رواية جثة أم الفصل الأول بقلم يوسف مصطفى
مين اللي قتل أم مصرية جوه بيتها، وإيه السر اللي كانت مخبياه وخلاها تدفع حياتها تمنه؟! وليه ابنها اختفى في نفس الليلة، وهل اختفاؤه مجرد صدفة ولا وراه لغز أخطر مما نتخيل؟!
والأغرب من الجريمة نفسها، إن القاتل ما سرقش دهبها، ولا فلوسها، ولا حتى حاول يخفي إن فيه جريمة حصلت جوه البيت!
لكن لما المباحث بدأت تفحص تفاصيل الليلة دي، اكتشفت إن فيه حاجات مش راكبة على بعضها، وإن آخر شخص شاف الضحية وهي عايشة، ممكن يكون هو نفسه آخر شخص شافها وهي بتموت!
الحكاية بدأت في منطقة شعبية في إسكندرية، في ليلة هادية من ليالي شهر مارس، لما سكان الشارع سمعوا صوت خبط شديد جاي من شقة الحاجة فاطمة عبد الرحيم.
ست في أواخر الخمسينات من عمرها، عايشة لوحدها بعد ما جوزها مات، وكانت كل حياتها متعلقة بابنها الوحيد حسام.
حسام كان عنده 28 سنة، ومن سنين وهو بيدور على شغل يغيّر بيه حياته، لكن كل باب كان بيخبط عليه بيتقفل في وشه.
اشتغل في أكتر من مكان، وساب شغله كذا مرة، وكل ما يحاول يبدأ من جديد يرجع لنقطة الصفر.
أمه كانت بتحاول تساعده على قد ما تقدر، رغم إن معاش جوزها بالكاد كان بيكفي مصاريفها.
لكن المشكلة إن حسام بدأ يفقد صبره، وبقى شايف إن الدنيا ظلمته، وإن أي حد رافض يساعده هو السبب في فشله.
وفي الفترة الأخيرة، اتعرف على واحدة إسرائيلية، وبدأ يتكلم عن السفر لإسرائيل باعتباره الفرصة الوحيدة اللي ممكن تنقذه من الفقر والبطالة.
كان مقتنع إن الجواز منها هيسهّل له السفر والإقامة، وإنه بمجرد ما يوصل هناك هيقدر يشتغل ويبدأ حياة جديدة.
وفي يوم، راح لأمه وطلب منها مبلغ كبير من الفلوس علشان يجهّز نفسه للجواز والسفر.
فاطمة اتصدمت من الطلب، مش بس بسبب المبلغ، لكن لأنها كانت خايفة على ابنها من قرار متسرع ممكن يندم عليه طول عمره.
حاولت تفهمه إن الجواز مش مجرد وسيلة للسفر، وإنها مش هتقدر تبيع اللي حيلتها علشان تموّل قرار هي مش مقتنعة بيه.
لكن حسام اعتبر رفضها تخليًا عنه.. علا صوته، واتحول النقاش لخناقة كبيرة، وخرج من البيت وهو بيقول لها كلام عمرها ما تخيلت إنها ممكن تسمعه من ابنها.
ومن يومها، العلاقة بينهم اتغيرت.. بقى يزورها على فترات، وكل زيارة تقريبًا كانت بتنتهي بطلب فلوس أو خناقة جديدة.
لكن فاطمة، رغم كل حاجة، فضلت أمه كانت بتسأل عليه، وتدعي له، وتقول لجارتها أم سامية.
مهما عمل يا أم سامية، ده ابني الوحيد.. وأمهات الدنيا كلها مش هتقدر تبطل تخاف على ولادها.
أم سامية كانت بتسمعها وتسكت، لأنها لاحظت إن فاطمة بقت خايفة من حاجة، لكنها مش عارفة إيه هي.
وفي آخر زيارة لحسام قبل الجريمة، سمعت أم سامية صوت خناقة بينه وبين أمه، وبعدها شافته نازل على السلم بسرعة، ووشه متغير، وإيده بتترعش.
نادته من باب شقتها: مالك يا حسام؟ أمك كويسة؟
بصلها لحظة، وبعدها رد بعصبية: كويسة.. محدش يدخل بيني وبين أمي!
ومشي.. أم سامية استغربت طريقته، لكنها ماحبتش تتدخل في مشاكل عائلية.
وماكانتش تعرف إن اللي شافته يومها ممكن يبقى أهم تفصيلة في قضية قتل هتبدأ بعد ساعات.
الليلة اللي انتهت فيها حياة فاطمة.. الساعة كانت قربت من نص الليل، والشارع بدأ يهدأ، ومعظم السكان دخلوا بيوتهم.
في الوقت ده، ظهر حسام قدام عمارة أمه.. طلع السلم، ووقف قدام باب شقتها، وخبط.
فتحت له فاطمة، ولما شافته اتفاجئت إيه يا حسام؟ راجع متاخر في الوقت ده ليه؟رد عليها بصوت هادي على غير عادته: عايز أتكلم معاكي يا أمي.. آخر مرة.
دخل الشقة، وقفلت فاطمة الباب وراه بعد دقائق، سمع أحد السكان صوت كلام مرتفع، لكنه ماقدرش يميّز الكلمات.
وبعدها حصل صمت غريب.. صمت استمر لحد ما أذان الفجر قرب.
في الصباح، لاحظت أم سامية إن فاطمة ماخرجتش تشتري طلباتها زي كل يوم.
خبطت على الباب مرة واتنين، لكن مفيش رد.
اتصلت بيها، فسمعت رنين الموبايل من جوه الشقة، من غير ما حد يرد.
قلقها زاد، وطلبت من البواب يساعدها وبعد محاولات، قدروا يكسروا الباب ويدخلوا الشقة.
اللي شافوه جوه كان كفيل إنه يحوّل صباح هادي في إسكندرية لكابوس.
فاطمة كانت جثة هامدة داخل شقتها، وآثار الاعتداء عليها واضحة، والبيت في حالة اضطراب.
أم سامية صرخت، والبواب جري يستنجد بالجيران، وخلال دقائق اتصلوا بالشرطة.
وصلت قوة المباحث، وبدأت معاينة المكان.
الضابط عبدالرحمن الشافعي، رئيس فريق التحقيق، وقف قدام باب الشقة، وبص حواليه قبل ما يدخل.
كان عارف إن أول ساعات في أي جريمة ممكن تكون أهم من أيام كاملة من التحقيق.
طلب إبعاد السكان، ومنع أي شخص من لمس محتويات الشقة، واستدعى فريق الأدلة الجنائية.
بدأ يفحص المكان بنفسه مفيش آثار واضحة لاقتحام الباب.
بعض محتويات الشقة كانت متحركة، لكن مفيش دليل مؤكد إن الهدف كان السرقة.
موبايل الضحية موجود ومتعلقاتها الشخصية لسه في مكانها.
والأغرب إن مفيش أي علامة واضحة تدل على وجود مواجهة مع شخص غريب قبل وفاتها.
الضابط عبدالرحمن سأل أم سامية:آخر مرة شوفتي المجني عليها إمتى؟
ردت وهي بتحاول تتمالك نفسها: امبارح بالليل..بس ما شوفتهاش بعيني، أنا سمعت صوت الخناقة بس.
خناقة بينها وبين مين؟سكتت لحظة، وبعدها قالت: ابنها حسام.
الضابط رفع عينه ناحيتها.. وإنتِ متأكدة إنه كان موجود؟
أيوه يا باشا، أنا شوفته نازل من عندها قبل كده بيوم، وكان متعصب جدًا. لكن امبارح بالليل سمعت صوت خناقة، ومقدرتش أحدد مين كان بيتكلم.
دوّن الضابط عبدالرحمن كلامها، وبعدها طلب من القوة تجيب حسام للتحقيق.
لكن لما اتصلوا بيه، اكتشفوا إنه مش موجود في عنوانه المعتاد.
راحوا يدوروا عليه عند بعض معارفه، محدش عرف يقول مكانه.
واحد قال إنه بيفكر يسافر.. وواحد تاني قال إنه كان مستني مبلغ فلوس علشان يجهّز نفسه للجواز.
أما آخر شخص قابله، فقال جملة خلت الضابط عبدالرحمن يعيد حساباته:
حسام كان بيقول إن أمه هي العقبة الوحيدة اللي واقفة في طريقه.
أول خيط في القضية.. في غرفة التحقيق، بدأ الضابط عبدالرحمن يجمع المعلومات عن علاقة حسام بأمه.
عرف إن الخلاف الأساسي كان بسبب الفلوس وقرار الزواج والسفر، وإن العلاقة بين الاثنين وصلت لمرحلة صعبة خلال الأسابيع الأخيرة.
لكن الضابط ماكانش عايز يبني اتهام على خلاف عائلي، مهما كان كبير.
قال لأحد أفراد فريقه: إحنا مش بندور على شخص اتخانق مع أمه.. إحنا بندور على شخص قتلها. والفرق بين الاتنين هو الدليل.
بدأ الفريق يراجع أقوال الجيران، ويتتبع تحركات الأشخاص اللي كانوا على صلة بالضحية، ويفحص أي تسجيلات متاحة في محيط العمارة.
وفي الوقت نفسه، ظهرت معلومة جديدة.
قبل وفاتها بيومين، فاطمة اتصلت بقريب ليها، وطلبت منه ييجي يزورها لأنها عايزة تتكلم معاه في موضوع مهم.
لكن القريب اعتذر بسبب ظروف شغله، ووعدها إنه هيعدي عليها خلال أيام.
الضابط عبدالرحمن طلب استدعاءه.
ولما حضر، سأله: تعرف كانت عايزة تتكلم معاك في إيه؟
الرجل رد: ماقالتش يا باشا، لكنها كانت متوترة. سألتني لو ممكن أساعدها تحتفظ بورق مهم عندي، ولما سألتها عن السبب، قالت لي إنها خايفة من حاجة.
خايفة من مين؟ ماقالتش اسم حد.
الضابط عبدالرحمن سكت، وطلب منه يحاول يفتكر أي تفاصيل إضافية.
وبعد شوية، الرجل افتكر حاجة تانية.
قال إن فاطمة كانت بتكرر جملة واحدة في آخر مكالمة بينهم: لو حصلي أي حاجة، ماتصدقش اي حاجه هتسمعها من اي شخص .
الضابط عبدالرحمن حس إن القضية بدأت تاخد اتجاه مختلف ليه فاطمة كانت خايفة؟
وإيه الورق اللي كانت عايزة تحتفظ بيه بعيد عن بيتها؟
وهل خوفها كان مرتبطًا بابنها، ولا فيه شخص تاني كان بيهددها؟
في الوقت ده، وصل اتصال من أحد أفراد فريق البحث.
تم العثور على معلومة جديدة تخص تحركات حسام في ليلة الجريمة.
الضابط عبدالرحمن سمع التفاصيل، وطلب من رجاله يتحركوا فورًا.
لكن قبل ما يقفل المكالمة، وصله اتصال تاني من رقم مجهول.
الضابط رد، وسمع صوت رجل بيتكلم بسرعة:
يا باشا.. أنا عندي معلومة عن جريمة الست فاطمة، بس لو اسمي ظهر في المحضر، حياتي هتضيع!
الضابطعبدالرحمن سأله: إنت مين؟ وعندك إيه؟
الرجل اتردد، وبعدها قال: أنا شفت شخص خارج من العمارة ليلة مقتلها.. وشخصيته مش زي ما الناس فاكرة!
تقصد مين؟جاله الرد اللي خلّى الضابط يسكت لحظة:
مش هقدر أقولك في التليفون.. بس لازم تعرف إن اللي حصل جوه الشقة مش بالضرورة يكون بسبب الفلوس أو الجواز.
وانقطع الاتصال.. الضابط عبدالرحمن حاول يتتبع الرقم، وطلب تحديد مكان صاحبه، لكن الاتصال ماكانش كافيًا لتحديد هوية المتصل بصورة مؤكدة.
رجع بص للملف اللي قدامه، وتأمل صورة فاطمة.
ست عاشت عمرها كله بتحاول تحمي ابنها، وانتهت حياتها في بيتها، وسط أسرار محدش عرف حقيقتها لسه.
كان عنده مشتبه به واضح، وخلاف قديم، وشاهد مجهول، وخوف عبّرت عنه الضحية قبل موتها.
لكن مفيش دليل كافي يقفل بيه القضية.
وقبل ما يخرج من المكتب، قال لزميله: محدش يتسرع في اتهام حد. أنا عايز أعرف الحقيقة كاملة، حتى لو الحقيقة طلعت عكس كل اللي إحنا متوقعينه.
وفي اللحظة اللي كان فيها فريق المباحث بيحاول يوصل لصاحب المكالمة المجهولة، ظهر خيط جديد ممكن يقلب القضية كلها..
خيط مرتبط بآخر ليلة في حياة فاطمة، وبحاجة كانت مخبياها عن أقرب الناس ليها.
مين الشخص اللي اتصل بالمباحث؟ وإيه السر اللي كانت فاطمة خايفة ينكشف؟ وهل حسام فعلًا هو المسؤول عن مقتل أمه، ولا فيه حقيقة أخطر مستخبية ورا الجريمة؟
