رواية المصيده الفصل الاول 1 بقلم يارا علاء الدين


 رواية المصيده الفصل الاول 

عمري ما كنت بخاف من الحوادث...
يمكن عشان طول عمري كنت فاكر إن أسوأ حاجة ممكن تحصل للإنسان، هي إنه يموت.
بس لما فتحت عيني، اكتشفت إن الموت مش دايمًا بيكون أسوأ حاجة.
ساعات...
إنك تصحى ومتبقاش عارف إنت مين، بيكون أسوأ بكتير.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فتحت عيني بالعافية.
النور كان أبيض وشديد لدرجة إني قفلتها تاني.
سمعت صوت حد بيتكلم من بعيد:
— الحمد لله... بدأ يفوق.
حاولت أتحرك، بس جسمي كله كان بيوجعني.
فتحت عيني مرة تانية، وبصيت للسقف.
سقف أبيض.
ريحة مطهر.
صوت أجهزة.
وممرضة واقفة جنبي، بصتلي وابتسمت وقالت:
— حمد لله على السلامة.
بصيتلها وأنا مش فاهم حاجة وسألت بصوت ضعيف:
— أنا فين؟
— في المستشفى.
سكت شوية, وبعدين سألتها:
— حصل إيه؟
الممرضة بصت للدكتور اللي كان واقف جنبها، وبعدين رجعت بصتلي وقالت:
—حادثة عربية, بسيطة متقلقش.
حاولت أفتكر أي حاجة.
شارع...
عربية...
صوت فرامل...
أي صورة.
لكن دماغي كانت فاضية, مش فاضية بمعنى إني نسيت تفاصيل.
لأ.
كأن حد مسح حياتي بالكامل.

الدكتور سألني:
إنت فاكر اسمك؟
سكت شوية حاولت أفتكر بس مفيش اسم جه في دماغي خالص لقتني بقوله:
لأ مش فاكر!

اتغيرت ملامحه للحظة وبعدين قال:
— مراد, اسمك مراد, ده الاسم اللي كان في البطاقة اللي معاك.

مراد.
الاسم حسيت إنه مش بتاعي.
وفي نفس الوقت...حسيت إني سمعته قبل كده, فسألته:
— مراد إيه؟
قالي:
مراد عبد الرحمن الغيطي.

فضلت ساكت, كان المفروض الاسم يرجعلي حاجة.
بيت.
أب.
أم.
شغل.
أصحاب.
أي ذكرى.
لكن مفيش, ولا حاجة.

الدكتور ابتسم ابتسامة غريبة وقال:
طب قولي إنت فاكر إيه يا مراد؟
سرحت شوية حاولت أفتكر أي حاجة أقولهاله, بس دماغي كأنها صفحة بيضا مفيهاش أي تفاصيل نهائي, قولتله:
مش فاكر أي حاجة!
قالي:
متقلقش ده فقدان ذاكرة مؤقت بيحصل بعد الحوادث اللي زي الحادثة بتاعتك ومع الوقت هتقدر تفتكر.

سألته :
هو ايه موضوع الحادثة ده وحصل إزاي؟

الممرضة اتدخلت وقالت:
ناس طلعوا عليك وسرقوا العربية وضربوك ورموك في الشارع وفيه واحد ابن حلال كتر خيره جابك لحد هنا بالعربية بتاعته.
سألتها:
الكلام ده حصل امتى؟ يعني أنا هنا من امتى؟
ردت بتردد كده شوية وقالت:
بقالك اسبوعين في غيبوبة والحمدلله إنك فوقت بالسلامة.

وقبل ما الحق أسأل تاني , الدكتور استأذن وقالي:
أنا موجود لو احتاجت حاجة, وأناهاجي أطمن عليك بالليل تاني.

كان لسه عندي أسئلة كتير محتاج أسألها, بس لقيت الممرضة هي كمان بتخرج وراه فناديتها:
لو سمحتي هي فين الحاجات اللي كانت معايا ؟ موبايلي يعني والمحفظة؟ الحاجات بتاعتي فين؟
شاورتلي على الكومودينو اللي جنبي على الشمال وقالت :
مكنش معاك حاجة غير المحفظة فيها بطاقتك وكام كارت تقدرت
 تشوفها هناك أهو.

هزيت راسي وقولتلها:
شكرا.
مديت ايدي وخدت المحفظة مكنش فيها غير البطاقة فيها اسمي ومكان إقامة, وكان فيها كمان كارت مكتوب عليه رقم تليفون .
حطيتهم أدامي وقعدت أسرح في كل اللي حصل, عدا وقت معرفش أد إيه ولقيت الباب بيتفتح والممرضة دخلت تاني عشان تديني حقنة معينة , سألتها بلهفة:
مش معاكي موبايل أنا محتاج أعمل مكالمة.

طلعت تليفونها من جيبها وقالتلي:
اتفضل أهو اتكلم براحتك أنا باقتي كبيرة.

شكرتها وخدت التليفون فعلا, كتبت الرقم واتصلت بيه:
لقيت راجل رد عليا صوته تلاتيني وقال:

الو مين؟

أنا مراد كنت عاوز أكلم صاحب الرقم ده؟

الرجل صوته اتوتر وبان عليه القلق وقال:
مراد مين؟

قولتله:
مراد الغيطي.

قالي:
أناصاحب الرقم بس معرفش حد بالاسم ده؟

سألته:
طب ممكن تقولي اسم حضرتك ايه ؟

الرجل صوته بقى عالي وقال:
انت بتهزر يا افندم وراح قفل الخط في وشي!

حسيت ان الدنيا كلها اتقفلت في وشي, أنا متأكد مادام كتبت الرقم ده يبقى أكيد أعرفه, طب هو بينكر ليه؟
 
بعد يومين خرجت من المستشفى, الدكتور قالي إني جسديًا كويس وأقدر أخرج, بس موضوع الذاكرة ده محتاج جلسات علاج وقالي لو عايز أعمل الجلسات دي فعلًا, أروحله تاني وهو هيساعدني, وقتها مكنتش عارف أقرر حاجة كنت محتاج أبقى لوحدي, طلعت البطاقة من المحفظة وبصيت للعنوان.

فيصل.

بعدها ركبت تاكسي وقلت للسواق العنوان.

طول الطريق وأنا باصص من الشباك، بحاول أفتكر أي حاجة.
يمكن شارع أشوفه يخليني أفتكر.
عمارة.
محل.
أي حاجة.
لكن مفيش.

وصلنا في الآخر للعنوان, والسواق وقف قدام بيت قديم شكله مختلف عن كل البيوت اللي حواليه.

بصيت للبطاقة, وبعدين بصيت للبيت.
هو ده؟ ده قديم أوي؟ كنت مستغرب الحقيقة, بس وقتها دفعت للسواق من ال200جنيه اللي أداهمني الدكتور قبل ما أمشي ونزلت.
 
وقفت قدام المدخل وحسيت بإحساس غريب, إحساس ألفة كده وراحة.

المكان شكله مهجور, ومحدش ساكن فيه كتير, بس أنا مرتاح ليه.
 وأنا داخل المدخل وقبل ما أطلع السلم لقيت واحد طلعلي معرفش جه منين وقالي:
حمدالله على السلامة يا مراد بيه.

اتخضيت وقولتله:
انت مين ياعم خضتني؟

الرجل ابتسم وقالي:
أنا سيد يا بيه إنت نستني ولا إيه؟

طبطبت على كتفه وقولتله:
معلش ياسيد, أنا عملت حادثة كده ونسيت حاجات كتير.

الرجل وشه بان عليه الزعل الحقيقي وقال:
ألف سلامة عليك يا بيه.

الله يسلمك يا سيد, قولي بقى أنا شقتي كانت في أنهي دور؟

الدور التالت يا بيه, أنا هطلع معاك وهرتبهالك أصلها متفتحتش من فترة.

سرحت شوية, كنت بحاول أجمع أي حاجة, بس الرجل طلع معايا فعلًا ووصلنا للدور الثالث ولقيته طلع مفتاح من جيبه وقالي بنفس الابتسامة:

ده المفتاح الاحتياطي إنت كنت سايبه معايا عشان أي صيانة للشقة.

هزيت راسي وقولتله:
طب الحمدلله, أهو نفع دلوقتي.

دخلت الشقة, ريحة المكان كانت تقيلة.
ريحة تراب ورطوبة وحاجة تانية معرفتش أحددها.

سيد قالي :
استريح انت يا بيه في أوضتك و أنا نص ساعة أكون وضبتلك الشقة كلها.

قولتله بامتنان كده:
والله يا سيد ما عارف أقولك إيه؟ إنت أكيد ربنا بعتك ليا في وسط التوهة دي كلها.

-متقولش كده يا بيه ده أنت خيرك مغرقني والله.

ابتسمت واتحركت فعلًا ناحية أوضة حسيت إن دي هي الأوضة اللي يقصدها.

الأوضة كان شكلها جديد شوية عن باقي الشقة، يعني تحس إني كنت باجي أقعد فيها هي بس، وأغير الحاجات القديمة اللي فيها وأسيب باقي الشقة زي ما هي.

دخلت وقفلت الباب ورايا، وقعدت على طرف السرير.

 
 فضلت أبص حواليّا.
الغريب إن المكان، رغم إني أول مرة أشوفه، كان فيه حاجة بتقول إن المكان ده كان بتاعي.
قومت فتحت الدولاب.
لقيت هدوم متعلقة مش كتير، أغلبها مقاسي.
قمصان.
بناطيل.
جاكيتات.
حاجات شكلها غالي شوية.
مديت إيدي على قميص أبيض، أول ما لمسته جالي إحساس غريب.
كأني لبسته قبل كده وقريب كمان
حاولت أفتكر إمتى.
فين؟
مع مين؟
لكن الذكرى اختفت قبل ما أمسكها
رجعت القميص مكانه.
وقلت لنفسي:
— بالراحة يا مراد... واحدة واحدة.

سمعت صوت سيد من بره:
— يا بيه، تحب أعملك حاجة تاكلها؟
فتحت الباب وخرجت.

لقيته وضب الصالة بشكل مش طبيعي, معرفش لحق عمل كل ده امتى؟ ولا أنا اللي سرحت كتير؟
قولتله:
— لا يا سيد، تسلم... أنا مش جعان.
بصلي وقال:
— طب تحب أعمل حاجة تاني هنا ؟
— لا، كفاية عليك كده.
ابتسم وقال:
— إنت لسه زي ما إنت يا بيه.
وقفت أبصله:
— يعني إيه؟
ابتسم:
-يعني لسه مبتحبش حد يخدمك كتير, ولا بتحب تتعب حد.
ضحكت وقولتله:
— غريبة إنك فاكرني وأنا مش فاكر نفسي.
هز راسه وقال:
— ربنا يشفيك يا بيه وميورنيش فيك حاجة وحشة أبدًا.
شكرته وقبل ما ينزل سألته:
هو أنا كنت عايش هنا يا سيد ولا ده بيت مين؟
-لأ يا بيه ده بيت العيلة, حضرتك كنت بتيجي كل فترة تقعد كام يوم وتمشي تاني.

حسيت كلامه منطقي, لإن البيت ده مش شكل بيت ناس عايشة فيه!
 
شكرته وهو نزل, قفلت الباب وراه, ورجعت الأوضة تاني.
قعدت على السرير, وفضلت ساكت شوية، وبعدين بدأت أبص للمكان بشكل أدق.

على الكومودينو كان فيه ساعة قديمة.
جنبها كتاب, حاجات ملفتتش نظري أوي.

قومت من على السرير وبدأت أدور في الأوضة.
فتحت الكومودينو.
فتحت الدولاب تاني.
قلبت
الهدوم واحدة واحدة، وفتشت الجيوب، يمكن ألاقي ورقة، صورة، أي حاجة تفكرني بنفسي.
لكن مفيش, ولا حاجة.
فضلت
واقف في نص الأوضة، مش عارف أعمل إيه.
وبعدين
عيني راحت ناحية السرير.
 
 قربت منه ونزلت على الأرض.
دورت تحت السرير زي الأفلام أصل أكيد فيه حاجة مستخبية هنا ؟ بس برده مفيش.

حركت السرير شوية، بس لفت على الأرض حاجة غريبة.
جزء صغير من الأرض كان شكله مختلف.
حطيت إيدي عليه وحاولت أحركه، اترفع لفوق!

فضلت ثواني باصص للمكان وأنا مش مصدق.
كان فيه تجويف صغير تحت الأرض، ومتخبي جواه كيس أسود،
طلعته. ولقيت فلوس كتير !
 
فضلت باصص عليها وأنا مش فاهم.
أنا ايه اللي خلاني أشيل فلوس هنا؟

مديت إيدي وخدت مبلغ منها، وبعدين رجعتها مكانها.

طلعت من الأوضة وروحت ناحية البلكونة, ناديت على سيد بصوت عالي:
— يا سيد!

بعد ثواني سمعت صوته من تحت:
— أيوه يا بيه؟

بصيت لتحت لقيته واقف عند مدخل العمارة.
قولتله:
— سيد، ممكن تطلعلي عايزك؟
طلع فعلًا وأول ما دخل، بصلي وسأل:
— فيه حاجة يا بيه؟
قولتله:
— أنا محتاج منك خدمة.
— من عيني يا بيه.
طلعت فلوس من جيبي واديتهاله وقولتله:
— عاوزك تجيبلي خط محمول وموبايل كويس.
سكت لحظة وبعدين قال:
— حاضر يا بيه.
— ومحتاج الجهاز يكون جديد، بس مش غالي أوي.
ابتسم وقال:
انت تؤمر
هزيت راسي وقلتله:
— خد الفلوس دي وهات اللي قولتلك عليه واللي يتبقى حلال عليك.
ابتسم , وخد الفلوس ونزل.

قعدت مستنيه والأفكار مش راضية تسكت جوه دماغي. أسئلة كتير ملهاش إجابة!

بعد شوية سمعت خبط على الباب.
فتحت, كان سيد واقف ومعاه الموبايل اداهوني وقال:
— أهو يا بيه، جبتلك اللي طلبته.

بصيت للموبايل كده وقولت:
— تسلم يا سيد.

ابتسم وقال:
— العفو يا بيه.
وبعدين نزل.

قفلت الباب ورايا، وقعدت على السرير.
فتحت الموبايل, ركبت الخط وشغلته.

استنيت لحد ما الشبكة ظهرت.

أول حاجة عملتها إني فتحت المتصفح.
فضلت ثواني باصص على خانة البحث.
وبعدين كتبت:
"مراد الغيطي"
ضغطت بحث.
النتائج ظهرت قدامي.
بدأت أقرأ, أخبار كتير عن ناس ليهم نفس اسمي.
وبعدين، وقعت عيني على عنوان خلاني أتجمد مكاني.

"وفاة الصحفي الشهير مراد الغيطي منذ أسبوعين إثر حادث سيارة."!!!!!!!!

 
فضلت باصص للشاشة, مش قادر أستوعب.
مراد الغيطي...
أنا؟
دورت تاني ورا الخبر ده,
ظهرتلي عناوين كتير كلها بتتكلم عن نفس الشخص.
صحفي معروف بيشتغل في جريدة كبيرة.
اختفى قبل وفاته, وبعدين تم الإعلان عن وفاته من اسبوعين.
قريت الخبر مرة واتنين وتلاتة.
بس مفيش أي صورة للشخص اللي بيتكلموا عنه.
لكن الاسم...
نفس الاسم.
 
والسن... نفس السن.

وكل التفاصيل اللي قدرت أقرأها كانت بتقول إن الشخص ده هو أنا.
حطيت الموبايل على السرير.
وقفت وأنا حاسس إن رجلي مش شايلاني.
يعني إيه؟
أنا مُــت؟ طب إزاي؟
طب
لو أنا مراد الغيطي اللي مكتوب عنه في الأخبار...
مين اللي مات؟
وقعت عيني على البطاقة اللي كنت حاططها على الكومودينو.
مراد عبد الرحمن الغيطي.

حطيت إيدي على دماغي.
وفجأة...
حسيت إن كل حاجة حواليا بتلف.
أنا مش فاقد ذاكرتي بس.
أنا عايش...في الوقت اللي المفروض إني أكون فيه ميت!!!

رجعت أدور على عنوان الجريدة اللي كان شغال فيها.

لقيته وفضلت باصص عليه شوية, وبعدين قفلت الموبايل.
وقلت لنفسـي:
لازم أروح الجريدة.
يمكن هناك... أعرف أنا مين!!!

 

تعليقات