رواية اسميتها ريحانة الفصل العشرون
سليم، لو سمحت سيبني. أنا عايزة أروح.»
لم يستمع سليم لكلماتها، بل رفع يده وأحاط وجهها، وهو يقول بابتسامة تصميم وعند عاشق ليس له حدود:
«قولتلك، إنتي عمرك ما هتخلصي مني ولا هتتحرري من حبي. هتفضلي مسجونة في سجن عشقي لآخر يوم في عمرك. ريحانة، إنتي اتكتبتي ليا من أول يوم ليكي في الدنيا.»
ليصمت ثواني قبل أن يقول دون مقدمات:
«ريحانة... أنا رجعتك لعصمتي بعد أسبوعين بس من طلاقنا.»
شهقت بصدمة، وشعرت وكأن دلو ماء بارد سقط عليها في عز البرد، لتهمس بعدم تصديق:
«إنت بتقول إيه؟!»
تجمعت الدموع في عينيها الفيروزيتين، لتنظر له بعدم تصديق، منتظرة أن يخبرها أنه فقط يمزح معها.
«سليم، إنت بتهزر، صح؟ قولي إنك بتقول كده عشان تعصبني.»
ظل سليم صامتًا، ينظر لها وأنفاسه عالية، وصدره يرتفع ويهبط من سرعة أنفاسه، لتهز ريحانة رأسها برعب من صمته.
«سليم، إنت بجد رجعتني لعصمتك؟!»
نظر لها سليم لثوانٍ، وهو يفكر، إذا كذب عليها هذه المرة، ستفقد ثقتها فيه للأبد؛ لذلك قرر أن يكون صادقًا هذه المرة.
سحب نفسًا عميقًا، وقال بهدوء:
«أنا فعلًا كنت بحسب إني أقدر أردك لعصمتي، لكن عرفت بعد كده إنه لا يجوز؛ لأني لسه مملكش عدة عليكي.»
صمت لثوانٍ، ثم أكمل بابتسامة:
«بس أنا بجد عايز نتجوز من جديد يا ريحانة، ووقت ما كنت عايز أردك، كنت عشان فعلًا ندمان.»
ظلت ريحانة ترمقه بصدمة، ليتفاجأ سليم بها تدفعه فجأة بيديها على صدره، وهي تصرخ:
«إنت فاكر نفسك مين؟ إنت شايفني لعبة في إيدك يا سليم يا دالي؟ تطلقني وقت ما إنت عايز، وعايز ترجعني وقت ما بتحب!»
قال سليم محاولًا امتصاص غضبها:
«ريحانة، اهدي.»
صرخت ريحانة بصوت عالٍ:
«مش ههدي يا سليم .. فاهم يعني إيه مش ههدي؟ إلا لما تعترف إن حكايتنا انتهت. افهم بقى يا بني آدم إحنا اتطلقنا خلاص، وأنا مش موافقة أرجعلك»
لم يستطع سليم تمالك أعصابه، فأمسكها من كتفيها بشدة وهزها بعنف.
«قولتلك اهدي»
كانت تتنفس بصوت عالٍ، وتنظر داخل عينيه والدموع تملأ مقلتيها، وتهز رأسها بعدم تصديق. وفجأة، ضحكت بسخرية، وهي تبعد يده عن كتفها.
«وطبعًا إنت لما كنت عايز تردني لعصمتك، كان بعد ما عرفت الحقيقة، وإن أبويا مقتلش أهلك.»
أكملت بوجع:
«فقلت بقى أردها تاني، ما أنا خلاص طلعت غبي وكنت ظالمها.»
جز سليم على أسنانه بغضب من كلماتها المسيئة له، لكنه قدّر حالتها، ليقول بهدوء:
«أولًا، أنا فكرت في ردك لعصمتي بعد أسبوعين بس من فرحنا، يعني مكنتش لسه عرفت الحقيقة. عشان لو زي ما بتقولي، عملت كده بعد ما عرفت الحقيقة، على الأقل كنت هرجع مصر على طول وأعرفك كل حاجة. لكن أنا مرضتش أظهر في حياتك إلا لما تهدي وتاخدي وقتك في الزعل، خصوصًا لما لقيتك رجعتي لدراستك وقربتي تتخرجي.»
ضحكت بوجع.
«والمفروض أصدق بقى الكلام ده؟»
مسحت دموعها بعنف وقالت:
«وليه مقولتليش؟»
قال سليم بابتسامة:
«عشان عارف إنك عنيدة. لو كنت عرفتك أول يوم شوفتيني فيه بعد اللي حصل، مكنتش هبقى ضامن رد فعلك. كان لازم أثبتلك إني فعلًا اتغيرت وندمان. وعفكرة، أنا عرفت أبوكي من أول يوم إني كنت عايز أردك لعصمتي.»
اتسعت عينا ريحانة من الصدمة.
«إيه؟! بابا كان عارف؟»
قال سليم، وهو يتذكر حواره مع أدهم. في اليوم الذي سافر فيه الغردقة مع ريحانة :
«أيوه، هو في الأول كان فاكر زيي إني كده رديتك، وإن ده يجوز، لكن اكتشفنا بعدين إن مينفعش، وإن لازم نتجوز من أول وجديد.»
**فلاش باك**
«ألو.»
«ألو يا حمايا.»
قال أدهم بغضب:
«اتوكّس يا غبي،قال حمايا قال»
قال سليم باستغراب:
«فيه إيه؟ هو مش أبو الزوجة بيتقال عليه حما؟ هما غيروها ولا إيه؟»
قال أدهم بغضب:
«إنت يا بني آدم سألت كويس قبل ما ترد ريحانة لعصمتك؟ يعني سألت دار الإفتاء وأكدولك إنه يجوز؟»
قال سليم باستغراب:
«لا، أنا سألت شات جي بي تي ، وعرفت إني عادي أردها حتى لو من غير علمها.»
قال أدهم بنفاد صبر:
«شات جي بي تي يا تافه؟ إنت بتاخد منه معلومات زي دي؟ المهم، أنا كنت حاسس إن الموضوع مش راكب على بعضه، وعشان كده سألت كذا شيخ، وكلهم قالولي إن ردك لها لا يجوز .لإن الطلاق قبل الدخول يُعد طلاقا بائنا، لا تصح فيه الرجعة بمجرد إعلان الزوج أنه أعاد زوجته، وإنما يحتاجان إلى عقد زواج جديد برضاها.
صمت سليم ببهوت،يستوعب الصدمة، ثم نطق بعد صمت دام لثوان «يعني مش هتساعدني إني أقرب من ريحانة عشان توافق إننا نرجع ونتجوز من جديد؟»
أدهم بنفاذ صبر «للأسف، مضطر أساعدك؛ لأني عارف إنها بتتنيل لسه وبتحبك. ولو مش متأكد إنك ندمت وبتحبها فعلا مستحيل أساعدك، بس قسمًا عظيمًا يا سليم، لو زعلتها، مش هيكفيني فيك مو.تك.»
**عودة إلى الحاضر**
نظرت ريحانة بصدمة.
«يعنى إيه؟! بابا كان بيساعدك ؟إزاي ده هو أكتر واحد شاف حالتي كانت عامله إزاي بعد ما إنت سبتني»
ضحكت بسخرية وأكملت:
«يعني أنا طلعت المغفلة الوحيدة في الليلة دي، وإنت الباشا كنت عايز ترجعني من غير حتى ما تكلف نفسك وتعرفني، أو حتى تسيبلي حرية الاختيار. بس من إمتى سليم بيه الدالي بيعمل حساب للي قدامه؟ أهم حاجة يعمل اللي في دماغه.»
قال سليم بصدق:
«ريحانة، صدقيني، والله العظيم بحبك. ولما فكرت في رجوعنا، كان عشان بحبك. ومعرفتكش إني كنت فاكر إني رديتك عشان عارفك عنيدة وهتصممي منرجعش ولا نتجوز من جديد.»
رفعت حاجبها باستنكار.
«ومين قالك إني دلوقتي مش مصممة؟»
رفع سليم حاجبه ببرود.
«يعني إيه؟»
عقدت ريحانة يديها أمام صدرها وقالت بعند:
«يعني أنا مش موافقة أتجوزك يا سليم، ورجلك فوق رقبتك، أنا مش هسمحلك تقرر عني حياتي، أنا ليا شخصية ومش هسمحلك تلغيها.«
نظر لها سليم بصمت لثواني، ثم فجأة .. تعالت أصوات ضحكاته بقوة، لدرجة استفزت ريحانة، وبدأت تدب بقدمها بغضب.
«بتضحك على إيه؟ أنا قولت إيه يضحك؟»
اقترب منها، ثم وضع كف يده على وجنتها وقرصها بمشاكسة.
«شئتي أم أبيتي يا قلبي، أنا مش هسيبك إلا لما ترجعي على ذمة سليم الدالي، إنتي فاكرة إن الجواز من راجل زيي بالساهل؟ دي حاجة نص بنات مصر بيحلموا بيها»
قالت ريحانة بابتسامة قاصدة استفزازه، مثلما يفعل:
«بس إحنا متطلقين شرعًا. إيه هتعاند في دي كمان يا سليم يا دالي؟»
همس سليم أمام وجهها بابتسامة ماكرة، وعيناه مسلطتان على شفتيها:
«لا مش هعاند ياقلب سليم الدالي، بس بردو مش هسيبك، وبعد ما نتجوز من أول وجديد، حالتك الاجتماعية مش هتتغير أبدًا إلا في حالة واحدة.»
سألته ريحانة بحيرة:
«حالة إيه؟»
قالها بإصرار غريب وتملك واضح :«موتي... الحالة الوحيدة اللي حالتك الاجتماعية ممكن تتغير فيها هتكون من متزوجة لأرملة، وساعتها هكتب وصية إنك متتجوزيش من بعدي عشان أضمن إنك تفضلي وفية ليا لحد ما تلحقيني.»
عضت ريحانة على شفتيها بغيظ، لتصرخ في وجهه:
«مستفزززززز وبارررررد!»
ثم تركته وسارت نحو مقدمة المركب، وقالت:
«لو سمحت يا عمو، رجعنا يلا.»
أومأ المراكبي برأسه، وهو ينظر لكليهما باستغراب ويهمس:
«إيه جوز المجانين دول؟»
مر الوقت، وبدأت المركبة تغير اتجاهها للعودة إلى اليابسة. ظلت ريحانة واقفة، معطية ظهرها لسليم وتنظر للنيل، بينما خلفها يقف سليم ينظر لها بابتسامة عاشقة، ويهمس بسخرية:
«قال حكايتنا خلصت قال! ده بعدك يا ريحانة.»
_____________________________________________________________
اتسعت عيناها العسليتان برعب، وقالت بصوت مرتعش:
«حاجة إيه؟!!!!!!!»
ابتسم ياسين بحماس، وقال:
«بما إنك هتتنقلي النهارده من شقتك لشقتي، فإيه رأيك لو نعملها بطريقة حلوة؟»
هدأت آيات نوعًا ما، لكنها سألته بعدم فهم:
«مش فاهمة.»
أمسك ياسين يدها وقال لها:
«تعالي أفهمك قصدي.»
بعد دقائق...
كانت آيات تقف في الطرقة الفاصلة بين شقتها وشقة ياسين. اقتربت من الباب ودقت عليه كما طلب منها ياسين. مرت ثوانٍ، ففتح لها ياسين الباب، ومعه إياد، الذي كان ينظر لها بحماس؛ فياسين كان قد فهمه أنهما سيلعبان جميعًا.
اقترب ياسين من آيات، وابتسامة دافئة على وجهه، حتى وقف أمامها مباشرة، وهمس:
«النهارده أسعد يوم في حياتي.»
ابتسمت آيات بخجل، وهي تنظر إلى الأسفل، ثم شهقت عندما حملها ياسين بين يديه على غفلة.
قالت آيات وهي تمسك بعنقه بشدة:
«ياسين، نزلني!»
هز رأسه نافيًا، ثم قال:
«لأ، مش هتدخلي البيت ده غير وإنتي متشالة.»
ثم نظر إلى إياد الواقف عند الباب، وقال:
«صح يا إياد؟ مش دي قواعد اللعبة؟»
هز إياد رأسه بتأكيد، وقال:
«أيوه يا ماما، لازم عشان تدخلي بيتنا يكون بابا شايلك.»
ابتسم ياسين ونظر لها بحب، لتبادله النظر وهي تبتسم بخجل.
سار ياسين بها في الطرقة ذهابًا وإيابًا من شقتها لشقته، وأخيرًا وصل أمام باب شقته، وهو ينهج بتعب.
«أنا بقول كفاية كده.»
رفعت آيات حاجبها باستنكار، وقالت:
«قصدك إيه يا دكتور ياسين؟ هو أنا تقيلة؟»
ضحك ياسين بخفة.
«لأ يا قلبي، ده إنتي زي الفراشة.»
ثم اقترب من أذنها وهمس ببعض الكلمات التي جعلتها تحمر من الخجل.
دخل من باب الشقة وهو يحملها بين يديه ويضمها إلى حضنه، وسار بها في اتجاه غرفته، وإياد يسير خلفهما، ثم أنزلها أخيرًا أمام الباب.
كان ياسين لا يزال قريبًا منها، فقال:
«نورتي بيتك يا عروسة.»
ابتسمت آيات بخجل ولم ترد، ليحمحم ياسين بخشونة، ثم قال:
«طيب، ادخلي يلا غيري هدومك. أكيد الفستان خنقك، وأنا وإياد هنقعد في الصالة ونلعب.»
أومأت آيات برأسها بهدوء، ودخلت الغرفة، ثم أغلقت الباب، بينما حمل ياسين إياد وخرج للصالة، وهو يستمع إلى صوت إياد المتحمس عن اللعبة التي أهداها له الجد.
بعد نصف ساعة، كانت آيات واقفة في الغرفة تفرك أصابعها بتوتر، وتتأمل نفسها في المرآة. كانت ترتدي قميصًا نسائي باللون السكري طويلًا يتعدى ركبتيها ببعض السنتيمترات، من قماش الدانتيل، يعلوه روب ستان قد أغلقته بإحكام على خصرها.
أمسكت المشط بهدوء، وبدأت تسرح خصلات شعرها البنية الناعمة ببطء. انتهت ووضعت الفرشاة، ثم التقطت علبة المكياج الخاصة بها، وأخرجت منها روج شفاه باللون الأحمر القاني، وبدأت في وضعه على شفتيها برقة.
وما إن انتهت، حتى ابتعدت لترى نفسها، فابتسمت بخفة؛ فاللون كان ملائمًا جدًا للون بشرتها الحليبية ...لكنها شهقت بصدمة عندما فُتح باب الغرفة فجأة، ليسقط أحمر الشفاه من يدها على الأرض.
رفعت رأسها لتجد ياسين يقف عند باب الغرفة.
قال ياسين بإحراج:
«أنا آسف والله، إني دخلت من غير ما أخبط، بس لسه مش متعو...»
توقفت الكلمات على لسانه فجأة، وبلع ريقه بصعوبة عندما أدرك أنها تقف أمامه بتلك الهيئة، وبدون حجاب.
نظر إلى خصلات شعرها الحريرية ذات التموجات البسيطة، بلونها البني الفاتح، التي تصل إلى منتصف كتفها، ثم انزلق بنظره أكثر ليرى ملابسها الرقيقة.
اقترب بدون وعي حتى دخل الغرفة، ثم دفع الباب بقدمه لينغلق على الفور.أمسكت آيات طرف روبها بتوتر بالغ، وهي تجده يقترب منها. بدأت هي ،تتراجع للخلف، بينما هو يقترب أكثر.
شهقت آيات بخفوت عندما اصطدم ظهرها فجأة بالحائط، بينما كان ياسين قد وصل أمامها مباشرة. تنفست بتوتر، وتعالت نبضات قلبها عندما رفع ياسين يده بدون وعي، يلمس خصلة من شعرها ويلفها حول أصابعه.
ضمت آيات شفتيها بخجل عندما رأته يلف خصلة شعرها حول إصبعه ، ثم يقربها من أنفه ويستنشق رائحتها بعشق، قبل أن يهمس بهيام:
«ريحتها تجنن، زي الورد البلدي.»
رفع ياسين عينيه لها، ليجد جسدها متجمدًا من التوتر، وعينيها مغمضتين بشدة. قطب جبينه بدهشة من حالتها تلك، ورفع كف يده يلمس خدها.
«آيات، مالك؟ إنتي خايفة مني؟»
فتحت آيات عينيها ببطء، لتتقابل مع عينيه اللتين ترمقانها بحيرة. سحبت نفسًا عميقًا، وقالت بابتسامة دافئة:
«أنا مقدرش أخاف منك يا ياسين.»
ابتسم ياسين وجذبها تجاهه، لتتفاجأ آيات به يضمها إلى صدره بحنان، ويربت على خصلات شعرها بهدوء.
أغمضت آيات عينيها براحة وسكينة من ذلك الشعور، وهي تسمع دقات قلبه بوضوح؛ فقد كانت تضع أذنها عند موضع قلبه مباشرة.
همس ياسين بشجن:
«بحبك يا آيات.»
أغمضت آيات عينيها بشدة بعد تلك الكلمات، لتبتعد عنه فجأة، وهي تبعد خصلة شاردة خلف أذنها بتوتر.
قال ياسين باستغراب:
«فيه إيه يا آيات؟»
غضت آيات شفتيها بتوتر.
«أنا... أنا...»
«إنتي إيه؟»
«أنا كنت عايزة أعترفلك بحاجة مهمة، ولو سمحت اسمعني للآخر.»
عقد ياسين ذراعيه أمام صدره، قائلًا بهدوء:
«تمام، سمعك.»
كادت آيات أن تفتح فمها، لكن قاطعها صوت دقات على الباب، تبعها صوت إياد:
«ممكن أدخل يا مامي؟»
نظر ياسين ناحية الباب، ثم نظر لآيات وقال:
«نبقى نتكلم بعدين. شوفي إياد عايز إيه.»
أومأت آيات برأسها بتوتر، واتجهت للباب وفتحته لإياد.
قال إياد بنعاس، وهو يفرك عينه:
«ماما، أنا عايز أنام. تعالي نيميني.»
داعبت آيات خصلات شعره.
«حاضر يا حبيبي، هنيمك.»
نظرت خلفها لياسين الواقف مكانه يراقبها بصمت، وقالت بتوتر:
«ياسين، لو سمحت، أنيم إياد في أنهي أوضة؟»
تنهد ياسين وقال:
«نيميه الأوضة اللي قدامنا، أنا وضبتهاله.»
أومأت آيات برأسها، لكن فجأة قال إياد بدموع وحزن:
«هو إنتي هتسيبيني أنام لوحدي يا ماما؟»
رفعت آيات عينيها لياسين ونظرت له بتوتر، لا تعلم ماذا تقول، لكنها صُدمت عندما اقترب ياسين منهما وجلس على ركبتيه أمام إياد، وقال بحنان:
«لأ يا حبيبي، إنت هتنام النهارده معانا، بس اوعدني إن الأيام الجاية هتبدأ تتعود تنام لوحدك، عشان إنت كبرت.»
أومأ إياد برأسه بفرحة.
«أوعدك.»
بينما كانت آيات تنظر لياسين بامتنان من حنيته.
وقف ياسين ونظر لها بهدوء.
«أنا هخرج لحد ما تنيميه.»
ابتسمت آيات.
«تمام.»
غادر ياسين الغرفة، لتتنهد آيات بعمق، ثم تحمل إياد وتتوجه ناحية السرير.
بعد ربع ساعة، خرجت آيات من الغرفة وسارت في الطرقة، وهي تنظر حولها بخوف؛ فالبيت ما زال غريبًا عنها. لكن خوفها اختفى على الفور واطمأنت حين وجدت ياسين جالسًا على الأريكة في الصالة، يتصفح هاتفه.
اقتربت ببطء حتى وقفت أمامه، ثم حمحمت بخفوت ليشعر ياسين بوجودها.
«أنا نيمت إياد خلاص.»
اعتدل ياسين في جلسته، ثم قال بنبرة هادئة:
«اقعدي يا آيات، عايز أتكلم معاكي.»
أومأت برأسها بتوتر وجلست برفق، وهي تضم الروب الخاص بها.
مد ياسين يده وأمسك بيدها بحنان، ثم قال بابتسامة دافئة، وهو ينظر إلى خصلات شعرها:
«شعرك ما شاء الله جميل أوي.»
ابتسمت بخجل، وهي تعيد خصلة شاردة خلف أذنها، وهمست:
«عجبك؟»
قال بابتسامة:
«شبه خيوط الحرير البني.»
ضمت شفتيها بخجل، ليقوم ياسين بجذب رأسها ووضعها على صدره، ثم يحاوط خصرها برفق، ويقترب ليقبل رأسها، قائلًا بهيام:
«إنتي كل حاجة فيكي جميلة يا آيات.»
تنهدت آيات بفرحة، وهي تشعر بارتفاع نبضات قلبها بجنون من قربه.ظل الصمت مسيطرًا عليهما لدقائق، ولم يكن يُسمع سوى صوت أنفاسهما المنتظمة، ليكسر ياسين الصمت فجأة:
«آيات؟»
همهمت بخفوت:
«امممم.»
«كنتي عايزة تقوليلي إيه وإحنا في الأوضة؟»
ضمت آيات شفتيها بتوتر، ثم ابتعدت عنه ونظرت له بارتباك قبل أن تسحب نفسًا عميقًا، فقد حان وقت المواجهة.
«ياسين، أنا عايزة أعترفلك بحاجة. هي حاجة كان لازم أقولها من بدري، لكن مقدرتش.»
أومأ ياسين برأسه بهدوء، وهو يحثها على التكملة:
«ماشي، قولي.»
عضت شفتيها بتوتر بالغ، لدرجة أن شفتيها احمرتا بشدة من كثرة الضغط.
«أنا... أنا...»
«إنتي إيه؟»
أغمضت عينيها بشدة، وقالت بصوت مرتعش:
«إنت عارف إيه السبب الأساسي اللي مازن الله يرحمه كان بيشك فيا بسببه وبيضربني دايمًا؟»
ضم ياسين شفتيه بغضب من تلك السيرة، لكنه هز رأسه نافيًا.
«لأ.»
«عشان أنا كنت برفض إنه يقرب مني.»
صمتت لثوانٍ تستجمع شجاعتها، ثم قالت بسرعة:
«أنا متممتش جوازي من مازن.»
صمت ياسين بصدمة، كأنه يستوعب معنى كلماتها، ليقول ببطء شديد، وخوف من أن يكون ما ظنه خطأ:
«يعني إنتي لسه...؟»
أومأت آيات برأسها سريعًا بخجل، وهي تغمض عينيها بشدة.
تعالت أنفاس ياسين بشدة، ونظر لها بصدمة، يشعر بأحاسيس غريبة تهجم عليه؛ صدمة، وذهول، وفرحة، وعدم تصديق.
فهو قد ظن أنهما تقابلا متأخرًا. كم مرة تمنى أن يظهر في حياتها قبل ذلك المدعو مازن .... بالتأكيد كان سيتزوجها أولًا، لكن يا سبحان الله! فبالرغم من أنها تزوجت قبله، لكن ظلت محفوظة له.
اقترب ياسين ووضع كف يده على وجنتها، وقال بصوت مرتعش من أثر الفرحة:
«بجد يا آيات؟ إنتي بتتكلمي بجد؟ بصي، لو بتقولي كده عشان مزعلش، أنا والله مش هزعل. أنا مش هنكر إني كنت بتمنى أقابلك قبل مازن، وأتجوزك وأكون أول بختك، زي ما إنتي أول بختي. آيات، بجد مازن مقربش منك؟»
نفت آيات برأسها، والدموع متجمعة في مقلتيها.
«لأ والله، أنا كنت محافظة على نفسي. مكنتش لسه قابلتك، بس كنت دايمًا بحس إني مقدرش أدي حاجة غالية زي دي لواحد زي مازن.
كنت على طول بقفل الباب على نفسي بالليل، خايفة مازن ياخدني غصب. كنت بفضل أعيط وأنا سامعاه بيخبط على الباب بجنون، وأنا قاعدة على الأرض مرعوبة، و...»
لم يجعلها ياسين تكمل حديثها، بل ضمها بقوة، مشددًا على جسدها داخل أحضانه، يود لو يخفيها بين أضلاعه حتى يضمن أنها ستظل جزءًا منه للأبد.
ظلا هكذا لدقائق، قبل أن يبتعد ياسين عنها، وينظر لها، وعينيه البنيه اغمق لونهما بمكر، ثم قال:
«يعني ده معناه إن...»
قاطعته آيات بخجل:
«ياسيين!»
قال بهيام :
« يقلبه. »
ثم غمز بعينه بمشاكسة.
«شكل كده الأوضة اللي كنت مجهزها لإياد هتكون من نصيبنا النهارده.»
كادت آيات أن تعترض بخجل، لكنه لم يعطها فرصة للاعتراض، فقد حملها فجأة واتجه للداخل.
_____________________________________________________________
**في صباح يوم جديد**
وقفت ريحانة بسيارتها أمام مبنى ضخم، ثم ترجلت من السيارة لتقف أمام المبنى. كانت خصلات شعرها تتطاير من نسمات الهواء، فرفعت يدها ببطء وخلعت نظارتها الشمسية، وهي تتأمل المبنى بشرود، والعديد من الذكريات تداهمها.
رفعت رأسها للافتة الكبيرة الموضوعة على المبنى، والمدون عليها بخط عريض: **شركة الدالي جروب**.
سحبت نفسًا عميقًا، ثم توجهت للداخل.
بعد دقائق، خرجت من المصعد وسارت في الطرقة، وهي تبتسم دون وعي، تتذكر جميع الذكريات التي عاشتها في هذا المكان عندما كانت تعمل هنا.
وصلت لنهاية الطرقة، ليجذب انتباهها مكتبان يفصل بينهما مسافة قصيرة؛ أحدهما كان مكتب سليم، والآخر كان مكتبها.
أفاقت من شرودها على صوت السكرتيرة:
«حضرتك محتاجة حاجة؟»
انتبهت ريحانة وقالت:
«أنا ريحانة السويسي، كنت جاية عشان آخد ملفات المشروع.»
ابتسمت السكرتيرة.
«أهلًا بحضرتك يا ريحانة هانم، نورتي الشركة. أيوه يا فندم، سليم بيه كان مبلغ إن حد من شركة السويسي هييجي ياخد الملفات، بس لسه حضرتك تعبتي وجيتي بنفسك؟ كنتي ممكن تبعتي أي حد ياخدهم.»
ابتسمت ريحانة.
«مفيش مشكلة، أنا جيت وخلاص.»
«تمام يا ريحانة هانم، هدخل أجيبهم من المخزن. ثواني، مش هتأخر على حضرتك.»
أومأت ريحانة برأسها بهدوء، لتغادر السكرتيرة من أمامها وتدخل إحدى الغرف، تاركةً إياها وحدها.
رفعت ريحانة رأسها، فوقعت عيناها على غرفة المكتب الموجودة أمامها. نظرت حولها بتوتر، وقررت دخول المكتب. وضعت يدها على المقبض، ثم فتحت الباب بهدوء.
ابتسمت بخفة عندما وقع نظرها على الغرفة من الداخل، لتسير بهدوء وهي تتأمل المكان؛ فهذا هو المكتب الخاص بسليم.
اتجهت نحو مكتبه، ولمست الكرسي الذي اعتاد أن يجلس عليه، ثم تحركت نحو الكرسي المقابل.كم مرة جلست في هذا المكان تتناقش معه في الصفقات والمشاريع، في هذا المكان وُلدت أول شرارة حب بينهما، في أول مقابلة عندما جاءت لإجراء الإنترفيو.تذكرت الحوار الذي دار بينهما في ذلك اليوم، وتذكرت ارتعاشة يدها عندما سلمت عليه ولمست كف يده الصلب.
كانت ريحانة لا تزال واقفة شاردة في ذكرياتها، لكنها توقفت فجأة وفتحت عينيها بإدراك ...إذاً كان يكذب عليها بخصوص تجديد الشركة، وأن مكتبه غير قابل للعمل فيه، فقد فهمت أنه فعل كل ذلك حتى يكون معها في نفس المكتب.
هزت رأسها بدهشة، وهي تهمس:
«بجد، هو أنا كنت متوقعة إيه منه؟ أكيد كانت لعبة من ألاعيبه، وأنا بغبائي صدقته.»
لكنها فجأة ابتسمت بدفء حين لمحت الشباك الشيش الخاص بغرفة المكتب.
اقتربت منه بخطوات بطيئة حتى وقفت أمامه مباشرة، وتركت حقيبتها على الأريكة، اقتربت من الشباك ومدت يدها ورفعت الستارة، ليظهر من الجهة الأخرى مكتبها الخاص.
تذكرت كم مرة نظرت إليه باختلاس عن طريق ذلك الشباك الواصل بين المكتبين. نظرت بتركيز داخل الغرفة، وهي تستعيد أحداث ذلك اليوم عندما أُغلق الباب عليهما.
ضحكت بخفة وهي تتذكر ذلك الوقت الذي قضياه سويًا، لتفيق فجأة على صوت خطوات قادمة ناحية المكتب.
انتفضت بخوف، ونظرت حولها بتوتر، تبحث عن مكان تختبئ فيه. لم تجد أمامها سوى طاولة المكتب، فركضت بسرعة وجلست على الأرض واختبأت أسفل الطاولة، وفي نفس اللحظة، فُتح باب المكتب.
تنفست بتوتر وهي تسمع صوت خطوات هادئة بالغرفة، تبعها صوت آخر شخص تمنت أن يكون موجودًا في هذه اللحظة، حيث سمعت صوته المميز ذي البحة الرجولية وهو يتحدث في الهاتف:
«المناقصة دي لازم ترسى عليَّا بأي تمن، فاهم؟ ارفع السعر زي ما إنت عايز، المهم إن المصنع ده لازم آخده بأي طريقة. ماشي، يلا هكلمك بعدين.»
ضمت شفتيها بتوتر عندما حل الصمت في المكان. رمشت بعينيها أكثر من مرة، وهي تهمس:
«شكله خرج ولا إيه؟»
عندما استمر الصمت، تنفست براحة، وكادت أن تخرج، لكنها فجأة شهقت بصدمة وهي تضع يدها على فمها، عندما رأته يجلس على الكرسي المقابل للطاولة التي تختبئ أسفلها.
كانت ترى قدميه بوضوح، فلو أنزل رأسه بضعة سنتيمترات، فسيراها بلا شك.
كتمت أنفاسها بخوف، وضربات قلبها تزداد، ولا تعلم كيف ستخرج من ذلك المأزق الذي وضعت نفسها فيه.
مرت دقائق وهي على حالتها نفسها، تختبئ أسفل طاولة المكتب الذي يجلس عليه سليم، حيث ترى نصف جسده السفلي وتسمع صوت كتابته على اللابتوب.
نفخت بملل، وبدأت تحرك قدمها بألم، فهي تجلس في وضعية غير مريحة أبدًا.
لكن فجأة دخلت السكرتيرة، وهي تقول:
«صباح الخير يا سليم بيه.»
أجاب، وما زالت عيناه على اللابتوب:
«صباح الخير. فيه حد سأل عليا؟»
«لأ يا فندم، مفيش.»
لكنها توقفت بتذكر، ثم قالت:
«صحيح، فيه حد جه، بس مش عارفة هي اختفت فين.»
قال سليم بعدم اهتمام، وما زال تركيزه على اللابتوب:
«هي مين دي؟»
«ريحانة هانم جت بنفسها عشان تاخد الملفات، ولما دخلت أجيبهملها، رجعت ملقتهاش.»
رفع سليم عينيه بصدمة.
«إيه؟ ريحانة كانت هنا؟»
«أيوه يا فندم.»
قالت ريحانة التي تجلس أسفل الطاولة بهمس ساخر:
«طبعًا مصدوم إني جيت وكشفت كدبك.»
قال سليم باستغراب:
«طيب، هي راحت فين؟ إنتي مش بتقولي مخدتش الملفات؟»
قالت السكرتيرة بحيرة:
«مش عارفة يا فندم، أنا رجعت لقيتها اختفت.»
نظر سليم أمامه بحيرة، يفكر أين يمكن أن تكون قد ذهبت، لكن فجأة لمح شيئًا جعله يقطب جبينه باستغراب؛ فقد رأى حقيبة نسائية موضوعة على الأريكة الموجودة في ركن المكتب.
فقال:
« هي الشنطة دي بتاعتك؟»
نظرت السكرتيرة إلى المكان الذي يشير إليه، وقالت باستغراب:
«لأ، مش بتاعتي. هي جت هنا إزاي أصلًا؟ أنا قافلة المكتب امبارح، ومحدش دخله إلا حضرتك لما جيت النهارده.»
صمت سليم بتفكير، وكاد أن ينهض، لكنه فجأة ضيق عينيه السوداوين بتركيز عندما لمح قدمًا أسفل مكتبه تهتز بتوتر.
هز رأسه بعدم تصديق، وبعد ثوانٍ، ارتسمت ابتسامة جانبية على شفتيه، وهو ينظر أسفل المكتب بمكر.
حمحم بخشونة وقال بابتسامة:
«طيب يا نور، خلاص، اخرجي إنتي.»
«تمام، عن إذن حضرتك.»
انتظر سليم حتى أغلقت السكرتيرة الباب، ثم أرجع رأسه قليلًا لينظر إلى الأسفل، حيث رأى بوضوح رجل ريحانة أسفل مكتبه، وكانت ترتدي حذاءً رياضيًا باللون البني.
حرك لسانه في باطن خده بخبث، ثم نهض ببطء واتجه نحو الباب، وعينه على المكتب، ثم قال بمكر وبصوت عالٍ مقصود:
«أنا همشي بقى على شركة السويسي.»
ثم أغلق الباب بهدوء.
مرت ثوانٍ، شعرت خلالها ريحانة بخلو المكتب، وتأكدت من خروج سليم، فنهضت ببطء، وهي تستند إلى الكرسي بتعب.
«يللهوي ...أنا مش حاسة برجلي!»
لكنها شهقت بصدمة عندما رأت سليم أمامها، يقف بهدوء، يعقد ذراعيه أمام صدره، مستندًا إلى الطاولة وينظر لها بنظرات ماكرة، وعلى وجهه ابتسامة خبيثة.
تراجعت للخلف من شدة الصدمة، لتشهق فجأة عندما التوت قدماها وكانت على وشك السقوط، لكن سليم اقترب منها بسرعة البرق وأمسكها من خصرها، مانعًا إياها من السقوط.
فتحت عينيها العسليتين ببطء، وبعد ثوانٍ نظرت حولها باستغراب، فهذه ليست غرفتها، لكن بعد ثوانٍ بدأت ذكريات الليلة الماضية تتدافع داخل عقلها.
عضت على شفتيها بخجل عندما أدركت أنها الآن في بيت زوجها، ونظرت بجانبها لتجد السرير فارغًا، وياسين ليس بالغرفة.
نهضت ببطء وخرجت من الغرفة. مرت أولًا على الغرفة التي كان ينام فيها إياد، لكنها وجدت الغرفة فارغة أيضًا، فقطبت جبينها باستغراب.
بدأ القلق يتسرب إلى قلبها، لكن فجأة سمعت أصواتًا قادمة من نهاية الطرقة، وعندما اقتربت من مصدر الصوت، وجدت كلًّا من ياسين وإياد يقفان بالمطبخ؛ ياسين يجهز الفطار، ومعه إياد يجلس على رخامة المطبخ.
وقفت تستند إلى الباب، وهي تتأملهما بفرحة. ياسين يرتدي مريول المطبخ ويجهز الإفطار، وفي الوقت نفسه كان يُطعم إياد قطعًا من التفاح.
كان أول من لاحظ وجودها إياد، الذي صاح بحماس:
«هييييه، ماما صحيت»
التفت ياسين، وبعد ثوانٍ ابتسم بحب عندما وجدها تقف تتأملهما بصمت، ترتدي روبًا أبيض وتعقد ذراعيها أمام صدرها، وابتسامة رقيقة على وجهها.
اقتربت منهما آيات، قائلة برقة:
«صباح الخير.»
قال إياد:
«صباح الخير إيه يا ماما، إحنا داخلين على الظهر! إنتي أول مرة تصحي متأخر كده. أنا صحيت قبلك، وأنا وبابا روحنا نجهز الفطار.»
ابتسمت آيات وهي تداعب خصلات شعره:
«حقك عليَّا يا دودو، أنا صحيت أهو، وهساعدكم في تجهيز الفطار.»
ثم ذهبت نحو المبرد وأخرجت جبنة وخضارًا، وبدأت بتقطيع الخضار على الرخامة.
لاحظ ياسين انشغال إياد في اللعب، فاستغل الفرصة واقترب من آيات، التي كانت تعطيه ظهرها، ثم قبَّلها على غفلة من وجنتها.
همست بخجل:
«ياسين!»
همس بهيام:
«يا قلبه.»
ثم سألها بحنان:
«إنتي كويسة؟»
أومأت برأسها بخجل، ليقول ياسين:
«أنا مش رايح العيادة النهارده. بعد ما نفطر، هننزل أنا وإنتي وإياد نتفسح ونعمل شوبينج.»
التفتت آيات برأسها وقالت بحماس:
«بجد يا ياسين؟»
نظر إلى وجهها متأملًا إياه بعشق:
«بجد يا قلب ياسين.»
لكنه فتح عينيه بصدمة عندما اقتربت آيات فجأة ولفت يدها حول عنقه، وهي تقول بدلع:
«ربنا يخليك لينا يا ياسو.»
عض على شفتيه وقال:
«آه يااني ...هو أنا ناقص رقتك الطبيعية لما تدلعي زيادة؟ ابعدي عني، الله يخليكي، أنا دكتور ومحتاج تركيزي.»
ضحكت آيات برقة، ليهز ياسين رأسه بتنهيدة وهو يبتعد عنها، بينما تعالت ضحكات آيات أكثر وهي تراه يكمل تجهيز الفطار، وهو يستغفر بصوت عالي.
_____________________________________________________________
في الشركة، كان سليم قريبًا جدًا من ريحانة، يحاوط خصرها بشدة، بينما أنفاسه الدافئة تهبط على وجهها كالسيوف.
قال سليم بصوت خشن:
«حاسبي يا ريحانة.»
همست ريحانة بتوهان:
«أنا... أنا...»
ابتسم بجانب فمه بخفة.
«إنتي إيه؟»
ابتعدت عنه فجأة، وهي تُبعد خصلة شاردة خلف أذنها، ثم قالت بنبرة متوترة:
«إنت إيه اللي جابك هنا؟»
رفع حاجبه باستهجان، ثم عقد ذراعيه.
«خطفتيها من على لساني والله، خليني أنا أسألك السؤال ده يا ريحانة هانم.»
اتسعت عينا ريحانة عندما وجدته يقترب أكثر، حتى بات لا يفصل بينهما سوى بعض السنتيمترات.تنفست بتوتر عندما رأته يرفع يده ببطء، ثم أمسك خصلة من شعرها ولفها حول إصبعه، قائلًا بمكر:
«إيه اللي دخلك مكتبي يا ريحانة؟»
ابتسم بخفة، وهو ينظر داخل عينيها بمراوغة، وأكمل:
«إيه، وحشتك ذكرياتنا فيه؟»
نظرت له ريحانة بتوهان، تسبح داخل عينيه السوداوين ذواتَي اللمعة الغريبة. كانت أنفاسها تتسارع من التوتر، ودقات قلبها تنبض بشدة لمجرد قربه المهلك منها.
لكنها فجأة أدركت حالتهما، فدفعته من صدره فجأة، وهي تقول بغضب:
«جيت أكتشف كدبك»
نظرت للمكان حولها بسخرية، ثم قالت:
«غريبة يعني، مش شايفة أي تجديدات، المكتب زي ما هو! إيه؟ إنت جددت المكتب، بس سبت كل حاجة زي ما هي؟»
ابتسم سليم ببرود، قاصدًا استفزازها.
«آه، أصلي مش بحب التغيير.»
رفعت حاجبها بسخرية، وقالت:
«لا والله؟»
أجاب بكل ثقة:
«والمصحف.»
ضمت شفتيها بغضب من بروده الذي استفزها، ثم قالت:
«سليم، أنا بجد مش عارفة هتبطل حركاتك دي إمتى! يعني كابس على نفسي بقالك كام يوم، وقاعد في مكتبي، وأنا عمالة أقول معلش، استحملي، أصل معندوش مكتب يقعد فيه.وبعد كل ده، طلعت مغفلة كالعادة، وإنت بتضحك عليَّا!»
تنهد سليم بهدوء، وهو ينظر إليها من أعلى لأسفل، لدرجة أربكت ريحانة، فبدأت تتفقد ملابسها بتوتر، ظنًّا منها أن هناك شيئًا غريبًا بملابسها يلفت انتباهه.
ابتسم بسخرية على حركاتها، ثم تحرك من أمامها وقال:
«أنا كنت ماشي دلوقتي عشان الاجتماع اللي في شركتك. تعالي يلا نروح سوا.»
شهقت ريحانة اعتراضًا.
«نعممم؟ ده بعدك.أنا مش هروح معاك.»
تنهد بتعب.
«ريحانة، هو إنتي بتعاندي لمجرد العند؟ قلتلك تعالي أوصلك بعربيتي، إحنا رايحين نفس المكان.»
رفعت رأسها بكبرياء، وقالت:
«عفكرة، أنا كمان معايا عربيتي، ومش محتاجة لخدمتك.»
بعد دقائق، كان سليم يقود سيارته بهدوء، وحرك رأسه لينظر إلى الجالسة بجانبه. وبعد ثوانٍ، ابتسم بخفة وهو يراقب ملامحها المتضايقة وعبوس وجهها.
قالت ريحانة بغضب:
«أنا بجد مش عارفة إيه اللي خلاني أركب معاك»
أومأ سليم برأسه، متظاهرًا بالهدوء.
«عشان إنتي عاقلة يا حبيبتي.»
نظرت له بجانب عينيها شزرًا، وهي ترفع طرف شفتيها قائلة:
«إنت فاكر إن الناس كلها بتشتغل عندك؟ من هنا ورايح، لازم أحط حدود. مش كل مرة هتمشي كلامك عليَّا.»
قال سليم بابتسامة خفيفة:
«معلش، إن شاء الله تقدري تعملي كده المرة الجاية.»
قالت ريحانة بانفعال:
«مفيش مرة جاية! بعد كده أنا اللي هاخد القرار، وإنت اللي هتسكت. سامعني؟»
ابتسم سليم، وهو مستمتع بالحالة التي أوصلها إليها؛ فكانت كتلة مشتعلة من الغضب، وفي نفس الوقت في قمة اللطافة.
وصلا أخيرًا إلى الشركة، ليتوقف سليم بالسيارة وينزل منها، وتتبعه ريحانة. كان يسير بخطوات واثقة داخل الشركة، وبجانبه ريحانة، والجميع ينظرون إليهما ويتهامسون.
وصل سليم أولًا إلى المكتب، وعندما كان على وشك الدخول، أوقفته ريحانة، وهي تركض إلى الباب بسرعة حتى وقفت أمامه ومنعته من الدخول.
رفع حاجبه باستغراب.
«فيه إيه يا ريحانة؟»
ابتسمت ريحانة بعناد.
«رايح فين يا سليم بيه؟»
قال ببرود:
«داخل المكتب. يلا وسعي، عايزين نراجع ملف الصفقة قبل ما الاجتماع يبدأ.»
ضحكت بسخرية.
«ده كان زمان، دلوقتي انسى إنك تدخل المكتب ده تاني»
ثم أشارت بإصبعها في وجهه بتعالٍ، لتكسر غروره والإيجو الخاص به.
«عفكرة، تقدر تقعد في أي مكتب في الشركة، ما شاء الله الشركة واسعة زي ما إنت شايف.»
ثم لوحت له بيدها، وعلى وجهها ابتسامة سمجة.
«باي باي، أشوفك في الاجتماع يا سليم بيه.»
ولم تعطه فرصة للاعتراض، حيث أغلقت الباب فجأة في وجهه.
عض سليم على شفتيه بغضب، وهو ينظر إلى الباب المغلق أمامه بتحدٍّ، ويهمس:
«ماشي يا بنت السويسي.»
استدار متوجهًا إلى غرفة الاجتماعات، لكنه توقف فجأة وهو يسمع صوتًا مألوفًا جدًا. رفع رأسه ببطء، واتسعت عيناه من الصدمة، وجزّ على أسنانه بغضب، وهو يرى أمامه مراد يقف عند مكتب السكرتيرة.
قال مراد بابتسامة:
«لو سمحتي، فين مكتب ريحانة السويسي؟»
أجابته السكرتيرة:
«المكتب اللي في آخر الطرقة يفندم، بس أقولها مين؟»
«قوليلها مراد، مراد المحمدي.»
رفع مراد رأسه بالصدفة، لتلتقي عيناه بعيني سليم الذي يقف على بُعد خطوات منه، ويرمقه بغضب. قابل مراد هذا الغضب بابتسامة تحدٍّ ومكر، قائلًا:
«أهلًا سليم بيه، عاش من شافك»
_____________________________________________________________
كانت تجلس في مكتب الديكور الخاص بها، تنظر للسقف بشرود، فقد مر أكثر من أسبوع وما زال يزن مخاصمها.
نزلت دمعة شاردة على وجنتها عندما تذكرت حديثه في آخر مكالمة بينهما، فقد شعرت بانكسار قلبها. تنهدت بحزن دفين، ونهضت لتعد مشروبًا ساخنًا تشربه ليهدئ أعصابها.
كانت تعد كوب الشوكولاتة الساخنة المفضل لها. صبت الماء الساخن في المج، ثم قلبته بالملعقة، وأمسكت الكوب تتحسس دفأه.
كل ذلك كان تحت أنظار ذلك الواقف خلفها، يتأملها بشوق وحنين، ويبتسم عليها بخفة وهي منشغلة في تذوق الهوت شوكليت، لتنزل خصلة شاردة على عينيها. كادت أن ترفع يدها لتبعدها
لكنها انتفضت عندما شعرت بأحد يضمها من الخلف. تجمد جسدها من الرعب، وسارت البرودة في أوصالها،عندما خطر في بالها ذلك اليوم المشؤوم.
كادت أن تبتعد، لكن فجأة سمعت صوته الحنون وهو يهمس في أذنها:
«شوكولاتة بتشرب شوكولاتة؟»
التفتت بصدمة والدموع تلمع في عينيها الزرقاوين، وهمست بعدم تصديق:
«يزن؟»
لم يعطها يزن وقتًا أكثر، حيث سحب منها الكوب ووضعه على الطاولة، ثم ضمها فجأة داخل أحضانه. كان عناقًا معبرًا عن شوقه ولهفته طوال الأيام الماضية، بينما فتون لفت يدها حول عنقه بشدة، وهي تضحك وتبكي في آن واحد.
ظلا على هذا الحال ما يقارب الخمس دقائق، كلاهما غير قادر على الابتعاد. جبر يزن نفسه على الابتعاد، لكنه ما زال يحاوط جسدها داخل أحضانه، وهمس بعشق وهو يلمس وجنتها:
«وحشتيني يا فوتي.»
مدت شفتيها بعتاب حقيقي.
«وحشتك؟ بجد؟ كنت فاكرة إن خلاص مبقتش أفرق معاك.»
تنهد يزن ولم يُجب، لكنه فعل شيئًا آخر، لتشهق فتون فجأة عندما حملها يزن بغفلة ووضعها على الطاولة خلفها.
يزن بابتسامة دافئة، وهو يتحسس وجنتها بأصابعه:
«أنا آسف يا فوتي، حقك عليا يا قلبي.»
ضمت الأخرى شفتيها وهي على وشك البكاء.
«يزن، أنا عارفة كويس إني غلط، وغلطي كبير كمان، بس ده مش معناه إنك تقول الكلام القاسي اللي قلتهولي في الموبا...»
فجأة أوقفها يزن عن الكلام بطريقته الخاصة، ثم ابتعد ليجدها تفتح عينيها بصدمة، ليضحك بشدة على منظرها، بينما هي نظرت له بغضب ممزوج بخجل.
تنهد يزن وهو يعيد خصلة شاردة خلف أذنها، ويهمس بعشق دفين:
«أنا غلطان وستين غلطان، حقك عليا يا فوتي. يا رب كنت أموت قبل ما أقول الكلام ده.»
وضعت يدها على شفتيه بخوف.
«بعد الشر عنك يا يزن.»
ابتسم بدفء، ثم قبّل إصبعها الموضوع على فمه، وقال:
«يعني سامحتيني؟»
أومأت برأسها بابتسامة.
«هسامحك، لأني غلطت في اللي عملته، لكن...»
فجأة تغيرت ملامحها وهي تمسكه من عنقه بشدة.
«بس عارف، لو عدت الكلام ده تاني، هعمل فيك إيه يا ابن السويسي...»
يزن بتمثيل الرعب:
«لا، والنبي، ده أنا على وش جواز، جاية تموتيني دلوقتي؟»
ابتسمت بسخرية ممزوجة بألم.
«جواز؟ أنا حاسة إني نحس، كل ما خلاص فرحنا يقرب، حاجة تحصل ويرجع يتأجل تاني.»
ابتسم يزن بجانب فمه وقال بكل ثقة:
«ومين قالك إنه هيرجع يتأجل المرة دي؟»
قطبت جبينها باستغراب.
«إزاي؟»
يزن موضحًا:
«هو المفروض آخر ميعاد كنا محددين إيه؟»
نظرت لأعلى بتفكير.
«المفروض بعد أسبوعين، ده كان قبل اللي حصل. لكن طبعًا طول الأسبوع اللي فات معملناش أي حاجة من اللي كنا مخططين لها.»
حرك يزن رأسه ببساطة.
«خلاص، يعني فاضل أسبوع كمان، نكمل الترتيبات كأن مفيش حاجة حصلت.»
فتون بصدمة:
«يزن، أنت بتقول إيه؟ أنت متخيل إننا هنلحق نخلص في أسبوع؟»
أومأ برأسه.
«آه، هنلحق، وهتشوفي. بصي، أنا قتيل المرة دي، ولو حصل إيه مش هنرجع نأجل. حسي بيا بقى يا حبيبتي، أنا قربت أخلل من كتر الانتظار.»
ابتسمت فتون وهي تنظر له بحيرة، ليربت يزن على يدها باطمئنان، ويقول:
«ثقي فيا.»
_____________________________________________________________
بعد مرور أسبوع من ذلك اليوم، بدأت الترتيبات الجادة لحفل زفاف يزن السويسي، فبعد أن أخبر أهله بقراره المفاجئ، لم يكن هناك وقت للتأجيل، فقد بدأ الجميع العمل على قدم وساق لعمل زفاف يليق بابن أدهم السويسي.
أما سليم وريحانة، فلم يحدث بينهما الكثير في هذا الأسبوع، فظلت علاقتهما كما هي، بمشاكلهما المستمرة، وإن زادت بسبب ظهور مراد وعمله كممول لإحدى الصفقات الخاصة بالشركة.
ياسين وآيات، علاقتهما مستقرة ولا أروع في بيتهما الدافئ المليء بالحب.
في إحدى القاعات الضخمة التابعة لأحد الفنادق بالقاهرة، أُقيم حفل الزفاف.
كان المكان راقيًا وفخمًا، يليق بحجم المناسبة، بنظام الأوبن إير، حيث تتواجد السماء الواسعة بالأعلى مباشرة، وتظهر الألعاب النارية بألوانها الزاهية في السماء الليلية.
بدأ المعازيم بالتوافد، وأدهم وعلي يقفان عند باب القاعة ببدلهم الأنيقة، يستقبلان الضيوف بترحاب.
فقد حضر الفرح الكثير من رجال الأعمال وأكبر المستثمرين في البلد، بالإضافة إلى رتب عالية في الداخلية، بسبب مكانة يزن المرموقة.
في الجناح الخاص بتجهيز العروسة، كانت فتون تجلس أمام المرآة، ومعها خبيرة التجميل، تضع لها اللمسات الأخيرة، ثم ابتعدت وقالت بابتسامة:
«ما شاء الله يا آنسة فتون، إنتي مش محتاجة ميكب خالص، جمالك مميز.»
ابتسمت فتون بخجل، لتقترب ياسمين وهي تزغرد بفرحة.
«تسلم إيدك يا حبيبتي، عقبال فرحك.»
اقتربت جميلة وهي تبتسم.
«بسم الله ما شاء الله، إيه الجمال ده يا فوتي؟»
فتون بخجل:
«شكرًا يا طنط، عيونكاللي حلوة.»
ليأتي صوت من خلفهن يقول:
«يا بنتي، متأكدة من القرار؟ حد عاقل يدخل الفقص برجليه؟»
نظر الجميع خلفهم ليجدوا ريحانة تجلس على السرير وتضع طلاء أظافرها.
ضحكت فتون.
«آه، متأكدة جدًا، حتى لو طلع قفص، كفاية إن يزن هيكون معايا في نفس القفص.»
رفعت ريحانة طرف شفتيها العلوية بامتعاض، قائلة:
«إيه يا بت المحن ده؟ ماتجمدي شوية.»
تنهدت جميلة وقالت:
«ده عين العقل اللي فتون بتقوله. عقبالك إنتي يا آخرة صبري.»
ضحكت ريحانة بسخرية، وهي منشغلة في وضع طلاء الأظافر على قدمها، وقالت:
«يا مامي إنتي بقيتي طموحة أوي الأيام دي»
هزت جميلة رأسها بتعب، بينما ياسمين، عندما لاحظت توتر الموقف، ذهبت لتجلس بجانب ريحانة، قائلة بابتسامة:
«أنا واثقة يا ريري إنك هتعمليها قريب، وقريب أوي كمان.»
ثم أكملت:
«بس إيه الجمال ده يا ريري؟ الفستان خرافي عليكي»
ابتسمت ريحانة وهي تقبل ياسمين.
«تسلميلي يا سوسو، إنتي اللي طالعة زي القمر.»
قطع حديثهن دقات الباب، فانتفض الجميع.
قالت جميلة:
«أكيد يزن.»
فتون بتوتر:
«لا، متخليهوش يدخل، أنا حاسة إن الميكب باظ.»
ربتت جميلة على وجنتها.
«يا قلبي، الميكب زي الفل. قومي يلا عشان تشوفي عريسك.»
أومأت فتون برأسها بخجل.
ذهبت ريحانة لتفتح الباب، لتجد أمامها يزن، وهو يرتدي بدلة سوداء أنيقة من ماركة توكسيدو، ويلف بيبيونة حول عنقه، ويسرح خصلات شعره البنية بأناقة، ويمسك بيده بوكيه ورد.
ابتسمت ريحانة فور رؤيتها لهيئته.
«إش إش، إيه الجمال ده يا بوص؟»
رفع يزن رأسه بتكبر.
«يا بنتي، دي أقل حاجة عندي.»
ثم أكمل بحماس ممزوج بتوتر:
«أومال فوتي فين؟»
أشارت ريحانة بيدها للداخل.
«جوا... تعالى، ادخل.»
دخل يزن الجناح، وهو يدور بعينيه يبحث عنها، حتى وجدها تقف في ركن الغرفة، تعطيه ظهرها، وفستانها الأبيض منفوش حولها برقة.
اقترب ببطء، ودقات قلبه تنبض بسرعة مع كل خطوة، حتى وصل خلفها مباشرة.
يزن بصوت هادئ:
«فوتي.»
استدارت فتون ببطء شديد حتى أصبحت في مواجهته. ارتسمت على وجه يزن علامات عدم التصديق عندما وقعت عيناه عليها، ينظر إلى جمالها الأخاذ في فستان الزفاف الأبيض. كانت هيئتها الملائكية قد أشعلت العشق في قلبه.
ظل ينظر إلى عينيها الزرقاوين بوله، بينما كانت تنظر إليه بفرحة ممزوجة بخجل. كلاهما لا يصدق أنهما أخيرًا وصلا إلى تلك اللحظة، بعد كل تلك السنين.
اقترب منها أكثر، وقبّل جبينها بعشق دفين، ثم ابتعد وهو يرفع البوكيه قائلًا بهمس لم يصل إلا إليها:
«الورد هيخجل يبقى موجود في إيدك من جمالك.»
ثم تنهد تنهيدة تحمل تعب السنين الماضية من الانتظار لهذه اللحظة.
«بحبك يا فتون.»
اقتربت منهما جميلة.
«ألف مبروك يولاد، يلا يلا بقى ننزل، زمان كل المعازيم وصلوا.»
وقف يزن بجانب فتون، ووضع يدها على ساعده، ثم خرج بها، وخلفهما الباقي.
في الأسفل، كانت القاعة مزينة بشكل فخم، وموسيقى هادئة في الخلفية تعبر عن رقي المكان.وفجأة، تعالى صوت الطبول معلنًا عن وصول العروسين.
أُغلقت الأنوار فجأة، وبعد ثوانٍ عادت الأنوار ليظهر يزن الذي يقف في نهاية السلم، ينظر للأعلى وهو يرى فتون تنزل برفقة والدها علي.
تعالت أصوات الموسيقى.
<<القمر غالي عليها والنجوم واقفين صافيين.
زينة العرايس دا اللي أبوها السعدي وعدي
والليلة دي الوعد وعدي ومحروسين من كل عين
وصلت فتون أخيرًا إلى السلمة التي يقف عليها يزن. اقترب يزن من علي واحتضنه بقوة، ليربت علي على ظهره وهو يهمس ببعض كلمات التوصية .
ابتعد علي عنهما ليقف بجانب ياسمين، التي تمسح دموعها من الفرحة، ليحاوطها بحب.
أما عند يزن وفتون، فقد مد يزن يده، يمسك بيد فتون ويرفعها لفمه ويقبلها بوله، ثم رفع رأسه لها قائلًا:
«حلم الطفولة اتحقق أخيرًا يا فوتي.»
ثم اقترب أكثر واحتضنها بحب، تحت أصوات الزغاريد والتصفيق الذي ملأ القاعة.
<<واهو بشهادة الكل ورد ولقي عالكل..
حلو المود والطقس
على الصوت والرقص،
قالوا اللقاء مش سهل
والله وبقينا أهل،
والله وبقينا أهل وخمسة علينا.
وصلا إلى ساحة الرقص ليبدآ أول رقصة تحت نغمات رومانسية هادئة، ويزن يحاوطها بحنان وينظر لها بهيام وعشق ليس له مثيل.
على بعد خطوات من ساحة الرقص، كانت ريحانة تقف تنظر لهما بابتسامة فرحة، فهي قد شهدت على علاقة حبهما منذ الصغر، لتنتفض فجأة من الخضة عندما سمعت صوته الرجولي من خلفها:
«عقبالك.»
استدارت بصدمة وهي تكذب أذنها، لكن ما سمعته كان صحيحًا، فقد رأت سليم يقف أمامها بابتسامة ثقة، يرتدي بدلة كحلي أنيقة زادت من وسامته أضعافًا، وينظر لها بمكر.
ضمت شفتيها بانفعال.
«إنت إيه اللي جابك هنا؟»
هز سليم كتفه ببرود.
«معزوم.»
ضحكت بسخرية وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها.
«ومين بقى اللي عزمك؟»
اقترب بوجهه منها، ثم همس ببطء ليغيظها:
«حمايا.»
نفخت بغضب وتركته، وجلست على إحدى الطاولات، ليبتسم عليها ثم يذهب ويجلس على الكرسي بجانبها.
حركت رأسها بدهشة.
«إنت بتعمل إيه؟»
سليم بعدم اهتمام،لدرجة لم يكلف نفسه عناء النظر إليها :
«إنتي شايفة إيه؟»
سحبت ريحانة نفسًا عميقًا تحاول التحكم بأعصابها، فلن تسمح له أن يعكر مزاجها في ذلك اليوم بالتحديد.
كادت أن تنهض وتجلس على الطاولة مع أهلها، لكنها تفاجأت بأن سعد يجلس معهم، ولم يتبقى لها كرسي على الطاولة، لتقول بنفاد صبر:
«لو سمحت، قوم بهدوء واقعد على أي ترابيزة تانية.»
ضم شفتيه بأسف، وهو يحرك رأسه قائلًا بخيبة أمل مزيفة:
«يخسارة يا ريحانة.»
رفعت حاجبها باستنكار.
«هو إيه اللي خسارة؟»
«كنت فاكرك عارفة آداب الذوق، يعني المفروض تركني خلافاتنا على جنب وتستقبليني بترحاب، والابتسامة من الودن للودن. ده أنا حتى جاي أنقًّطكم.»
نظرت له شزرًا وهمست بصوت منخفض، لكنه وصل لسليم الذي كتم ضحكته بصعوبة:
«قصدك جاي تنقِطنا.»
قبل ثوان،اقترب سعد من الطاولة التي يجلس عليها أدهم وعلي برفقة زوجتيهما. كان أول من لمحه هو أدهم، الذي نهض ورحب به:
«أهلًا يا سعد، نورت.»
اقترب سعد بإحراج، فهذه أول مقابلة بينهم منذ سنة، ومع ذلك فقد وصلته بطاقة دعوة الزفاف من أدهم.
ربت أدهم على ظهره وهو يبتسم له، بمعنى أن ما حدث أصبح من الماضي.
بدأت أجواء الفرح تزداد حماسًا، فقد تغيرت الأغنية الرومانسية إلى أغانٍ شعبية ذات إيقاع سريع وعالٍ. يزن وفتون يرقصان بفرحة على الاستيدج، وحولهما الأقارب والأصدقاء.
كانت ريحانة تنظر لهما بابتسامة وهي تصفق بحماس، وبجانبها سليم يتأملها بعشق واضح.
نزل بعينيه إلى فستانها الفيروزي، نفس لون عينيها، يتدلى برقة على جسدها، وينزل دون أكمام ويتسع ليصل إلى ركبتيها، فتظهر ساقها الناعمة، وارتدت في قدمها حذاء بكعب فضي.
جعلت خصلات شعرها على هيئة كعكة فوضوية، زادتها جمالًا ورقة، وأكملت طلتها بطقم من السوليتير الأبيض، يتكون من قلادة تحاوط عنقها الناعم، وحلق وسوار، أضافت المزيد من الفخامة والسحر لطلتها.
وأثناء انشغالها بالنظر إلى الاستيدج، استغل سليم الفرصة واقترب منها، ثم همس في أذنها:
«شكلك يجنن النهارده.»
بلعت ريحانة ريقها بتوتر وهي تنظر له بدهشة، ليظل لقاء عينيهما مستمرًا لثوانٍ، قبل أن يتوقف صوت الأغاني فجأة ويعم الصمت القاعة.
قال الدي جي:
«نستأذن والد العريس يطلع على الاستيدج.»
توجهت الأنظار نحو أدهم، الذي نهض بهدوء، يسير بهيبة وكاريزما لم تتغير بمرور السنوات، بل يزداد وقارًا. وصل إلى الاستيدج ليبدأ الجميع بالابتعاد حتى وقف في منتصفه،حتى يزن ترك فتون وذهب لمنتصف الاستيدج ليقف أمام أدهم، والجميع مترقبون لما سيحدث.
وفجأة، تعالت أصوات الطبول والموسيقى، ودوى صوت الأغنية:
<<الواد طالع لمين ؟الواد طالع لأبوه
وبيمشي ماشية مين ؟يمشي ماشية أبوه
أدهم يرقص بحركات شبابية، وللعجب لم يفقد هيبته أبدًا، بل ازداد جاذبية، وأمامه يزن يتحرك معه بموازاته، يضحك بمرح وهو يرقص مع أدهم ندًا لند.
<<ينزل عمره ما بيتوه .. يعطش ما يقولش أمبو
يخطف عين اللي شافوه .. كل الناس بيحبوه
طالع جامد زي أبوه .. ثابت مهما يهزوه
من صغره الناس عرفوه .. بقا نمبر وان مش تو
وقفت ريحانة وسليم مع الجميع حول الاستيدج. الجميع يصفقون بحماس رهيب، وجميلة تقف مصدومة وتصفق بعدم تصديق، بينما علي يضحك بشدة ويصفر بحماس.
<<ويدوم العز على ابن العز
يقوم في العز وينام
والناس بتجز من إبن الوز
ما هو إبن الوز عوام
انتهت الأغنية باحتضان أدهم ليزن، الذي بادله الحضن بشدة، والجميع يصفقون من حولهما بحماس.عاد الجميع إلى أماكنهم، ليعلن الدي جي أن كل كابل في الفرح سيأتي للمشاركة مع العروسين في رقصة سلو.
كان يزن يحاوط فتون ويرقص معها، بينما لم تكن قادرة على التوقف عن الضحك حتى الآن.
«أنا مش قادرة! مش مصدقة إن خالو أدهم يطلع منه كل ده»
ضحك يزن.
«والله أنا كمان انصدمت. أنا كنت بطلبها منه على استحياء إنه في فرحي يشاركني الرقصة على الأغنية دي، واتصدمت إنه وافق. بس فكرت إنه هيقف يسقف وخلاص، بس طلع مش سهل وولع الدنيا.»
ضحكت فتون برقة، ليقترب منها يزن ويلثم وجنتها بحب، ثم يقول:
«يا لهوي على العسل اللي أنا متجوزها»
فتون بخجل:
«يزن، بس!»
ابتسم بعشق وضمها أكثر داخل أحضانه، وهو يتمايل بها.
بينما على بعد بضعة أمتار منهما، كانت ريحانة تتجه لإحدى الشرفات المطلة على النيل، حيث وقفت تتنفس بعمق بعيدًا عن الأصوات العالية داخل القاعة.
نظرت إلى السماء الممتلئة بالألعاب النارية، التي تنعكس ألوانها على مياه النيل، مع نسمات الهواء النقية التي تطاير خصلات شعرها بخفة.
كل ذلك كان يتابعه سليم، الواقف خلفها، يتأمل جمالها الساحر وهي ترفع رأسها للسماء وتنظر إليها، وعلى وجهها ابتسامة دافئة.اقترب بهدوء حتى وقف بجانبها. لكنه لم يرد أن يتحدث أو يضايقها، بل ظل صامتًا ،يستد بكوعه عالسور، وينظر إلى النيل بهدوء.
قطبت جبينها من تصرفه الغريب، فهي عندما شعرت بوجوده ظنت أنه جاء ليعكر مزاجها كعادته، لكنها فوجئت بصمته هذه المرة، فسألته:
«إيه؟»
نظر لها بهدوء.
«إيه؟»
«أصل غريبة واقف ساكت، مش عوايدك.»
نظر لها سليم بهدوء
«عايزاني أقول إيه؟»
هزت كتفيها ببساطة.
«تمارس روتينك العادي، تحرق دمي وتستفزني.»
ابتسم بخفة واقترب منها أكثر، وهو يستند إلى السور.
«إنتِ بجد بتتضايقي مني لما بعمل كده؟ يعني لما برخم عليكي، بيبقى من جواكي زعلانه مني؟»
صمتت بدهشة من حديثه العميق، ولم تستطع الرد، ليكمل حديثه قائلًا:
«طيب، أنا المرة دي مش هرخم عليكي، بس هقولك حاجة واحدة كان نفسي أقولها من ساعة ما دخلت القاعة وعيني وقعت عليكي.»
بلعت ريقها بصعوبة.
«حاجة إيه؟»
نظر داخل عينيها بعمق، يبدل النظر بينهما، بينما شعرت هي بارتفاع دقات قلبها لمجرد النظر داخل عينيه العميقتين، بلونهما الأسود ذي اللمعة الغريبة، خصوصًا مع ذلك الصفاء بهما، لدرجة أنها رأت انعكاس صورتها داخلهما.
نطق سليم أخيرًا بصوته الرجولي العميق، ومع ذلك خرج صوته مرهق من أثر المشاعر:
«بحبك يا ريحانة.»
لمعت الدموع في عينيها. لماذا تسبب لها هذه الكلمة بالتحديد كل تلك الأحاسيس المربكة؟ فهو قالها أكثر من مرة، في أكثر من مكان، وفي أوقات مختلفة، وفي كل مرة تتأثر وتشعر بارتفاع دقات قلبها لدرجة أنها شكت أنها وصلت إلى مسامعه.
قاطع صمتهما صوت رنين هاتف سليم، فنفخ بضيق من انقطاع اللحظة. أخرجه بهدوء وأجاب دون أن ينظر إلى الشاشة:
«ألو.»
تغيرت تعابير وجهه وارتسمت الصدمة على ملامحه، ليرفع الهاتف عن أذنه ببطء قائلًا لريحانة:
«ملفات الصفقة اللي شغالين عليها بقالنا أسابيع ... اتسرقت كلها»
