رواية قاسي واحببته الفصل الأول بقلم مريم عمرو
الساعة 2:17 الفجر.
البيت كله غرقان في الضلمة والصمت، صوت تكييف أوضتها بس اللي شغال. إلا إيلا.
كانت قاعدة على الأرض الساقعة، ضهرها مسنود على السرير، ضامة ركبها لصدرها، لابسة التيشيرت الأبيض الواسع بتاعه اللي سرقته منه من اسبوعين ومرجعتهوش. ريحته لسه فيه. ريحته اللي هي بقت إدمانها.
موبايلها في إيديها بقاله ساعتين مش بيسيبها. الشاشة كل شوية تطفي، تلمسها بسرعة عشان تنور تاني. مستنية.
آخر حاجة بينهم كانت من 3 ساعات في الشركة. كان عندهم ميتنج مهم مع عميل رخم، والعميل طول لسانه عليها. هي كانت بتعرض البرزنتيشن، والراجل قاطعها بطريقة قليلة الذوق. آدم قام... ومسح بكرامة الراجل الأرض. طرده من الشركة قدام كل الموظفين. الكل سقف جواه، بس آدم كان مولع. وشه أحمر وعروقه طالعة.
بعدها دخل مكتبه ورزع الباب. وهي بعتتله بعدها بشوية:
> "انت كويس؟ قلقت عليك لما خرجت كده"
شافها. علامة الـ seen الزرقا ظهرت.
ومردش.
وده كان آدم الرافعي طول عمره. لما بيتوجع، بيقفل. لما بيخاف، بيقسى. لما بيحب، بيهرب.
آدم الرافعي، 26 سنة. مديرها، وصاحب الشركة وجوزها بعد ما أبوه اتوفى وسابهاله وهو 23 سنة بس. شال شركة كاملة على كتافه وهو لسه عيل. عشان كده بقى شخص قاسي. بقى الراجل اللي كل البنات في الشركة هتموت عليه. الطويل العريض، اللي دايما لابس أسود، اللي دقنه خفيفة وشعره دايما متسرح لورا، اللي ملامحه حادة وباردة وكلمته سيف ومحدش يقدر يقوله لا. اللي لو دخل اجتماع، صوت الإبرة يتسمع.
بس إيلا كانت الوحيدة اللي شافت النسخة التانية منه. النسخة اللي محدش يعرفها.
كانت بتشوفه وهو راجع تعبان ويرمي نفسه على الكنبه. بتشوفه وهو ساكت بالساعات وبيبص في اللاشيء وبيفكر في مليون حاجة. بتشوفه وهو بيحاول يبقى قاسي عشان ميضعفش، عشان اتعود من صغره ان الضعف عيب.
هي، إيلا، 22 سنة. البنت الصغيرة اللي دخلت الشركة من 6 شهور ، وبقت كل حياته. بشعرها الطويل اللي بيحبه، وعنيها اللي بتلمع لما تشوفه، وضحكتها اللي بتنسيه قرف اليوم كله.
هي عارفة انه بيحبها. متأكدة زي ما هي متأكدة انها بتتنفس. مش محتاجة يقولها "بحبك" كل شوية.
بتشوفها في عينه لما بتضحك غصب عنه ويحاول يداري ضحكته ويكح، بتشوفها لما بيزعق لكل الناس في الشركة ويجي عندها وصوته يوطى لوحده غصب عنه، بتشوفها في غيرته المجنونة اللي تخنق، لما أي حد يبصلها أو يكلمها، عينه بتحمر.
بس الحب ده كان بيوجعها أكتر ما بيفرحها. لأن قسوته كانت بتكسر قلبها كل مرة حتة.
فجأة الموبايل رن بصوت عالي خلاها تتنفض وتوقع الموبايل من إيديها. قلبها وقع.
*Adam Habiby calling...*
ردت بسرعة، صوتها طالع مخنوق من العياط اللي كتماه:
- ألو؟
صوته كان مبحوح ومتعصب وتعبان، وشكله كان بيشرب سجاير كتير كعادته لما بيتوتر:
- انتي لسه صاحية لحد دلوقتي ليه؟ انتي مجنونة؟ مش قولتلك 100 مرة لما أقولك نامي تنامي ؟ انتي ليه مبتسمعيش الكلام؟
إيلا بلعت ريقها، كانت بتحاول متعيطش:
- كنت قلقانة عليك.. انت خرجت من الشركة متعصب وكنت شكلك مش كويس و...
قاطعها بحدة وقسوة خلتها تتخض:
- وانتي مالك انتي؟ مين طلب منك تقلقي عليا؟ انتي مين اصلا عشان تقلقي عليا؟ إيلا أنا مش عيل صغير هتخافي عليه، أنا راجل وعارف أنا بعمل ايه كويس أوي، فوقي بقى وبطلي جو العيال والدراما ده!
كل كلمة كانت زي السكينة بتدخل قلبها. سكتت. مقدرتش ترد. دموعها نزلت سخنة على خدها، حطت إيديها على بوقها عشان تكتم صوت شهقتها عشان ميسمعهاش.
هو سمع سكوتها. سمع نفسها اللي بيترعش وبيقطع. وفهم.
سكت هو كمان ثواني، وبعدين اتنهد تنهيدة طويلة، تنهيدة ندم. صوته اتغير 180 درجة، من القسوة والقرف لحنية وضعف هو نفسه بيكرهه وبيحاول يخبيه طول عمره:
- .. إيلا؟
مردتش.
قال بصوت أوطى بكتير، صوت خايف:
- إيلا.. انتي بتعيطي صح؟
برضه مردتش، بس شهقة صغيرة فلتت منها غصب عنها.
اتعصب على نفسه أكتر:
- يا شيخة حرام عليكي بقى، ليه بتعملي فيا كده؟ ليه بتخليني أبقى كده؟ انا ببقى راجع مش طايق نفسي والدنيا كلها جاية عليا، والشركة والقرف والموظفين.. باجي أطلع كل زفتي عليكي انتي الوحيدة اللي ماليش غيرها في الدنيا.. اعمل ايه طيب؟ عايزاني أبقى حنين ازاي وانا مش عارف أبقى حنين حتى على نفسي؟ اتعلمت أبقى قاسي عشان أعيش!
إيلا مسحت دموعها بكم التيشيرت بتاعه وقالت بصوت صغير أوي، صوت واحدة بتحب وموجوعة في نفس الوقت:
- طب ما تطلعش قرفك عليا.. احكيلي، اضعف قدامي مرة واحدة بس.. أنا مش عايزة منك غير كده، مش عايزة آدم القوي اللي بيخوف الناس كلها، عايزة آدم بتاعي انا، آدم اللي بيحضني لما بعيط.
سكت ثواني طويلة، وبعدين ضحك ضحكة قصيرة موجوعة أوي:
- أحكيلك ايه؟ أحكيلك اني بحبك لدرجة اني بخاف عليكي مني؟ اني كل ما أشوفك عايز آخدك في حضني ومطلعكيش منه وأبعدك في نفس الوقت عشان مقرفكيش بقرفي ومشاكلي؟ أحكيلك اني بقسى عليكي عشان لو بقيت حنين هتتعودي وهتفضلي معايا وانا مش عايزك تفضلي مع واحد زيي؟ انا واحد بايظ يا إيلا، بايظ من جوه.
وقام قافل السكة مرة واحدة في وشها. كعادته. يوجعها ويهرب قبل ما يسمع ردها.
إيلا فضلت باصة للموبايل والدموع مغرقة وشها وهدومه.
هي عارفة اللي هيحصل دلوقتي. عارفة السيناريو ده حافظاه صم.
دقيقة.. اتنين.. بالكتير خمسة.
تليفونها هينور تاني.
وهيرجع يبعت: "متناميش زعلانة، حقك عليا أنا آسف"
وهي عارفة انها هتسامحه كالعادة. كل مرة بتسامحه.
لأن آدم الرافعي حتى وهو قاسي، حتى وهو بيوجعها، هو الحاجة الوحيدة اللي قلبها اختارها وعمره ما هيختار غيره.
والأسوأ انها عارفة انه عارف كده كويس أوي وبيستغل ده.
بس فجأه موبايلها منورش زي كل مره......
