رواية المصيده الفصل الثاني
خرجت من باب العمارة وخطواتي تقيلة كنت خايف من اللي جاي بس كان لازم أعرفه..
ركبت تاكسي وقولت للسواق اسم الجريدة والعنوان. السواق هز رأسه وداس بنزين، وأنا فضلت باصص من الشباك على معالم القاهرة اللي بتعدي قدامي زي الشريط السريع.
كنت بحاول أجمع كل اللي حصلي في الكام ساعة اللي فاتوا دول, من ساعة ما فوقت.
بعد حوالي نص ساعة، التاكسي وقف قدام مبنى ضخم، الواجهة بتاعته زجاجية بتعكس ضوء الشمس، وعلى بابها مكتوب بالبنط العريض اسم الجريدة.
نزلت ودَفعت للسواق، ووقفت قدام الباب شوية. قلبي كان بيدق بعنف بس خدت نفس طويل ودخلت.
أول ما دخلت من البوابات الإلكترونية، جالي إحساس غريب جداً.
رجلي كانت ماشية في الطرقات كأنها حافظة الطريق!
عارف إن الممر ده بيدخل على الصالة الرئيسية، وعارف إن الأسانسير في أخر الممر على الشمال!
جسمي كان فاكر كل شبر في المكان، بس عقلي مش فاكر وش واحد من الناس اللي رايحة وجاية وماسكة أوراق وقهوة أدامي دول.
مشيت في الصالة ، الدوشة كانت عالية، أصوات الكيبورد، وتليفونات بترن، ومحررين بيزعقوا. وقفت قدام مكتب في النص، كان قاعد عليه راجل في الأربعينيات، شعره خفيف ولابس نظارة طبية ومركز جداً في الشاشة قدامه.
قربت منه، واتنحنحت عشان يلتفتلي:
— لو سمحت...
الراجل رفع رأسه وبصلي بقلة صبر، ومسك القلم اللي في إيده وقال:
— أيوه يا فندم؟ أؤمر؟
بلعت ريقي وبصيتله بثبات حاولت أجمعه بالعافية وقولتله:
— أنا مراد... مراد الغيطي.
الراجل سكت ثانية، الملامح بتاعته اتغيرت من قلة الصبر للذهول، وبعدين ملامحه اترسمت عليها ابتسامة سخرية غريبة، وفجأة ضحك بصوت عالي خلي كام محرر في المكاتب المجاورة يلتفتوا لينا:
— إنت بتهزر يا كابتن؟ ؟ مراد الغيطي مين اللي أنت جاي تقول عليه؟ مراد الله يرحمه مات من أسبوعين في حادثة عربية وأحنا بنفسنا حضرنا الجنازة بتاعته وعملناله عزاء!
أطرافي اتجمدت، وقولتله بصوت بيترعش وبنبرة رجاء:
— أرجوك بصلي كويس... بص في وشي! أنا مراد! يمكن الحادثة أثرت عليا، بس أنا مراد اللي كان شغال معاكم هنا!
الراجل قام وقف، وبصلي بغضب ورفع صوته:
— جرى إيه يا جدع إنت؟ إنت جاي تتسلى ولا إيه؟ أقولك مراد مات ودفناه بيدينا تقول إنت مراد؟ بلاش هزار بايخ على روح واحد زميلنا عزيز علينا! وإذا كنت مش مصدقني، اتفضل بص هناك!
شاور بإيده على لوحة إعلانات كبيرة خشبية معلقة في نص الصالة. مشيت ناحيتها بخطوات بطيئة. كان فيه برواز أسود كبير، ومكتوب فوقيه: "تنعي أسرة الجريدة الصفحي الشاب مراد عبد الرحمن الغيطي".
قربت من البرواز أكتر.. عيني نزلت على الصورة المتثبتة جوه البرواز الأسود.
قلبي كان هيقف.
الصورة مكنتش صورتي!
كانت لواحد تاني خالص! راجل في نفس سني تقريباً، ملابسه شيك وشعره أسود ناعم، فيه شبه بسيط جداً مني في تدويرة الوش، بس مش أنا ؟ طب ازاي؟
في اللحظة دي، بدأت قطع البازل المرعبة تترص في دماغي.
البطاقة اللي كانت في محفظتي في المستشفى.. البطاقة اللي مكتوب فيها "مراد عبد الرحمن الغيطي"..
حد حطهالي قاصد! حد زرع الهوية دي معايا عشان أول ما أصحى وأدور معرفش أنا مين؟ مستحيل أكون مراد! مستحيل كل الناس دي غلط وأنا اللي صح!
وقتها ناس كتير فضلت باصالي ومحدش فيهم اتحرك أو نفى الكلام اللي بيتقال! فاضطريت أمشي!
خرجت من المبنى وأنا بجر رجلي بالعافية. كان فيه سؤال واحد بيتكرر جوايا لو أنا مش مراد الغيطي... أنا مين؟
وليه سيد... سيد حارس العمارة هو الوحيد اللي بص في وشي وأكدلي إني مراد؟
...
أول ما الفكرة جت في دماغي، حسيت إن سيد هو خيطي الوحيد اللي فاضلي في الدنيا. هو البر الأخير قبل ما أغرق في بحر الجنون ده. ركبت تاكسي ورجعت على عمارة فيصل بسرعة.
وصلت البيت، كانت الشمس بدأت تغيب والشارع هدي شوية. دخلت المدخل، وكنت متوقع ألاقي سيد طالعلي من أوضته الصغيرة اللي تحت السلم زي الصبح، بس ملقيتوش. ناديت عليه بصوت عالي:
— يا سيد! يا عم سيد!
مفيش رد. طلعت الشقة وفضلت مستنيه، عدت ساعة وساعتين، ولما لقيت الوقت تأخر، نزلت تاني وخبطت على باب أوضته تحت السلم.. الباب كان مفتوح والمكان فاضي.
قلت لنفسي يمكن راح يجيب طلبات أو يشتري حاجة وزمانه راجع.
طلعت الشقة تاني، ونمت من كتر التعب والشد العصبي، نوم تقيل ومتقطع بالكوابيس.
صحيت تاني يوم الصبح على صوت أذان الفجر. قومت مستغرب إني نمت كل ده؟ بس قولت أكيد الأدوية اللي الدكتور خالد كتبهالي عشان الذاكرة ممكن تكون هي اللي بتنيمني أكتر, صليت الفجر ونزلت تحت عند المدخل.. عشان أشوف سيد.
بس مفيش أثر لسيد. دخلت أوضته، المحفظة بتاعته كانت مرمية على الترابيزة الصغيرة، قولت يبقى كده أكيد راجع.
كنت مقرر إن أول ما ألاقيه هاخده من إيده ونطلع على أقرب قسم شرطة، أخليه يشهد بإني مراد وإنه يعرفني، وأحكيلهم على موضوع الجريدة والناس اللي بتنكر إني مراد وموضوع البطاقة ده كمان.
بس غياب سيد لخبطلي كل خططي. مش هينفع أروح الشرطة والناس كلها بتقول إني شخص ميـ.ــت، هيفتكروني مجنون أو نصـ.ـاب.
قولت أأجل موضوع الشرطة كده لحد ما سيد يظهر، وقررت أروح ناحية الجريدة، كنت عاوز أقف هناك بعيد أراقب المبنى،يمكن ألمح أي حد، أو يمكن عينيا تقع على الخيط اللي يربط بيني وبين صورة الشخص ده.
وصلت الشارع الجانبي للجريدة الشارع كان هادي نسبياً ومفيهوش ناس كتير. كنت ماشي على الرصيف، حاطط إيدي في جيبي وعيني على المكان.
وفجأة... سمعت صوت صرخة فرامل مرعبة ورايا!
التفت بسرعة، لقيت عربية جيب سوداء بفاميه بتقرب ناحيتي بسرعة رهيبة، والباب الورااني اتفتح فجأة!
لمحت إيد طالعة من شباك العربية ماسكة مسدس كاتم صوت!
قبل ما أستوعب، سمعت صوت "طقطقة" مكتومة، ولقيت الرصاص بيضرب في الأسفلت اللي جنب رجلي وواحد قالي:
— انزل على الأرض!
صرخت بيني وبين نفسي وجريت بكل ما فيا من قوة! الرعب كان بيحرك رجلي أسرع من أي حاجة, ضرب النار كان شغال ورايا ، كانوا قاصدين يقتلوني! مش يخوفوني وبس ..
طلعت أجري ودخلت في حارة ضيقة، وبعدها حارة أضيق، نزلت تحت عربية نقل مركونة، وكنت كاتم نفسي وإيدي على بوقي، وبسمع صوت خطوات جزم ثقيلة بتجري في الشارع ورزع أبواب العربية وهي بتدور بتدور عليا. فضلت مستخبي حوالي ربع ساعة، لحد ما الصوت اختفى تماماً.
خرجت من تحت العربية وأنا بتنفس بصعوبة وجسمي كله غرقان عرق وبيترعش.
مبقاش قدامي أي أمان في الشارع. المكان الوحيد اللي أقدر أستخبى فيه وأفكر هو الشقة القديمة.
ركبت أول تاكسي لقيته، وكل شوية ألتفت ورايا أتأكد إن محدش ماشي مراقبني.
وصلت عمارة فيصل على أخر النهار. طلعت السلم جري، كنت مرعوب، حاسس إنهم هيقربوا مني ويخلصوا عليا.
وصلت أدام باب الشقة أيدي كانت بتترعش وأنا بدخل المفتاح في القفل. فتحت الباب، ودخلت بسرعة وقفلته ورجعت بضهري على الباب وأنا باخد نفسي بالعافية.
الصالة كانت ضلمة. مديت أيدي على الحيطة وضغطت على مفتاح النور.
النور فتح..
وعيني وقعت على الصالة.
وقتها صرخت ... لما لقيت سيد!
سيد ... كان مرمي في نص الصالة على ظهره.
رقبته كان فيها قطـ.ـــع عميق، والد م مالي الدنيا, عينيه كانت مفتوحة وبتبص للسقف بذهول مرعب!
أنا اتسمرت في مكاني. مقدرتش أتحرك خطوة واحدة.
وفجأة.. وقبل ما ألحق أتحرك من مكاني...
سمعت صوت سرينة البوليس بتهز الشارع تحت العمارة!
وبعدها بأقل من دقيقة... الباب اتفتح ودخلت مجموعة من رجال الشرطة والأسلحة كانت موجهة لصدري مباشرة، وصوت بيزعق وقالي:
— اثبت مكانك ولا حركة! ارفع إيدك لفوق!
