رواية وتين الوحش الفصل الأول 1 بقلم ميمي

 


رواية وتين الوحش الفصل الأول بقلم ميمي


"أنا قولت كلمتي وخلاص يا ليال.. مفيش شغل، والموضوع ده مش هيتفتح تاني"

قالها آسر بنبرة منخفضة للغاية لكنها كانت تقطر بروداً حاداً كالشفرة
 كان واقفاً بكل طوله الفارع وجسده الرياضي المعضل يوليها ظهره، ملامحه الحادة جامدة تماماً وعيناه الخضراوان الغامقتان تنظران بجمود إلى الفراغ من خلال النافذة الكبيرة، بينما كان يربط أزرار أكمام قميصه الأسود بهدوء مستفز أظهر عروق يديه البارزة

تحركت ليال في الغرفة بعصبية مفرطة، خطواتها السريعة كانت ترن في أرجاء الجناح الواسع، وبشرتها البيضاء الناصعة اصطبغت بحمرة الغيظ العارم، وعيناها العسليتان تشتعلان بشرر حقيقي وهي تلتفت إليه، نافضة شعرها الأسود الغجري الطويل الذي يتعدى خصرها بكثير إلى الخلف، وهتفت بصوت حاد وممتزج بالذهول:

 "يعني إيه مش هيتفتح تاني؟ أنت فاكرني قطعة ديكور في البيت بتنقلها بمزاجك؟ أنا تعبت في دراستي وحاربت عشان شهادتي، ودلوقتي لما يجيلي عرض محترم من الجامعة تقولي لأ وبالبساطة دي؟ أنت بتهد كل حاجة أنا عاوزاها لمجرد إنك عايز تمشي رأيك عليا!"

التفت آسر ببطء شديد، حركته الهادئة وجسده الضخم الذي يحيطها بهيبته المخيفة جعلا الأجواء في الغرفة تضيق فجأة. خطا خطوة واحدة نحوها، وضيق عينيه بحدة مرعبة أربكت الهواء من حولهما، وقال بنبرة جافة قاطعة:

 "انتي مش محتاجة للشغل ولا هتكوني محتاجاه في يوم من الأيام.. أي حاجة انتي عاوزاها في الدنيا دي بتيجي بكلمة منك لحد تحت رجليكي، تطلبيها تجيلك.. لكن نزول بره البيت وبهدلة مفيش"

 "الموضوع مش فلوس يا آسر!" 
صاحت ليال بعناد أعمى وعصبية تامة وهي تتقدم منه حتى باتت تفصل بينهما إنشات قليلة، ورفعت رأسها لتتلاقى نظراتها بنظراته المخيفة دون أن تتراجع إنشاً واحداً:
"الموضوع كياني.. أنا بني آدمة ومن حقي أشتغل وأحس بوجودي! أنت ليه دايماً عايز تحبسني في دايرتك وبس؟"

في تلك اللحظة، ومن فرط العصبية وضغط النقاش، اشتعل غضب آسر الداخلي.. ذلك الغضب الأعمى الذي يجعله يفقد السيطرة على حواف كلامه ضيق عينيه الخضراوان بنظرة مرعبة تراجع أمامها الهواء، ونطق بجفاء أصم:
 "عشان مش لايق.. مش لايق أبداً إن حرم آسر السيوفي تنزل تشتغل في جامعة عادية زي دي وتتعامل مع الرايح واللي جاي"

تسمرت ليال في مكانها وكأن صاعقة أصابتها الكلمة وقعت على مسامعها كالسيف الذي شق كبرياءها ونصفين تراجعت خطوة للخلف، ونظرت إليه بعينين متسعتين من الصدمة، وفهمت من وسط عصبيتها وعنادها أنه يقصد أنها هي التي غير لائقة به وبسمعته.. أن مكانتها أقل من أن تحمل اسمه في ذلك المجتمع

لمعت عيناها العسليتان بالدموع تلقائياً من فرط الوجع، وهبطت دمعة واحدة حارقة على وجنتها البيضاء تلتها أخرى، واهتزت شفتيها بكبرياء جريح قاتل

في تلك اللحظة بالذات، أحس آسر بنغزة حادة في قلبه كأن رصاصة اخترقته. رأى دموعها فتجمد جسده بالكامل والتفتت ملامحه.. شعر بالخطأ الفادح الذي نطق به، وانطفأت نظرة الغضب في عينيه ليحل محلها وجع صامت وعميق
 حاول أن يتقدم منها ببطء، ويمد يده الكبيرة ليمسح تلك الدمعة التي تعتبر نقطة ضعفه الوحيدة، وتمتم بنبرة متحشرجة خافية:
"ليال.. أنا ماقصدش.."

لكن ليال رفعت يدها بسرعة وبحركة حاسمة مسحت دموعها بكبرياء وعناد هز جدران الغرفة، ونظرت إليه بنظرة باردة قاطعة وقالت بصوت ممتزج بالبحة والوجع:

"متلمسنيش يا آسر.. ومتبررش. أنا فعلاً غلطت لما نسيت عيلتي وكرامتي عشان واحد شايفني مش لايقة عليه"

وقبل أن ينطق بكلمة واحدة، التفتت بسرعة وتحركت نحو الأريكة الكبيرة في زاوية الجناح، والتقطت وسادة وغطاء، وتحركت خارج الغرفة تماماً وتوجهت إلى غرفة الضيوف المجاورة، وأغلقت الباب خلفها بقوة.. معلنة تأجيل أي صلح، ومثبتة عنادها وكبرياءها الذي يعتبر خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه

وقف آسر وحيداً في وسط الغرفة، يتنفس بصعوبة وعيناه تشتعلان بالندم وتأنيب الضمير.. كان يود أن يلحق بها ويحطم الباب ويأخذها في أحضانه، لكنه يعلم جيداً أن عنادها الآن في ذروته، وأن أي اقتراب سيزيد الفجوة

في الصباح التالي

 خرج آسر من المنزل مبكراً دون أن يراها، متوجهاً إلى عمله وقلبه يغلي من الضيق

أمام مبنى جهاز المخابرات العام بالقاهرة

 كانت الأجواء عاصفة ترجل آسر السيوفي من سيارته الفاخرة السوداء بكامل هيبته، ملامحه الحادة كانت جافة وباردة إلى أقصى درجة ممكنة، وعيناه الخضراوان تحولتا إلى لون الغابات في ليلة ممطرة.. مخيف وقاطع كالسيف تحرك في الممرات بخطوات عسكرية حاسمة، وكان كل ضابط أو عسكري يمر بجانبه يؤدي التحية العسكرية بجسد يرتجف رعباً من نظرات هذا "الوحش" الذي بدا اليوم أكثر قسوة من أي وقت مضى بسبب ضيقه الشخصي
دخل مكتبه ووجد الضابط المسؤول عن القضية الأخيرة واقفاً بانتظاره في حالة رعب تام. جلس آسر على مقعده الجلدي ببرود تام، ورمى مفاتيحه بحدة:
"فين التقرير؟"
 سأل آسر بصوت منخفض وهادئ لكنه يحمل نبرة آمرة تجعل الرفض مستحيلاً
قدم الضابط الملف بيد ترتعش:

"جاهز يا فندم بس في جزئية صغيرة لسه بنحقق فيها مع المتهم و .."

قاطعه آسر بنظرة واحدة باردة جعلت الكلمات تقف في حلق الضابط، وقال بهدوء مرعب:

 "أنا ما بشتغلش مع هواة يا سيادة النقيب.. قولتلك مبارح أنا عايز التقرير كامل ، قدامك نص ساعة بالظبط والتحقيق كله يخلص بالاعتراف وإلا اعتبر نفسك منقول لآخر نقطة حدودية على الحدود، مفهوم؟"

"مفهوم يا فندم! نص ساعة ويكون على مكتبك!" 
قالها النقيب وانسحب بسرعة يكاد يغلق الباب خلفه ليفلت بأنفاسه

قطع حبل أفكاره وضيق قلبه دخول اللواء "رفعت" مدير الجهاز شخصياً، وملامحه الصارمة تشي بأن هناك أمراً خطيراً، حيث وضع ملفاً باللون الأحمر الناري على مكتب آسر وقال:

"آسر.. القضية دي أمن قومي من الدرجة الأولى! شبكة تهريب سلاح دولية والراس الكبيرة هو 'شاكر زهران'، راجل حريص ومفيش عليه دليل وملوش أي نقطة ضعف غير حاجة واحدة بس"

ضيق آسر عينيه الخضراوين باهتمام ممتزج بالبرود:
"إيه هي يا فندم؟"

"بنته الوحيدة 'ميرا شاكر زهران'.. بنت دلوعة ومغرورة وباباها بيثق فيها وهي اللي ماسكة علاقاته الاجتماعية! الخطة يا آسر إنك تقرب من البنت دي بصفة رجل الأعمال الثري وتدخل حياتها وتعيشها في وهم إنك معجب بيها لحد ما نوصل من خلالها للملفات وتاريخ شحنة السلاح الكبيرة الشهر الجاي"

ضيق آسر عينيه الخضراوين الغامقتين حتى تحولتا إلى شريطين ضيقين من الجليد، وبرزت عروق يده وقبضته تضغط على سطح المكتب الخشبي بقوة كادت تطحنه، ونظر إلى اللواء رفعت بنظرة حادة قاطعة وقال بصوت منخفض لكنه حازم:

 "مع احترامى الكامل لقرار سيادتك يا فندم.. بس أنا برفض الأسلوب ده في الشغل، التقرب من بنت شاكر زهران مش هو الحل الوحيد.. إحنا نقدر نراقب خطوط اتصالاته، نقدر نزرع أجهزة تنصت في مكتبه أو في بيته، أو حتى نضغط على المساعدين بتوعه.. أنا مستعد أنفذ أي عملية اقتحام أو مراقبة مهما كانت درجة خطورتها، لكن اللعب على وتر المشاعر والتقرب من بنت ملوش لازمة ومضيعة للوقت"

نظر إليه اللواء رفعت بنظرة ثاقبة وهادئة، فهو يفهم طبيعة آسر جيداً ويفهم كبرياءه الوعر، تحرك خطوتين في المكتب وقال بنبرة جادة:

 "فاكرني ما فكرتش في كده يا آسر؟ الراجل ده حوت، تليفوناته متأمنة بأجهزة تشفير عسكرية، ومكتبه وبيته بيمسحهم بأجهزة كشف التنصت كل تمن ساعات.. المساعدين بتوعه بيموتوا قبل ما ينطقوا بكلمة من رعبهم منه! الورقة الوحيدة المكشوفة في حياته واللي مأمن ليها تماماً هي بنته ميرا.. هي اللي بتتحرك بحرية وهي اللي بتنقل الرسايل الحساسة بينه وبين الموردين الأجانب على أساس إنها صفقات لشركات الاستيراد بتاعتها. الموضوع مش اختياري يا سيادة العقيد، ده أمر عمليات أمن قومي، والبلد محتجاك في المهمة دي بالذات لأنك الوحيد اللي مواصفاتك كرجل أعمال وثري هتنطلي عليها ومن غير ما تثير أي شكوك.. اجهز عشان الحفلة بكرة"

أطبق آسر على فكيه بقوة حتى كادت أسنانه تتحطم، وشعر بنار تحرق صدره، فالواجب يكبله من جهة، وقلبه المعلق بـ ليال يرفض مجرد الفكرة من جهة أخرى، لكنه اكتفى بإيماءة رأس جامدة وصامتة تعبر عن طاعته العسكرية المجبرة

في تلك الأثناء

 داخل الفيلا الساحلية الهادئة، كانت أشعة الشمس تتسلل بهدوء عبر الستائر الحريرية لغرفة الضيوف
 فتحت ليال عينيها العسليتين ببطء، وشعرت بثقل غريب في قلبها فور استيعابها لمكان نومها التفتت تلقائياً، وعلى غير العادة، لم تجد جسد آسر الضخم بجانبها، ولم تشعر بيده الدافئة وهي تحيط خصرها، ولم تجد قبلته الصباحية الناعمة على جبينها التي كانت تبدأ بها يومها طوال السنوات الثلاث الماضية

نهضت وجلست على السرير، وشعرها الأسود الغجري الطويل ينسدل بعشوائية حول جسدها الممشوق ويهبط إلى أسفل خصرها تنهدت بحزن دفين وعميق، وشعرت بغصة في حلقها.. كانت تنتظر، رغم عنادها وكبريائها أن يدخل عليها الغرفة قبل أن يخرج، أن يجثو بجانبها ويضمها إلى صدره ويمسح جرح كلماته القاسية التي نطق بها بالأمس
لكنه خرج.. خرج ودون أن يبرر أو يعتذر

وفجأة، تحول ذلك الحزن الدفين إلى عاصفة من الغيظ والعصبية المفرطة تذكرت كلمته الباردة "مش لايق.. مش لايق إن حرم آسر السيوفي تعمل في جامعة عادية"

 انتفضت من مكانها بخطوات سريعة وعصبية، وصاحت في الغرفة الخالية بنبرة تقطر غضباً وعناداً:
 "ماشي يا آسر.. ماشي! خرجت من غير ما تنطق بكلمة؟ فاكر إن برودك ده هيكسرني أو هيخليني أجيلك أعتذر؟ و السيطرة دي بتاعتك مش هتمشي عليا.. أنا ليال المنشاوي، واللي في دماغي هعمله، والشغل ده هشتغله غصب عنك وعن برودك!"

توجهت إلى الحمام بعصبية وهي تقسم في سرها ألا تجعل هذا الخصام يمر مرور الكرام، وأن تذوقه من نفس كأس الجفاء والبرود الذي يعامل به العالم بره

وفي نفس التوقيت

داخل قبو مبنى المخابرات المخصص للتحقيقات، كان الجو خانقاً وممتلئاً برائحة الرعب
كان أحد رجال شاكر زهران، وهو ذراع أيمن له في عمليات التوزيع المحلية، مقيداً إلى كرسي حديدي وسط الغرفة، ووجهه ينزف من شدة الضرب وأمامه كان يقف "الوحش"

 آسر السيوفي كان قد خلع سترته الرسمية، وشمر أكمام قميصه الأسود حتى ظهرت عضلات ساعديه القوية وعروقه البارزة بعنف. كانت عيناه تشتعلان بنيران غضب كاسر.. غضب لم يكن سببه المتهم فقط، بل كان تفريغاً للشجار مع ليال، ولتأنيب الضمير، وللمهمة القذرة التي أُجبر عليها

 "أنا مابحبش أعيد الكلام مرتين.." 

قالها آسر بصوت منخفض مرعب، كفحيح الأفعى، وهو يقترب من المتهم ببطء: 

"الشحنة اللي فاتت دخلت من أنهي ميناء؟ ومين اللي استلمها؟"

بصق المتهم الدماء من فمه وقال بتلعثم وخوف:

 "يا باشا قولتلك معرفش.. أنا مجرد سواق نقل ماليش دعوة بالرؤوس الكبيرة.."

ولم يكد ينهي كلمته حتى انقض عليه آسر بضربة قوية بقبضته الحديدية أطاحت بالكرسي والمتهم أرضاً لم يكتفِ آسر بذلك، بل سحبه من ياقة قميصه ورفعه بيد واحدة كأنه لا يزن شيئاً، وانهال عليه بلكمات متتالية وعنيفة، وعيناه قد تحولتا إلى السواد التام من فرط الهياج العصبي كان يضربه بقسوة مفرطة، وبدا وكأنه سيتخلص من حياته في تلك الغرفة

كان الضباط والعساكر الواقفون عند الباب يرتجفون رعباً، يتطلعون إلى بعضهم البعض بقلة حيلة.. فمن ذا الذي يجرؤ على التدخل أو تهدئة آسر السيوفي وهو في هذه الحالة من الجنون؟ لا أحد يملك الشجاعة ليخطو خطوة واحدة نحو هذا البركان

وفجأة، فُتح الباب الحديدي بعنف، ودخل اللواء رفعت وصاح بنبرة آمرة حازمة:

"آسر! سيبه فوراً! ابعدوه عنه وحولو المتهم على المستشفى فوراً!"

ولولا أمر اللواء رفعت المباشر، لما تجرأ العساكر على التقدم إنشاً واحداً تقدم أربعة من العساكر الأشداء بسرعة، وأمسكوا بذراعي آسر الضخمتين يحاولون كبحه وتثبيته بصعوبة بالغة، بينما كان يتنفس بحدة وصدره العريض يعلو ويهبط بعنف، وعيناه مثبتتان على المتهم الشبه غائب عن الوعي بنظرات قاتلة

وقف اللواء رفعت أمامه مباشرة وقال بحدة:

"أنت هتموته في إيدك يا سيادة العقيد؟ إحنا عايزينه عايش عشان ينطق! اطلع على مكتبك فوراً واهدى.. الغضب ده مش أسلوب يا آسر !"
نفض آسر يد العساكر عنه بحدة وجفاء، وعدل قميصه الأسود بهدوء مرعب عاد إليه فجأة، وتحرك خارج الغرفة دون أن ينطق بكلمة واحدة، تاركاً خلفه أجواء من الرعب الصامت، وعقله لا يتوقف عن التفكير

••••••••••••

انتهى ذلك اليوم العصيب في القاهرة

 وعاد آسر بسيارته الفاخرة ينهب الطريق السريع المؤدي إلى المحافظة الساحلية وعقله مرجل يغلي من الأفكار المتضاربة، فضيق صدره من تلك المهمة القذرة التي فرضت عليه لدرجة جعلته يفقد السيطرة على أعصابه في التحقيق ويبرح المتهم ضرباً، جعله غافلاً طوال ساعات النهار عن أهم تفصيلة في حياته لم يهاتف الخادمة كعادته كل بضع ساعات ليسألها: "مدام ليال أكلت؟ أخدت جرعة الإنسولين بتاعتها في ميعادها؟".. 
نسي تماماً من فرط الضغط، والنسيان في حالة ليال التي ينخفض سكرها بشدة مع الزعل والامتناع عن الطعام يعد بمثابة مخاطرة بحياتها

في الفيلا

كانت الأجواء موحشة ليال لم تضع لقمة واحدة في فمها منذ ليلة أمس، فشهيتها تقفل تماماً وتصاب بالغثيان كلما حزنت أو عصبت، وجسدها قد بدأ يرتجف وهناً، وبشرتها البيضاء زاد شحوبها بشكل ملحوظ تحت خصلات شعرها الغجري الطويل الذي ينسدل حولها كانت تشعر بغصة خذلان مريرة وتفكر بحزن أعمى: 
"نسيني.. طول اليوم مسألش عليا ولا فكر أنا عاملة إيه.. للدرجة دي مبقتش فارقة معاه؟"

تناهى إلى مسامعها صوت هدوء محرك سيارته بالخارج، فانتفضت من مكانها بضعف تحاول جاهدة تجميع شتات قوتها المتهاوية قررت بعناد وكبرياء جريح أن تخفي تعبها وشحوب وجهها عنه تماماً، ليس عناداً وبس، بل لأنها تعلم يقيناً أنه لو عرف بإهمالها لعلاجها وطعامها لثار عليها بجنون وغضب مخيف تفادياً لخوفه المرضي عليها

دخل آسر من الباب مخلوع السترة، وعيناه تحملان كمية من الإرهاق والضيق لا توصف بمجرد أن رآها واقفة في الصالة، تنهد بعمق وحاول بكل ما أوتي من هدوء متبقٍ أن ينهي هذا الخلاف الحارق. خطا نحوها بخطوات بطيئة وتمتم بصوت منخفض :
"ليال.. خلينا ننهي الموضوع ده.. أنا أسف على الكلمة اللي قولتها امبارح، أنتي عارفة إني كنت معصب ومش قاصد المعنى اللي وصلك.. بلاش العناد ده يطول بينا أكتر من كده"

وقفت ليال وربعت يديها أمام صدرها تحاول تثبيت جسدها المرتعش، ونظرت في عينيه الخضراوان بعناد واستخفاف لم يرضِ غرورها الجريح باعتذاره الهادئ الصامت، وقالت بنبرة مستفزة باردة:

 "وفر اعتذارك لنفسك يا سيادة العقيد.. اعتذارك ده مش هيغير حقيقة إنك شايفني مش لايقة على مقامك واسمك، وعشان كده أنا بقولهالك وتاني مرة.. بكره الصبح أنا هروح الجامعة وهستلم الشغل، وأعلى ما في خيلك اركبه يا آسر!"

في تلك اللحظة، ومع كمية الاستفزاز والعناد الأعمى في كلماتها، وبسبب شحنة الغضب المكبوتة داخل آسر من أحداث عمله والمهمة المفروضة عليه، انقطع آخر خيط من حبل صبوره التام. أعمي تماماً وغفل عن آثار التعب الواضحة على وجهها وشحوب شفتيها، نظر لها بنظرة مرعبة تشتعل بنيران الجحيم، وتقدم منها بخطوات هادرة صائحاً بصوت رجولي مخيف زلزل جدران الفيلا:

 "أنتي شكلِك اتجننتي رسمي يا ليال! شغل إيه وزفت إيه اللي بتتكلمي عنه؟ أنا قولت كلمتي والموضوع ده انتهى ودفنته، وأي حركة من ورا ظهري قسماً بالله هتشوفي مني وش عمرك ما شوفتيه في حياتك! بلاش تختبري صبري وتستفزيني!"

 "هختبره يا آسر وهكسر تحكمك ده!" 

صرخت هي الأخرى بعصبية مفرطة وعناد قاتل وهي تتقدم منه وتكاد أنفاسها المتقطعة تلفح صدره:

 "أنت مش هتمشي كلامك عليا بالصوت العالي والترهيب! أنا مش بخاف منك زي العساكر بتوعك!"

اشتد الصراخ بينهما وآسر يفرغ كل غضبه المكتوم طوال اليوم فيها دون أن يشعر
 فجأة.. وسط صياحها وعصبيتها شعرت ليال ببرودة مفاجئة تجتاح أطرافها، وثقل رهيب يسحب وعيها إلى قاع مظلم، واختفت الرؤية من أمام عينيها العسليتين تماماً
توقفت الكلمات في حلقها، وتهاوى جسدها فجأة كدمية قطنية قطعت حبالها

لم يستوعب آسر في اللحظة الأولى ما حدث، لكنه مد ذراعيه الضخمتين بسرعة خارقة ليلتقط جسدها قبل أن يرتطم بالأرض، لتسقط فاقدة الوعي تماماً بين يديه ورأسها ملقى للخلف وشعرها الطويل ينسدل كشلال أسود على ذراعيه

تجمد الكون في عيني آسر، وتلاشت نيران الغضب فوراً ليحل محلها رعب وهلع حقيقي تلمس وجهها البارد كالثلج، وصرخ بصوت متحشرج يحمل حشرجة الموت:

 "ليال! حبيبتي ردي عليا.. ليال متعمليش فيا كده!"

حملها بسرعة جنونية وصعد بها الدرج ووضعها على السرير، وجثا على ركبتيه يضرب وجنتيها برفق ويده ترتجف، وفجأة انتبه لبرودة جسدها الشديدة وعرقها الغزير ليرن في عقله شيء واحد .. السكر!
ركض نحو المطبخ كالمجنون وصرخ في الخادمة التي استيقظت على صوت الصراخ:

"المدام أكلت النهاردة؟ خدت علاجها؟"

ارتجفت الخادمة رعباً وقالت بتلعثم:

 "لأ يا فندم.. من امبارح قافلة على نفسها ومكلتش لقمة ولا رضيت تاخد الدوا.."

شعر آسر في تلك الثانية وكأن خنجراً مسموماً غُرس في منتصف قلبه هو السبب.. غضبه، وعصبيته، وإهماله طوال اليوم هم من أوصلوا روحه إلى هذه الحالة عاد إليها في الغرفة حاملاً جهاز قياس السكر وبسرعة ووخز إصبعها الصغير، لتظهر النتيجة على الشاشة الصغيرة: (45).. هبوط حاد وخطير في مستوى السكر بالدم قد يدخلها في غيبوبة كاملة....


تعليقات