رواية وتين الوحش الفصل الثاني بقلم ميمي
المدام أكلت النهاردة؟ خدت علاجها؟"
ارتجفت الخادمة رعباً وقالت بتلعثم:
"لأ يا فندم.. من امبارح قافلة على نفسها ومكلتش لقمة ولا رضيت تاخد الدوا.."
شعر آسر في تلك الثانية وكأن خنجراً مسموماً غُرس في منتصف قلبه هو السبب.. غضبه، وعصبيته، وإهماله طوال اليوم هم من أوصلوا روحه إلى هذه الحالة عاد إليها في الغرفة حاملاً جهاز قياس السكر وبسرعة ووخز إصبعها الصغير، لتظهر النتيجة على الشاشة الصغيرة: (45).. هبوط حاد وخطير في مستوى السكر بالدم قد يدخلها في غيبوبة كاملة....
لم ينتظر ثانية واحدة؛ التقط الحقنة الإسعافية المخصصة للطوارئ وحقنها بمهارة ممتزجة بلهفة ثم التفت وأحضر كوباً من العصير الدافئ المذاب فيه السكر، وجلس على طرف الفراش، ورفع رأسها برفق بالغ ليسندها على صدره، محيطاً إياها بذراعيه القويتين كمن يخبئها من العالم كله بدأ يقطر العصير بين شفتيها ببطء، وهمس بصوت دافئ، متهدج، وممتزج بنبرة رجاء حزينة لا تليق بصلابته:
"ليال.. ليال فتحي عينيكي عشان خاطري.. أنا أسف.. والله بلاش النومة دي يا حبيبتي.. ردي عليا يا قلب آسر، أنا ماليش غيرك متعمليش فيا كده"
دفن وجهه في عنقها يستنشق رائحتها، وجسده كله كان يهتز بصمت من فرط الخوف والهلع، وظل يمرر أصابعه وسط خصلات شعرها الطويل يهدئ من روع جسدها المرتجف، حتى بدأت خيوط الوعي تعود إليها ببطء شديد
تحركت جفونها بتثاقل، وخرجت من صدرها تنهيدة خافتة ممتزجة بالوجع، ثم فتحت عينيها العسليتين المجهدتين نظرت إلى وجهه القريب جداً منها، ورأت في عينيه الخضراوان ذلك الكم الهائل من الخوف الحقيقي الممزوج بالدموع المحبوسة فحاولت بتلقائية وعناد جريح أن تدير وجهها عنه بضعف:
"ابعد عني يا آسر.. سيبني في حالي"
أحكم ذراعه حول كتفها بلطف شديد يمنعها من الحركة، وقرب الكوب من شفتيها مجدداً وقال بصوت منخفض، دافئ، ويحمل نبرة حانية حاسمة تذيب أي عناد:
"مش هبعد.. وعمرى ما هسيبك.. اشربي العصير ده كله الأول يا ليال، ردي فيا الروح وبعدين اعملي اللي أنتي عايزاه"
تراجعت أمام إصراره ولهفته الواضحة وشربت الكوب حتى نهايته ساد الصمت في الغرفة لثوانٍ وهي تستند بظهرها إلى الوسائد، وعيناها تلمعان بعصبية وعناد ما ماتش رغم تعبها، وقالت بنبرة حادة خفيفة:
"فاكر لما تخاف عليا و تهتم فيا بالشكل ده هنسى؟ أنا مش هقعد في البيت ده، وشغلي وكياني مش هسيبهم يا آسر مش هسيبهم عشان تحكمك وكلامك اللي قولتلي فيه إني مش لايقة على اسمك ومقامك!"
تنهد آسر بعمق، ووضع الكوب جانباً، ثم التفت إليها وأمسك كف يدها الباردة بأصابعه الضخمة، وضغط عليها برفق بالغة تقطر حناناً، ونظر في عينيها بثبات وهدوء تام:
"موضوع الشغل في الجامعة دي مقفول يا ليال.. وكلمتي فيه مش هتتغير عشان سلامتك أنتي وبس، مفيش نزول هناك"
اشتعل الغيظ في عينيها وهمت بالصراخ، لكنه باغت عصبية كلامها لما رفع يده الأخرى ومرر إبهامه برقة بالغة على شفتيها ووجنتها، وتابع بنبرة دافئة ممتلئة بالخصوصية والاحتواء:
"أنا عمري ما شوفتك قليلة، ولا في مخلوق على الأرض يقدر يقول إن ليال المنشاوي مش لايقة على آسر السيوفي.. أنتي الأميرة اللي أنا بنيت كل حياتي عشانها .. المكان ده مش أمان ليكي لأن عيون أعدائي كتيرة خفت تتأذي بسببي، والكسرة الحقيقية ليا كانت لما شوفتك بتضيعي بين إيديا من شوية.. لو الموضوع موضوع كيان وتعب شهادتك لو حقيقي حابة تشتغلي تمام أنا من بكره هخلي المستشار القانوني بتاعي يؤسسلك مؤسسة تعليمية وتدريبية خاصة بيكي.. تكوني أنتي صاحبتها والمسؤولة الأولى والأخيرة عنها، وتديريها بالشكل اللي يعجبك وتحت عيني وأماني.. بس بلاش دموع، وبلاش تعاندي في صحتك وتأذي نفسك عشان تعاقبيني.. أنا بموت في الثانية مية مرة وأنا شايفك تعبانة"
تسمرت الكلمات في حلق ليال. كبرياؤها وعنادها وجدا أنفسهما أمام احتواء حقيقي، وقرار صارم لكنه مغلف بحب مفرط وخوف مرضي عليها لا يترك لها مجالاً للرفض نظرت إلى الصدق الصامت والندم في ملامحه، فخفضت عينيها بتنهيدة طويلة أذابت عاصفة الغضب داخليها، وسندت رأسها بتعب على صدره العريض:
"أنت دايماً بتعرف تراضيني وتمشي اللي في دماغك يا آسر.."
ارتسمت ابتسامة دافئة وخفيفة على شفتي آسر، وقبل أعلى رأسها بعمق وهو يشدد من حضنها:
"عشان مبفكرش في حاجة في الكون ده غير راحتك وأمانك يا قلب آسر.. ودلوقتي، الأكل هيجيلك لحد هنا، وهتاكلي وتأخدي علاجك و تنامي تمام ... "
أمضى بقية الليل بجانبها يتابع مؤشراتها بتركيز صامت وهدوء، يطعمها بيده لقمة لقمة ويدللها بحنان مفرط، ولم يتركها حتى غطت في نوم عميق وهي متشبثة بقميصه
🥹♥️
في صباح اليوم التالي
استيقظت ليال على ملمس أنامله وهي تزيح خصلات شعرها بعناية فائقة عن وجهها، فتحت عينيها العسليتين ببطء لتجده مستلقياً بجانبها، يتابع تفاصيل وجهها بهدوء صامت خلو من أي جفاء، فابتسمت بنعاس وتحدثت بصوت مبحوح:
"صاحي من بدري؟"
اعتدل آسر قليلاً وسند رأسه على يده وهو ينظر إليها بنبرة منخفضة ممتلئة بالراحة:
"صاحي بقالي ساعة.. عاملة إيه دلوقتي؟ حاسة بأي تعب؟"
تنهدت برقة وسندت كف يدها على صدره العريض:
"الحمد لله بقيت أحسن بكتير.. طول ما أنت جنبي أنا ببقى كويسة يا آسر، بس بلاش تخوفني منك تاني.. عصبيتك امبارح كانت صعبة أوي"
"حقك عليا.."
قالها آسر وهو يقبل كف يدها بعمق:
"أنا غضبي بيعميني ، بس وعي بيرجعلي أول ما بشوف دموعك.. موضوع الشغل اتكلمنا فيه، وأنا عند وعدي ليكي، المؤسسة بتاعتك هتتأسس وهتكوني أنتي الكل في الكل فيها، بس من غير بهدلة ولا مخاطرة "
ابتسمت بعنادها المعتاد ودلالها الذكي:
"ماشي يا سيادة العقيد.. هقبل بالحل ده بس عشان خاطر صحتي وعشان وعدتني، مش عشان تحكمك فيا.. ودلوقتي سيبني أقوم عشان زمان الفطار جهز وأنا جعانة"
ضحك آسر خفيفة ولف خصلة من شعرها الطويل حول إصبعه بلطف يمنعها من الحركة:
"الفطار هيجيلك لحد السرير هنا يا روحي.. ومفيش حركة من غير ما أطمن على نسبة السكر ..
"
أمضيا ساعة كاملة في حديث ممتد ومرح، يتناولان فطورهما وسط نظرات الاهتمام الصادق، حتى استعادت ليال كامل طاقتها وحيويتها، وعاد الدفء يغمر جدران بيتهما الساحلي
بعد ساعات، كان آسر يمر بسيارته الفاخرة وسط زحام القاهرة، ملامحه استعادت جمودها المعتاد، وتركيزه كله منصب على كيفية إدارة خيوط القضية بصفته رجل الأعمال الثري والناجح، بعيداً تماماً عن لقبه السري "الوحش" الذي لا يعرفه أحد في هذا الوسط
قطع حبل أفكاره رنين هاتفه الخاص بالمهمة بنغمة جافة، نظر إلى الرقم الغريب، ثم ضغط زر الرد وتحول صوته تلقائياً إلى نبرة هادئة ورخيمة تحمل ثقة بالغة:
"ألو ... "
جاءه صوت ميرا من الجانب الآخر، ممتلئاً بالثقة والدلع المصاحب لاسم عائلتها الكبيرة:
"أهلاً يا بشمهندس آسر.. أنا ميرا زهران، قولت أطمن على الحوت اللي سرق الأنظار امبارح في الحفلة واختفى فجأة من غير ما يودعنا"
أطبق آسر على فكيه بقوة وشعر بنغزة ضيق في صدره، لكنه حافظ على نبرته المتزنة تماماً كرجل أعمال بارع يعرف كيف يجاري زبائنه:
"أهلاً يا آنسة ميرا.. خطوة عزيزة، امبارح بس الألتزامات كانت كتيرة وكان لازم أنسحب بدري عشان ورايا شغل في الشركة من الصبح..."
ضحكت برضا وغرور:
"أوكيه.. مقبولة منك عشان الشغل.. وبما إنك راجل عملي أوي كده، أنا قررت أخد من وقتك ساعة.. أنا قاعدة في كافيه ب (...) ، ومستنياك تشرب معايا قهوة الصباح.. متقولش لأ، عيلة زهران مبيحبوش الرفض"
شعر بمرارة وتأنيب ضمير حارق وهو يتذكر ملامح ليال الصباحية، لكن الواجب كان يملي عليه المضي قدماً في هذا المستنقع
"المسافة مش هتاخد ربع ساعة وأكون عندك.. القهوة مع بنت شاكر زهران فرصة متترفضش" قالها آسر بهدوء وأغلق الخط
تلاشت الابتسامة المصطنعة فوراً من وجهه، وتحولت نظراته الخضراء الغامقة إلى جمود مرعب، وهو يغير مسار سيارته متوجهاً نحو الكافيه
••••••
بعد حوالي ساعة
ركن آسر سيارته الفاخرة أمام الكافيه الراقي المطل على النيل مباشرة، أخذ نفساً عميقاً وزفر ببطء محاولاً التخلص من طيف ليال الذي يملأ عقله، ثم ترجل بكامل أناقته وبدلته الرسمية التي تعكس نفوذه وقوته كرجل أعمال تقيل. دخل بخطوات هادئة وواثقة لفتت أنظار المتواجدين تلقائياً، ومسح المكان بنظرة سريعة حتى رصد ميرا التي كانت تجلس في زاوية مميزة وتتشح بابتسامة مليئة بالثقة والدلع
تقدم نحوها، ووقف أمام الطاولة مباشرة بملامحه الجامدة التي لا تفصح عن أي شيء، ونطق بنبرته الرخيمة المتزنة:
"صباح الخير يا آنسة ميرا.. بعتذر لو كنت تأخرت عليكي، زحام القاهرة م بيرحمش"
اعتدلت ميرا في جلستها، ونظرت إليه بتفحص وإعجاب لم تحاول إخفاءه، وأشارت للمقعد المقابل لها بدلال:
"صباح النور يا بشمهندس آسر.. ولا يهمك، دقيقة كمان وكنت هعتبرك بتهرب من المقابلة.. اتفضل ارتاح، طلبتلك قهوة إسبريسو سادة، مظنش إن راجل عملي زيك بيشرب حاجة تانية الصبح"
جلس آسر ببرود تام، وشكر النادل الذي وضع القهوة أمامه، ثم نظر إليها بثبات:
"قرايتك للشخصيات سريعة.. بس الشغل مفيش منه هروب، عيلة زهران اسم كبير في السوق، واللقاء معاكي أكيد وراه كلام مهم"
ضحكت ميرا برقة وغرور، وسندت ذقنها على كف يدها وهي تقترب قليلاً بطاولتها:
"أنا اللي بحب أدرس الأشخاص اللي هتعامل معاهم.. وأنت الصراحة بقيت لغز في السوق اليومين دول.. دخلت بقوة وبنيت إمبراطورية في وقت قياسي والكل بيعملك حساب، بس الغريبة إن مفيش مخلوق يعرف أي حاجة عن حياتك بره الشغل.. عشان كده كنت فضولية شوية وأنا جاية النهاردة"
حافظ آسر على بروده القاتل، وارتشف رشفة صغيرة من قهوته دون أن تتغير ملامحه:
"اللغز بيفضل ممتع طول ما هو مقفول.. الشغل هو اللي بيبني العلاقات في وسطنا، مش التفاصيل التانية"
لم تقتنع ميرا بإجابته الدبلوماسية، بل زاد فضولها وتحديها، فقالت بنبرة جرئية وممتلئة بالدلع وهي تنظر في عينيه مباشرة:
"ماشي.. هجاريك في البرود ده.. بس سؤالي واضح ومباشر، حوت زي آسر السيوفي، بكل النجاح والجاذبية دي.. معقولة مفيش ست في حياته؟ يعني.. أنت متجوز يا بشمهندس، ولا لسه ملقتش اللي تليق بيك؟"
هنا، شعر آسر بنغزة حارقة وهو يتذكر وجه ليال لكنه ضيق عينيه الخضراوان بهدوء مخيف، ونطق بنبرة جافة، قاطعة، وتحمل هيبة أربكت غرور ميرا فوراً:
"أنا مابفضلش اتكلم عن حياتي الشخصية مع حد يا آنسة .. حياتي بتخصني أنا وبس، ومظنش إن ده هيفيد الصفقات اللي ممكن تجمعنا في المستقبل"
انعقد لسان ميرا لثوانٍ من فرط المفاجأة؛ لم يجرؤ رجل من قبل أن يصدها أو يضع لها حدوداً بهذا الشكل الحاسم، لكن كبرياء عائلتها وغرورها تحولا فوراً إلى رغبة عارمة في ترويض هذا الرجل الصعب، فابتسمت بإعجاب أكبر وقالت وهي تحاول تدارك موقفها:
"اممم.. غامض وبتحب الخصوصية لأقصى درجة، وده بيزيدك جاذبية الصراحة.. عموماً، عندك حق، خلينا في الشغل.. بابا، شاكر زهران، متابع تحركات شركتك، وشايف إن في أرضية مشتركة كبيرة بينا في قطاع الاستيراد والتصدير.. هو بيعرض عليك تعاون في الشحنة الكبيرة اللي داخلة الشهر الجاي، وصيغة العقود هتكون مرضية جداً لحضرتك"
داخلياً، لمعت عينا آسر بخبث؛ لقد نجحت الخطة وبدأ الطُعم يثمر، ووالدها بدأ يلتفت إليه للدخول في الدائرة المغلقة. تماسك ونطق بهدوء:
"أنا دايماً برحب بالشغل مع الكبار.. العقود والشروط هدرسها مع مستشاري القانوني، ولو الأمور تمام، مش هرفض صفقة بالحجم ده"
وفي تلك الأثناء، قطع الحوار رنين هاتف آسر الشخصي بنغمة خاصة جداً.. نغمة ليال
شعر ببرودة تجتاح أطرافه، ونظر إلى الشاشة ليجد اسمها يضيء. اضطر للضغط على زر الرد لأنه لم يسبق أن رفض مكالمة منها حتى وهو في عز انشغاله ، تحول صوته تلقائياً أمام ميرا إلى نبرة رسمية، جافة، ومقتضبة تماماً على عكس طبيعة كلامه مع حبيبته:
"ألو ... نعم ؟ "
على الجانب الآخر بالفيلا الساحلية، تجمدت ليال في مكانها وهي تسمع النبرة الرسمية الغريبة:
"آسر؟ أنت بتكلمني برسمية كده ليه؟ في حد عندك؟"
أطبق آسر على فكيه بقوة وهو يرى عيون ميرا تتابعه بفضول، فقال بصوت بارد وجاف:
"أنا في اجتماع عمل مهم دلوقتي.. هخلص الشغل اللي في إيدي، وهكلمك لما أفضى.. مع السلامة"
أغلق الخط فوراً قبل أن يسمع ردها، وشعر بالقرف وتأنيب الضمير يملأ روحه، بينما كانت ليال في الفيلا تنظر إلى الهاتف بذهول وصدمة.. ثقتها العمياء بدأت تحارب بذرة الشك الأولى والتلقائية التي زُرعت في قلبها من طريقته وجفائه غير المعتاد
•••••••
انتهى اللقاء في الكافيه بذكاء أمني بحت، لكن آسر لم يكن يشعر بأي انتصار، بل كان يسير بسيارته الفاخرة على الطريق السريع وعقله يكاد ينفجر من فرط التفكير في معشوقته كلمات ليال الحائرة في الهاتف كانت ترن في أذنيه كصوت ناقوس الخطر
ركن سيارته أمام الفيلا الساحلية في وقت متأخر من الليل كانت الأنوار مطفأة إلا من إضاءة خافتة تنبعث من غرفة المعيشة. دخل بهدوء، وخلع سترته ورماها بجفاء على الأريكة، وتحرك بخطوات مثقلة ليجد ليال تجلس بوقار، واضعة قدماً فوق الأخرى وعيناها العسليتان مثبتتان على الفراغ بكبرياء وعناد شديد، بينما كان شعرها الطويل ينسدل حولها كستار أسود يعكس ظلمة الأجواء
تقدم نحوها بخطوات بطيئة، وحاول أن يبتسم ويهدئ الأجواء بنبرته الدافئة المعتادة:
"ليال.. صاحية لحد دلوقتي ليه يا قلب آسر؟"
لم تتحرك ولم تبتسم، بل رفعت رأسها ببطء ونظرت في عينيه بنظرة باردة ونطقت بنبرة تقطر دلالاً حاداً ومستفزاً:
"مستنية الشغل اللي في إيدك يخلص يا سيادة العقيد.. أصلك قولتلي 'لما أفضى هكلمك'، وأنا قولت عيب أنام قبل ما أطمن على اجتماعات العمل المهمة بتاعتك"
شعر آسر بنغزة حادة في صدره، واقترب منها خطوة وحاول أن يمد يده ليلمس وجنتها، لكنها تراجعت للخلف بكبرياء وجفاء عنيد قطعا أنفاسه:
"متلمسنيش يا آسر.. وجاوبني علطول من غير لف ، أنت كنت بتكلمني كده ليه الصبح؟ صوتك.. طريقتك.. كأنك بتكلم عسكري عندك مش مراتك مين اللي كان قاعد معاك وخلاك تتكسف حتى تنطق اسمي؟"
أطبق آسر على فكيه بقوة، وشعر بعجز حقيقي؛ فالقوانين العسكرية والمخابراتية تمنعه من قول حرف الواحد، وعشقه لها يمنعه من الكذب تماسك ونطق بنبرة هادئة ومصطنعة حاول جعلها منطقية:
"ليال.. أنا كنت في اجتماع مع وفد مستثمرين كبار وصيغة العقود كانت حساسة جداً.. تليفوني رن ومكنش ينفع أرد بطريقة شخصية قدامهم عشان برستيج الشغل والنفوذ اللي بنبنيها.. الموضوع مش مستاهل كل العناد والعصبية دي، أنتي عارفة أنك عندي بالدنيا"
نظرت إليه ليال بعمق، وثقتها فيه كانت تحارب بكل قوتها الشك الذي يتسلل إلى قلبها ، لكن حسها الأنثوي أخبرها أن هناك حلقة مفقودة في روايته. نهضت بكامل قوامها الممشوق، ونفضت شعرها للخلف وقالت بنبرة هادئة لكنها قاطعة كالسكين:
"ماشي يا آسر.. هصدقك، بس افتكر كويس..لو حسيت في يوم إن في حاجة بتستغفلني فيها، مش هتشوف وشي تاني في حياتك"
تحركت من أمامه ودخلت الغرفة، تاركة إياه في الصالة يتنفس بصعوبة وعيناه الخضراوان تشتعلان بالوجع من هذه اللعبة التي بدأت تبعثر حياته
بعد مرور ساعات
استسلم آسر للنوم من فرط الإرهاق الجسدي والنفسي بجانبها كانت الغرفة غارقة في السكون، لكن عينين عسليتين لم تذوقا النوم
التفتت ليال ببطء ونظرت إلى وجهه الجامد في النوم، وشعرت بغصة حارقة في حلقها تحركت بحذر شديد ودون أن تصدر أي صوت، ونزلت من السرير بخطوات واهية
توجهت نحو سترته المعلقة، وبدأت تفتش في جيوبها بدافع العناد والخوف حتى وجدت هاتفه الخاص بالمهمة.. ذلك الهاتف الذي رأته يضعه في جيبه الخاص دائماً مؤخراً
كان الهاتف مغلقاً بكلمة مرور، لكنها جربت تاريخ يوم زواجهما.. ليفتح الهاتف فوراً فتحت الرسائل، ولتتسمر في مكانها وكأن صاعقة أصابت قلبها الناعم
كانت هناك رسالة من رقم غير مسجل، تقول نصاً:
"بشمهندس آسر.. قهوة الصباح معاك كانت ممتعة ومختلفة جداً، غمرتني بفضول أكبر عشان أعرف إيه ورا برودك ده.. مستنية العقود تخلص عشان نتقابل تاني.. ميرا زهران"
شعرت ليال ببرودة تجتاح أطرافها، وجسدها الممشوق بدأ يرتجف بعنف، ودمعة واحدة حارقة سقطت من عينيها لتلامس شاشة الهاتف.. لقد بدأت العاصفة تلقي بظلالها، والثقة العمياء بدأت تتحول إلى شظايا من الوجع والشك التلقائي …
