رواية امرأة علي صفيح ساخن الفصل الاول 1 بقلم ملكة الروايات


 رواية امرأة علي صفيح ساخن الفصل الاول 

​كان أدهم يجلس أمام مدفأته بهدوء، وكان الصقيع بالخارج يغلف الشوارع ببرودته القاسية. كان يرتشف من فنجانه المذهب رشفة من القهوة، وإذا به يجد فتاة ترتدي فستان زفاف أبيض وتلبس تاجاً على رأسها، تتأفف من البرد.
قال مندهشاً:
​"من أين أتيت؟"
قالت وهي ترتجف:
​"من الشباك، كان موارباً فدخلت منه."
​قبل أن يستطرد في تعجبه وأسئلته، سمع صوت طرقات قوية على باب الفيلا. فتح الخادم الباب، فسمعت صوت أهلها بالخارج. استعطفته بصوت يقطر خوفاً:
​"والنبي ما تقول إني هنا!"
​وقفت خلف الباب، وكان والدها وشاب آخر يتطاير من عينه الشرار.
تساءل أدهم بنبرة هادئة:
​"من أنتم؟ ولما جئتم إلى هنا في هذه الساعة من الليل؟"
رد الأب بانفعال:
​"جينا ندور علي عشق!"
هتف الشاب بغضب:
​"عشق! آه، عروستي هربت في ليلة الدخلة، لازم أجيبها تحت رجلي وأعرف ليه هربت وفضحتني!"
رفع أدهم حاجبه وقال بحدة:
​"ابحثوا عنها بمكان آخر، لم تأتِ إلى هنا".
قال والدها بتوسل:
​"يا بيه، لو لقيتها اتصل عليا على الرقم ده".
أجاب أدهم ببرود:
​"ماشي، لو جاءت عندي هتصل على حضرتك".
​خرجوا وأغلق الخادم الباب، وجلس أدهم بكل هدوء على مقعده الهزاز أمام المدفأة كأن لم يكن شيئاً قد حدث.
​وكانت عشق ترتعد من الخوف والبرد، فقال لها بنبرة هادئة:
​"اقتربي من المدفأة حتى تشعرين بالدفء."
​اقتربت عشق بحذر شديد، خطواتها مترددة، وكأنها تخشى أن يكون هذا الرجل الذي يتعامل بمثل هذه البرودة حليفةً لأهلها أو فخاً جديداً نُصب لها. وقفت على مسافة قصيرة من المدفأة الحارقة، بينما كانت أنفاسها اللاهثة تختلط بقطرات الندى المتساقطة من فستانها المبتل بفعل الثلج والبرد.
​ظل أدهم جالساً مكانه بهدوء، مستمراً في تقليب فنجان قهوته كأن شيئاً لم يكن. لفت انتباهه تفاصيلها الدقيقة؛ عيناها الواسعتان المليئتان بخوف حقيقي ممزوج بعناد طفولي، تاجها المائل قليلاً على شعرها الأسود المبعثر، وفستانها الأبيض المنفوش الذي أصبح عبئاً ثقيلاً عليها في هذه الليلة القاسية.
​نهض أدهم بهدوء وخطا بخطوات ثابتة نحو خزانة جانبية، أخرج منها غطاءً صوفياً سميكاً وناعماً، ثم تقدم منها ووضعه حول كتفيها برفق مباغت.
​تخبّت عشق في الغطاء بفزع، وارتجف صوتها وهي تقول بتوسل:
​"أنت... لن تسلمني لهم، صحيح؟ أرجوك، لو عدت معه سأفضل الموت على أن أعيش معه دقيقة واحدة!"
​ابتسم أدهم بخفة، تلك البسمة التي لا تكشف عن دواخله أبداً، وعاد ليجلس على مقعده الهزاز قائلاً بنبرة هادئة وعميقة:
​"أنا لا أسلم ضيفاً دخل بيتي بهذه الطريقة الجريئة.. من يتسلق النوافذ في منتصف عاصفة ثلجية هرباً من زفافه، لابد أن لديه سبباً قوياً جداً، أليس كذلك؟"
​جلست عشق على أقرب مقعد بخشوع، واحتضنت الغطاء بقوة وكأنه طوق نجاة، بينما بدأت حرارة المدفأة تسري ببطء في جسدها المتجمد. تنفست الصعداء قليلاً قبل أن تروي جزءاً من حكايتها بنبرة منكسرة:
​"اسمي عشق... واسم ذلك 'العريس' الذي كاد يحطمني هو 'فهد الجارحي'، رجل أعمال متنفذ فرضته عليّ ظروف والدي المادية وصفقاته الخاسرة. باعني له وكأنني سلعة في سوق الرقيق. في ليلة الدخلة، عندما وجدت نفسي وجهًا لوجه أمام رجل لا يعرف سوى القسوة والتسلط، لم أتحمل... هربت وتركت خلفي كل شيء!"
​رفع أدهم حاجبه بإعجاب خفي لشجاعتها غير المعهودة، وقال بصوت حازم:
​"هربتِ في ليلة زفافكِ وتسلقتِ نوافذ الفيلات الفاخرة في منتصف الليل؟ أنتِ لستِ مجرد عروس هاربة، أنتِ مجازفة من نوع خاص... لكنكِ لا تدركين عواقب ما فعلتِ."
​شاح وجه عشق وسألت بقلب يخفق بجنون:
​"ماذا تعني؟ هل ستطردني؟ إنهم يبحثون عني في كل مكان!"
​وقف أدهم، واقترب منها ببطء حتى أصبح يقف أمامها مباشرة، فرمقته بعينين متوسلتين، ليقول بنبرة غامضة ونظرة نافذة:
​"لا، لن أطردكِ... لكنكِ الآن في منزل أدهم الراوي، وحين يطرق أحدهم بابي بهذه الطريقة، يصبح في حمايتي. ولكن تذكري جيداً يا عشق... الليلة أنتِ نجوتِ من فهد، لكن غداً ستبدأ معركتكِ الحقيقية معي."
​شعرت عشق برعشة غريبة تسري في جسدها، ليس من البرد هذه المرة، بل من هيبة الرجل الذي يقف أمامها، لتدرك أن هروبها من جحيم عريسها لم يكن سوى بداية لطريق مجهول تماماً!


تعليقات