رواية جريمة في الجناح الملكي الفصل الثاني 2 بقلم يارا علاء الدين

 

رواية جريمة في الجناح الملكي الفصل الثاني بقلم يارا علاء الدين


فيه قضايا بتكون أدلتها قليلة، وفيه قضايا بتكون أدلتها كتير لدرجة إنها تخدعك... لكن عمري ما قابلت قضية كل ما أقرب فيها من الحقيقة، كل الخيوط تضيع وأبدأ من جديد!
ــــــــــــــــــــــــــ

الساعة كانت قربت على أربعة الصبح لما وصلنا قسم الشرطة.

الهدوء في الطرقات والمبنى الساكت بالليل بيخلي أي صوت يتضخم.

 غرفة الاستجوابات بالذات لها هيبة غريبة؛ أصل في الشغلانة دي، اتعلمت إن الاستجواب مش مجرد أسئلة وإجابات؛ الاستجواب معركة نفسية.

 المتهم بيدخل وهو لابس ماسك الضحية أو البريء، وشطارتك إنك تضغط على النقطة الضعيفة الصح عشان الماسك ده يقع.

جمعت المشـ.ـتبه فيهم الأربعة في صالة الانتظار تحت حراسة مشددة. كل واحد فيهم كان قاعد في زاوية، محدش بيبص للتاني، التوتر في الجو كان واضح جدَا.

بصيت لزين وقولتله:

ـ دخلّي فاروق أول واحد.

دخل فاروق. رجل أعمال في الخمسينات من عمره،لابس بدله أنيقة. كان بيحاول يحافظ على ثباته وكبريائه، بس أيديه اللي كانت بتترعش وهو بيقعد قصادي كانت فاضحاه.

قعدت على مكتبي، وبصيت له بنظرات هادية ومن غير ما أنطق كلمة لمدة دقيقة كاملة. السكوت في أول الاستجواب بيربك أكتر من أي حاجة تانية

فاروق مسح عرقه بمناديل وقال بصوت مبحوح:
ـ ممكن أعرف من حضرتك أنا هنا ليه؟

ابتسمت بسخرية خفيفة وقولتله:

احكيلي عن الخناقة اللي كانت بينك وبين عيسى الغندور على العشاء.. الجرسونات أجمعوا إنك قومت وزعقت في وشه وسبته ومشيت.

فاروق انحنى لقدام وبدأ يتكلم بسرعة كأنه بيحاول يدافع عن نفسه قبل ما أتهمه:

ـ عيسى كان شيطان يا باشا! كان بيستغل أي شخص أدامه من غير رحمة.. كان عايز يلبسني اختـ.ــلاسات أنا ماليش يد فيها، وكان بيبتـ.ــزني بيها عشان أتنازل له عن حصتي بالكامل في الفندق من غير مقابل!

عشاء النهاردة كان المفروض عشاء عمل نصلح فيه الأمور دي، لكنه فتح الموضوع قدام الكل وهددني إنه هيوديني السـ.ــجن لو ما وقعتش على التنازل ده !

سألته بنبرة حادة:
ـ وعشان كده طلعت وراه جناحه وولـ..ـعت فيه وفي المكان؟

فاروق اتنفض وقام وقف وهو بيصرخ:
ـ لا والله يا باشا! أنا بعد العشاء روحت مكتبي في الدور الأرضي وكنت براجع الأوراق القانونية وأتصلت بالمحامي بتاعي عشان خوفت ينفذ تهديده ده!

 النار لما ولعت أنا كنت في الصالة الرئيسية تحت وكنت بساعد في إخلاء النزلاء! أنا أكيد كنت بكرهه وساعات كنت بتمنى موته، بس مقتلتوش ولا أقدر أولع في فندقي بنفسي!

ابتسمت وقولتله:
هيبان كله هيبان يافاروق.

شاورت لزين ياخده ويدخل المشتبه فيه التاني.

دكتورة هالة كانت عكس فاروق تمامًا. دخلت وهي منهارة، عينيها حمرة من الدموع ووشها أصفر زي الليمونة. دكتورة الفندق المقيمة، ست في أواخر الثلاثينات، كانت بتفرك في إيديها باستمرار.

 
قعدت قصادي بصعوبة وطلبت كوباية مية. شربت ودفنت وشها بين إيديها.

قولتلها بنبرة أهدى شوية:
ـ دكتورة هالة.. احكيلي إيه السر اللي بينك وبين عيسى؟ ليه كنتِ خايفة أوي  لما كنتوا بتتخانقوا على العشاء؟

رفعت رأسها وبصتلي بخوف وقالت بصوت واطي:
ـ عيسى الغندور كان ماسك عليا غلطة قديمة يا فندم.. خطأ طبي حصل مني في مستشفى قبل ما أشتغل في الفندق، خطأ اتسبب في مضاعفات لمريض، وهو قدر يوصل للملف السري ده بطرقه الخبيثة.

 كان دائمًا بيفكرني بيه عشان يخليني أسمع الكلام وأنفذ أوامره وأكتب تقارير طبية معينة أو أصرف أدوية بجدول معين لبعض معارفه بدون رقابة.. كان بيمارس عليا ابتـ.ـزاز نفسي بيموتني كل يوم.

سألتها بتركيز:
ـ وكتِ فين وقت الحـ.ـريق اللي حصل يا دكتورة؟

ردت بسرعة  كأنها بتمسك في طوق نجاة:
ـ كنت في المطبخ الرئيسي في الدور الأرضي! طباخ الفندق إيده اتجـ.ــرحت جرح عميق بسكـ.ــينة المطبخ ، واستدعوني فورًا عشان أخيطله الجرح. 

الحريق لما حصل أنا كنت لسه واقفة معاه وحضرتك تقدر تسأل أي حد كان في المطبخ!
 
سجلت كلامها أدامي.. حجة غيابها قوية وموثقة بشهود، لكن الحقد والدافع قوي جدًا.

خليتها تخرج ودخل بعدها المشتبه فيها التالتة سارة الصحفية.
دخلت بخطوات ثابته ورافع رأسها، بس القلق كان باين في حركة عينيها السريعة. سارة صحفية تحقيقات معروفة بجرأتها.
أول ما قعدت، قالت بثقة حاولت تتظاهر بيها:

ـ عصام باشا، احتجازي بالشكل ده غير قانوني! أنا صحفية وبمارس شغلي، ومليش علاقة باللي حصل عشان أكون هنا دلوقتي!

ابتسمت وقربت وشي لقدام شوية وقولتلها:
ـ وشغلك ده هو اللي خلاكي تهددي المجني عليه بصوت حاد قدام النزلاء ؟

سارة ضيقت عينيها وقالت:
ـ أيوة يا أفندم لإنه كان فاكر إنه يقدر يبتـ.ــزني زيي زي غيري. وأنا مسمحش بكده أبدًا!

قولتلها:
طب احكيلي ياسارة اللي حصل بالتفصيل؟

قالت بنفس الثقة:
عيسى كان بيعمل صفقات مشــ.ــبوهة تحت ستار الفندق. وأنا مكنتش بسكت كان كل ما يجيلي خبر صغير كنت بنشره. 

ف لقيته بعتلي دعوة العشاء دي كان عايز يهددني وقالي إني هتفصل من النقابة وأقعد في بيتنا, مكنش ينفع  أسكت ويبان إني ضعيفة وأنا مش ضعيفة!

سكت شوية وأنا محتار, لغة الجسد بتاعتها بتقول أنها صادقة مش بتمثل فسألتها:

كنتي فين وقت الحـ.ــريق؟

ردت وقالت:
بعد العشاء ده،  استنيت لما عيسى طلع أوضته, وطلعت تليفوني وعملت «بث مباشر» على صفحتي.. اتكلمت فيه عن التهــ.ـديدات اللي اتعرضت لها وعن التجاوزات اللي حصلت من عيسى، وده كان تصرف حماية ليا عشان أأمن نفسي.

 البث استمر لحد لحظة الحريق وقفلته لما لقيت الانذارات اتشغلت، وحضرتك تقدر تتأكد من ده بنفسك!

خدت نفس عميق وخليت زين يخرجها ويدخلي أخر واحد:
طارق مسؤول الصيانة.

راجل في الأربعينات، أسمر وشديد الهدوء. كان قاعد ساكت من ساعة ما دخل مش باين عليه توتر نهائيَ!

سألته:
ـ طارق.. أنت كمسؤول صيانة، إزاي نظام الحريق في الدور الثالث بالذات يكون متعطل في نفس الليلة اللي يحصل فيها كارثة بالشكل ده؟

طارق بص والتوتر بدأ يبان عليه:
ـ يا باشا، أنا بلغت إدارة الفندق من امبارح.. الدور الثالث كان محتاج صيانة وعيسى بيه كان عارف بالصيانة دي ووافق عليها بنفسه.

 وأصلًا مفيش حرايق بتحصل في الفندق ده أول حر يق يحصل بالشكل ده.

سألته بتركيز:
ـ وعيسى على العشاء كان عايزك ليه ؟ وكان بيتخانق معاك ليه؟

طارق هز رأسه وقال :
ـأنا راجل مهندس صيانة على باب الله، شغال عنده بمرتب، وهو كان فاكر إن فلوسه تخليه يدوس على الناس, وأنا مكنتش أقدر أرد عليه لإنه ممكن يقطع عيشي.

كان بيبلغني إني مطلبش منه مبالغ كتيرة للصيانة وأنا قولتله إن ده من باب الأمان للفندق بس هو قالي إن المبالغ دي كتير ولازم الصيانة متبقاش كل شوية وإني لازم أزود الفترة بين كل صيانة والتانية ,وقتها أنا سكت ومردتش عليه وطلعت على أوضتي

سألته :
كنت فين وقت الحـ.ـريق يا طارق؟

قالي:
جالي تليفون من الريسبشن إن الأسانسير الرئيسي عطلان ومحشور بين الدور الأول والتاني وجواه اتنين من عمال النظافة.

 نزلت فورًا أنا والفني المساعد، واستخدمنا المفتاح عشان نفتح الباب يدوي ونطلعهم، وفضلت واقف مع الفني بنفحص لوحة التحكم بتاعة الأسانسير في الدور الأول لحد ما صفارات إنذار الحريق ضربت! تقدر تسأل عمال النظافة اللي طلعناهم
يا باشا !
 
خرج طارق من الاوضة. وأنا رجعت ضهري ورا على الكرسي وأنا بتنهد بعمق, المشهد قدامي كان معقد تمامًا.

الأربعة عندهم دوافع حقيقية وواضحة جداً تكفي للقـ.ــتل، بس في نفس الوقت.. كل ما يظهر دافع، تظهر معاه حجة غياب أو تفصيلة تنفي التهـ.ـمة المباشرة!

فاروق كان تحت في الصالة وقت الحـ.ـريق، هالة في المطبخ مع الشيف ، سارة كانت طالعة لايف، وطارق في الدور الأول بيصلح الاسانسير!

الساعة كانت وصلت سبعة الصبح، والنور بدأ يطلع بره وأنا لسه قاعد بشرب قهوة وسرحان في التفاصيل اللي قدامي, وقتها باب المكتب اتفتح فجأة ودخل زين ومعه ظرف.

زين كان وشه متغير، وباين عليه الذهول الشديد:
ـ عصام باشا.. التقرير المبدئي للطب الشرعي وصل حالًا!

قومت وقفت بسرعة وأنا باخد الظرف منه:

ـ فيه إيه يا زين؟ وشك ماله مخـ.ـطوف كده؟

زين بلع ريقه وقال بنبرة مليانة اندهاش:
ـ  يا باشا.. النتيجة هتقلب القضية رأساً على عقب! الطبيب الشرعي أقر إن الجـ.ـثة المتفحـ.ــمة اللي لقيناها في الجناح الملكي... صاحبها مـ.ـات قبل الحـ.ـريق بيومين كاملين!

بصيت لزين بذهول:
ـ إيه؟! يومين؟! يومين إزاي؟

كمل زين :

ـ أيوة يا فندم! الفحص أثبت عدم وجود أي نسبة من الدخان في الرئتين أو مجرى التنفس، وده معناه إن الضـ.ــحية متنفسش أي دخان نهائي، وكان مـ.ـيت أصلًا قبل الحر يقة!

 والأغرب من كده يا باشا... الطبيب الشرعي قارن القياسات الطبية الأولية والعظام.. وأكد إن الجـ.ـثة دي مستحيل تكون لـ عيسى الغندور!

الكلمات نزلت عليا زي الصاعقة.
مسكت التقرير وبدأت أقرا السطور بتركيز شديد وعيني بتتوسع من الصدمة.

الجـ.ــثة مش جثـ.ــة عيسى الغندور! والميـ.ــت مقـ.ـتول من يومين ومحطوط في الجناح عشان يتحـ.ــرق ويتفحـ.ــم كأنه عيسى!

في لحظة واحدة.. انهار مسرح الجريمة كله بالكامل.
كل الأسئلة اللي كنا بنحقق فيها من بالليل اتبخرت في الهوا..

السؤال مبقاش:
مين قـ.ـتل عيسى الغندور؟

السؤال بقى:
فين عيسى الغندور؟ ومين صاحب الجــ.ـثة المتفـ.ـحمة اللي اتسابت في جناحه؟

وقفت قدام السبورة البيضاء في مكتبي، مسحت أسماء المشتبه فيهم الأربعة، وبصيت لزين وقولت بصوت واطي:

ـ أفرج عن الأربعة دول يا زين مفيش أي دليل قانوني يربطهم بجـ.ـريمة قتـ.ـل حصلت الليلة دي.

سكت لحظة، وأنا بتأمل الفراغ وبسأل نفسي:
ـ عيسى اختفى في نفس الليلة اللي أتولع فيها جناحه.. يبقى عيسى مش هو الضـ.ـحية.. عيسى ليه يد في الموضوع ده!


شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم

تعليقات