رواية اسرار الماضي الفصل الثاني
تحولت قاعة الاجتماعات الإدارية في الطابق الأرضي من فندق "اللوتس" إلى غرفة عمليات أمنية مصغرة. على الطاولة الخشبية الكبيرة، فرد النقيب حسام التقارير الأولية ونسخ كاميرات المراقبة، بينما كان العقيد مراد الألفي يقف أمام اللوح الزجاجي، يكتب بقلمه الأسود أسماء المشتبه بهم وخطوط سيرهم المفترضة.
"التقرير الطبي المبدئي وصل يا سيدي العقيد،" قال حسام بصوت متوتر وهو يفض الظرف الأزرق. "الطبيب الشرعي يؤكد أن الوفاة حدثت في حدود الساعة السابعة والنصف إلى الثامنة إلا ربع مساءً. الخنق تم باستخدام خيط جراحي دقيق أو سلك حريري مقاوم للقطع، والقاتل تمتع ببرود أعصاب رهيب وقوة تحكم عالية في توزيع الضغط على رقبة الضحية دون ترك آثار مقاومة تذكر."
تأمل مراد التقارير بهدوء، ثم قال بنبرة واثقة:
"هذا يعني أننا أمام شخص تدرب جيدًا على ارتكاب الجريمة، أو أن نورهان كانت في لحظة استسلام تام لأسباب تخص علاقتها بالقاتل. وماذا عن الكاميرات المعطلة في الممر الثامن؟"
"هنا تكمن المعضلة الكبرى،" أجاب حسام بعبوس. "فني الصيانة في الفندق يؤكد أن قطع الاتصال بكاميرا الممر الثامن لم يحدث بسبب عطل فني عشوائي، بل تم فصل الكابل الرئيسي المتعلق بها يدويًا من لوحة التحكم الفرعية في الطابق السابع قبل الحادث بساعة كاملة! الفاعل كان يعرف جيدًا ماذا يفعل ومن أين يبدأ."
ضرب مراد بقبضته بخفة على الطاولة، وأصدر أمرًا حاسمًا:
"ابدأ بالاستجوابات فورًا. ابدأ بالزوج... طارق الزيني."
الاستجواب الأول: طارق الزيني (بين قناع الحزن وشبهة العقود المليونية)
بعد دقائق، دُفع بـ طارق الزيني إلى غرفة الاجتماعات. كان وجهه شاحبًا، وربطة عنقه المخلوعة معلقة على ذراعه وكأنه يحاول التقاط أنفاسه بعد سباق طويل. جلس على الكرسي الجلدي ببطء، وعيناه المحمرتان تشعان غضبًا مكبوتًا.
"هل تدركون ما تفعلونه؟" بدأ طارق بصوت منهار ظاهريًا لكنه يحمل نبرة دفاعية شرسة. "امرأتي قتلت في ليلة زفافنا، وأنا أجلس هنا كمتهم بينما القاتل الحقيقي يرحل بعيدًا بكل هذه السهولة؟!"
جلس مراد أمامه مباشرة، وشبّك أصابعه بهدوء، ناظرًا إليه بعينين لا ترفان:
"نحن لا نتهم أحدًا يا طارق بيه، نحن نبحث عن الحقيقة لنعيد لنورهان حقها. أخبرنا، أين كنت بالتحديد بين الساعة السابعة والنصف والثامنة مساءً؟"
تلجلج طارق لثوانٍ، وبدأت أصابعه تفرك خاتم الزفاف بعصبية:
كنت... كنت في مكتبي المؤقت بالطابق الأرضي أراجع مع المستشار القانوني تفاصيل صفقة الاستحواذ الخاصة بشركات الدعاية. هاتفي يثبت ذلك، فقد أجريت مكالمة مدتها اثنتا عشرة دقيقة مع المهندس رمزي."
"ممتاز،" قال مراد ببرود وهو يقلب أوراقًا أمامه. "لكن موظف الاستعلامات في الممر الثامن رأى شخصًا ينزل من السلالم الخلفية المؤدية للطابق الثامن في تمام الساعة السابعة وخمسين دقيقة، ووصفه بأنه يرتدي بذلة سوداء تشبه تمامًا ما كنت ترتديه، وكان يبدو مرتبكًا."
هبّ طارق واقفًا بغضب، واهتز صوته في الغرفة:
"هذا هراء! السلالم الخلفية يستخدمها الجميع! ثم لماذا أقتل زوجتي التي ربطت بيني وبينها عقود رعاية تدر علينا ملايين الجنيهات؟ موتها يخسرني الكثير ماليًا ومعنويًا!"
ابتسم مراد ابتسامة خفيفة وصارمة:
"أحيانًا يا طارق بيه، الخسارة المعنوية تكون أرخص بكثير من فضيحة تدمر الإمبراطورية التجارية بأكملها... يمكنك الانصراف الآن، لكنك ستبقى تحت تصرف التحقيق
الاستجواب الثاني: نادين الشاذلي (دموع خلف الستار أم سر مكتوم؟)
دخلت نادين، شقيقة نورهان الصغرى، وهي تذرف الدموع بغزارة وتلف حول كتفيها شالًا أسود داكنًا. كانت ترتجف بوضوح، وجلست على المقعد محاولة تجنب النظر في وجه المحققين.
"أختي... لقد قتلوها... لقد حذرتها مرارًا وتكرارًا من هذا الطريق!" صاحت نادين بانهيار.
مال مراد للأمام بحنان مصطنع لكنه دقيق الملاحظة:
"من حذرتِها منه يا نادين؟ ومن تقصدين بذلك الطريق؟"
مسحت نادين دموعها بمنديل ورقي وقالت بصوت متقطع:
"نورهان لم تكن تلك المذيعة المثالية التي تراها الشاشات. كانت تخفي خلف شهرتها ديونًا متراكمة وعلاقات مع أشخاص خطرين. وقبل نصف ساعة من العرس، دخلت عليها في الجناح وتشاجرنا بشدة لأنني اكتشفت أنها تخطط لابتزاز رجل أعمال معروف بوثائق سرية."
رفع مراد حاجبه باهتمام بالغ:
"رجل أعمال معروف؟ مثل من؟ هل هو طارق الزيني زوجها؟"
توترت نادين وبدت وكأنها أدركت أنها تفوهت بما لا يجب، فأنكرت بسرعة:
"لا... أعني... ليس بالضرورة طارق. كان هناك أشخاص كثر يهددونها. وعندما خرجت من الغرفة كنت أبكي لأنها طردتني وهددت بقطع علاقتها بي نهائيًا."
"ولماذا رآكِ أحد عمال الخدمة بالقرب من غرفة التحكم في الطابق السابع قبيل وقوع الحادث بقليل؟" سأل حسام فجأة بحدة.
شحب وجه نادين تمامًا، وتجمدت الكلمات في حلقها قبل أن تقول بصوت هامس:
"كنت... كنت أبحث عن الحمام ولم أكن أعرف المكان جيدًا..."
الاستجواب الثالث: سيد متولي (المنتج المذعور في فخ الابتزاز)
كان المشتبه به الثالث، سيد متولي، المنتج الفني المعروف، في حالة يرثى لها. كان عرقه يتصبب بغزارة على جبينه، ولم يستطع الجلوس بثبات.
"يا سيدي العقيد، قسما بالله العلي العظيم أنا بريء! كل ما بيني وبين نورهان كان عملًا بحتًا. لقد كانت تنتج برنامجها عبر شركتي، وكان بيننا اختلاف في حصص الأرباح، نعم! هددتني بأنها ستنشر تسجيلاً صوتيًا يثبت تلاعبنا بمشاهدات المنصات الرقمية، لكن هذا لا يعني أن أقتلها!"
"ولماذا كنت تحاول الصعود إلى جناحها الملكي بالقوة رغم رفض الأمن؟" سأل مراد بصوت جاد وقاطع.
بلع سيد ريقه بصعوبة وأجاب:
"كنت أريد أن أساومها على الفلاش ميموري... كنت أحمل معي حقيبة بها مليون جنيه نقداً لأشتري صمتها، لكنني وجدت الزحام وصراخ الزوج، فهربت خوفاً من أن يتهمني أحد!"
فتح حسام ملفًا رقميًا على حاسوبه وقال:
"المليون جنيه التي تتحدث عنها يا سيد متولي، وجدناها في سيارتك بالخارج... لكن الأغرب من ذلك، أن الفلاش ميموري الذي تتحدث عنه لم يُعثر عليه في حقيبة نورهان ولا في الجناح."
