رواية ساعة الصفر الفصل الاول
في أواخر صيف عام 1965، كانت القاهرة تغرق في حرارة لاهبة لا يخفف منها سوى نسيم حائر يمر عبر أزقة حي "الجمالية". في هذا الحي المتشابك الذي تتنفس جدرانه تاريخاً وثراءً داكناً، كان "عمر الجبالي" يجلس في خلفية دكان والده لبيع التحف والأنتيكات.
عمر، الشاب البالغ من طور الشباب نضجه (تسعة وعشرون عاماً)، لم يكن شبهاً لأقرانه. كان يمتلك ملامح متوسطية حادة؛ عينين حائرتين بين الخضرة والرمادي، وبشرة شاحبة تسربت إليها حمرة خفيفة، لكن الميزة الأهم لم تكن في شكله، بل في قلبه وذهنه. كان يملك قدرة عجيبة على حفظ التواريخ والأرقام والوجوه من النظرة الأولى، إلى جانب إتقانه التام للإيطالية والفرنسية التي تعلمهما على يد جارة إيطالية مسنة كانت تسكن العمارة المجاورة منذ صغره.
في ذلك العصر، كانت المقهى المقابل للدكان يضج بأصوات النرد وصوت أم كلثوم المنبعث من راديو خشبى قديم. لكن عمر لم يكن ينصت للغناء، بل كان ينظر إلى الرجل صاحب المعطف الرمادي الذي يجلس منذ أسبوع كامل في نفس التوقيت، يطلب الشاي ولا يشربه، وعيناه لا تفارقان باب الدكان.
لم يكن عمر يعلم أن حياته البسيطة، ورائحة الخشب القديم، ومستقبله المستقر بين قطعه الأثرية، تتآكل ثانية بثانية لتُسحب من تحت قدميه إلى الأبد.
في الموكب المجهول إلى المقر المغلق
في ليلة غاب فيها القمر، وعلى أطراف منطقة "مصر الجديدة"، توقفت سيارة سوداء سوداء الزجاج من طراز "بويك" أمام منزل عمر. لم تكن هناك ضوضاء، ولا مداهمات عائلية. خرج رجلان يرتديان بدلات كحيلة داكنة، واقتربا من عمر وهو يغلق باب دكانه.
قال أحدهم بصوت هادئ ولكنه يحمل نبرة أمراً لا يقبل النقاش:
"السيد عمر الجبالي؟ المطلوب منك مرافقتنا. الأمانة تنتظرك."
لم يتحرك عمر من مكانه، بل نظر إلى زجاج السيارة المظلم وسأل ببرود غريب:
"من أنتم؟ وما هي هذه الأمانة؟"
رد الرجل الثاني وهو يفتح باب السيارة الخلفي:
"ستعرف كل شيء في الوقت المناسب.. ولكن تذكر، منذ هذه اللحظة، كل خطوة تخطوها لم تعد ملكك وحدك."
ركب عمر السيارة. قطعت المركبة شوارع القاهرة المتشابكة في صمت رهيب، حتى ولجت بوابة حديدية ضخمة تتوسط سوراً عالياً يختفي خلفه مبنى قديم ذو طراز معماري إيطالي. كانت النوافذ مغطاة بستائر ثقيلة تمتع الرؤية من الداخل والخارج.
دُفع عمر إلى غرفة واسعة، لا تحتوي إلا على طاولة خشبية عريضة، وكرسيين، ولمبة واحدة تدلت من السقف لتلقي بظلال طويلة على الجدران.
بعد دقائق، دخل رجل في أواخر الخمسينيات من عمره، يرتدي بزّة عسكرية جردت من الرتب، لكن مشيته ونظراته الصلبة كانت توحي بهيبة قيادية لا تخطئها العين. كان هذا هو العميد فاروق.
وضع فاروق ملفاً أصفر سميكاً على الطاولة، وجلس هادئاً، يدرس وجه عمر لعدة ثوانٍ قبل أن يفتح الملف.
"عمر الجبالي.. تتحدث الإيطالية كما يتحدثها أهل روما، وتقرأ الفرنسية كأحد أبناء باريس. تملك ذاكرة تُلتقط الصور ولا تنساها، وأهم من هذا كله.. ليس لديك أي انتماء سياسي، ولا روابط عائلية تعيق تحركك بعد وفاة والدتك."
جلس عمر على الكرسي المقابل، وجمع يديه بثبات:
"حضرتك جبتني هنا ليه؟ أنا مجرد بائع أنتيكات في الجمالية."
ابتسم العميد فاروق ابتسامة غامضة، ثم استند بساعديه على الطاولة واقترب قليلاً:
"أنت بائع أنتيكات لأنك لم تجد قدرك بعد يا عمر. الوطن يخوض معركة وجود، ومعركتنا ليست فقط في سيناء وعلى جبهات القتال.. معركتنا الحقيقية تتمدد في قلب عواصم العالم. نحن نبحث عن رجل يستطيع أن يخلع جلده، ينسى اسمه، ويتنفس في أرض العدو دون أن يرف له جفن."
ساد الصمت الغرفة. كان صوت دقات الساعة الحائطية يدوّي كضربات مطرقة.
واصل فاروق بنبرة عميقة:
"من هذه اللحظة، عمر الجبالي سيموت.. ليس قتلاً، بل إدارياً ورسمياً. ستحمل اسماً جديداً، وتاريخاً جديداً، وستعيش في مجتمع غريب. ستحاط بالنساء، والأموال، والنفوذ، ولكنك ستكون أشد الناس وحدة على وجه الأرض. إن أُلقي القبض عليك، لن نتعرف عليك.. وإن نجحت، لن يعرفك أحد. هل أنت مستعد للابتلاع؟"
أغمض عمر عينيه لثوانٍ. مرت أمامه صور حارته، ودكانه، وأوراق الكتابة التي يحبها، والهدوء الذي ينعم به. ثم فتح عينيه، وكانت فيهما شعلة من الحسم لم يعهدها في نفسه من قبل.
"أنا جاهز يا فندم.. قولي أنا مين من النهاردة؟"
الولادة القيصرية: "ماركو بينتي"
منذ تلك الليلة، أُغلق الباب على عمر في معسكر تدريب سري بمنطقة صحراوية نائية. كان هذا المكان هو المطبخ الذي سيُصهر فيه عمر الجبالي ليخرج منه "ماركو بينتي".
لم تكن التدريبات عسكرية بالمعنى التقليدي فقط، بل كانت تدريبات نفسية وسلوكية شاقة:
صناعة التاريخ المزيف: خضع عمر لدراسة ملف شامل يتكون من 800 صفحة عن شخصية "ماركو بينتي"، وهو شاب إيطالي من أصول يونانية وُلد في الإسكندرية، وهاجرت عائلته عقب قرارات التأميم. كان عليه حفظ أسماء جيرانه المفترضين في الإسكندرية، أسماء أطبائه، ألعاب طفولته، وعناوين المقاهي التي كان يرتادها والده.
الاختبارات النفسية المفاجئة: كان الخبراء يوقظونه في منتصف الليل بسكب الماء البارد على وجهه، ثم يوجهون له أسئلة سريعة بالإيطالية، فإن نطق كلمة واحدة بالعربية، أُعيد الاختبار من بدايته.
فنون الجاسوسية المتقدمة: تعلم استخدام الكاميرات التجسسية الدقيقة المثبتة في ولاعات السجائر، كيفية إخفاء الميكروفيلم داخل حواف الكتب والقطع الخشبية، وقراءة الشفرات المعقدة وتحليل خرائط التحركات العسكرية.
مرت سنتان كامليتان.. سنتان لم يرَ فيهما عمر الشمس إلا من خلال ساحة التدريب، ولم يستمع إلا للغة الإيطالية، حتى بات يحلم بلغة غير لغته الأم.
وجاءيوم وداع الروح على أطراف الرصيف
في ليلة الشحن الأخيرة، قبل سفره إلى أوروبا عبر رحلة بحرية تنطلق من ميناء بيروت، سمح له العميد فاروق بساعة واحدة أخيرة.
وقف عمر داخل سيارة موشاة بالستائر بالقرب من حارته في الجمالية. كان يرى دكانه المغلق من بعيد، ويعاين جيرانه وهم يمرون في الشارع دون أن يدروا أن الشاب الذي افتقدوه منذ عامين يقف على بعد أمتار منهم.
رأى والده المريض يجلس على مقعد خشبي أمام البيت، ينظر إلى الفراغ وحيداً. كادت دمعة تسقط من عين عمر، ووضع يده على مقبض الباب ليخرج ويقبّل يد والده للمرة الأخيرة، لكن صوت فاروق جاء هادئاً وقاسياً من الخلف:
"لو خرجت الآن يا عمر.. ستدمر سنتين من التخطيط، وستعرض حياة والدك وحياتك للخطر. ماركو بينتي لا يملك أباً في الجمالية."
سحب عمر يده ببطء شديد. أغمض عينيه واستنشق رائحة هواء القاهرة المحملة بأتربة الحارة، وكأنه يخزنها في رئتيه لسنوات العجاف القادمة.
التفت إلى العميد فاروق وقال بصوت خفيض متهدج:
"توكلنا على الله يا فندم. عمر الجبالي اندفن النهاردة.. وماركو بينتي مسافر بكرة."
تحركت السيارة في الظلام، تاركة خلفها القاهرة ورجلاً يبتلعه الغموض، ليولد من جديد في قلب الخطر.
