رواية ساعة الصفر الفصل الثاني 2 بقلم ملكة الروايات


 رواية ساعة الصفر الفصل الثاني 

 عاصفة الشتاء في روما
​في يناير من عام 1968، كانت روما تحتسف قطرات المطر المتساقطة بغزارة على أرصفتها الحجرية القديمة. بين أزقة "زوكيلاري" القريبة من نهر التافر، وقف "ماركو بينتي" أمام مبنى قديم ذي طابع كلاسيكي، يرفع ياقة معطفه الصوفي الأسود ليحمي وجهه من الرياح الباردة.
​لم يكن "ماركو" يرتدي ثياباً زاهية أو يستعرض ثراءً فاحشاً؛ بل كان مظهر رجل أعمال عصامي، أنيق بنكهة هادئة، يبحث عن بداية جديدة بعد أن ترك الماضي خلفه في الإسكندرية — كما تنص روايته المتقنة.
​فتح ماركو باب متجره الجديد الذي أطلق عليه اسم "Il Tempo Antico" (الزمن القديم). كان المتجر يفوح برائحة الخشب المعتّق، والورنيش، والأوراق القديمة. لم يكن المتجر مجرد مكان لبيع التحف، بل كان "فخاً درامياً" صُمم بأعلى درجات الدقة على يد خبراء المخابرات العامة المصرية في القاهرة.
​في الخلفية، وضعت قطع أثرية نادرة، بعضها يعود إلى العصر الروماني، وأخرى إسلامية وقبطية صُنعت أو جُلبت بعناية فائقة لتكون طعماً لا يستطيع كبار الهاواة كبح رغبتهم في اقتنائه.

​مرت ستة أشهر كاملة وماركو يعيش بانتظام شديد:
​يستيقظ في السابعة صباحاً.
​يحتسي قهوته "الأسبريسو" في مقهى الميدان المالي.
​يقرأ جريدة Corriere della Sera، يتحدث مع المارة بالإيطالية بلكنة أهل الشمال، ولا يُظهر أي اهتمام بالسياسة أو الشرق الأوسط.
​كانت التوصيات الصادرة من العميد فاروق صريحة:
​"لا تبحث عن الهدف يا ماركو.. اجعل الهدف هو من يبحث عنك. رجل الاستخبارات الحقيقي لا يركض خلف الفريسة، بل يصنع البيئة التي تجعل الفريسة تلجأ إليه بملء إرادتها."
​في ظهر يوم جمعة ممطر، رن الجرس النحاسي المشتمل فوق باب المتجر. دخل رجل في ستينيات العمر، ذو شعر أبيض مصفف بعناية، يرتدي بدلة رسمية فاخرة 
​كان هذا الرجل هو الجنرال المتقاعد دانيال أورلوف، أحد أبرز المستشارين السابقين في لجنة الأمن والدفاع بالبعثة الدبلوماسية التابعة للكيان في أوروبا، ورجل يمتلك نفوذاً واسعاً في شبكات توريد السلاح والصفقات السياسية.
​وقف دانيال يتأمل قطعة صليبية ذهبية صغيرة مرصعة بالياقوت الداكن كانت معروضة داخل صندوق زجاجي مقفل.
​اقترب منه ماركو بهدوء، ودون أن يفرض نفسه، قال بلغة إيطالية راقية:
 "هذه القطعة تعود إلى أواخر القرن الثاني عشر.. صُنعت في ورش عكا، ولكن ملمس الياقوت يشير إلى أنها تنقلت بين أيدي تجار في الشرق قبل أن تصل إلى أوروبا."
​التفت دانيال وأسقط نظراته الفاحصة على ماركو:
 "أنت تفهم في الانتيكات أكثر من مجرد تاجر يطلب السعر يا سيد بينتي."
​ابتسم ماركو ابتسامة ثقة متزنة:
 "التحف يا سيدي لا تُباع بأثمانها.. بل بالقصص التي تحملها. والقصة الصحيحة لا يعرفها إلا من عاش في بطن التاريخ."
​تبادل الرجلان الحديث لساعة كاملة. لم يحاول ماركو البيع، بل عرض على الجنرال فحص القطعة تحت المجهر وشرح له تفاصيل تاريخية نادرة، مما أثار دهشة "دانيال" الشديدة 
​خلال الأشهر التالية، أصبحت زيارات الجنرال "دانيال" لمتجر ماركو طقساً أسبوعياً. نشأت بينهما حالة من الاستحسان الفكري؛ فماركو رجل يحفظ التاريخ، هادئ اللسان، لا يسأل عن شؤون ضيفه الخاصة، ويتعامل برقي متناهٍ.
​وفي ليلة سبت من شهر نوفمبر، وجّه دانيال الدعوة الأولى لماركو:
 "ماركو.. لديّ صالون ثقافي مصغر في فيلتي الواقعة على ضفاف ضواحي روما. يجتمع فيه بعض الأصدقاء من الدبلوماسيين ورجال الأعمال للاستمتاع بالموسيقى والحديث عن الفنون. يشرفني أن تكون ضيفي."
​كانت هذه هي اللحظة التي انتظرها "عمر الجبالي" لسنوات.
​في تلك الليلة، كانت الفيلا تعج بالرجال النافذين، والضباط المتقاعدين، وسفراء بعض الدول. وفي وسط الحفل، كان ماركو يتحرك بثبات كأنه جزء أصيل من هذا العالم الأرستقراطي.
​وفجأة، قدمه دانيال إلى امرأة في أواخر العشرينيات من عمرها، ذات ملامح حادة ونظرات ثاقبة تشبه نظرات الصقر.
​— "ماركو.. أقدم لك إيلينا، ابنة صديقي القديم والمسؤولة عن تنسيق العلاقات العامة في إحدى المؤسسات الأمنية الدولية ببروكسل."
​التقطت عين إيلينا عينَي ماركو. كانت تتمتع بذوق رفيع وحس أمني فطري.
قالت بابتسامة خفيفة وهي تتفحص ثباته:
 "السيد بينتي.. دانيال لا يكف عن الحديث عن خبرتك الشديدة في كشف الأسرار والتفاصيل الصغير للأشياء القديمة. هل تستطيع كشف أسرار الأشخاص بنفس الدقة؟"
​رد ماركو وهو يرفع كأسه بهدوء ودون أن تهتز نبرة صوته:
 "الأشياء القديمة لا تكذب يا أنسة إيلينا.. أما البشر، فيقضون حياتهم في تحسين أقنعتهم. وأنا أكتفي بالنظر إلى الأقنعة دون أن أحاول خلغها."
​أثارت هذه الإجابة فضول إيلينا الشديد، وشعرت أن هذا الرجل يحمل عمقاً يختلف عن باقي الرجال السطحيين الذين تلتقيهم في هذه الصالونات.

​في منتصف الليل، وبعد عودته إلى شقته المعزولة، لم ينم ماركو.
​دخل إلى الحمام، وأغلق الستائر الثقيلة. أخرج من خلف بلاطة متحركة تحت الحوض صندوقاً معدنياً صغيراً. أخرج منه ورقة مائية زاهرة، وقلم حبر سري أُعد خصيصاً في معامل جهاز المخابرات بالقاهرة.
​بدأ يكتب بخط دقيق جداً:
​"الرمز: صقر
إلى: المركز (العميد فاروق)
​تم غرس البذرة بنجاح.
نلت ثقة الهدف الأول (دانيال أورلوف)، وتم اختراق الصالون المغلق.
التطور الجديد: تم التواصل مع (إيلينا) ذات النفوذ في دوائر التنسيق ببروكسل.
الموقف الآمن: مستقر تماماً، ولا توجد مؤشرات مراقبة حتى الآن.
أطلب التوجيه بالخطوة التالية."
​بعد ذلك، قام بوضع الورقة داخل غلاف رسالة تجارية عادية موجهة إلى عنوان وهمي لشركة استيراد وتصدير في أثينا (والتي تشكل محطة وسيطة لجهاز المخابرات).
​وقف ماركو أمام المرآة، ينظر إلى وجهه في الظلام. لم يعد يرى "عمر الجبالي"؛ بل رأى غريباً يرتدي بدلة إيطالية فاخرة، يعيش وسط أعداء أمه، ويبتسم في وجوههم، بينما يخبئ تحت صدره خنجراً من الوفاء لوطن لا يستطيع حتى أن ينطق اسمه بصوت عال
​أغمض عينيه وهمس بداخل قلبه فقط:
"يا رب.. ثبّت الخطوة، واحفظ العقل."وانصرني علي اعداء الوطن. 

تعليقات