رواية ديون النبض الفصل الاول
كنت ماشية في طرقة المستشفى الجامعي بعد ما خلصت محاضراتي، لكن عقلي كان مشغول بحاجة تانية خالص.
من ساعة ما سمعت من واحد من زمايلي عن دكتور مجد ياسين الرفاعي، وأنا عندي فضول أعرف عنه أكتر.
جراح قلب، واسمه معروف في المستشفى رغم إنه لسه صغير في السن، ومتخرج من أربع سنين بس. إزاي قدر يحقق النجاح ده في فترة قصيرة؟ وإيه اللي ميّزه عن غيره لدرجة إن اسمه بقى معروف بالشكل ده؟
الأسئلة دي فضلت تدور في دماغي، لحد ما قررت أروح العيادة اللي بيشتغل فيها داخل المستشفى الجامعي. يمكن أشوفه، ويمكن أعرف إيه السر اللي خلّى دكتور في سنه يوصل للمكانة دي.
وصلت قدام باب العيادة وخبطت مرة.
مفيش رد.
خبطت مرة تانية، وبرضه محدش رد.
استنيت ثواني، وبعدها خبطت للمرة التالتة، ولما ما سمعتش أي صوت من جوه، فتحت الباب بهدوء.
العيادة كانت فاضية.
دخلت خطوتين، وعيني بدأت تتنقل بين المكتب والكرسي والسرير المخصص للكشف، لحد ما وقعت على اللوحة النحاسية الموجودة فوق المكتب، واللي كان مكتوب عليها اسمه بالكامل:
دكتور مجد ياسين الرفاعي.
فضلت باصة للاسم شوية، وبعدها بصيت للمكتب والعيادة كلها.
يااه! هو أنا لما أتخرج، ممكن يبقى عندي عيادة بالشكل ده؟
مجرد الفكرة خلتني أبتسم.
أنا من زمان بحلم باليوم اللي ألبس فيه البالطو الأبيض، وأقف قدام المريض وأنا عارفة إني هقدر أساعده. كنت عارفة إن الطريق لسه طويل، وإن الدراسة مش سهلة، لكن مجرد ما تخيلت نفسي في المكان ده، حسيت إن الحلم بقى أقرب.
سحبت كرسي وقعدت، وقلت لنفسي إني هستناه خمس دقايق، يمكن يرجع.
وأنا قاعدة، لاحظت البالطو الأبيض المتعلق على الكرسي اللي جنب المكتب.
عيني فضلت عليه لحظات.
يا رب، ييجي اليوم اللي ألبسه فيه بجد، وأبقى دكتورة مسؤولة عن مرضاها، وأقدر أساعد كل واحد محتاجني.
قمت من مكاني، وخدت البالطو من على الكرسي، ولبسته للحظات وأنا بتخيل نفسي واقفة في العيادة، بستقبل المرضى وبسمع شكواهم، وبحاول أفهم كل حالة قبل ما أقرر أتصرف إزاي.
رجعت قعدت، وطلعت النضارة من شنطتي ولبستها.
كان فيه ملف على المكتب فيه تقارير طبية لحالات مختلفة. بدأت أتأمل البيانات والتقارير، وأحاول أفهم تفاصيل الحالات وطريقة تسجيل الملاحظات الطبية.
اندماجي كان كبير لدرجة إني نسيت أنا جيت هنا ليه أصلًا.
كل اللي كان في بالي إني نفسي أتعلم أكتر، وأفهم أكتر، وأوصل لليوم اللي أقدر فيه أتعامل مع الحالات دي بنفسي، تحت إشراف الأطباء المسؤولين.
وعشان كده، ماخدتش بالي من صوت الخطوات اللي كانت بتقرب من الباب.
الباب كان مفتوح شوية، وفجأة اتفتح على الآخر.
رفعت راسي بسرعة وعدلت قعدتي، وأنا متوقعة إن اللي دخل واحد من المرضى.
لكن اللي دخل كان شاب طويل إلى حد ما، ملامحه واضحة وحادة، ونظرته فيها حاجة خلتني أركز معاه من أول لحظة.
كان متضايق بشكل ملحوظ، ووشه مشدود، وطريقة دخوله نفسها كانت بتقول إنه مش في أحسن حالاته المزاجية.
بصلي باستغراب، وأنا حاولت أحافظ على هدوئي، واتكلمت معاه كأني فعلًا في مكاني الطبيعي.
وعد: اتفضل اقعد، وحاول تهدى شوية.
الشاب وقف مكانه وبصلي كأنه مش مستوعب إني بكلمه بالطريقة دي.
فضل ساكت لحظات، وبعدها سألني بنبرة جادة:
مجد: حضرتك مين؟
نزلت النضارة شوية من على مناخيري، وبصيت له بثقة، ورديت من غير تردد:
وعد: أنا دكتورة وعد محمد ثابت الشناوي.
بص حواليه، وبعدها رجع بصلي.
مجد: هي مش دي عيادة دكتور مجد ياسين الرفاعي؟
وعد: أيوه، وأنا المساعدة الجديدة بتاعته.
رفع حاجبه وبصلي من فوق لتحت، وكأنه بيحاول يستوعب الكلام اللي سمعه.
مجد: بس اللي أنا أعرفه إن دكتور مجد ما عندوش مساعدين.
ابتسمت ابتسامة بسيطة، ورديت بثقة أكبر.
وعد: من هنا ورايح هيكون عنده. المهم دلوقتي، ممكن أعرف إنت جاي تشتكي من إيه؟
فضل باصص لي شوية، وكأنه مش عارف يتعامل مع الموقف ده إزاي.
وعد: طيب، ممكن تقولي إيه اللي مضايقك؟ واضح إنك متعصب جدًا، فخلينا نقعد ونتكلم بهدوء.
مجد: أنا مش جاي أتكلم عن أعصابي.
وعد: تمام، يبقى نحاول نفهم المشكلة اللي عندك ونطمن على حالتك الأول.
كنت بتكلم بهدوء، لكن فضولي كان واضح. أنا نفسي أعرف إيه اللي مضايقه بالشكل ده، وليه داخل العيادة وهو متوتر إلى الدرجة دي.
بصيت لجهاز قياس الضغط الموجود على المكتب، وقلت له:
وعد: بعد إذنك، ممكن تمد دراعك دقيقة؟ عايزة أقيس ضغطك.
بصلي بتردد، لكنه مد دراعه.
لفيت كُم الجهاز حوالين الجزء العلوي من دراعه، واتأكدت إن دراعه في مستوى القلب، وبعدها شغلت الجهاز.
استنيت لحد ما القياس ظهر على الشاشة.
كانت القراءة 130/100.
ركزت في الرقم، ورفعت عيني له باستغراب.
وعد: ضغطك مرتفع، خصوصًا الرقم التاني. إحنا محتاجين نعيد القياس بعد ما ترتاح شوية، بس الأول حاول تهدى وما تتحركش كتير.
بصلي باستنكار.
مجد: مش فاهم، إنتِ شايفة إن عندي ضغط؟
وعد: لأ طبعًا، أنا ما قلتش كده. مش معنى إن الضغط طلع مرتفع في قراءة واحدة إنك مريض ضغط. إحنا محتاجين نعيد القياس بطريقة صحيحة، وبعدها نحدد إذا كنت محتاج متابعة ولا لأ.
سكت، لكنه فضل متابعني بنظراته، وكأنه بيحاول يعرف أنا فعلًا فاهمة اللي بقوله ولا بتكلم بثقة وخلاص.
جبت مقياس الأكسجين، وركبته في صباعه، وبعد ما ظهرت القراءة، بصيت لمعدل النبض المسجل عليه.
وعد: النبض عندك سريع شوية، وده ممكن يكون بسبب الانفعال، لكن ما نقدرش نحكم من القراءة دي لوحدها.
مجد: يعني إيه؟
وعد: يعني لازم نعرف إذا كان النبض سريع بسبب التوتر، ولا فيه سبب تاني. ولو فضل سريع أو حسيت بخفقان، ممكن تحتاج رسم قلب عشان نعرف طبيعة ضربات القلب.
بصلي للحظات، وبعدها سألني بنبرة فيها استغراب واضح:
مجد: هو إنتِ أي حد بيدخل يكشف بتعملي معاه كل ده؟
رفعت عيني له وابتسمت ابتسامة صغيرة.
وعد: أي حد تظهر عليه علامات تستدعي إني أطمن عليه، طبعًا لازم أهتم بيه. ولا حضرتك شايف إننا نسيب المريض متضايق ومش نسأله حتى ماله؟
حسيت إن ملامحه اتغيرت للحظة، وكأنه كان على وشك يبتسم، لكنه رجع بسرعة لنفس تعبيره المتضايق.
مجد: إنتِ بتعرفي تردي على أي حد كده؟
وعد: على حسب السؤال!
ماعرفش ليه، لكن إجابتي خلتني أحس إن الجو بقى أخف للحظة، حتى لو هو لسه متضايق.
بعدها أشرت له ناحية سرير الكشف.
وعد: ممكن تتفضل تقعد هنا عشان نكمل الكشف عليك؟
بصلي، وبعد أتردد بسيط واتحرك ناحية السرير.
كنت في اللحظة دي حاسة إني عايشة جزء من الحلم اللي مستنياه من سنين. البالطو الأبيض، والعيادة، والمريض اللي قدامي، والأسئلة اللي بحاول أرتبها في دماغي.
كل حاجة كانت مخلّياني أتخيل نفسي دكتورة فعلًا.
طلبت منه يتنفس بشكل طبيعي، وبدأت أركز في طريقة تنفسه، وأنا بحاول أفتكر اللي درسته عن العلامات اللي ممكن تحتاج فحصًا إضافيًا.
لكن كنت عارفة إن الحماس لوحده مش كفاية، وإن الطبيب لازم يتعلم إمتى يفحص، وإمتى يطلب مساعدة حد أكثر خبرة منه.
بعدها رجعت أسأله عن الأعراض اللي ممكن تساعد في فهم حالته.
وعد: طيب، إنت عصبي كده على طول؟
بصلي وما ردش.
وعد: بتحس إن قلبك بيدق بسرعة باستمرار، ولا ده بيحصل لما بتبقى متضايق؟ بتحس بدوخة أو صداع؟ نومك منتظم؟ بتشرب قهوة كتير؟ وبتدخن؟
الأسئلة نزلت ورا بعض، لأني كنت عايزة أعرف أكبر قدر ممكن من المعلومات.
لكن واضح إن صبره بدأ ينفد.
بصلي بنظرة حادة، وقال:
مجد: إنتِ متأكدة إنك دكتورة؟ إنتِ بتتكلمي كتير أوي!
اتضايقت من طريقته، لكن حاولت ما أبينش ده.
أنا عارفة إن التعامل مع المرضى محتاج صبر، وإن مش كل الناس هتكون مستعدة تجاوب عن الأسئلة بسهولة، خصوصًا لو كانت متوترة أو متضايقة.
أخدت نفسًا هاديًا، وبصيت له مباشرة.
وعد: أنا لازم أسمعك للآخر قبل ما أقدر أفهم حالتك. مش هينفع أحكم عليك من غير ما أعرف الأعراض اللي عندك.
مجد: بس إنتِ أصلًا ما تعرفيش أنا جاي هنا ليه!
الجملة خلتني أسكت لحظة.
هو عنده حق في نقطة واحدة؛ أنا فعلًا ما كنتش أعرف سبب مجيئه، ولا كنت أعرف إذا كان جاي يكشف على نفسه أصلًا، ولا كان عنده موضوع تاني عايز يتكلم فيه.
لكن بدل ما أعترف لنفسي إني استعجلت، رديت عليه:
وعد: وده السبب اللي مخليني بسألك. أنا بحاول أفهم إيه اللي عندك، لكن لو إنت مش عايز تتكلم، مش هقدر أساعدك.
سكت لحظة، وبعدها كملت:
وعد: التوتر والقلق ممكن يأثروا على النوم والتركيز، وممكن يرفعوا ضغط الدم بشكل مؤقت ويسببوا خفقان. لكن مش كل الأعراض بنرجعها للعصبية، ولازم لو فيه مشكلة مستمرة نعرف سببها بدل ما نتجاهلها.
كان بيسمعني، لكن ملامحه فضلت متحفزة، وكأنه مش مقتنع بكل الكلام اللي بقوله.
رجعت بصيت لجهاز الضغط، وبعدها قلت له:
وعد: خلينا نعيد قياس الضغط بعد ما ترتاح خمس دقايق. حاول تقعد بهدوء، ورجليك تكون على الأرض، ودراعك مستند في مستوى القلب.
فضل ساكت، وأنا استنيت لحد ما الوقت عدى، وبعدها أعدت القياس.
المرة دي ركزت في الرقم الجديد، لكن قبل ما أتكلم، بصلي مجد وصبره نفذ.
مجد: هو إحنا هنخلص إمتى؟
رفعت عيني له.
وعد: لما نطمن إن مفيش حاجة محتاجة متابعة، ونعرف إيه سبب الأعراض اللي عندك.
مجد: يعني لسه قدامنا كتير؟
نبرة صوته كانت حادة، فحسيت للحظة إني اتوترت أنا كمان.
كنت داخلة العيادة بدافع الفضول، وبحلم إني أشوف دكتور ناجح وأتعلم منه، وفجأة لقيت نفسي قدام شخص مش سهل في التعامل، وكل سؤال بسأله بيقابله باعتراض جديد.
ومع ذلك، حاولت أتماسك.
وعد: على حسب حالتك. لو مفيش أعراض خطيرة، والقياسات مطمئنة، مش هنطول من غير داعي. لكن لازم نعرف سبب اللي حاصل بدل ما نستعجل ونمشي.
فضل باصص لي شوية، وبعدها سكت.
كان واضح إنه من النوع اللي بيحسب كلامه قبل ما ينطقه، وإنه مش بيحب حد يضغط عليه بالأسئلة أو يحاول يفرض عليه طريقة معينة في التعامل.
أما أنا، فكنت عكسه تقريبًا.
لما ببقى عايزة أفهم حاجة، بفضل أسأل لحد ما أوصل لإجابة، وأحيانًا بكون متحمسة لدرجة إني ما باخدش بالي إن اللي قدامي ممكن يكون محتاج وقت قبل ما يتكلم.
بصيت له مرة أخيرة، وفكرت إن الشخص ده مش بس عصبي، لكنه كمان عنيد، ومش سهل يسمح لحد يقرب من المساحة الخاصة بيه.
وهو، من ناحيته، كان واضح إنه شايفني بنت بتتكلم أكتر من اللازم، ومش عارف إزاي اتجرأت واتعاملت معاه بالثقة دي كلها.
ديون النبض🫀
بقلم الكاتبة مروة صياح ✍️🎯
بصيت للمريض اللي قدامي، واللي كان واضح إنه جاي يتعالج، لكن حالته النفسية وانفعاله كانوا مأثرين عليه بشكل كبير.
قلت له بهدوء:
وعد: إحنا على فكرة مش هنقدر نتحكم في أعصابنا لو فضلنا مستمرين بالطريقة دي. مع الوقت هنتعب جدًا.
كنت بتكلم معاه وأنا بقيس له الضغط مرة تانية، ولما بصيت على القراءة لقيت ضغطه وصل لـ 110/85.
ابتسمت وقلت له:
وعد: برافو، هايل! ضغطك بدأ ينزل تدريجيًا. ممكن بعد إذنك تحاول تهدى وتتحكم في نفسك أكتر من كده؟
كان بيبصلي وأنا بتكلم بهدوء، وحسيت إنه بدأ يهتم بكلامي فعلًا، فكمّلت:
وعد: أتحكم في غضبك، وأتحكم في مزاجك، وركز في الكلام اللي هيطلع منك. أنا عايزة أعرف بالضبط إيه اللي وصلك للحالة دي. أنا مش بتكلم عن أي تفاصيل، لكن بتكلم عن ضغط حضرتك النفسي، وإزاي الضغط عندك بيزيد بالطريقة دي. إنت عارف إن ده ممكن يسبب لك أذى نفسي وبدني وجسدي، ويأثر على صحتك العقلية كمان؟
بصلي باستغراب، وكان واضح إنه مش متعود إن حد يتكلم معاه بالطريقة دي، من غير ما يقاطعه أو يفصل كلامه، وفي نفس الوقت بأسلوب يشد انتباهه ويخليه يسمع للآخر.
أخدت نفسًا هاديًا وبدأت أشرح له:
وعد: أولًا، التشخيص اللي إحنا بنتكلم عنه هنا بسيط جدًا، لكن حضرتك منفعل وعصبي، ومن الواضح إنك متوتر جدًا، وعندك ارتفاع واضح في مستوى التوتر والضغط النفسي. طبعًا مفيش دلائل تدل على وجود اضطراب عقلي، لكن الحالة اللي إنت فيها، مع الوقت، زي ما قلت لحضرتك، ممكن تأثر على صحتك النفسية والجسدية.
وبدأت أشرح له نتيجة دراستي في كلية الطب، وقلت له:
وعد: بالنسبة للتأثيرات النفسية، ممكن يكون عندك قلق مستمر، ومش هتعرف تتحكم في غضبك بسهولة، وهيكون عندك تقلبات في المزاج، وضعف في التركيز، واضطرابات في النوم.
أما بالنسبة للتأثيرات الجسدية، فضغط الدم عندك ممكن يرتفع مع الغضب الشديد، وضربات قلبك تزيد، وممكن تعاني من الصداع، ومع الوقت ممكن يحصل شد عضلي وألم في الرقبة والكتفين. وبعد كده ممكن التوتر يأثر على المعدة والقولون، وتبدأ تعاني من اضطرابات فيهم نتيجة الضغط النفسي.
كنت لسه بكمل كلامي، لكنه بصلي وابتسم، وكان واضح إنه عايز يوقفني من كتر الكلام اللي بقوله، فقال لي:
المريض: طب وحضرتك شايفة إن أنا أعمل إيه؟
ابتسمت له وقلت:
وعد: اسمعني الأول. مفيش إنسان ما بيغضبش، بالعكس، إحنا كلنا بنغضب ونتضايق، والغضب في حد ذاته شعور طبيعي، وبيعبر عن رفضنا لحاجة إحنا مش عايزينها. لكن اللي إحنا بننصح بيه إننا على قد ما نقدر ما ناخدش أي قرار وإحنا في قمة انفعالنا. وده رقم واحد.
سكتّ لحظة، وبعدها كملت:
وعد: تاني حاجة، نبعد عن الموقف اللي حصل، حتى لو هنحتاج خمس دقايق بس علشان نهدى ونبعد عن أي حاجة سببت لنا الانفعال. لازم تنام كويس، ولازم تلعب رياضة، وتحاول تتنفس بطريقة أفضل، وتحس إنك مسترخي. حتى لو هتغمض عينك خمس دقايق وتفصل دماغك عن أي حاجة بتفكر فيها، حاول تنسى الموقف اللي حصل على قد ما تقدر، وما تفكرش في أي حاجة خالص.
لقيته فعلًا غمض عينيه وبدأ يسترخي، وسكت شوية.
ابتسمت بيني وبين نفسي، وقلت في سري:
كويس يا وعد، الواضح كده إنك هتكوني دكتورة ممتازة، وكلامك جاب نتيجة فعلًا.
استنيت لحد ما فتح عينيه، وبعدها رجعت أكمل كلامي معاه:
وعد: وعلى فكرة، النوبات العصبية دي بتأثر على حياتنا وعلى علاقاتنا بالناس اللي حوالينا. ومش معنى كده إن كل مرة تتعصب فيها لازم تروح لدكتور، لكن لو الحالة استمرت وبقت بتأثر على حياتك بشكل واضح، ممكن تحتاج تروح لأخصائي نفسي علشان يقيّم حالتك وتاخد العلاج المناسب لو احتجت له.
سكتّ لحظة، وبعدها قلت له:
وعد: بس أنا عايزة أنصحك بحاجة. زمان، على عهد سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم، كانت فيه مشاعر غضب وتعب نفسي ومشاكل بيمر بيها الناس، والنبي عليه الصلاة والسلام وصّانا بوصية عظيمة لما قال: «لا تغضب».
وقفت لحظة، وبعدها كملت:
وعد: فرقم واحد، إحنا نحاول على قد ما نقدر نتماسك ونمسك أعصابنا وما نغضبش. وساعات تغيير المكان بيساعدنا، حاول تقوم من مكانك، أو تخرج شوية، أو تتوضى، أو تصلي ركعتين. صدقني، الحاجات دي ممكن تساعدك تهدى وتخرج من حالة الغضب والعصبية اللي إنت كنت فيها.
بصلي وهو ساكت، لكن كان عندي إحساس إنه بدأ يهدى فعلًا، وإن كلامي وصله بشكل مختلف عن أي نصيحة ممكن يكون سمعها قبل كده.
ابتسمت له وسألته:
وعد: تحب نقيس الضغط مرة تالتة؟
بصلي وهو مبتسم، وقال:
المريض: من الواضح إن إنتِ دكتورة شاطرة جدًا، وبتعرفي تتكلمي مع المريض كويس.
ابتسمت بثقة، ورديت عليه:
وعد: أيوه، أنا لسه ما اتخرجتش، لكن بطمنك إني هكون دكتورة شاطرة جدًا. دكتور مجد أصلًا ما بيقدرش يستغنى عني!
بصلي وابتسم، وأنا ابتسمت له بدوري، وأنا حاسة إن الموقف اللي بدأ بتوتر وانفعال، قدر يتحول بهدوء لكلام خلّاه يسمعني ويتجاوب معايا.
ما كنتش أعرف اسمه وقتها، ولا كنت أعرف أي حاجة عن حياته غير إنه شخص متضايق، دخل العيادة وخلاني أكتشف إن التعامل مع الناس مش سهل زي ما كنت متخيلة.
كل اللي كنت عارفاه إن عندي حلم نفسي أحققه، وإن الطريق ليه محتاج علم وصبر وخبرة، مش مجرد حماس وثقة في النفس.
أما الشاب اللي قاعد قدامي، فكان عندي فضول أعرف إيه اللي مخليه متوتر بالشكل ده، وليه بيتعامل مع أي سؤال كأنه تحدٍّ لازم يرد عليه.
يمكن كنت محتاجة أتعلم أسمع أكتر قبل ما أحكم.
ويمكن هو كمان كان محتاج يتعلم إن مش كل سؤال تدخل في حياته، وإن مش كل شخص بيحاول يفهمه بيكون قصده يضايقه.
لكن وقتها، ماكنتش أعرف إن المقابلة دي هتفضل في ذاكرتي، ولا إن الاسم المكتوب على اللوحة النحاسية هيبقى له معنى مختلف عندي بعد كده.
كل اللي كنت أعرفه إن يومي ما مشيش زي ما كنت مخططة له.
وإن فضولي اللي جابني عيادة دكتور مجد ياسين الرفاعي، خلاني أقابل أول شخص يختبر صبري قبل ما أبدأ حتى حياتي العملية.
وما كنتش أعرف إن دي كانت مجرد البداية…
