رواية اسرار الماضي الفصل الاول 1 بقلم ملكة الروايات


 رواية اسرار الماضي الفصل الاول 

​كانت الساعة تشير إلى الثامنة مساءً حين اكتملت الزينه لبهو فندق "اللوتس" الكبير. أضواء الثريات الكريستالية تتلألأ وتنحدر منها ظلال ذهبية دافئة، والموسيقى الكلاسيكية تنساب بتهادٍ بين الحضور الذين جاؤا من أرجاء العاصمة. صفوة رجال الأعمال، وجوه الإعلام الشهيرة، ونجمات مجلات الأزياء... الجميع جاءوا لشهود "زفاف العام"، الزفاف الذي شغل منصات التواصل الاجتماعي لأشهر متواصلة: عقد قران المذيعة والمؤثرة الشهيرة نورهان الشاذلي على رجل الأعمال الشاب طارق الزيني.
​كان كل شيء ممتعًا للعين، دقيقًا إلى حد الرفاهية المفرطة. ممرات الفندق مفروشة بالورد الأبيض، ورائحة العطر الباريسي الفاخر تمزج عبيرها برائحة بخور الصندل في المداخل. وفي منتصف البهو، كانت الشاشات العملاقة تعرض مقاطع مصورة ناصعة للعروسين في رحلاتهما الأخيرة، ابتسامات عريضة تُخفي خلفها ما لا يمكن لأحدٍ من المدعوين تخمينه.
​بعيدًا عن ضجيج القاعة الرئيسية، وفي الطابق الثامن المخصص للأجنحة الملكية، كان الجو مختلفًا تمامًا.
​كان السكون يلف الممر الطويل ذي السجاد النبيتي الثقيل. في جناح العروس رقم (804)، كانت نورهان تقف أمام المرآة الذهبية الضخمة. فستانها الأبيض المصنوع من الدانتيل الفرنساوي كان تحفة فنية تتلألأ مع كل حركة. كانت تتأمل وجهها المزين بالمكياج الهادئ، لكن عينيها لم تظهرا أي فرحة. كانت هناك نظرة جافة، نظرة امرأة تحارب في معركة خفية لا يعلم عنها أحد شيئًا.
​ألقت بنظرة سريعة على هاتفها الذكي الملقى على الطاولة الزجاجية بجوار باقة الورد. أضاءت الشاشة برسالة نصية جديدة من رقم مجهول:
​"الماضي لا يختفي بمجرد أن ترتدي الفستان الأبيض يا نورهان... الليلة ستدفعين الثمن كاملًا."
​قبضت نورهان على طرف الطاولة بانتفاضة خفيفة، وتنفست برعشة مكتومة. مسحت وجهها بكفها الدافي، ثم التفتت نحو باب الجناح المغلق. لم تكن هذه الرسالة هي الأولى؛ على مدار الأيام الثلاثة الماضية، كانت تصلها رسائل غامضة تحمل أسرارًا لم يعلم بها أحد غير ثلاثة أشخاص فقط في هذه الحياة.
​على الطرف الآخر من الممر، كان طارق الزيني يضبط ربطة عنقه السوداء أمام مرآة المصعد. كان رجلًا في منتصف الثلاثينيات، وسيمًا، ذو ملامح حادة ونظرات حذرة لا تستقر على شيء لفترة طويلة. رغم ابتسامته التي يوزعها على من يمر به من موظفي الفندق، إلا أن توترًا ملحوظًا كان يظهر في حركة أصابعه القلقة على ساعته الذهبية.
​التقى طارق عند زاوية الممر بشقيق نورهان الأصغر، سامر، شاب في بداية العشرينات تبدو عليه علامات الارتباك، يرتدي بذلة غير متناسقة تمامًا، وعيناه تتنقلان بين أرضية الممر وأبواب الأجنحة.
​ "سامر؟ أين كنت؟ هل رأيت نورهان؟" سأل طارق بنبرة حادة محاولًا ضبط انفعاله.
​تردد سامر لثوانٍ، وبلع ريقه بصعوبة قبل أن يجيب:
 "كانت... كانت تفضل أن تبقى بمفردها لبعض الوقت قبل النزول للقاعة. تطلب ألا يدخل عليها أحد حتى تطلب هي ذلك."
​نظر إليه طارق بنظرة تفحص ثاقبة، ثم تجاوز من غير أن يبتعد ببضعة أمتار نحو باب الجناح. وقف أمامه، ورفع يده ليطرق الباب، لكنه تردد. نظر إلى مقبض الباب النحاسي... كان هناك انطباع غريب بأن شيئًا ما ليس على ما يرام. الممر الممتد خلفه كان فارغًا تمامًا، وصوت الموسيقى القادم من البهو الأسفل يبدو نائيًا وكأنه يأتي من عالم آخر.
​طرق طارق الباب ثلاث طرقات متتالية خفيفة:
 "نورهان؟ المصورون في انتظارنا في الأسفل... هل أنتِ جاهزة؟"
​لم يأتِ أي رد.
​أعاد الطرق بحدة أكبر هذه المرة:
 "نورهان! افتحي الباب، لا داعي لهذا التأخير الآن!"
​ساد الصمت مجددًا. وضع طارق أذنه على الخشب الزخرفي البارد. لم يستمع لأي حركة بالداخل؛ لا صوت خطوات، ولا صوت حفيف الفستان الثقيل، فقط صوت خرير الهواء الصادر من الشرفة المفتوحة بالداخل.
​استشعر طارق الخطر، وأخرج من جيبه بطاقة الماستر الخاصة بالجناح والتي كان يحمل نسخة منها. أدخل البطاقة في القفل الإلكتروني... أضاء الضوء الأخضر مع صوت تكّة هادئة.
​فتح الباب ببطء.
​كان الجناح واسعًا، خافت الأضواء. الستائر الشيفون البيضاء الكبيرة كانت تتطاير بخفة مع نسمات الهواء الباردة القادمة من نافذة الشرفة المفتوحة على مصرعيها. رائحة العطر القوي تغمر المكان، لكن ثمة شيء آخر كان يقطع هذا الهدوء... سكون مريب وبارد.
​على الأريكة الجلدية الضخمة المواجهة للنافذة، كانت نورهان تجلس بكامل زينتها. فستانها الأبيض متدليًا بكرامة على الأرض، وباقة الزهور البيضاء سقطت بين قدميها. كانت رأسها مائلة إلى الخلف قليلاً، وعيناها المفتوحتان تحدقان في سقف الغرفة بجمود تام، كأنها تثبت نظرتها على شيء لم يره أحد سواها.
​اقترب طارق بخطوات متثاقلة، كأن قديمه أُفرغتا من الهواء. نادى اسمها بصوت مبحوح:
 "نورهان؟..."
​لم تتحرك. حين مد يده ليمسك بكتفها، كانت برودة الموت قد بدأت تضرب جلدها الناعم. وحول عنقها الناصع البياض، ظهر خيط زجاجي داكن من الكدمات الأرجوانية الرفيعة... أثر خنق دقيق ومتقن تم باستخدام خيط حريري ناعم، حُرِمَت به من النفس في دقائق معدودة وبصمت مطبق.
​سقط طارق على ركبتيه صدمةً، قبل أن يطلق صرخة مكتومة ترددت في أرجاء الجناح، لتخترق جدران الفندق وتصل إلى أذان العاملين في الممر.
​خلال أقل من عشرين دقيقة، تحول الفندق الفاخر من واجهة للاحتفال والأناقة إلى مسرح جريمة معقد.
​أُغلقت أبواب الفندق الرئيسية فورًا بطلب من إدارة الأمن. توقفت الموسيقى في القاعة الكبرى، وتحولت الملامح الضاحكة للمدعوين إلى وجوه شاحبة يعلوها الذعر والتساؤلات. سيارات الشرطة وأضواؤها الحمراء والزرقاء كانت تعكس أضواءها على الواجهة الزجاجية للفندق، بينما تقدمت سيارة الطب الشرعي لتتوقف عند البوابة الخلفية.
​من السيارة الأولى، نزل العقيد مراد الألفي.
​رجل في أواخر الأربعينيات، طويل القامة، بذلته الداكنة بسيطة وخالية من التكلف، وعيناه الصارمتان تحملان خبرة سنوات طويلة في التعامل مع النفس البشرية وسقطاتها. كان يرافقه مساعده الشاب، النقيب حسام، الذي كان يحمل دفتر الملاحظات ويتحدث بسرعة عبر جهاز اللاسلكي.
​صعد مراد مباشرة إلى الطابق الثامن عبر مصعد الخدمة لتفادي تجمهر الحضور. حين وطأت قدمه الممر، كان رجال البصمات والشرطة الفنية قد بدأوا بالفعل بوضع الأشرطة الصفراء حول الجناح (804).
​وقف مراد عند عتبة الباب. لم يدخل فورًا، بل أخذ جولة بعينيه في أرجاء الغرفة:
​النافذة المفتوحة والشرفة المطلة على الحديقة الخلفية.
​باقة الورد الملقاة على السجادة.
​عدم وجود أي آثار للعراك أو البعثرة في محتويات الجناح؛ المجوهرات على الطاولة كما هي، وحقيبة العروس لم تُفقد منها أية أغراض.
​وأخيرًا، الجثة الجالسة بجمود على الأريكة.
​اقترب مراد بخطوات هادئة، وأخرج قفازاته المطاطية ليرتديها. جثا على ركبته بجوار الجثة، ونظر بتمعن إلى العنق.
​ "الخنق تم من الخلف..." قال مراد بصوت خفيض لمساعده. "القاتل تمكن من الدخول دون أن تصرخ، ودون أن تدافع عن نفسها. كانت تعرفه... أو على الأقل، لم تكن تتوقع منه غدرًا في هذه الليلة."
​التفت مراد نحو حسام وسأله:
 "من كان في هذا الطابق خلال الساعة الأخيرة؟"
​أجاب حسام وهو يراجع الأوراق في يده:
"وفقًا لشهادة أمن الفندق وكاميرات المشتريات، الكاميرا الخاصة بهذا الممر تحديدًا كانت معطلة منذ الساعة السابعة مساءً بسب عطل في الشبكة المحلية! لكن الحضور في الأسفل يضم العشرات. حتى الآن، هناك ثلاثة أشخاص شوهدوا يتجولون في هذا الطابق بشكل مريب قبيل وقوع الحادث:"
​طارق الزيني (الزوج): شوهد في الممر مرتين قبل اكتشاف الجثة، وكان بينه وبين العروس خلاف مالي حاد حول عقود الرعاية قبل أسبوع.
​نادين الشاذلي (أخت العروس الصغرى): خرجت من الجناح وهي تبكي بحرقة قبل مقتل نورهان بنصف ساعة، وهناك تسريبات عن خلافات عائلية قديمة بينهما.
​سيد متولي (المنتج الفني): والذي كان يحاول الوصول لنورهان طوال المساء لمنعها من نشر وثائق تدينه في قضايا اختلاس.
​سكت حسام لبرهة ثم أضاف:
 "بالإضافة إلى هاتف العروس... وجدناه مغلقًا، وحين فتحناه وجدنا رسالة تهديد أُرسلت قبل مقتلها بدقائق من رقم غير مسجل."
​وقف العقيد مراد الألفي، واقترب من الشرفة المطلة على ظلام الليل. نظر إلى الأسفل حيث كانت الأضواء تحاول كشف العتمة، ثم قال بنبرة هادئة تحمل الكثير من الغموض:
​ "القاتل ليس غريبًا يا حسام... القاتل موجود الآن بين الحضور في الأسفل، يرتدي أفضل ما لديه، ويشرب نخب الزفاف."


تعليقات