ما عرفت أم ولا حبيت حد قدك يا خالة حكمت!»
وفي اللحظة دي، تقدّم الحاج عبد الرحيم ودموعه بتسبقه. وقف قدامها ومدّ إيديه واحتضنها بحرقة، وهو بيبكي ويقول بصوت مختنق:
ـ «ما مصدقش إن حتة من أخوي واقفة قبالي.. أخويا الكبير ما كانش أخويا وبس، ده كان أحن واحد عليّ، كنت بأعتبره أبويا من كتر حنيته.. حقك عليّ يا بنتي، سامحيني!»
تنهدت غالية بدموع، ورفعت عينيها إليه وقالت بصوت دافئ:
ـ «هسامح يا عمي.. هسامح، وربنا غفور رحيم.. وإن شاء الله مع الوقت والزمن ربنا ينسينا اللي فات.. بس أكيد هتحكي لي عن أبوي كتير، صح؟»
ابتسم عبد الرحيم وسط دموعه بحنان بالغ، وقال:
ـ «أكيد يا بنتي.. أحكي لك وأوريكي صورنا وكل حاجة!»
ثم تقدّم الحاج عبد الحميد، وقال بنبرة صادقة ونادمة:
ـ «والله يا بنتي، أنا كمان بطلب سماحك.. أوعدك إن أي حاجة بدرت مني زمان هصلحها، حقك عليّ يا غالية يا بت الغالي!»
ردّت غالية بهدوء وابتسامة خفيفة:
ـ «هسامح يا عمي.. ربنا غفور رحيم، والحمد لله على كل حال.»
كان الحاج نعمان قاعد بيتابع كل ده، وقلبه بيتقطّع من شدة الندم على اللي عمله في حقها.
وفجأة، تقدّم منصور ووقف قدامها، وابتسم وقال بصدق:
ـ «مش عارف أقول لك إيه يا غالية.. بس أنا مبسوط قوي إنك طلعتي بت عمي! وأنتِ طول عمرك غالية علينا والله!»
ردّت عليه غالية بابتسامة رقيقة زادت وجهها جمالًا:
ـ «وأنت طول عمرك جدع يا منصور.»
التفت منصور ناحية يونس، وقال باستئذان:
ـ «تسمح لي يا يونس؟»
هزّ يونس رأسه بالإيجاب وابتسم، فاقترب منصور وطبع قبلة حنونة على رأس غالية، وقال:
ـ «حمد لله على سلامتك يا بت عمي.. يا خيتي اللي ما جابتهاش أمي!»
وقبل ما يهدأ الجو العاطفي، قفز حمزة بخفة دمه وعفويته المعهودة، وقال مازحًا:
ـ «وهتجيبها كيف يا منصور وهي ما بتحبهاش ولا طايقهاش؟! ده لو كانت بنتها صُح، كانت طختها عيارين وريّحتنا من زمان!»
ضحك الجميع على تعليقه الطريف، حتى غالية ابتسمت وسط دموعها. ثم استكمل حمزة بنبرة دافئة وهو بيقرب منها:
ـ «أنا حاسس إن في حلم مش في علم يا غالية! والله العظيم فرحان فرحة ما هتصدقهاش إنك طلعتي أختي وخيتي.. خلاص، كنت بتمنى من زمان يكون ليا أخت زيك، ومن النهارده ههزّر معاكي وأعمل كل اللي نفسي فيه، من غير ما يونس يبص لي ويستحلف لي، ولا حد يقول لي اتلم!»
ردّت غالية بصوت ضاحك وخفيف:
ـ «طول عمرك كنت بتهوّن عليّ يا حمزة، اعمل ما بدالك وما تقلقش خالص!»
تدخّل يونس بغيرته المحببة وغلاظته الخفيفة، وقال:
ـ «مش ما بداله قوي برضه يا غالية!»
فارتفعت ضحكات الجميع في الصالة.
أما رجب، فكان واقفًا في الخلف بعيدًا عنهم، بيرتجف برعب ووجنتاه شاحبتان.
التفت إليه يونس بنظرة حادة، وقال بغلظة:
ـ «جرى إيه يا رجب؟! مش هتتوجّه بكلمة لبت عمك ولا إيه؟!»
بلع رجب ريقه بصعوبة، وتقدّم بخطوات مرتجفة، وقال بصوت مهتز:
ـ «لأ.. كيف عاد؟! حمد لله على سلامتك يا بت عمي.. الحمد لله إننا عرفنا إنك بتكوني من دمنا وعزنا.. عن إذنكم!»
وانسحب بسرعة بخطوات هاربة!
وفي اللحظة دي، اقتربت زينب وكريمة من غالية، وقالت زينب بفرحة عارمة:
ـ «خلص اليوم الطويل ده على خير.. تعالي بقى يا غالية عشان نطلع فوق ونحتفل بطريقتنا!»
بصّ لهن يونس بتعجب، وقال:
ـ «بطريقتكم إزاي يعني؟!»
ردّت زينب بابتسامة خبيثة ومشاكسة:
ـ «لا يا يونس.. ده حديث بنات عاد، ما ينفعش نقوله قدامك! بس ابقى غالية تفرجيك منه لما تتجوزوا إن شاء الله!»
علت ضحكات الصالة، بينما خجلت غالية واحمرّت خدودها، وطأطأت رأسها في الأرض بكسوف.
اقتربت كريمة وقالت بجدية وحنان:
ـ «مش وقته كلام كتير، يلا يا بنات نطلع نلحق الليل من أوله.. وأنا بايتة الليلة دي معاكم في الأوضة، يلا بينا!»
أخذن غالية واتجهن ناحية الدرج.
استأذن يونس الجميع، فمدّ الحاج نعمان إيده وقال بنبرة رجاء منكسرة:
ـ «يونس.. عايز أتكلم وياك يا ولدي.»
ردّ يونس بجمود ونبرة متعبة:
ـ «بالله عليك يا أبوي، أنا ما قادر النهارده.. خليها في الصباح، تصبحوا على خير.»
استأذن الجميع وصعدوا للأعلى، بينما بقيت نعمة ووصال وسمر وراوية في أوضة نعمة فوق.
اندفعت وصال بغل وصراخ متهدج، وهي بتلطم على وشها:
ـ «شفتي؟! أديّني قلت لك على اللي حصل تحت هني.. المصيبة الكبيرة حصلت! دي قوّشت وأخدت كل حاجة وزيادة! يا مرار يا مراري.. قلبي هيطق، مانيش قادرة! عايزة أروح أخنقها بإيدي وأخلّص منها ومن كابوسها ده يا ناس! كابوس جه لنا!»
هتفت نعمة بعينين بتشتعل بشرار الحقد والغل الأسود، وهي بتعصر كفيها بقوة:
ـ «والله ما هسيبها تتهنّى بكلمة.. بنت رضوان دي؟! وحياة رب العباد ما هخليها تظفر باللي اتمنته، أنا وهي والزمن طويل!»
