رواية اميرة وادي الذنوب الفصل الاول
بس قبل ما نبدأ نوحد الله ونصلي علي خير خلق الله. سيدنا محمد
صلاة تحل بيها العقد وتفك بيها الكربات
من تاليفي، ،
محمد منصور.
** منص **
بدأت الحكاية بعد نص الليل، لما وقف راجل ضخم، ملامحه مرعبة، قدام فيلا في التجمع الخامس. فضل يبص لليافطة الموجودة جنب بوابة الفيلا، واللي كان مكتوب عليها:
★ فيلا أميرة عبد الرحمن ★
بص الراجل حواليه بحذر، واتأكد إن الشارع فاضي، وبعدها طلع قناع من جيبه ولبسه على وشه، ثم أخرج مفتاح من جيبه وفتح بوابة الفيلا بكل هدوء، ودخل وقفّل البوابة وراه.
كان بيتحرك بخطوات محسوبة، وكأنه حافظ المكان كويس، ومش أول مرة يدخله. وصل لباب الفيلا الداخلي، وفتحه بمفتاح تاني، وبعدها دخل بسرعة وطلع على الدور التاني، متجه ناحية أوضة نوم أميرة.
أميرة كانت ست عندها خمسين سنة، صاحبة الفيلا، ونايمة في سريرها من غير ما تكون حاسة بالخطر اللي بيقرب منها.
وصل المجرم لأوضتها، وفتح الباب بالراحة، ودخل من غير ما يصدر أي صوت. قرب من السرير، وقعد جنب أميرة، وبعدها مد إيده ناحية درج الكمودينو اللي جنبها، وفتحه وطلع منه مقص الخياطة اللي كانت بتستخدمه أميرة.
مسك المقص، وفتحه ببطء، وحطه في إيد أميرة الشمال، وكأنه بيحاول يجهز المشهد بحيث كل حاجة تبان وكأنها هي اللي عملت كده في نفسها!
وبعدها، وفي لحظة غدر وقسوة، هجم عليها وقطع أحد الأوردة في إيدها اليمين.
فتحت أميرة عينيها فجأة على وجع شديد، وحاولت تصرخ، لكن المجرم كان أسرع منها، وحط إيده على بقها وكتم صرختها، ومنعها حتى من إنها تستنجد بأي حد.
حاولت أميرة تقاومه، وفضلت تتحرك بعنف وهي بتبص له بعينين مليانين رعب، لكن المجرم ماكانش عنده أي رحمة. قطع وريد تاني في إيدها، وبدأ الدم ينزل بغزارة من ذراعها.
أميرة كانت بتبص للدم اللي بيسيل منها، وبتحاول بكل قوتها تنقذ نفسها، لكن جسمها بدأ يضعف، والمجرم كان مسيطر عليها تمامًا.
فضلت عينيها معلقة بوشه المقنّع، وكأنها بتحاول تحفظ أي تفصيلة فيه، أو تفهم هو مين وليه بيعمل فيها كده!
لكن قبل ما تقدر تعرف أي إجابة، بدأت الدنيا تلف بيها، وعينيها تقفل واحدة واحدة، لحد ما فقدت الوعي بسبب كمية الدم الكبيرة اللي فقدتها.
وفي اللحظة دي، سمع المجرم صوت عربية بتدخل الفيلا!
اتجمد مكانه للحظة، وبعدها قام بسرعة واتجه ناحية شباك أوضة النوم، وبص منه على الجنينة.
كانت فيه عربية لسه بتقف، ونزل منها راجل شاب وسيم جدًا، ومعاه ست جميلة، والاتنين كانوا الدكتور نادر وزوجته الدكتورة علياء، بنت أميرة الوحيدة. وكان معاهم ابنهم الصغير بودي.
فضل المجرم يراقبهم من الشباك، وعينيه بتتنقل بينهم في توتر، لحد ما شافهم بيدخلوا الفيلا ويقفلوا الباب وراهم.
وقتها ما ضيعش ثانية واحدة، ونط من شباك أوضة النوم على جنينة الفيلا، وجري ناحية البوابة، وخرج منها بسرعة قبل ما حد يلمحه أو يحس بوجوده.
لكن المجرم ماكانش يعرف إن جريمته، مهما حاول يخفيها، خلاص بقت على وشك إنها تنكشف!
بمجرد ما خرج للشارع وبدأ يبعد عن الفيلا، سمع صوت صرخة مدوية هزت سكون الليل.
وقف فجأة، وبص ناحية الفيلا، وبعدها جري بعيدًا بأقصى سرعة، وكأن الصرخة دي كانت بتطارده!
أما جوه الفيلا، فكانت علياء هي صاحبة الصرخة، بعدما دخلت أوضة نوم أمها وشافت الدم سايح على السرير، وأميرة غرقانة فيه، وجسمها ممدد بلا حراك!
صرخت علياء بكل قوتها، وجريت ناحية أمها وهي مش مصدقة اللي عينيها شايفاه.
— مامااااااااا!
لكن أميرة ما ردتش...
والدم كان لسه بينزل من ذراعها، والمشهد كله كان بيقول إن اللي حصل مش مجرد محاولة انتحار عادية، وإن ورا اللي حصل سر أخطر بكتير مما أي حد ممكن يتخيل!
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
وبعدها بيوم...
ومن جوه أوضة الرعاية المركزة، كانت أميرة راقدة على السرير في حالة إعياء شديدة، ومتعلق لها أكياس محاليل ودم، وأجهزة المراقبة حواليها بتتابع حالتها اللي كانت بتسوء مع مرور الوقت.
قدامها كان واقف الدكتور نادر، وبجانبه زوجته الدكتورة علياء، والاتنين كانوا بيبصوا في التقرير الطبي الخاص بحالة أميرة.
نادر خلص قراءة التقرير، وبعدها رفع عينيه وبص لعلياء بملامح جادة، وقال:
نادر:
برشام السيولة اللي كانت بتاخده قبل ما يحصل قطع في إيدها، هو اللي خلاها تنزف بالكمية الكبيرة دي. حالتها خطيرة جدًا، وكل اللي نقدر نعمله دلوقتي إننا ندعي لها. ربنا يستر!
علياء بصوت مخنوق:
يا ريتنا ما كنا خرجنا وسيبناها لوحدها! يا ريتني كنت فضلت معاها الليلة دي!
نادر:
هو أصلًا كان غلط إنها تخرج من المصحة!
علياء بصت له بضيق، وردت عليه بانفعال:
علياء:
ماما مش مجنونة يا نادر عشان تفضل عايشة في المصحة طول عمرها! وبعدين هي ما خرجتش غير لما الدكتور بنفسه قال إنها بقيت كويسة، وإن حالتها تسمح إنها ترجع تعيش في بيتها!
نادر هز راسه باعتراض، وقال بنبرة باردة:
نادر:
مامتك مش كويسة يا علياء، وإنتِ عارفة الكلام ده كويس. الأدوية اللي كانت بتاخدها أثرت على خلايا كتير في المخ، وبدأت تسبب لها هلوسة واضطرابات في التفكير، وبقت خطر على نفسها وعلى اللي حواليها.
علياء سكتت، لكن ملامحها كانت بتقول إنها مش مقتنعة بكلامه، وإن جواها إحساس غريب إن فيه حاجة مش طبيعية بتحصل.
وفي اللحظة دي، حصل شيء خلّى علياء تلتفت بسرعة ناحية السرير.
حست بإيد أمها وهي بتمسك إيدها بضعف.
أميرة كانت فتحت عينيها بصعوبة، وبتحاول تتكلم رغم التعب الشديد اللي كان واضح على ملامحها.
أميرة بصوت واهن:
علياء... عايزاكي... لوحدك!
علياء قربت منها بسرعة، وانحنت عليها وهي بتقول بلهفة:
علياء:
أنا جنبك يا ماما، أنا معاكي أهو. عايزة إيه؟
لكن أميرة ما ردتش على سؤالها، واكتفت إنها تبص ناحية نادر بنظرة غريبة، نظرة كان فيها خوف وعتاب، ويمكن كمان اتهام!
نادر قابل نظرتها بلامبالاة، وكأنه مش مهتم بيها، وبعدها رجع بص لعلياء وقال:
أنا هخرج أسيبك معاها شوية، وإنتِ شوفي هي عايزة إيه. بس مش هأوصيكي، بلاش تخليها تتكلم كتير، لأن حالتها ما تستحملش أي مجهود. وإنتِ عارفة إننا ما نقدرش نعيش من غيرها!
قال آخر جملة وهو بيبتسم ابتسامة غريبة، ابتسامة ما وصلتش لعينيه، وبعدها لف وخرج من الأوضة.
فضلت علياء واقفة مكانها لثواني، بتبص ناحية الباب اللي خرج منه نادر، وبعدها رجعت بعينيها لأمها.
قربت منها، ومسكت إيدها بحنان، وقالت بصوت مليان وجع:
علياء:
ليه يا ماما؟ ليه كنتِ عايزة تنتحري؟ إنتِ عارفة إننا بنحبك، وإننا عمرنا ما كنا هنسيبك!
أميرة حاولت ترفع راسها، لكن التعب كان أقوى منها. أخدت نفس طويل، وبصت لبنتها وهي بتتكلم بصعوبة:
أميرة:
مش أنا... اللي عملت في نفسي كده!
علياء اتجمدت مكانها، ووسعت عينيها بصدمة.
علياء:
إيه؟! يعني إيه مش إنتِ اللي عملتي في نفسك كده؟ أمال مين يا ماما؟!
أميرة:
أنا... كنت نايمة... وصحيت لقيت واحد... بيقطع الوريد بتاع إيدي!
علياء شهقت، وحطت إيدها على بقها من هول الصدمة.
علياء:
واحد مين ده؟! دخل الفيلا إزاي؟ وعمل فيكي كده ليه؟!
أميرة بصتلها بضعف، وكأنها بتحاول تجمع آخر ما تبقى عندها من قوة، وقالت:
أميرة:
مش... مش ده المهم دلوقتي يا علياء!
علياء باستغراب شديد:
مش ده المهم إزاي يا ماما؟! ده حد حاول يقتلك! لازم نعرف هو مين، ونعرف دخل إزاي، ونعمل محضر في الشرطة!
أميرة هزت راسها ببطء، وقالت بصوت متقطع:
أميرة:
اسمعيني كويس... أنا خلاص... حاسة إن أجلي قرب، ومش عايزة أموت قبل ما أقولك على حاجة مهمة. عايزاكي تسامحيني يا بنتي... وتجيبي حقي من اللي عمل فيَّ كده!
علياء اتلخبطت أكتر، وبصت لأمها بعدم فهم.
أسامحك على إيه يا ماما؟! أنا مسامحاكي على إيه أصلًا؟! وبعدين مين اللي عمل فيكي كده؟ وليه بتتكلمي بالطريقة دي؟! أنا مش فاهمة أي حاجة!
أميرة غمضت عينيها للحظة، وبعدها فتحتهم وبصت لعلياء بنظرة مليانة ندم. وقالت
كل حاجة... هتعرفيها من مذكراتي اللي موجودة في الخزنة بتاعتي في الفيلا. كلمة السر بتاعتها هي تاريخ ميلادك.
علياء:
مذكرات إيه يا ماما؟ وإيه اللي مكتوب فيها لكل ده؟!
أميرة:
هتفتحي الخزنة... وهتقري كل كلمة مكتوبة في المذكرات دي. بس أوعي... أوعي جوزك يعرف أي حاجة عنها!
علياء بصتلها بصدمة أكبر، وكأنها سمعت حاجة مستحيل تصدقها.
علياء:
نادر؟! إنتِ مش عايزة نادر يعرف إيه؟! هو إيه اللي في المذكرات دي يا ماما؟!
أميرة سكتت للحظات، وبعدها قالت بصوت بالكاد مسموع:
أميرة:
لأنها... ما تشرفش!
علياء قربت منها أكتر، وقالت بلهفة:
يعني إيه ما تشرفش؟! إنتِ بتتكلمي عن إيه يا ماما؟!
أميرة بصتلها بعينين مليانين دموع، وقالت:
أميرة:
دي مش مجرد مذكرات يا علياء... دي حكاية عمري كله. حكاية مليانة أسرار وذنوب، وقرارات غلط، وناس ظلمتهم، وناس ظلموني... وحاجات لو اتكشفت، ممكن تغيّر كل حاجة إنتِ تعرفيها عني!
علياء كانت بتسمع كلام أمها وهي حاسة إن الأرض بتتهز تحت رجليها.
علياء:
وإيه الاسم الغريب اللي قولتيه ده؟ إنتِ قولتي مذكرات... وادي الذنوب؟!
أميرة:
أيوه... وادي الذنوب!
قالتها أميرة بنبرة مليانة حزن، وكأن الاسم ده لوحده شايل عمر كامل من العذاب.
أميرة:
ما تستغربيش الاسم يا بنتي... أنا مالقتش اسم يليق بالمذكرات دي أكتر منه، لأني كاتبة فيها كل الذنوب اللي عملتها في دنيتي. كل غلطة ارتكبتها، وكل سر دفنته جوايا، وكل حقيقة حاولت أهرب منها سنين طويلة... كلها مكتوبة هناك!
علياء كانت بتبص لأمها وكأنها لأول مرة تشوفها، مش قادرة تستوعب إن الست اللي ربتها وعاشت معاها عمرها كله، مخبية عنها أسرار بالحجم ده.
علياء:
طيب... ليه مش عايزة نادر يعرف حاجة عن المذكرات دي؟ هو جوزي يا ماما، وأنا مش فاهمة إيه علاقته بكل اللي بتقوليه!
أميرة حركت راسها ببطء، وقالت:
كل سؤال عندك... هتلاقي إجابته في المذكرات. بس أوعي تسمحي لأي حد يقراها قبلك، وأوعي تثقي في أي حد قبل ما تعرفي الحقيقة بنفسك!
علياء:
حتى نادر؟!
أميرة فضلت ساكتة، وبصت لبنتها بنظرة غامضة، نظرة كانت كفيلة إنها تزرع جوا قلب علياء ألف سؤال وسؤال.
وبعد لحظات، بدأت أميرة تتوجع بشدة، ووشها اتغير، ونفسها بقى متقطع. علياء نادت عليها بخوف، وحاولت تمسك إيدها وتطمنها.
علياء:
ماما! ماما، إنتِ مالك؟! استحملي يا حبيبتي، هنده للدكتور حالًا!
لكن أميرة شدت على إيد بنتها بآخر ما عندها من قوة، وقالت بصعوبة شديدة:
علياء... اسمعيني... بعد ما أموت، اقري مذكراتي. عايزاكي تعرفي الحقيقة كلها، حتى لو الحقيقة دي وجعتك... وحتى لو اكتشفتي إن أمك مش الست اللي كنتِ فاكرة إنك تعرفيها!
علياء والدموع بتغرق وشها:
بعد الشر عليكي يا ماما! إنتِ هتخفّي وهتخرجي معانا، وهترجعي بيتك تاني!
أميرة ابتسمت ابتسامة حزينة، وقالت:
ولو جيتي زورتيني في قبري... هاعرف إنك سامحتيني. لكن لو ما جيتيش... هافهم إنك مش مسامحاني، وإنك شايفة إني ما استحقش حتى أكون أمك!
علياء هزت راسها وهي بتعيط، ومش قادرة تنطق بكلمة واحدة.
علياء:
كفاية يا ماما، أرجوكي... ما تقوليش كده!
أميرة حاولت تتكلم مرة تانية، لكن صوتها اختفى، وعينيها بدأت تقفل ببطء.
علياء صرخت وهي بتهز إيدها:
ماما! ردي عليَّ يا ماما! ماما، بصي لي!
لكن أميرة ما ردتش.
في اللحظة دي، دخلت الممرضة بسرعة بعد ما لاحظت اضطراب حالة أميرة، وبدأت تنادي على الدكتور، بينما علياء كانت واقفة جنب السرير، بتصرخ وبتبكي، ومش قادرة تصدق إن أمها بتضيع منها قدام عينيها.
الأجهزة بدأت تطلق أصوات متلاحقة، والأطباء دخلوا الأوضة بسرعة، وحاولوا إنقاذ أميرة بكل الطرق الممكنة.
لكن كانت لحظة الحقيقة قد وصلت...
وبعد دقائق طويلة من محاولات الإنقاذ، أعلن الطبيب وفاة أميرة عبد الرحمن.
علياء انهارت على الكرسي جنب السرير، وفضلت تبكي بحرقة، وهي بتردد اسم أمها، من غير ما تعرف إن آخر كلام سمعته منها هيكون بداية رحلة مظلمة، رحلة هتدخلها لعالم من الأسرار والجرائم والحقائق اللي عمرها ما تخيلت إنها ممكن تكون موجودة في حياتها!
رحلة هتبدأ من مذكرات أمها...
مذكرات وادي الذنوب!
لكن السؤال اللي فضل معلق في عقل علياء كان أخطر من كل الأسئلة التانية:
إيه الذنوب اللي ارتكبتها أميرة في حياتها؟ وليه كانت خايفة إن نادر يعرف أسرار المذكرات؟ وهل اللي حاول يقتلها كان غريب فعلًا، ولا شخص من أقرب الناس ليها؟
الإجابة كانت مستخبية جوه المذكرات...،،،،
وبعد أسبوع من موت أميرة...
دخلت علياء أوضة أمها، ووقفت قدام الخزنة اللي كانت موجودة في ركن الأوضة. فضلت تبص لها بتردد شديد، وقلبها بيدق بسرعة، وكأنها واقفة قدام باب لعالم تاني، عالم هي مش عارفة إيه اللي مستنيها جواه.
كانت وصية أمها لسه بتتردد في ودنها، وصوتها الضعيف وهي بتقول لها: «هتلاقي كل الإجابات في مذكراتي... بس أوعي جوزك يعرف عنها حاجة!»
علياء بصت للخزنة، وحست إن جواها صوتين بيتخانقوا مع بعض.
صوت بيقول لها:
افتحي الخزنة يا علياء، وخلينا نعرف إيه اللي أمك كانت مخبياه عنك طول السنين دي! إيه الذنوب اللي ارتكبتها، وإيه الأسرار اللي خلتها تموت وهي مرعوبة بالشكل ده؟!
وصوت تاني كان بيحاول يمنعها:
بلاش يا علياء... أنا حاسة إن المذكرات دي وراها مصيبة، وإن اللي مكتوب فيها مش هيجيب غير الوجع والخراب! يمكن الحقيقة اللي هتعرفيها تكون أقسى من إنك تستحمليها!
اتراجعت علياء خطوتين، وبعدها راحت وقعدت على الكرسي اللي قدام الخزنة، وحطت إيديها على وشها، وفضلت ساكتة شوية وهي بتحاول تسيطر على خوفها.
لكن فجأة، رفعت راسها، ومسحت دموعها، وبصت للخزنة بإصرار.
وقالت لنفسها:
لأ... أنا لازم أعرف الحقيقة! أمي ماتت وهي بتترجاني إني أقرا المذكرات دي، ولو فضلت خايفة، عمري ما هعرف هي كانت عايشة إزاي، ولا إيه اللي حصل لها فعلًا! وبعدين، ليه كانت خايفة إن نادر يعرف عنها حاجة؟ هو إيه السر اللي ممكن يخلّي أم تخبي مذكراتها عن جوز بنتها؟!
قامت علياء من مكانها، وقربت من الخزنة، وكتبت تاريخ ميلادها زي ما أمها وصّتها.
وبعد لحظات من الترقب، انفتح باب الخزنة!
مدت إيدها لجوا، وطلعت أجندة قديمة، غلافها باين عليه أثر السنين، ومكتوب على وشها بخط واضح:
وادي الذنوب
فضلت علياء تبص للاسم وهي حاسة بقشعريرة بتسري في جسمها. الاسم لوحده كان كفيل يزرع جواها الرعب، وكأن أمها ما سابتلهاش مجرد مذكرات، لكنها سابتلها اعترافات من عالم مظلم كانت عايشة فيه لوحدها.
قعدت علياء على الكرسي، وحطت الأجندة على رجليها، وفتحت أول صفحة بإيد بتترعش.
كان فيه تاريخ مكتوب في أول الورقة، وتحته سطور بخط أمها.
خدت علياء نفس طويل، وبدأت تقرأ...
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
مذكرات أميرة عبد الرحمن
أنا اسمي أميرة عبد الرحمن...
بنت بسيطة جدًا، من طبقة متوسطة، لا حلوة قوي ولا وحشة قوي، يعني متوسطة الجمال، بس كان عودي حلو، زي ما الناس كانت بتقول.
كنت عايشة أنا وأبويا وأمي في شقة صغيرة، عبارة عن أوضة وصالة في الدور الأرضي. ورغم إن الشقة كانت ضيقة ومخنوقة، وإن مافيش فيها أي رفاهية، إلا إني كنت بحبها أوي، ويمكن كانت بالنسبالي أغلى من أي قصر في الدنيا.
كنت بنام في الصالة على الكنبة، وعمري ما عرفت يعني إيه أنام على سرير لوحدي، ولا عرفت يعني إيه يبقى عندي أوضة خاصة بيا، لكن عمري ما اشتكيت. كنت بسيطة، وأحلامي على قد ظروفي، أو يمكن كنت فاكرة إن الدنيا بسيطة زي ما أنا كنت عايشة.
لكن الدنيا عمرها ما كانت بسيطة، وأنا ما كنتش أعرف إن الأيام مخبّية لي حاجات لو كنت عرفتها من البداية، يمكن كنت تمنيت إني ما اتولدتش أصلًا!
مات أبويا وأنا في تالتة إعدادي.
اليوم ده عمري ما نسيته، ولا أظن إني هنساه طول ما أنا عايشة. أبويا كان حنين عليَّ أوي، وكان راجل طيب بشكل ما يتوصفش، وكل اللي يعرفه كان بيحبه. عمره ما زعق لي، ولا مد إيده عليَّ، وكان دايمًا يحاول يفرحني على قد ما يقدر، حتى لو هو نفسه ما كانش معاه حاجة.
كنت بحس بالأمان طول ما هو موجود، وكنت فاكرة إن وجوده جنبي كفاية عشان يحميني من غدر الدنيا.
لكن في يوم، ومن غير أي مقدمات، أبويا مات!
وسابني لوحدي مع أمي عايدة.
ومن يومها، حياتي اتغيرت تمامًا.
أمي كانت ست قوية جدًا، لكن قوتها ما كانتش دايمًا في صالحي. بالعكس، معظم الوقت كانت قاسية عليَّ، رغم إني بنتها الوحيدة، ورغم إني ما كانش ليا في الدنيا غيرها.
كانت بتشتغل خياطة في البيت، تفصّل لجيراننا وقرايبنا، وأنا اتعلمت منها الخياطة، ومع الوقت حبيتها أوي. كنت بقعد جنبها بالساعات، أراقب إيديها وهي بتحرك القماش وتقصه وتخيطه، وأتخيل إن حياتي ممكن في يوم تتفصّل من جديد، زي الفستان اللي كانت بتخيطه بإيديها.
لكن الحقيقة إن الخياطة ما كانتش الحاجة الوحيدة اللي بحبها...
كنت بحب القصص الرومانسية أوي، وأعيش مع أبطالها، وأتخيل نفسي مكان البطلة اللي بيحبها شاب وسيم، ويفضل متمسك بيها مهما حصل، لحد ما يتجوزها ويعيشوا في سعادة طول العمر.
كتير كنت بتمنى أقابل راجل وسيم، زي أبطال السينما، يحبني من قلبه، ويشوف فيَّ أجمل واحدة في الدنيا، وياخدني من الشقة الصغيرة اللي كنت عايشة فيها، لعالم تاني مليان حب وحنان وأمان.
كنت بحلم بحب كبير يغيّر حياتي، ويعوّضني عن كل الحرمان اللي شوفته.
لكنها كانت مجرد أحلام...
أحلام بنت بسيطة، ما كانتش تعرف إن فيه أحلام لما بتتحقق، ممكن تتحول لكابوس، وإن الحب اللي بنجري وراه ساعات بيكون أول خطوة في طريق طويل من الندم!
ومن وأنا في ثانوي تجاري، كنت بروح المدرسة لوحدي وأرجع لوحدي. ما كانش ليا أصحاب خالص، ولا كنت بحب أختلط بحد. أمشي في حالي، وأرجع في حالي، وما ليش دعوة بحد.
كنت دايمًا حاسة إني مختلفة عن البنات اللي في سني. هما كانوا بيتكلموا عن الحب والخطوبة والفسح، وأنا كنت بسمعهم من بعيد، وأرجع البيت أحلم باليوم اللي هلاقي فيه الشخص اللي هيخلّي حياتي ليها معنى.
ما كنتش أعرف إن اليوم ده هييجي فعلًا...
وإن الراجل اللي كنت مستنياه بفارغ الصبر، واللي كنت فاكرة إنه هيكون سبب سعادتي، ممكن يكون هو نفسه السبب في أكبر مأساة أعيشها في حياتي!
وما كنتش أعرف إن البنت البسيطة اللي كانت بتحلم بحكاية حب زي حكايات السينما، هتيجي عليها أيام تتمنى فيها لو إنها ما عرفت الحب، ولا سمعت عنه، ولا فتحت قلبها لحد!
دي كانت بداية حكايتي...
حكاية أميرة عبد الرحمن، البنت اللي كانت فاكرة إن أكبر مشكلة في حياتها هي ضيق الحال وقسوة أمها، لكنها ما كانتش تعرف إن الأيام مخبّية لها وادي كامل من الذنوب، وإن كل خطوة هتاخدها بعد كده هتقرّبها أكتر من الهاوية!
وادي الذنوب...
الاسم اللي اخترته لمذكراتي، ما كانش مجرد اسم، لكنه كان الحقيقة اللي فضلت أهرب منها سنين طويلة.
حقيقة لو اتكشفت، مش هتدمر حياتي أنا وبس، لكنها ممكن تدمّر حياة كل إنسان عرفني، وكل إنسان وثق فيَّ، وكل إنسان افتكر إني ملاك ما بيغلطش!
ويمكن علشان كده، قبل ما أموت، كنت عايزة بنتي تعرف الحقيقة...
حتى لو الحقيقة دي كانت هتخلّيها تكرهني للأبد!،،،،
