رواية القاسي والبريئة الفصل الاول 1 بقلم نورا السنباطي


 رواية القاسي والبريئة الفصل الاول 

في الصعيد، فيه رجالة اسمهم يخوّف بلاد، وفيه بيوت أبوابها مقفولة على وجع محدش يعرف عنه حاجة...

وكان آواب الجبالي هو الاسم اللي الناس بتوطي صوتها بمجرد ما تسمعه، وكانت إيلاف هي البنت اللي اتكسرت ألف مرة، ومحدش سألها حتى عن وجعها.

بسم الله نبدأ...

🖤 المشهد الأول | قصر الجبالي

محافظة سوهاج... قلب الصعيد.

الساعة كانت سبعة الصبح، والشمس لسه ما طلعتش بكامل نورها، لكن قصر الجبالي كان صاحي من بدري.

قصر ضخم تحاوطه أسوار عالية، وبوابة حديد سودا يقف عندها رجالة أشداء، لابسين بدل سودا، وملامحهم ما تعرفش الضحك.

عربيات فخمة مصطفة قدام القصر، والخدم بيتحركوا في صمت، وكل واحد عارف شغله كويس.

مفيش صوت عالي.

مفيش حركة زيادة.

ومفيش حد يقدر يتصرف على مزاجه.

لأن صاحب القصر كان عنده قانون واحد:

كلمته تتنفذ... قبل ما يضطر يعيدها.

في الدور التاني، وتحديدًا في الجناح الشرقي، كان آواب الجبالي واقف قدام المراية، بيقفل أزرار قميصه الأسود، وملامحه جامدة كأنها منحوتة في الصخر.

راجل طويل، عريض الكتفين، حضوره يفرض نفسه حتى لو ما اتكلمش. عينيه حادة، ونظرته باردة، ووشه نادرًا ما تظهر عليه أي مشاعر.

في أواخر العشرينات، لكنه شايل هيبة رجالة أكبر منه بعشرات السنين.

رجل أعمال ناجح، عنده شركات واستثمارات في القاهرة والإسكندرية وبره مصر، وفلوسه ونفوذه خلّوا اسمه معروف في أكبر مجالس رجال الأعمال.

لكن نجاحه ما كانش السبب الوحيد اللي مخلي الناس تعمل له ألف حساب.

آواب كان كبير عيلة الجبالي، وصاحب الكلمة المسموعة في نجعه، والراجل اللي محدش يقدر يدخل معاه في حرب وهو مش مستعد يخسر كل حاجة.

أما عن طبعه؟

فكانوا بيقولوا إن الحجر أحن من قلبه.

وإن اللي يغلط في حقه، حتى لو اعتذر ألف مرة، مش مضمون إنه يسامحه.

رن تليفونه، فرفع السماعة من غير ما يبص على الاسم.

ـ اتكلم.

جاءه صوت أحد رجاله:

ـ صباح الخير يا كبير. الرجالة وصلوا المخزن، لكن فيه مشكلة في الشحنة الجديدة.

آواب فضّل ساكت ثانيتين، ثم قال ببرود:

ـ مشكلة إيه؟

ـ الشحنة ناقصة، والراجل المسؤول بيقول إنه سلّم الكمية كاملة.

رفع آواب عينيه للمراية، وثبت نظره على انعكاس صورته.

ـ والورق بيقول إيه؟

ـ الورق بيقول إن الكمية ناقصة فعلًا يا كبير.

ـ يبقى اللي بيلعب في حسابات الشركة، مش هيكمل معانا يوم واحد.

ـ أمرك يا كبير.

ـ وأنا جاي بنفسي. محدش يتصرف قبل ما أوصل.

قفل المكالمة، ولبس ساعته، ثم خرج من الجناح.

كان كبير الخدم واقفًا عند أول السلم، وما إن شافه حتى اعتدل في وقفته.

ـ العربية جاهزة يا آواب بيه.

آواب نزل السلم بخطوات ثابتة، وكل خطوة منه كانت كفاية تخلي الخدم يبعدوا عن طريقه.

عند باب القصر، كان عمه، الحاج محمود الجبالي، واقفًا مستنيه.

ـ صباح الخير يا ولدي.

ـ صباح النور يا عمي.

ـ رايح الشركة؟

ـ أيوه.

الحاج محمود قرب منه وقال بجدية:

ـ فيه ناس من العائلات الكبيرة عايزين يقعدوا معاك بخصوص موضوع الأرض، وأنا شايف إنك تسمعهم قبل ما تاخد قرارك.

آواب فتح باب العربية، لكنه توقف قبل ما يركب.

ـ اللي عنده حق، هياخده. واللي فاكر إن اسم عيلته أو فلوسه هتخليه ياكل حق غيره، يبقى ما يعرفش آواب الجبالي.

الحاج محمود تنهد.

ـ يا ولدي، مش كل حاجة تتحل بالشدة.

لف آواب وشه ناحيته، ونظر له نظرة باردة.

ـ وأنا ما ظلمتش حد عشان ألين لحد.

ثم ركب عربيته السودا، وانطلقت خلفه عربيتان للحراسة.

وقف الحاج محمود يتابع العربيات وهي بتخرج من البوابة، وتمتم:

ـ ربنا يهدي قلبك يا آواب... القسوة الزيادة عمرها ما كانت قوة.

لكن آواب ما كانش بيسمع الكلام ده.

ولا كان بيسمح لنفسه أصلًا يفكر إن فيه يوم ممكن قلبه يتغير.

بالنسبة له، المشاعر نقطة ضعف، والضعف ثمنه غالي.

وآواب الجبالي عمره ما سمح لنفسه يكون ضعيف.

--

على الناحية التانية من البلد، بعيدًا عن القصور والعربيات الفخمة، كان فيه بيت كبير من بره، لكنه أضيق على ساكنيه من أي زنزانة.

بيت الحاج سالم الدمنهوري.

راجل عنده أرض ومال واسم معروف في البلد، لكنه من يوم ما اتجوز على أم إيلاف بعد وفاتها، والبيت اللي كان المفروض يبقى أمان لبنته، اتحول لأصعب مكان تعيش فيه.

جوا المطبخ، كانت إيلاف واقفة من قبل الفجر.

لابسة فستان بيتي قديم، وفوقه مريلة باهتة، وحجابها مربوط بسرعة من غير ما تهتم بتنسيقه.

إيديها محمرّة من الميه، وعينيها فيها آثار سهر وتعب، لكنها كانت بتحاول تخلص شغلها بسرعة قبل ما مرات أبوها تصحى.

على الرخامة، كانت الأطباق متكومة، والحلل محتاجة تتغسل، والفطار لازم يكون جاهز قبل ما أهل البيت ينزلوا.

سمعت صوت خطوات، فرفعت رأسها بسرعة.

دخلت نوال، مرات أبوها، وهي بتعدل إسدالها، وخلفها بنتها مريم، اللي كانت ماشية بتثاقل وبتفرك عينيها.

نوال بصت للمطبخ، ثم عقدت حاجبيها.

ـ إيه ده يا بت؟!

إيلاف اتخضت.

ـ فيه إيه يا طنط نوال؟

ـ فيه إيه؟! إنتِ لسه ما خلصتيش؟! هو أنا لازم أفضل وراكي ليل ونهار عشان تعملي اللي عليكي؟!

إيلاف وطّت عينيها.

ـ أنا من الفجر والله يا طنط، وكنت بجهز الفطار، بس الأطباق...

قاطعتها نوال بحدة:

ـ بس إيه؟! إنتِ هتفضلي تتحججي لحد إمتى؟! ما إنتِ عايشة في بيت أبوكي، وبتاكلي من خيره، يبقى أقل حاجة تعمليها إنك تخدمي أهل البيت!

الجملة نزلت على قلب إيلاف كأنها صفعة.

بيت أبوها...

البيت اللي المفروض تكون فيه بنت صاحبة مكانة، بقت فيه خدامة بتاخد أوامرها من الكل.

لكنها ما ردتش.

كانت عارفة إن أي كلمة هتقولها هتتحول لمشكلة، وفي الآخر هي اللي هتطلع غلطانة.

مريم قربت من السفرة، ومدت إيدها ناحية طبق الفطير، ثم بصت لإيلاف بابتسامة مستفزة.

ـ إيلاف، اعمليلي شاي بلبن، بس خليه مظبوط المرة دي، مش زي امبارح.

ـ حاضر.

ـ وكمان اكويلي الفستان الأبيض، أنا خارجة النهارده.

إيلاف رفعت عينيها بتردد.

ـ بس يا مريم، أنا لسه مخلّصتش هدوم بابا، ولسه...

مريم رمت الفطير على الطبق بعصبية.

ـ وإنتِ مالك؟! أنا لما أطلب منك حاجة، تنفذيها من غير كلام!

نوال ابتسمت ابتسامة باردة.

ـ سيبيها يا مريم، البنت شكلها فاكرة نفسها واحدة من بنات العيلة.

ثم التفتت إلى إيلاف وقالت:

ـ اسمعي يا إيلاف، طول ما إنتِ في البيت ده، لازم تعرفي مقامك. بنت أصول مش معناها إنك تقعدي مستنية الناس تخدمك. أمك الله يرحمها ما سابتلكيش حاجة غير اسم أبوكي، وأبوكي هو اللي بيأكلك وبيشربك.

إيلاف حسّت إن نفسها اتسحب من صدرها.

أمها.

الكلمة الوحيدة اللي كانت بتوجعها أكتر من أي إهانة.

رفعت عينيها لنوال، وكان فيه سؤال محبوس جواها:

هو أنا ذنبي إيه إن أمي ماتت؟

لكن السؤال فضل جواها.

زي أسئلة كتير اتعودت تدفنها كل يوم.

مريم ضحكت وقالت:

ـ ماما، سيبيها، دي لو ما اشتغلتش مش هتعرف تعيش. هي أصلًا بتعمل إيه غير شغل البيت؟

نوال ردت باستهزاء:

ـ عندك حق يا بنتي.

ثم التفتت إلى إيلاف:

ـ خلصي اللي في إيدك، وبعدها اطلعي رتبي أوضة مريم. ومش عايزة أشوفك قاعدة ولا ماسكة تليفونك، فاهمة؟

ـ حاضر.

خرجت نوال ومريم من المطبخ، وسابوا إيلاف واقفة وسط الأطباق.

فضلت ثابتة مكانها لحظات، ثم نزلت عينيها لإيديها.

كانت نفسها تبكي.

نفسها تدخل أوضتها، وتقفل الباب، وتعيط من غير ما حد يسمعها.

لكن حتى دموعها ما كانش عندها رفاهية تنزلها وقت ما تحب.

مسحت عينيها بسرعة بطرف حجابها، وهمست لنفسها:

ـ معلش يا إيلاف... استحملي. معلش يا حبيبتي.

ثم رجعت تغسل الأطباق.

كانت بتواسي نفسها بنفسها، لأنها من زمان ما لقتش حد يواسيها.

-

بعد ساعة، نزل الحاج سالم من أوضته، ولقى السفرة جاهزة.

قعد على كرسيه، وبدأ يفطر، بينما إيلاف واقفة بعيد شوية، مستنية لو احتاج حاجة.

رفع عينيه ناحيتها.

ـ إنتِ لسه ما رحتيش المدرسة؟

إيلاف اترددت قبل ما ترد.

ـ أنا خلصت دراستي يا بابا من فترة، وكنت بسأل حضرتك لو ممكن...

ـ ممكن إيه؟

شبكت إيديها قدامها، وقالت بصوت واطي:

ـ كنت عايزة أقدم في شغل، أي شغل مناسب، عشان أقدر أساعد نفسي وأكمل اللي نفسي فيه.

نوال رفعت عينيها من طبقها، وبصت لسالم.

أما مريم فابتسمت بخبث، مستنية رد أبوها.

سالم حط المعلقة على الطبق.

ـ شغل إيه اللي إنتِ عايزاه؟!

ـ أي شغل يا بابا. أنا مش هطلب من حضرتك فلوس، أنا بس...

ضرب كفه على السفرة.

ـ إنتِ ناقصك إيه في البيت ده؟!

إيلاف انتفضت في مكانها.

ـ أنا مش قصدي كده يا بابا، والله...

ـ أمال قصدك إيه؟! عايزة تخرجي وتلفي على الشركات وتسيبي بيتك؟! هو أنا قصرت معاكي في إيه؟!

نوال تدخلت بصوت هادي، وكأنها بتحاول تهدي الموقف:

ـ خلاص يا حاج سالم، البنت يمكن نفسها تشتغل زي بنات اليومين دول، بس طبعًا إحنا أدرى بمصلحتها.

ثم بصت لإيلاف وأضافت:

ـ وبعدين هي هتشتغل إيه يعني؟ دي حتى شغل البيت مش عارفة تخلصه من غير ما نفضل نفكرها!

مريم ضحكت بخفة.

إيلاف حسّت بالإهانة، لكنها بصت لأبوها وقالت برجاء:

ـ يا بابا، أنا مش عايزة أعمل حاجة تضايقك. أنا بس نفسي يكون ليا حياة، أحس إني بعمل حاجة لنفسي.

سالم وقف من مكانه.

ـ حياتك هنا، ووسط أهلك، ومش عايز أسمع الكلام ده تاني.

ثم أشار إلى المطبخ.

ـ ويلا شوفي شغلك بدل الوقفة دي!

إيلاف فضلت باصة له.

كان نفسها يسألها مرة واحدة بس: مالك يا بنتي؟

كان نفسها يحس إنها تعبت.

كان نفسها يفتكر إنها بنته، مش مجرد حد بيخدم في بيته.

لكن سالم أخد مفاتيحه وخرج من غير ما يبصلها.

ونوال قامت وراه، وبعد ما اتأكدت إنه خرج، قربت من إيلاف وهمست بغل:

ـ إوعي تفتكري إن أبوكي هيسمعلك في يوم. طول ما أنا في البيت ده، إنتِ هتفضلي زي ما إنتِ.

ثم ابتعدت وهي بتبتسم.

إيلاف رجعت خطوة لورا، وحطت إيدها على صدرها، تحاول تمنع دموعها من النزول.

كانت مكسورة الجناح فعلًا.

مش لأنها ضعيفة بطبعها، لكن لأنها عاشت سنين طويلة في مكان كل ما تحاول ترفع فيه رأسها، حد يضغط عليها عشان ترجع توطيها.

ومع ذلك، كان جواها شيء صغير لسه عايش.

أمل بسيط، إنها في يوم من الأيام تخرج من البيت ده، وتعيش حياة ما تضطرش فيها تعتذر عن وجودها.

لكنها ما كانتش تعرف إن باب الخروج مش هيكون مفتاحه في إيدها... وإن الرجل اللي هيدخل حياتها، هيكون أقسى من كل اللي عرفته.

---

في نفس الوقت، كانت عربية آواب الجبالي بتدخل بوابة الشركة، والحراسة بتفتح له الطريق.

نزل آواب، فاستقبله مدير الشركة ومعاه عدد من الموظفين.

ـ صباح الخير يا آواب بيه.

ما ردش على التحية غير بإيماءة بسيطة، وكمل طريقه ناحية مكتبه.

دخل قاعة الاجتماعات، ولقى الرجل المسؤول عن الشحنة واقف قدام الطاولة، وشه شاحب وإيده بتترعش.

آواب قعد في رأس الطاولة، وخلع ساعته وحطها قدامه.

ثم رفع عينيه للرجل.

ـ اسمك إيه؟

ـ عادل يا بيه.

ـ بقالك كام سنة في الشركة؟

ـ سبع سنين يا بيه.

ـ سبع سنين، وكنت فاكر إنك فهمت نظامي.

عادل بلع ريقه.

ـ والله يا بيه، أنا ما ليش دعوة باللي حصل، وأنا مستعد أثبت لحضرتك...

آواب رفع إيده، فسكت الرجل فورًا.

ـ أنا مش بحب الرغي الكتير. سألتك عن الشحنة، مش عن استعدادك تثبت إيه.

فتح ملفًا أمامه، وقلب صفحتين، ثم دفعه ناحية الرجل.

ـ دي توقيعاتك؟

عادل بص للورق، واتغير لون وشه.

ـ أيوه يا بيه، بس...

آواب قام من مكانه ببطء.

ـ مفيش بس.

لف حول الطاولة لحد ما وقف قدامه مباشرة.

ـ أنا بنيت الشركة دي بتعبي، واسمي ما اتكتبش على بابها عشان واحد فاكر إنه أذكى من الناس كلها يمد إيده في حساباتها.

ـ يا بيه، والله العظيم أنا...

آواب ضرب كفه على الطاولة ضربة خلت الموجودين ينتفضوا.

ـ قلت مفيش كلام!

ساد الصمت في القاعة.

حتى مدير الشركة وطّى عينيه.

آواب بص للرجل بجمود وقال:

ـ هتسلّم كل الملفات اللي تخص الشحنة، وهتفضل تحت التحقيق لحد ما الحقيقة تظهر. ولو ثبت إنك خنت الأمانة، مش هتدخل الشركة دي تاني.

ثم التفت إلى مدير الشركة.

ـ وأي حد فاكر إن السكوت عن الغلط شطارة، يقدر ياخد أوراقه ويمشي من دلوقتي.

ـ أمرك يا آواب بيه.

رجع آواب لمكتبه، وقفل الباب وراه.

وقف قدام الشباك، باصص للمدينة من فوق، وملامحه ما فيهاش ذرة تردد.

بالنسبة له، الحياة ما بترحمش الضعيف، واللي ما يعرفش يحمي حقه، الناس هتاكله.

ما كانش يعرف إن فيه بنت في نفس البلد، كل ذنبها إنها اتولدت في بيت ما رحمهاش، وإنها ما كانتش محتاجة حد يحارب الدنيا كلها عشانها...

كانت محتاجة بس حد ما يظلمهاش.

لكن لو اتقابلت طرقهم، هل آواب هيشوف ضعفها ويزيدها قسوة؟

ولا هيكون أول رجل يكتشف إن ورا الصمت ده حكاية أكبر من اللي يتخيلها؟

لسه الحكاية في أولها... ولسه آواب الجبالي ما قابلش إيلاف بعيدًا عن جدران بيتها.

واللي جاي مش هيكون سهل على أي واحد فيهم.


تعليقات