رواية المدرسة المهجورة الفصل الأول 1 بقلم أميرة عادل

 


رواية المدرسة المهجورة الفصل الأول بقلم أميرة عادل 


المدرسة دي بقالها أكتر من ٣٠ سنة مقفولة، وحي محرم بك في الإسكندرية كله بيتجنب يمشي جنبها بعد نص الليل...

والسبب؟؟

أهل المنطقة بيحكوا إن أي حد يعدي جنب المدرسة بعد الساعة ١٢ بالليل، ممكن يسمع أصوات حركة وطلبة بيتكلموا ويضحكوا كأنه يوم دراسي طبيعي مع إن المدرسة مقفولة من أكتر من ٣٠ سنة!

وفي ناس تانية أقسمت إنها بتسمع صوت بنت بتصرخ من جوا، وبتستغيث كأن حد بيحاول يأذيها، لكن الغريب إن محدش قدر يحدد مصدر الصوت، ولا حتى يعرف البنت دي مين!

وفضل السر مدفون، لحد ما في يوم قررت أعمل حاجة محدش من أهل المنطقة قدر يعملها قبلي...

أنا تميم البرغوثي، بلوجر مشهور على تيك توك، وشغلي إني أدخل الأماكن المهجورة والمشبوهة، وأستكشفها مع فريقي.

وبصراحة، أنا مش هكدب عليكم وأقول إني بعمل كل ده عشان حب المغامرة وبس، المشاهدات والشهرة ليهم دور كبير برضه!

لكن المدرسة دي كانت مختلفة بالنسبة ليا
دي مش مجرد مدرسة مهجورة في إسكندرية، دي المدرسة اللي أمي الله يسامحها كانت بترعبني بيها وأنا صغير، كل ما أعمل حاجة غلط أو أرفض أذاكر!

كانت تقولي:

«يا تميم، ذاكر حالًا بدل ما أرميك في المدرسة تاكلك!»

«يا تميم، يلا نام بدل ما المدرسة تنتقم منك!»

وكنت وقتها بتخيل المدرسة كأنها وحش مستنيني أول ما أدخلها، وأفضل صاحي بالساعات أتخيل إيه اللي ممكن يحصل لي لو دخلتها.

كبرت، وعدّت السنين ونسيت حكايات أمي، أو على الأقل ده اللي كنت فاكره.

لحد ما بقيت بلوجر، وسمعت حكايات المدرسة من جديد.

ساعتها قلت لنفسي: هو أنا هفضل طول عمري خايف من مكان كنت بتخيله وأنا طفل؟

لازم أدخله، وأثبت لنفسي قبل أي حد إن مفيش حاجة تستاهل كل الرعب ده.

وطبعاً ما ينفعش استكشف أي مكان من غير فريقي، فجمعت أحمد ومصطفى وعماد، واتفقت معاهم إننا نستكشف المدرسة الأول، ونحدد الأماكن اللي هنصور فيها البث المباشر تاني يوم.

لكن كان فيه شخص رابع قررت آخده معانا، شيخ المسجد بتاعنا، الشيخ جمعة.

مش هقول إني كنت متأكد إن فيه جن وعفاريت جوه، لكن قلت لو طلع فيه حاجة فعلًا، وجوده ممكن يساعدنا نتصرف بدل ما نلاقي نفسنا في ورطة.

وطبعًا، كنت بفكر في حاجة تانية كمان...

تخيلوا البث هيعمل كام مشاهدة لما الناس تلاقي شيخ معانا وإحنا داخلين مدرسة بيقولوا إنها مسكونة!

كنت متوقع إن المشاهدات هتكسر الدنيا، ودي كانت فرصة مش هسمح إنها تضيع مني.

وبما إن موعد البث كان تاني يوم، قررنا نروح المدرسة بالليل، نستكشف المكان ونشوف هنحتاج إيه في التصوير.

الساعة كانت عشرة ونص بالليل لما قابلت الشباب، وكل واحد فينا كان شايل عدته وكشافه، والشيخ جمعة كان ماشي معانا في هدوء.

ولما وصلنا، وقفنا قدام المدرسة، أول ما رفعت عيني وبصيت للمبنى، حسيت للحظة إن المكان أكبر وأخوف بكتير من الصورة اللي كانت في دماغي.

المبنى كان قديم، وشبابيكه مكسورة، والدهان متقشر من على الحيطان، والسور اللي حواليه باين عليه إنه ما اتصلحش من سنين طويلة.

أما البوابة الحديد، فكانت مقفولة بسلسلة مصدية، والشارع حوالينا هادي بشكل غريب.

بصيت على الشباب وقلت وأنا بحاول أبان طبيعي
" إيه يا رجالة؟ جاهزين؟"

عماد ضحك وقال
"جاهزين يا عم تميم، بس لو لقينا عفريت بجد، أنا ماليش دعوة بيكم!"

ضحكنا كلنا، حتى الشيخ جمعة ابتسم ابتسامة خفيفة، لكن أحمد فضل باصص للمدرسة من غير ما يتكلم.

خبطت على كتفه وقلت
"مالك يا أحمد؟ سرحت في إيه؟"

بص لي وقال:
"مش عارف يا تميم المكان ده مش مريحني"

ضحكت وقلت له
"يا ابني إحنا لسه بره! أمال لما ندخل هتعمل إيه؟"

ما ردش عليا، واكتفى إنه بص للبوابة تاني.

فتحنا القفل بصعوبة، وصوت الحديد وهو بيتحرك كان عالي لدرجة إنه سمّع في الشارع الفاضي.

سمّينا كلنا بالله، وشغّل عماد الكشاف، ودخلنا.

أول ما عدينا البوابة، حسيت إننا دخلنا عالم تاني
الهواء كان أبرد من بره، والهدوء مسيطر على المكان لدرجة إني كنت سامع صوت خطواتنا بوضوح.

رفعت الكاميرا وقلت بصوت واطي
"إحنا دلوقتي جوه المدرسة المهجورة اللي بقالها أكتر من ٣٠ سنة مقفولة وهنبدأ نستكشف المكان ونشوف إذا كانت الحكايات اللي اتقالت عنها حقيقية ولا مجرد إشاعات"

كنت بتكلم كأني بصوّر البث فعلًا، رغم إن الكاميرا كانت بتسجل فيديو عادي.

دخلنا المبنى، وبدأنا بالدور الأول، اللي كان فيه مكتب المدير وأوضة المدرسين.

فتحنا مكتب المدير، ووجّهنا الكشافات لجوه
الأوضة كانت مقلوبة، ودفاتر قديمة متكومة على الأرض والمكتب الخشب كان متكسر.

دخلت وأنا ببص حواليا، وقلت
"أهو يا جماعة، دي أول أوضة لحد دلوقتي مفيش حاجة تستحق الرعب اللي الناس عايشاه ده كله"

رد عماد بسرعة
"أنا من الأول بقولكم إن الموضوع فشنك! شوية شباب حبوا يخوفوا الناس، والحدوتة كبرت"

المكان مكنس فيه أي شئ غريب، بصيت للشباب وقلت
"مفيش حاجة هنا يلا نكمل"

خرجنا من مكتب المدير، ودخلنا أوضة المدرسين اللي كانت حالتها أسوأ بكتير. التراب مغطي كل حاجة، والكراسي مقلوبة، وفيه بقايا أوراق قديمة ملزوقة في الأرض.

كنت بلف بالكشاف على الحيطان، لحد ما الضوء وقف على جملة مكتوبة بخط أحمر كبير.

قربت منها وقلبي بدأ يدق أسرع كان مكتوب
"اللي بيدخل هنا مش بيطلع غير وهو جـ.ـثة!"

فضلت باصص للجملة كام ثانية، وبعدين ناديت على الشباب
"يا جماعة تعالوا شوفوا المكتوب ده!"

قربوا مني، وأول ما قروا الجملة، عماد قال
"أكيد واحد من العيال اللي دخلوا هنا قبلنا كاتب الكلام ده عشان يخوف الناس"

الشيخ جمعة قرب من الحيطة، ومرر ضوء الكشاف على الكتابة، وبعدين قال
"ممكن يكون كلام اتكتب من سنين، ومش شرط يكون له أي معنى دلوقتي"

هزيت راسي، لكن عيني فضلت معلقة بالجملة.
مش عارف ليه، حسيت إن اللي كتبها ما كانش بيحاول يخوّف حد كان بيحذرنا.

قررت ما أتكلمش عن إحساسي، وخرجنا من الأوضة عشان نكمل الاستكشاف.

فضلنا نتحرك في الممر، لحد ما وصلنا لباب قديم مكتوب عليه: «مسرح المدرسة».

الباب كان مقفول بقفل صدئ، وأحمد حاول يفتحه، لكنه ما اتحركش.

قال عماد
"واضح إن دي أهم أوضة في المدرسة، طالما مقفولين عليها بالشكل ده"

رد أحمد
"أو يمكن محدش فتحها من سنين"

بعد محاولات، قدرنا نكسر القفل ونفتح الباب.
أول ما دخلنا، طلعت ريحة تراب مكتوم خلتنا نكح ووجّهنا الكشافات ناحية المسرح.

كراسي مرمية على بعضها، وستاير قديمة متقطعة، وخشبة المسرح متدغدغة.

كنت متوقع ألاقي حاجة غريبة، لكن المكان في البداية مكنش مختلف عن باقي المدرسة.

قلت للشباب
"كل واحد يشوف حتة، بس محدش يبعد عن الباقيين"

اتفرقنا لمسافات قريبة، وكل واحد بدأ يفتش بعينيه، وأنا كنت بحاول أتصور شكل المسرح أيام ما كانت المدرسة شغالة.

وفجأة وأحنا مندمجين في المكان سمعنا صوت صرخة مصطفى!!

جريت ناحية الكواليس، وورايا أحمد وعماد، والشيخ جمعة.

أول ما وصلت، لقيت مصطفى واقف في مكانه، ضهره لازق في الحيطة، وإيده بتترعش وهو بيوجّه الكشاف ناحية الأرض.

وشه كان شاحب، ونفسه متقطع، وعينيه مثبتة على الأرض بطريقة مرعبة.

مسكته من كتفه وقلت
"مالك يا مصطفى؟! إيه اللي حصل؟"

رفع إيده المرتعشة وشاور للأرض، وقال بصوت متوتر
"كان... كان فيه ست هنا!"

بصيت للمكان اللي بيشاور عليه، لكن ما شفتش غير أرضية المسرح المتربة.

سألته
"ست مين؟! إنت بتتكلم عن إيه؟"

بلع ريقه، وحاول ياخد نفسه وبعدين قال
" كانت مرمية هنا. وفي رقبتها سـ.ـكينة، والد.م في كل مكان أنا شفتها بعيني والله يا تميم!"

بصينا لبعض، وعماد قال بقلق
"يا مصطفى، إنت متأكد من الكلام اللي بتقوله؟"

رد عليه بعصبية
"أيوه متأكد! أنا مش مجنون! كانت هنا من ثواني!"

حاولت أهديه، لكن جوايا بدأت أحس بقلق حقيقي.
بس قولت لنفسي ولو شاف حاجة فعلًا، اختفت إزاي من قدامنا؟

رفعت الكشاف وبدأت ابص على الأرضية، ووقتها لاحظت حاجة خلتني أسكت فجأة..

كان فيه نقط د.م باين عليها من سنين والتراب محاوطها لدرجة أنها مش بتتشاف غير لما تركز جامد.

قلبي اتقبض في اللحظة دي، وبصيت على الشباب وقولت بتوتر
"يا شباب ركزوا كدا في الأرضية دي عليها آثار د.م بجد"

كلهم ركزوا على الأرضية وفعلاً شافوا الد.م، وقتها الشيخ جمعة قال
"دم مين ده؟؟"

رديت عليه بتوتر
"مش مهم دم مين، المهم إيه إللي جاب الد.م ده هنا؟؟"

اقترح علينا أحمد:
"طب ما إحنا نتتبع آثار الد.م ده ونشوف هتوصلنا لفين؟"

بصيت له وقلت:
"فكرة كويسة، يلا نشوف."

بدأنا نمشي ورا آثار الد.م، وكل ما كنا بنتقدم، كانت النقط بتزيد وبتبقى أوضح، لحد ما وصلنا لخشبة المسرح.

وهنا وقف أحمد فجأة، ووجّه الكشاف ناحية الأرض، وقال باستغراب:
"استنوا يا جماعة هو إيه اللي تحت ده؟"

قربنا منه، وبدأنا نفحص الخشبة كويس، لحد ما اكتشفنا إن فيه جزء منها مختلف عن باقي الألواح، وكأن حد حاول يخفي حاجة تحتها!

قربت ولمست الخشب بإيدي، واكتشفت إنه مش ثابت زي باقي الخشبة.

قلت بقلق
"يا جماعة، أنا شاكك إن فيه حاجة مستخبية تحت المسرح ده!"

عماد بص لي وقال
"طب ما نفتح ونشوف!"

الشيخ جمعة اتدخل بسرعة
"بالراحة يا جماعة، مش كل حاجة ينفع نفتش فيها"

الفضول كان مسيطر علينا، خصوصًا بعد اللي مصطفى حكاه عن الست اللي شافها.

بدأنا نحرك ألواح الخشب بالراحة، ولحسن الحظ الخشب كان متآكل من الرطوبة، فمأخدش مننا وقت طويل لحد ما قدرنا نرفع جزء كبير منه.

وجهنا الكشافات ناحية الفراغ اللي ظهر تحت المسرح وأول ما شوفنا المدفون اتجمدنا في أماكننا!

كان فيه هيكل عظمي لإنسان...
لكن الصدمة الحقيقية كانت لما وجهت الكشاف ناحية الجمجمة...

كان فيه سـ.ـكينة مغروسة في عظام الرقبة،ده نفس الوصف إللي قاله مصطفى عن الست اللي شافها***


تعليقات