رواية حين رايتك الفصل الأول بقلم مريم وليد
- مريم مريم.. ماسكين واد بيضربوه ناحية البوابة اللي ورا.
- واد مين؟
حركت كتفها بعدم معرفة، فسبت ساندوتشاتي وجريت ناحية الباب اللي ورا.
- أنتوا بتعملوا إيه فيه؟ سيبوا الواد..
كانوا بيضربوه كلهم، يونس بيخبطه برجله في جنبه، ومحمود وأحمد وزياد بيخبطوه في أماكن متفرقة في جسمه.
- قلت سيبوه، متخلونيش اروح أبلغ المدير..
يونس بعد عنه وقرب مني بتحذير:
- لو فضلتِ تخوفينا بأبوكي كتير، هنقابلك برا المدرسة وورينا هتتصرفي ازاي..
ربعت ايدي ورفعتله حاجبي:
- أنتَ عارف إني مش محتاجة أخوفك بأبويا، وإن اللي مخليني ساكتة عنكم أبويا..
وقفت قدام الواد وزقيت رجل أحمد عنه، زقيت زياد بعيد وبصيت لمحمود بتحذير وأنا بكمل:
- هخلي ماما تكلم أبوك، تحكيله إنك سلوكك وحش.. هيعاقبك ويضربك بالحزام ضرب أوحش من اللي بتضربه ليه.
وقف قدامي وكمل:
- أنتِ بنت.. خليكِ برا الموضوع..
- وأنتوا مش رجالة، أنتوا متفرقوش حاجة عني.. بتتلموا على واحد، وبتضربوه غدر.
كانوا لسه هيعاندوا، لقوا بابا جاي بالخرزانة فجريوا بسرعة وسابوني لوحدي.. قرب مني وبصلي بنرفزة:
- أنتِ اللي عملتِ كده؟
حركت راسي بنفي وكملت بهدوء:
- هم اللي ضربوه.
نزلت لمستواه على الأرض، مكنش عنده طاقة يقف تاني، عدلت وشه وكملت:
- قوم نروح للحكيمة..
بابا كمل بصرامة:
- قومي أطلعي فصلك، أنا هبلغ حد يوديه.
حركت كتفي بإعتراض وكملت:
- أنا هعرف أوديه يا مستر، الولد اتضرب جامد وحضرتك موجود ومعرفتش بضربه.
- محدش بلغني..
كملت ببساطة:
- يبقى حط كاميرات وتابع طلابك..
كمل بزعيق:
- أنتِ من طلابي، أنتِ مسؤوليتي.
ابتسَـمت بزعل بسيط:
- كويس إني مسؤولية حضرتك في مكان على الأقل.
رجعت للولد اللي مرمي على الأرض ومديت لُه ايدي، فبصلها ثواني بتعب وبعدين مد إيده، ابتسَـمتله بهدوء علشان اطمنه:
- متقلقش، هنروح للحكيمة تكشف عليك..
سند عليا، فبصيت لبابا وأنا ماشية:
- والمدير شافهم، هيبعتلهم استدعاء ولي أمر أكيد.
شافني وأنا ماشية بيه فسابني، كمل بتعب بسيط:
- ضربوني على غفلة، معرفتش ادافع عن نفسي..
- معلش، دلوقتِ تتعالج وتدافع.
بصلي بإستغراب:
- مش أنتِ بنت المدير! ليه أعترضتِ على كلامه..
أتنهِـدت بزهق وكملت:
- ما أنتَ عندك طاقة تتكلم أهو..
كنت هشد إيدي منه، بس لقيته هيقع.. كح من الوجع ونزل من بوقه دم فكملت بزهق:
- ياريت تسكت لحد ما نوصل للحكيمة.
بص قدامه وهو ساكت، فضلت سانداه لحد الحكيمة، أول ما وصلنا مسكته مني وسألتني عن اللي حصل فحكيت لها.. حطت له على جروحه مكروكروم، ونضفتهاله.. واتطمنت إن معندهوش حاجة وكتبتله جواب علشان يروح، وقالتلي أطلع فصلي وهي هتكلم ولي أمره، وهتكون حريصة الأولاد اللي عملوا كده يتعاقبوا.
- خلي بالك من نفسك، وبعد كده متديش ضهرك لناس مش مأمنهم على روحك..
ابتسَـم بهدوء:
- ليكِ عندي جميلة هردهالك، أنا مش شب ضعيف
بصيت لُه بتفحُص وكملت وأنا باخد نفسي:
- جايز، عن إذنك.
نزلت بسرعة على السلالم، وأنا برجع للمبنى اللي فيه فصلي، خبطت مرتين على الباب فالأبلة بصتلي بغضب:
- إيه كل التأخير ده! حصتين غياب!
بصيت لَها وكملت:
- أنا آسفة يا أبلة، بس أحمد ومحمود ويونس وزياد ضربوا ولد في فصل تاني.. موتوه من الضرب، معرفتش اشوفه واقع ومساعدهوش.
بصتلهم بإستغراب، بعدين وجهتلي كلامها بزعيق ولوم:
- أنتِ مش واقع عليكِ مسؤولية إنقاذ حد..
- لو المسؤولين عملوا شغلهم مش هعمله أنا يا أبلة.
بصتلي بصدمة، بعدين خرجت العصاية وكملت:
- مدي إيدك..
بصتلها بلا مُبالاة ومديت لها إيدي، ضربتني أربع عصيان، مبينتش وجعي، مقولتش آه.. مع إنها وجعتني جدًا.
خلصت الضرب والجرس رن، فخرجت من الفصل متعصبة وهي بتتمتم بكلام كتير، رجعت قعدت مكاني فنور كملت بآسف:
- أنا السبب؟
حركت راسي بنفي:
- لأ، المدير والمدرسين السبب..
- باباكِ!
بصيت لها ثواني، وبعدين داريت راسي بين إيدي وأنا بسندهم على الديسك.
فضلت ساكتة لحد ما الحصة الاخيرة خلصت، شديت شنطتي بسرعة ونزلت.. نور نزلت ورايا وهي بتنادي عليا.
- مريم مريم استنيني..
كانت لابسة ايد وبتحاول تلبس التانية، وقفت على السلم وسط الزحمة فكملت وهي بتحاول تاخد نفسها:
- أنتِ بتجري ليه أنا هروح معاكِ..
- طيب ياريت بسرعة.
قولتها وأنا بربع ايدي، لبست الشنطة ومدت ايدها مسكت دراعي.. بصيت لها بإستغراب ثواني بعدين مشيت جنبها بإستسلام، وصلنا عند بوابة الخروج لقيته لسه قاعد على الكراسي اللي في الاستقبال.. هدومه مقطوعة، ووشه تعبان ومحطوط عليه لزق جروح، شعره منعكش.. وساند راسه على الحيطة ومغمض عينه، لمحت يونس قريب منه فبصيت لنور:
- استنيني دقيقة.
بعدت ايدي عنها وروحت ناحيته بخطوات هادية، يونس بعد لما لقاني جاية.. وقفت قدامه ثواني مستغربة ازاي نايم النوم ده بعد ما كل علقة على غفلة، مديت ايدي وخبطته على كتفه بالراحة.. فصحي مخضوض وهو بيكمل:
- ماما!
- قلتلك متديش ضهرك لحد، تقوم مغمضلهم عينك..
فاق ومسح على عيونه بتعب، وهو بيوسع مكان:
- زهقت فنمت وأنا قاعد، هو المرواح جيه؟
حركت راسي بآه وأنا بشاورله على الباب:
- مش شايف الناس كلها خارجة ازاي..
حرك راسه بآه، بعدين قام بتقل فبصيت له بإستغراب:
- ليه مامتك مجتش تاخدك
ضحك بسخرية:
- مكانتش هتيجي، قلتلهم بس مصدقوش.. فكويس إن الوقت عدى.
مكنش عارف يقف فمديت لُه إيدي، سند عليا وهو بيبصلي:
- أنا مش ضعيف، أنا بس موقفي ضعيف..
ضحكت بهدوء وأنا بكمل:
- وأنا مش قوية، أنا بس حضوري قويّ.
ضحك، فضحكت.. مكنتش أعرف دنيته عامله ازاي، ولا هو يعرف دنيتي عامله ازاي.. أحنا الاتنين من فصول مختلفة، الحاجة الوحيدة اللي جمعتنا هي إنه احتاج، احتاج حد يلحقه من موقف صعب وأنا الحد اللي كنت موجود وقتها.. مكنتش أعرف إن تانية أعدادي هتخليني أقابل أغرب راجل شوفته في حياتي.
فضلت مسنداه لحد ما وصلنا للميكروباصات، ركب نفس الميكروباص اللي ركبته أنا ونور.. ولما وصل عند شارعه عملي باي ومشي، لحد ما ما مشي أنا مكنتش عرفت اسمه.
نور كملت بضحك بسيط وأنا باصة من الشباك:
- أدهم، في 3/4..
بصيت لَها بإستغراب:
- تالتة! هو في تالتة اعدادي؟
حركت راسها بآه فخدت نفس وحركت كتفي بموافقة، نزلت عند شارعها وودعتني.. وكالعادة وصلت أنا في الآخر، نزلت قدام ناصية الشارع وفضلت ماشية خمس دقايق لحد ما وصلت قدام عمارتي، فتحت باب العمارة بصعوبة وأنا بدفعه بكل جسمي.. خدت نفس بعد ما فتحته، وطلعت السلم بتقل، وصلت قدام الباب ورنيت الجرس.
- جاية جاية..
سندت على الحيطة وأنا عارفة إني هستنى كتير، خطوات تيتا بطيئة، ست كبيرة غلبها العجَز.. خطواتها بطيئة وتقيلة، بس نفسها في الأكل أنا واثقة إنه هيعيش سنين قدام، حلم حياتي لما أكبر أعمل كتاب لوصفاتها.. أخد نفسها في الأكل، واللي يدوق اكلي يرجع تاني علشان ياخد منه.
- خشي اتفضلي.
دخلت وقفلت ورايا باب الشقة، قلعت الشنطة وحطيتها على التربيزة وقعدت على الكنبة علشان أفك الجزمة السودا، قلعت الشراب الأبيض.. فكملت بحزم:
- أدخلي اغسلي وشك وغيري هدومك وعلقيها، ومتنساش تغسلي شرابك في ايدك.
حركت راسي بموافقة فكملت بحنان:
- كلتِ ساندوتشاتك؟
- مش كلها، باقي رغيف
بصتلي بضيقة:
- إذا كنت أنا عملالك أتنين.. تبقي كلتِ إيه؟ مش كفاية بتخليني اجبلك العيش الافرنجي وأنا اصلًا بحسه مفهوش فايدة؟ من بكره هعملك عيش بلدي وتاكليه كله
كنت لسه هعترض شاورتلي على الحمام:
- اتفضلي ادخلي، ومتنسيش تتوضي وتصلي.
أتنهِـدت باستسلام:
- طيب يا ستي..
مشيت خطوتين، بعدين أفتكرت اللي حصل.. فرجعت واتنفست وكملت بهدوء:
- بابا هيكلمك، هيشتكي مني وهيقول إني قليلة الأدب
قعدت على الكنبة بصعوبة وهي بتدوس على العكاظ بتاعها بأيد، والأيد التانية بتمسك في الكنبة.. كملت وهي بتتنفس بتعب:
- آه ياما..
بصتلي وكملت بهدوء:
- كلمني واشتكالي.
بصيت لَها بإستغراب، وقعدت قصادها بفضول:
- وقولتيله إيه يا ستي؟
ضحكت بسخرية:
- قلتله معلش ملقتش ولا أب ولا أم يربوها.. الاتنين كانوا مشغولين في خيبتهم.
بصيت لَها وضيّقت عيني بزعل فكملت وهي بتضحك بنكش:
- بعدين بقى أما حكالي الموضوع، قلتله جدعة والله شالت المسؤولية اللي ابوها معرفش يشيلها.. بدل ما تكلمني تشتكي قوم بدورك كمدير، أنت لا نافع كده ولا كده..
هديت، وشي اتفرد.. وابتسامتي وسعت، قمت وقفت وكملت وأنا ماشية ناحية الحمام بسعادة:
- أنا برضوا قلتله كده.
دخلت الحمام وقفلت ورايا الباب، غيرت هدومي ولبست ترنج تيتا جابتهولي، غسلت شرابي واتوضيت وخرجت صليت وروحت المطبخ أجهز معاها الأكل.. فضلت واقفة معاها في المطبخ اساعدها، اناولها رز، اناولها ملح..
- أنتِ عارفة يا ستي، أنا مستحيل أكل قلقاس من حد غيرك..
ضحكت بثقة وكملت:
- دوقتي أكل احسن من أكلي!
حركت راسي بنفي وأنا بحط لقمة العيش في طبق القلقاس:
- محدش بيعرف يعمل قلقاس احلى منك
اخدت واحدة خيارة وكملت:
- ولا خيار مخلل، أنا هحفظ الطريقة علشان لما أكبر أبقى زيك.
ضحكت وقربت شويه مني:
- لما تكبري هتبقي أحسن مني، أحسن من أبوكي وأحسن من أمك، هتبقي أحسن واحدة في الدنيا.
ابتسَـمتلها وكملت أكل، أنا عمري ما حسيت نفسي في أمان غير جوا البيت.. بيت ستي، من يوم ما أبويا وأمي اتطلقوا وقرروا يعيشوا حياتهم ويرموني لستي، أنا مبقتش بخاف.. بقيت حاسة إني في أمان، وإني مرتاحة، رغم نكشنا في بعض وخناقاتنا المتواصلة، تسلُطها عليا وضيقتها مني.. زعيقها وتحكمها فيا، بس أنا عمري ما حسيت إن حد بيحبني في الدنيا غير مُهجة.
كنت قاعدة بكتب الواجب وأنا بنام على نفسي، كملت بصوت عالي نسبيًا علشان تفوقني:
- قومي خديلك بق قهوة..
مديت ايدي وخدت منها الحبة الباقيين من القهوة، شربتهم وكملت الواجب.. فضلت قاعدة لحد ما خلصته كله، مكنتش باخد دروس.. مذاكرتي كانت قايمة على المدرسة وبس علشان مش في مقدرة ستي توديني دروس، وهي اللي اتكفلت بمصاريفي أبويا وأمي مكانوش بيصرفوا عليا.
- كفاية كده هو أنتِ هتاخدي الدكتوراة، قومي ريحي ياما..
حركت راسي بنفي:
- عايزة أخلص كل دروسي
- كل المدرسين عندك بكره؟
مسكت الجدول بصيت فيه وحركت راسي بنفي:
- العلوم والرياضيات لأ، بكره عندي حصتين فاضيين..
سكتت ثواني وبعدين كملت:
- هم مش فاضيين، هم اقتصاد منزلي بس مش بناخد فيها حاجة اصلًا بنروح نقعد في الاوضة بس.. نفسي اتعلم أخيط.
ضحكت وهي بتكمل:
- اعلمك أنا الخياطة، والطبخ.. اخليكِ جدعة محدش اشطر منك، علشان لما أموت تقولي ستي الله يرحمها علمتني ابقى ست شاطرة.
نسيت أقول إني بحب مُهجة لحد اللحظة اللي تقرر فيها تذكر سيرة الموت، دايمًا قلبي بيتقبض في اللحظة دي، بخاف تروح مني.. وأفضل لوحدي في الدنيا، أنا يتيمة منغير مُهجة هي أمي وأبويا، هي الدنيا بالنسبالي، لو مُهجة ماتت هضيع وهتشتت ومحدش هيهتم لأمري، محدش هيهتم أكل رغيف أبيض ولا أحمر، بلدي ولا افرنجي، جبنة رومي ولا بيضة.. البس نضيف ولا متوسخ، شرابي مغسول ولا نسيته.
- يلا روحي نامي.
أتنهِـدت باستسلام وأنا بتتاوب وكملت:
- أنا هنام، بس أنتِ كمان قومي نامي..
- طب هاتيلنا الراديو على القرآن الكريم.
اخدت منها الريموت وحولت التليفزيون على الراديو، طلعت نامت على السرير فقفلت النور وطلعت جنبها، كان طالع نور ازرق خافت من التليفزيون مع صوت القرآن، النور بيونسنا والقرآن بيدفينا.. كانت نايمة ومدياني ضهرها، فاتنفست بعُمق وأنا بدفس راسي فيها وبغمض عيوني.
***
كان آخر يوم في امتحانات في تالتة إعدادي وكنت اخدت الاجازة، واليوم ده بابا طلبني في المدرسة اوديله حاجة، كنت رايحة زهقانة غصب عني.. دخلت المدرسة فكانت زحمة أوي، دخلت مكتب المدير اديت لبابا الحاجات اللي عايزها وكنت ماشية منغير ما اتكلم فوقفني.
- أنتِ عارفة إن الولد اللي لحقتيه باباه شغال في الإدراة؟
بصيت لُه بأستغراب فكمل بإعجاب:
- لولاكِ الولد كان هيخلي باباه يقدم فينا شكوى.. لولا إنك ساعدتيه.
ابتسَـمت بزهق:
- لو كنت أعرف مكنتش هساعده.
سيبت المكتب وخرجت بغضب، كل حاجة شغله، كل حاجة الإدراة.. كل حاجة هو، كل مرة بنقذه من حاجة بالغلط لو أعرف إنها هتنقذه مش هعملها.
كنت ماشية متعصبة فخبطت فجأة في كتف حد، بصيت لُه بعصبية:
- مش تحاسب!
بصلي ورفع حاجبه، بعدين ابتسَـم بهدوء:
- أنتِ.. مريم صح؟
بصيت لُه ثواني، بعدين لفيت وشي تاني بعصبية ومشيت فجيه بسرعة ورايا:
- طيب استني استني ملحقتش اشكرك..
وقفت وبصيت لُه بغضب:
- ياريت متشكرنيش لو اعرف إن باباك شغال في الإدراة عمري ما كنت هساعدك..
بصلي بإستغراب:
- ده ليه!
- متسألنيش، متكلمنيش، متقربش مني..
جيت ماشية تاني مسك ايدي، لفيت وشي ليه وأنا بشد ايدي:
- أنا ممكن أخلي تيتا تيجي تربيك لو أنتَ مش متربي
كمل ببساطة:
- أنا بس كنت حابب أشكرك، دورت عليكِ كتير كل مرة كنت بنزل فيها المدرسة وملقتكيش.. والقدر وقعك قصادي فجأة علشان اشكرك، ولو كنتِ وقفتِ مكنتش هلمسك..
بصلي وكمل بإستغراب:
- معرفش أنا ضايقتك في إيه، بس أنا لسه حابب أشكرك.. أنا يمكن مش هشوفك تاني، بس أنا منغيرك مكنتش عارف هعمل إيه
كنت بسمعه بإهتمام، اظهرت على عكسه لا مبالاة وأنا بربع ايدي:
- كان حد غيري هيشوفك ويروح يبلغ المدير..
سكتت ثواني وبعدين كملت بنبرة أهدى:
- بس عامةً الشكر لله.
مدلي إيده بابتسامة بسيطة، ودودة.. بشوشة، مش فاهمة سببها:
- أنا أدهم..
بصيت لأيده ثواني، كنت حاسة الغضب هدي شويه جوايا، كنت ببص لأيده شويه وبرفع عيني وابص لعيونه ثواني.. مديت ايدي اخيرًا.
- وأنا مريم.
ابتسامته وسعت وهو بيكمل:
- أنا سعيد جدًا إني شوفتك قبل ما امشي من المدرسة، وحابب اقولك إني اتسببت ليهم في فصل اسبوعين واخدت منهم حقي..
سكتت ثواني وأنا بحاول أسكت احساسي ورغبتي وفضولي في إني اسأله، شيلت إيدي من ايده وكملت وأنا بمشي فمشي جنبي.
- هو أنا يعني عندي سؤال بسيط..
بصلي وكمل:
- اكيد اتفضلي..
بصيت حواليا بتردُد، ورجعت كملت وأنا بحاول مبصش في عيونه:
- هو أنتَ اتخانقت معاهم ليه؟
اخد نفس، وأحنا بنخطي برا بوابة المدرسة.. كمل بهدوء:
- مكنش فيه سبب حقيقي، هم طول الوقت بيسببوا ضغط عليا.. يونس اصلًا قريبي من جهة مامتي الله يرحمها، بس هو مبيحبنيش.. وكذا مرة أنا شوفته بيشرب سجاير فقلت لمامته علشان ميأذيش نفسه، مامتي كانت مربياني على كده..
سكت ثواني وبعدين كمل:
- لما لاقوني لوحدي، ومش شايف جيه هو واصحابه زقوني وبدأوا يضربوا فيا.. ملحقتش ادافع عن نفسي كانوا رموني على وشي.
حركت راسي بتفهُم، بعدين حضر في دماغي سؤال تاني.. بصيت لُه بإستغراب:
- لما والدتك ربنا يرحمها، امال الحكيمة كلمت مين؟
سكت ثواني، بعدين بصلي وكمل:
- مرات ابويا
حركت راسي بتفهُم، فبصلي بإستغراب:
- مسألتنيش ليه ابويا اتجوز يعني؟
حركت كتفي وكملت ببساطة:
- عادي أنا كمان أبويا متجوز، وأمي متجوزة بس أنا مش عايشة معاهم.. أمي مسافرة مع جوزها السعودية ومخلفة هناك، وأبويا منفصل عننا ومش بيسأل فيا..
بصلي بصدمة، بعدين كمل بتساؤل:
- وأنتِ عايشة مع مين!
- مع مُهجة، ستي مُهجة.
- دي جدتك؟
حركت راسي بإيجاب وكملت بهدوء:
- تعرف إن ستي مُهجة مش أم أبويا؟
بصلي بإستغراب فضحكت وأنا بكمل:
- ستي مُهجة تبقى مرات جدي التانية، هي اللي ربت أبويا، كان جدي متجوزها هي وستي مع بعض كانت بتقولي إنهم كانوا ضراير بس بيحبوا بعض..
ضحكت بعدم فهم وأنا بحرك كتفي:
- مش عارفة ازاي..
كان باصصلي وبيبتسِـم، كمل:
- وبعدين؟
- بعدين ستي ماتت، وستي مُهجة ربت أبويا، وبعدين خدتني ربتني.
أنا مبتكلمش مع صحابي، ستي دايمًا بتقولي إني هموت ساكتة لو متت برا البيت، من كتر ما أنا ببقى ساكتة وزي ما بتقول مصدرة الوش الخشب.. بس أنا حاسة إن بقالي كتير بتكلم، وهو بقاله كتير بيسمع وبيبصلي وبيضحك، فجأة لقيتنا وصلنا قدام شارعي فكملت بصدمة:
- يا خبر شارعك عدى!
- ومخدتيش بالك اننا اتمشينا كل ده؟
ضحكت غصب عني وأنا ببص على الأرض، فكمل بهدوء:
- دي أحلى مرة أعمل فيها حاجة اخر يوم امتحانات، كانت عايز أعمل حاجة مميزة علشان دي تالتة اعدادي.
بصلي ثواني وكمل:
- دي أكتر حاجة مميزة عملتها في حياتي.
مكنتش عارفة أقوله إيه، أنا كمان كنت سعيدة.. لعبت شويه في خصلات شعري، بعدين انتقلت لإني ألاعب تراب الشارع برجلي فابتسَـم:
- فرصة سعيدة يا مريم، لازم تروحي قبل ما تبهدلي نفسك تراب..
ضحكت وكملت بهدوء:
- أنا أسعد.
مشيت من قدامه خطوتين، بعدين لفيت بصيت لُه وضحكت.. وأنا برفع ايدي وبشاورله بـ.. باي، فرفع ايده وشاورلي، نزلت ايدي وبصيت قدامي وأنا بلعب في خصلات شعري وببتسِـم، فجأة بصيت ورايا تاني لقيته لسه واقف باصصلي، فضحكتله.. ضحك وشاورلي ابص قدامي، بصيت قدامي تاني ومشيت، كنت أول مرة أجرب الاحساس ده.. وصلت قدام العمارة وزقيت الباب، مكنش تقيل زي عادته.
طلعت قدام باب الشقة ورنيت، بس المرة دي الباب اتفتح بسرعة، كانت واقفة بصالي بنرفزة.. كملت بزعيق:
- أنتِ خارجة بقالك كتير.. إيه التأخير ده كله يا هانم؟
كملت بتوتر:
- أنا.. أنـ..
كملت وهي بتشدني من كتفي لجوا، شاورتلي على اوضتي وكملت:
- مشوفش وشك برا الاوضة تاني.
بصيت لَها وعيوني اتجمع فيها الدموع وأنا بقرب منها:
- هفهمـ..
شخطت فيا بحدة:
- قلت على اوضتك.
دخلت اوضتي بسرعة، قلعت الجزمة واترميت على السرير وأنا بعيط، فضلت أعيط كتير وأنا حاطة راسي بين ايدي.. دخلت فجأة طبطبت عليا وكملت بأستغراب:
- أول مرة تعيطي كده، أنتِ اتأثرتِ..
رفعت عيوني ليها وكملت:
- أنتِ زعقتيلي جامد
- ابوكِ البجح مكلمني بيزعق معايا..
بصيت لَها بإستغراب:
- بيزعق ليه؟
سكتت شويه بعدين كملت:
- علشان اتأخرتِ..
ضحكت بسخرية وأنا بمسح دموعي وبقف في الشباك:
- ومن أمتى وهو بيهتم اتأخر ولا لا، اعيش ولا اموت.. اكل ولا اجوع.
- ابوكِ يا مريم.
بصيت لها بإنفعال:
- أنا مليش أب، مليش أم.. مليش غيرك.
سكتت ثواني بعدين مدت ايدها خدتني في حضنها وطبطبت على راسي، فضلت في حضنها شويه لحد ما نمت.. نمت فجأة وأنا بفتكر أحلى حلم شوفته في حياتي "أدهم."
***
فكرة إنك فجأة تبقى طالب إمتياز، بعد ما كنت من يومين يدوب عيل.. احساس غريب جدًا، ومرهق والله، بس كله يهون علشان نحقق أحلام مُهجة.
دخلت المستشفى بإرهاق وأنا بشوف مين هيمسك معايا الشيفت، اتعرفت على الناس اللي معانا، كان كله تمام لحد ما وقفت قدام واحد مركز عيونه ناحيتي.
- دكتورة مريم.. دكتور أدهم، أدهم ربيع محمود.. من أشطر الدكاترة اللي هنا.
بصيت لُه بصدمة، بس هو نظرته كانت متصوبة ناحيتي.. كنت حاسة إني عايزة الأرض تتشق وتبلعني، ابتسَـم فجأة وكمل:
- مريم!
- ها!
كمل بهدوء وهو بيشاور على الـ id:
- دكتورة مريم، هتتدربي معانا هنا؟
بلعت ريقي وكملت وأنا ببعد عنه خطوتين:
- آه..
استوعبت إن فيه ناس حواليا، فكملت وأنا بفوق نفسي:
- هقضي الامتياز هنا.
حرك راسه بإيجاب، نظرته مكانتش نظرة واحد ميعرفنيش.. بس كلامه كلام واحد ميعرفنيش.
مشيت من قدامه، كنا واقفين بنتكلم كلنا بس عيوني كانت متعلقة بأيد أدهم، بصيت لأيده بأستغراب وأنا بحاول استوعب إيه اللي في ايده دي.
كلهم خرجوا وفضلت أنا في الأوضة بخلص حاجات، حسيت بخطوات جنبي، حسيت بحد بيلمس شعري فلفيت بسرعة بخضة.
- أدهم!
كملت وأنا ببعد عنه خطوتين وأنا ببص للدبلة اللي في ايده:
- قصدي دكتور أدهم؟
ضحك بهدوء وهو بيبعد كام خطوة وبيحط ايده في جيبه:
- طلع لينا نصيب نتقابل تاني..
بصيت لُه وأنا بدَّعي عدم الفهم، فكمل وهو بيبصلي:
- آه هنعمل نفسنا منعرفش وكده؟
بصيت له ثواني وبعدين كملت بسرعة:
- هو أنتَ خاطب؟
بصلي ثواني وبعدين كمل:
- لأ..
خدت نفسي بهدوء، فكمل:
- متجوز.
