رواية جريمة في الجناح الملكي الفصل الأول بقلم يارا علاء الدين
جـ.ـــثة متـ.ــفحمة، وأربعة مشتبه فيهم.. لكن مين فيهم اللي عمل كده؟ وايه السبب ؟
ــــــــــــــــ
في شغلانتنا، الوقت هو العدو الأول، كل ثانية بتمر بعد وقوع الجـ.ــريمة، الجـ.ـــثة بتبرد، والأثر بيتمحي، والمجـ.ــرم بيبعد خطوة, لكن مهما حاول المجـ.ـــرم يكسب الوقت ويهرب، بيفضل في مسرح الجــ.ــريمة خيط رفيع جداً سايبه وراه من غير ما يحس.. خيط لو لقطته بتركيز، هتقدر ترجع كل حاجة لأصلها وتعرف اللحظة اللي الحقيقة اتدفـ.ـنت فيها بالضبط.
ـــــــــــــــــ
الساعة كانت داخلة على اتنين بعد نص الليل لما تليفوني رن.
كنت لسه مخلص شغلي ورايح أنام، رديت وسمعت صوت زين بيقولي بتوتر:
ـ فيه مصيبة يا عصام باشا.. حريـ..ــق كبير في فندق وسط المدينة، ولما المطافي سيطرت على النار لقوا جثـ.ــة متفحمة جوه الجناح الملكي بتاع رجل الأعمال عيسى الغندور.. ومحتاجين حضرتك ضروري.
رديت وأنا باخد نفس عميق وبقوم من السرير:
ـ لو متصلتش يا زين وأنا داخل أنام عشان تبلغني بكارثة كنت هقلق، ربنا ما يقطعلك عادة.. عمومًا أنا جاي حالًا.
قفلت المكالمة وأنا بسرح شوية في التفاصيل.. حـ.ــريق كبير في فندق مليان ناس؟
المـ.ــجرم ده يا إما مش فارق معاه أي حاجة وبيحـ.ــرق المكان عشان يداري على جـ.ــريمته، يا إما ذكي جدًا ومرتب لكل خطوة من قبلها.
وصلت الفندق بعد أقل من نص ساعة.
من أول ما نزلت من العربية، كان الدخان لسه موجود وريحة الشياط مالية المكان.
عربيات المطافي والإسعاف واقفة بره ، والفندق كان في حالة طوارئ كاملة.
نزلاء واقفين خايفين، موظفين بيتكلموا بصوت واطي، ورجال أمن بيتحركوا بسرعة.
دخلت وأنا براقب الوجوه قبل ما أراقب المكان.. كنت بدور على الخوف المصطنع مش الخوف الحقيقي اللي أنا شايفه دلوقتي!
زين كان مستنيني في المدخل، أول ما شافني جه جري وقال:
ـ الجناح في الدور الثالث يا أفندم، المطافي طفت النار بالعافية، بس الدور كله اتقفل تمامًا.
سألته بصوت هادي وأنا ماشي معاه:
ـ احكيلي يا زين من الأول، إيه اللي حصل هنا بالضبط؟
بدأ زين يشرح بتركيز وهو ماشي جنبي ناحية السلالم لأن الأسانسيرات كانت واقفة بسبب الحر يق:
ـ عيسى الغندور، مالك الفندق ورجل الأعمال المعروف، مقيم في الجناح الملكي في الدور الثالث.. والدور ده مفيش فيه غير جناحه بس.
النهاردة الساعة عشرة بالليل، عمل حفل عشاء خاص في المطعم الرئيسي، ودعا أربعة بالتحديد على ترابيزته: فاروق شريكه في إدارة الفندق، دكتورة هالة طبيبة الفندق، سارة الصحفية المعروفة، وطارق مهندس الصيانة المسؤول عن المبنى.
سألته:
ـ والعشاء ده كان ليه؟
زين كمل:
ـ العشاء مكنش عادي خالص يا فندم. حسب كلام الجرسونات والنزلاء، حصل مشادة كلامية حادة جداً، وعيسى كان بيكلمهم بفوقية وغل، واتشاف بيميل على كل واحد ويهدده بصوت سمعه نص المطعم، وقال جملة بالنص اتكررت:
كلكم في جيبي، واللي يفكر يخرج عن طوعي هطربقها فوق دماغه!
وقفنا عند مدخل الدور الثالث، وزين كمل:
ـ بعد العشاء المشحون ده، كل واحد مشي وهو متوتر وعلى آخره، وعيسى طلع جناحه. وعلى الساعة واحدة بعد نص الليل، ظهرت صفارات الإنذار وقام حـ.ــريق كبير كان طالع من جناح عيسى بالذات. ولما المطافي وصلت لقوا جثـ.ــة متفحمة بالكامل على الأرض.
سألته بتركيز:
ـ وعيسى؟
رد زين بسرعة:
ـ مظهرش خالص يا باشا، وعربيته وممتلكاته كلها هنا.. فالمؤكد إن الجـ.ــثة المتفحمة دي هي جـ.ــثة عيسى الغندور نفسه.
وصلنا قدام باب الجناح الملكي.. المكان كان أسود تمامًا، الهباب مغطي الحوائط، وريحة الحريق تخنق، وقفت قدام الباب ثواني.
قبل ما أدخل أي مسرح جر يمـ.ــة، بكون حريص أخد نفس عميق، وأسيب عيني تلقط التفاصيل الصغيرة. أصل مهما كان المـ.ـجرم محترف، لازم يسيب أثر يقول أنا كنت هنا.
دخلت الجناح.
الجثـ.ــة كانت واقعة في نص الصالة. كانت متفـ.ــحمة بدرجة مرعبة، الملامح اختفت تمامًا، والملابس عبارة عن رماد.
انحنيت وقعدت على ركبتي أدام الطبيب الشرعي اللي كان بيفحص الجثة بتركيز.
رفعت عيني وسألته:
ـ إيه الأخبار يا دكتور؟
رفع رأسه وقال بنبرة جادة:
ـ تفـ.ــحم كامل من الدرجة الرابعة يا عصام باشا.. الملامح والشكل الخارجي انتهوا تمامًا. مقدرش أجزم بأي حاجة تخص سبب الوفاة المباشر أو التوقيت الدقيق إلا بعد التشريح الكامل وال DNA .
سألته:
ـ يعني الجـ.ــثة كانت لعيسى فعلًا؟
هز الدكتور رأسه:
ـ ظاهريًا وقرائن المكان بتقول إنه هو، لكن علميًا.. أنا قدامي جـ.ــثة شخص مجهول الهوية حاليًا لحد ما التقرير النهائي يطلع.
قمت وقفت وبدأت ألف حوالين الجثة بحذر.
النار أكلت الجناح، بس فيه حاجة غريبة.. الحـ.ــريق بدأ ونشط في الجناح ده بالذات بشكل سريع جدًا، وكأن فيه مادة مساعدة على الاشتعال اتحطت بوفرة!
التفت لزين وسألته:
ـ نظام أجهزة إنذار الحريق في الفندق, المفروض إنه ممتاز, إزاي النار سرحت كده بسرعة من غير ما حد يلحق الجـ.ــثة ولحد ماوصلت للمنظر ده؟
زين جاوبني:
ـ طارق مهندس الصيانة قال إن فيه عطل فني في الأجهزة دي يا أفندم و الدور الثالث بالذات كانت تحت الصيانة النهاردة!
سجلت المعلومة دي في دماغي.. صيانة في نفس يوم الحريقة أكيد مش صدفة؟
سألته:
ـ والأربعة اللي كانوا معاه على العشاء؟ فينهم دلوقتي؟
زين رد:
ـ موجودين تحت في اللوبي يا فندم، القوة اتحفظت عليهم كلهم. محدش فيهم مشي.
طلبت من زين يدخلي جرسون المطعم اللي كان موجود وقت العشاء الأول عشان أسمع منه بنفسي قبل ما أبدأ مع الأربعة.
دخل الشاب مرعوب ورجليه بتخبط في بعض، هديته وبصيت في عينيه وقولتله:
ـ احكيلي يا بني، إيه اللي حصل على الترابيزة بالضبط بين عيسى وضيوفه؟
الجرسون بلع ريقه وقال بصوت بيترعش:
ـ يا باشا عيسى بيه كان بيمسح بيهم الأرض! أستاذ فاروق مدير الفندق وشه أحمر جداً وقام زعق معاه ، والدكتورة هالة كانت بتترعش ووشها أصفر ، والأستاذة سارة هي كمان كانت منفعلة جدًا, أما الباشمهندس طارق فكان قاعد ساكت تمامًا ومبيمدش إيده في الأكل، وعيسى بيه كان بيبص لهم و بيضحك بسخرية بس طبعًا مقدرتش أفسر الكلام لإني كنت بعيد عنهم.
سمعت كلام الجرسون بتركيز شديد وأنا بربط كل خيط بمكانه في عقلي.
كل واحد في الأربعة دول عنده سبب حقيقي يخليه يكره عيسى الغندور ويتمنى اختفاءه.. والأربعة كانوا موجودين في الفندق وقت الحـ.ــريقة!
بصيت لزين وقولتله بنبرة حازمة:
ـ انقلوهم الأربعة على القسم فورًا يا زين.. وعايز أول اسم يتفتح ملفه قدامي هناك: فاروق شريك القتـ.ــيل.
