رواية اسميتها ريحانة الفصل الواحد والعشرون 21 بقلم سلمي جاد


 رواية اسميتها ريحانة الفصل الواحد والعشرون 

«ملفات المناقصة اللي بقالنا أسابيع شغالين عليها... اتسرقت كلها.»

فتحت ريحانة عينيها بصدمة، وهمست بعدم تصديق:

«إيه!؟ مستحيل!»

قال سليم بغضب:

«للأسف، في حد اقتحم مكتبك وسرقهم... لسه مكلمني من الشركة.»

نظرت ريحانة إلى هاتفها لتجد الكثير من الاتصالات الفائتة.

«شكلهم اتصلوا عليَّ أنا كمان، بس أنا مسمعتش من صوت المزيكا. طب إحنا هنعمل إيه دلوقتي؟»

قال سليم بتفكير:

«طبعًا لازم نتحرك على هناك حالًا.»

هزت ريحانة رأسها بموافقة، لكنها تراجعت فجأة وقالت:

«بس... هنخرج إزاي من القاعة دلوقتي؟»

نظر سليم إلى المكان حوله، وقال:

«هنحاول نخرج بسرعة من غير ما حد يشوفنا، عشان منعملش شوشرة. وأنا هتصل بوالدك وأفهمه كل حاجة. الفرح لسه فاضله شوية، ومش عايزينه يقلق على الفاضي. إحنا لسه منعرفش ايه اللي حصل بالظبط.»

قالت ريحانة باقتناع:

«تمام، يلا بينا.»

كان سليم وريحانة في طريقهما للخروج من باب القاعة، لكنهما توقفا فجأة على صوت أدهم وهو يقول:

«رايحين الشركة؟»

التفت سليم إليه، ثم سأله:

«إنت عرفت؟»

وضع أدهم يده في جيبه وأجاب بأسف:

«آه، للأسف. لسه مكلمني دلوقتي.»

اقتربت ريحانة من أدهم قائلة:

«بعد إذنك يا بابا، أنا وسليم هنروح الشركة دلوقتي عشان نفهم إيه اللي حصل. حضرتك مينفعش تسيب الفرح، وأنا هطمنك على الموبايل لما أوصل.»

ربت أدهم على يدها.

«ماشي، خلي بالك من نفسك.»

ثم نظر إلى سليم قائلًا:

«خلي بالك منها يا سليم.»

أومأ سليم برأسه.

«أكيد يا أدهم بيه. عن إذنك.»

خرج سليم وريحانة من الفندق، وانطلق سليم بسيارته في اتجاه الشركة.

وصلا إلى الشركة أخيرًا، فكانت الأوضاع متوترة، والجميع في حالة هرج بسبب اختفاء هذه الملفات.

قالت ريحانة بغضب لرجال الأمن:

«إزاي حاجة زي دي تحصل وإنتوا موجودين؟ حد يقتحم مكتبي ويسرق ملفات مهمة زي دي وإنتوا نايمين على ودانكم؟»

تكلم أحد رجال الأمن بخوف:

«يا ريحانة هانم، والله ما سيبنا البوابة لحظة. اللي دخل اقتحم مبنى الشركة نفسه، لأننا لقينا كسر في زجاج شباك مكتب حضرتك.»

وضعت ريحانة يدها على رأسها بتوتر، تحاول التفكير في حل هذه النكبة، ثم قالت:

«طيب، امشوا إنتوا دلوقتي، وأنا هكلم البوليس عشان ييجي يحقق في اللي حصل.»

بعد دقائق، دخلت مكتبها بهدوء، ونظرت إلى المكان من حولها، ليلفت نظرها زجاج الشرفة المكسور والمتناثر على الأرض. رمشت بعينيها أكثر من مرة، وهي تحيط نفسها بذراعيها بخوف.

فماذا كان سيحدث لو كانت موجودة بالمكتب في ذلك الوقت؟! كان من الممكن أن يتهجم عليها السارق، وهذا ليس احتمالًا بعيدًا، فهي معتادة على السهر بالمكتب لأوقات متأخرة.

شهقت بخفة عندما شعرت بيد توضع على كتفها، فاستدارت بسرعة لتجد سليم أمامها ينظر إليها بصمت، وهو يراقب ملامح الخوف على وجهها. وبعد ثوانٍ، ناداها بصوته الرخيم:

«ريحانة.»

نظرت له بحيرة، ليتنهد قائلًا:

«تعالي اقعدي.»

نفت برأسها بتعب: 

«مش عايزة أقعد يا سليم، أنا كلمت البوليس، وزمانه جاي دلوقتي.»

«قلتلك اسمعي الكلام وتعالي نقعد بعيد عن الإزاز. ممكن، لا قدر الله، تتعوري.»

أومأت ريحانة برأسها باستسلام، ليجلسا سويًا على الأريكة الموجودة في ركن المكتب.

كانت ريحانة تفرك أصابعها بتوتر، وهي تنظر أمامها بشرود، لتفيق على صوت سليم:

«ريحانة، ممكن تهدي؟»

تنهدت بضيق، وهي تضع كفيها على وجهها.

«أهدى إزاي يا سليم؟ أهدى إزاي؟ إنت عارف يعني إيه الملفات زي دي تتسرب من الشركة؟ يعني العملاء هيفقدوا ثقتهم فينا، ده غير إن المناقصة اللي داخلينها تبع الصفقة دي خلاص باقي عليها تلات أيام. يعني مستحيل نلحق نعمل دراسة جدوى وتقارير تخص الصفقة. الموضوع أخد مننا أسابيع عشان الملفات دي تجهز، وهيحتاج أسابيع زيهم عشان تتعمل من الأول بنفس الدقة.»

سحب سليم فجأة يدها التي كانت تفركها بشدة، ثم وضعها بين كفيه وضغط عليهما بخفة، قائلًا بنبرة بثت الطمأنينة بداخلها:

«ريحانة، متفقديش الأمل. أنا متعود على ريحانة القوية العنيدة اللي مبتستسلمش بسهولة مهما حصل. وزي ما قدرنا نعمل الملفات دي قبل كده، هنقدر نعملها تاني.»

نظرت له بحيرة.

«تفتكر يا سليم؟»

ابتسم ابتسامة خفيفة، وقال:

«أنا واثق فيكي، وعارف إنك قدها. وأنا معاكي وهساعدك، حتى لو اشتغلنا ليل ونهار عشان نقدر نخلص قبل المناقصة.»

ابتسمت ريحانة بخفة، ثم تنهدت براحة من كلماته التي بثت بداخلها الأمان والطمأنينة.

قاطع حديثهما صوت السكرتيرة وهي تقول:

«ريحانة هانم، البوليس وصل بره.»

نظرت ريحانة إلى سليم بتوتر، ليهز رأسه لها باطمئنان. أومأت برأسها وقالت:

«تمام، إحنا جايين.»

_____________________________________________________________

انتهى الفرح وغادر جميع المعازيم، بينما صعد العروسان إلى جناحهما بالفندق بعد توديع الأهل.

**في جناح فتون ويزن**

كان الجناح مزينًا بشكل رومانسي؛ الورود الحمراء متناثرة في كل مكان على الأرض والسرير، والشموع المعطرة موجودة في الأركان.

كانت فتون تجلس أمام المرآة، تفرك يديها بتوتر، وما زالت ترتدي فستان الزفاف. كل ما فعلته أنها فكّت خصلات شعرها من الدبابيس والتوك.

انتفضت فجأة عندما شعرت بيزن يدخل الجناح، ورفعت رأسها ببطء لترى انعكاسه في المرآة، وهو يقف عند الباب وينظر إليها.

ضمت شفتيها بتوتر عندما وجدته يقترب حتى وقف خلفها مباشرة، ينظر إليها بعمق.

مال يزن بجسده ليصل إلى مستواها، وما زال ينظر إليها في المرآة، ثم همس بصوت خافت:

«مش مصدق إننا وصلنا للحظة دي يا فوتي.»

ابتسمت بخجل وهي تنظر إلى الأسفل.

تنهد يزن بخفة، ثم رفع يده إلى رأسها يداعب خصلات شعرها القصيرة، وقال بصوت حنون:

«مش هتغيري الفستان؟»

اتسعت عينا فتون بتوتر، وقالت بخوف:

«ليه؟»

رفع حاجبه بمكر.

«أنا قصدي أكيد مش مرتاحة فيه ومحررك، فقومي البسي حاجة خفيفة.»

عضت على شفتيها بتوتر، وهي تحاوط نفسها بذراعيها قائلة بتلعثم:

«لا، شكرًا، أنا كده مرتاحة.»

ابتسم بجانب فمه بخفة، ثم أمسك يدها وجعلها تقف أمامه، وناداها بصوته الحنون، وهو يلمس وجنتها بأصابعه:

«فتون.»

همهمت بخفوت:

«همم؟»

«إنتي عارفة إنك أغلى حاجة في حياتي، صح؟»

أومأت برأسها، ليكمل وهو يقترب منها أكثر:

«وعارفة إني بحبك ومقدرش أذيكي؟»

ابتسمت برقة وأجابت بصوت هامس:

«عارفة.»

أسند يزن جبينه إلى جبينها، وأنفاسه الدافئة تلامس بشرتها، وهو ينظر داخل عينيها بعشق دفين، قائلًا بصوت محشرج من أثر المشاعر:

«بحبك يا فتون، مقدرش أعيش من غيرك.»

تسارعت أنفاس فتون إثر كلماته التي جعلت الفراشات تتطاير في معدتها، لتقول:

«وأنا كمان بحبك أوي يا يزن.»

نظر لها يزن بشجن، ثم اقترب أكثر ليعبّر عن عشقه لها بالفعل، وليس مجرد كلمات، ففي هذا اليوم تُوِّج عشق الطفولة، وأصبحت فتون زوجة يزن أمام الله.

_____________________________________________________________

في صباح يوم جديد

استيقظت ريحانة على صوت المنبه، معلنًا حلول الثامنة صباحًا، لتتأفف بضيق، فهي لم تأخذ كفايتها من النوم بسبب سهرها لوقت متأخر في الشركة برفقة سليم، يحاولان وضع خطة استراتيجية للأيام المقبلة، وكيف سيعوضان الملفات التي تمت سرقتها.

خرجت من الحمام بعدما أخذت شاور سريعًا، ثم ارتدت ملابسها، والتي كانت عبارة عن سوت من قطعتين باللون الزيتوني، ورفعت خصلات شعرها الطويلة على هيئة ذيل حصان وصل إلى نهاية ظهرها.

خرجت سريعًا من الجناح وهي تنظر إلى ساعتها، لتتوقف فجأة عندما سمعت صوت والدها يناديها:

«ريحانة.»

استدارت لتجد أدهم يقف في الطرقة، وواضح من هيئته أنه على وشك الخروج.

قال أدهم بصوته الرخيم:
«هتروحي الشركة؟»

أومأت برأسها بهدوء:
«أيوة يا بابا.»

ثم سألته:
«حضرتك رايح برضه؟»

نفى برأسه:
«لا، أنا ورايا مشوار مهم.»

ريحانة باستغراب:
«يعني حضرتك مش هتيجي الشركة عشان تشوف المشكلة اللي حصلت؟»

وضع أدهم يده على كتفها قائلًا بثقة:
«أنا واثق في بنتي إنها هتواجه المشكلة وتقدر تحلها. أنا لما قررت أسيب الشركة ليكي تديريها، كنت عارف كويس أنا سايبها لمين.»

تنهدت ريحانة وحاولت الابتسام غصبًا عنها، رغم شعورها بالقلق من أن تكون غير جديرة بتلك الثقة.

«حاضر يا بابا... عن إذنك، أنا همشي بقى.»

كادت أن تغادر، لكن أوقفها أدهم وسألها:
«سليم عامل معاكي إيه؟»

قطبت جبينها باستغراب:
«يعني إيه؟ مش فاهمة.»

تنهد أدهم:
«ريحانة، أنا عارف كويس إنك عرفتي إني بساعد سليم إنكم ترجعوا لبعض. سليم بنفسه عرفني إنك عرفتي.»

رفعت ريحانة حاجبها باستنكار وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها:
«ده إنتوا بقيتوا صحاب وبتحكوا لبعض كل حاجة!»

لتختفي ابتسامتها فجأة، وتقول بانفعال:
«بابا، أنا ملقتش وقت أتكلم مع حضرتك، عشان الأسبوع اللي فات كنا كلنا مشغولين في تحضيرات الفرح بتاع يزن وفتون. لكن إنت يا بابا... بعد كل اللي حصل، وطلعت بتساعده! إنت ناسي هو عمل فيا إيه؟»

قال أدهم بهدوء:
«ريحانة، أنا مش ببرر اللي عمله. لكن أنا أقدر أفهم اللي قدامي كويس، وأنا متأكد إنه ندمان وبيحبك بجد.»

صمت لثوانٍ، ثم نظر إليها وقال ما جعل ريحانة تفتح عينيها بصدمة:
«وإنتي كمان لسه بتحبيه.»

بلعت ريحانة ريقها بصعوبة، وقالت بتلعثم:
«أنا... أنا لا طبعًا، أنا...»

أوقفها أدهم بابتسامة دافئة:
«ريحانة، أنا مش هحاسبك على مشاعرك. دي الحاجة الوحيدة اللي منملكش إرادة عليها. بس عايز أقولك إن ميهمنيش أي حاجة غير إني أشوفك سعيدة في حياتك، وأيًا كان إيه قرارك بخصوص سليم، أنا معاكي فيه.»

ابتسمت ريحانة بحب، وأومأت برأسها، ليربت أدهم على كتفها بخفة.

«طيب، يلا عشان متتأخريش، الشركة مستنياكي.»

ابتسمت ريحانة، وبداخلها اشتعلت شرارة الحماس. ستفعل كل ما بوسعها لتكون جديرة بثقة أدهم... وثقة سليم أيضًا.

غادرت تحت أنظار أدهم، الذي راقب خروجها من بوابة القصر، ثم انطلاقها بالسيارة، وكانت نظراته مليئة بالغموض والريبة.

تنهد بهدوء، ثم عاد إلى داخل القصر وهو يخلع جاكيت بدلته، بعد أن تأكد من خروج ريحانة.

_____________________________________________________________

وصلت الشركه وأثناء توجهها للمكتب، توقفت فجأة عندما سمعت أحدًا ينادي اسمها. استدارت برأسها لتجد أمامها مراد، الذي اقترب منها.

قال مراد بابتسامة وهو يتأمل جمالها:
«صباح الخير يا آنسة ريحانة.»

أومأت برأسها بابتسامة:
«صباح الخير يا أستاذ مراد، إيه أخبار الشغل معانا؟»

«كويس جدًا، ده فخر لأي واحد إنه تجيله فرصة إنه يشتغل فترة، حتى لو مؤقتة، مع شركة زي السويسي، رغم إني خايف.»

رفعت حاجبها بحيرة:
«خايف من إيه؟»

«لتكوني بتقولي بينك وبين نفسك إني نحس، لأني لسه مكملتش أسبوع في الشركة، وحصل اللي حصل امبارح.»

ابتسمت بخفة:
«لا أبدًا، أنا مش بفكر في حاجة زي كده.»

ثم نظرت إلى ساعة يدها، قائلة:
«طيب، أنا داخلة مكتبي، لأني ورايا شغل كتير. عن إذنك.»

«تمام، اتفضلي.»

تابعها مراد بعينيه حتى دخلت المكتب، ليتنهد ثم يذهب إلى عمله.

_____________________________________________________________

**عند ريحانة**

دخلت مكتبها وأغلقت الباب خلفها، وما إن استدارت حتى اتسعت عيناها بصدمة عندما رأت سليم يجلس على الأريكة، وحوله العديد من الأوراق، بالإضافة إلى اللابتوب الذي يحمله ويكتب عليه بتركيز.

رفع سليم عينيه عندما شعر بوقوفها عند باب المكتب، ثم عاد ينظر إلى اللابتوب ويكتب عليه بمهارة، قائلًا بهدوء:

«ما تيجي واقفة كده ليه؟»

اقتربت منه بخطوات بطيئة حتى وقفت أمامه، قائلة بحيرة:

«إنت بتعمل إيه هنا؟»

قال، وما زالت عيناه على اللابتوب:

«إنتي شايفة إيه؟»

نفت برأسها قائلة:

«مش قصدي، أنا أقصد إيه اللي جابك بدري كده؟ الساعة لسه مجتش عشرة، وكمان إنت مش وراك شغل في شركتك؟»

رفع رأسه إليها وقال بابتسامة:

«ريحانة، من فضلك روحي اقعدي على مكتبك وابدئي في الشغل. اعملي كشف بدراسة لأسعار الأدوية، وأنا هخلص اللي في إيدي وأكملها معاكي.»

ابتسمت دون وعي، ونادته:

«سليم.»

رفع رأسه للمرة الثانية تجاهها:

«نعم؟»

ضمت شفتيها بخجل:

«كنت عايزة أقولك شكرًا. إنت مش مضطر تعمل كده، سايب شغلك اللي في الشركة وجاي هنا تساعدني، رغم إن المفروض تكون مضايق؛ لأن الصفقة اللي احتمال تبوظ بسبب الملفات اللي اتسرقت، إنت شريك فيها، ولو خسرنا المناقصة اللي بعد تلات أيام، شركتك هتتضرر.»

نظر إليها سليم لثوانٍ بصمت، ثم ترك اللابتوب من يديه ونهض من على الأريكة، واقترب منها حتى وقف أمامها مباشرة، وقال:

«أولًا، أنا مش بساعدك دلوقتي بصفتي شريك.»

زاغت عيناها بتوتر، وسألته بتردد:

«أومال بصفتك إيه؟»

اقترب بوجهه منها وهو ينظر إليها بعينيه السوداوين، قائلًا بابتسامة دافئة:

«بصفتي حبيب، واقف جنب حبيبته في محنتها.»

اتسعت عيناها بتوتر، وقالت بتلعثم:

«سليم، أنا... أنا...»

وضع سبابته على شفتيها، مانعًا إياها من الحديث:

«شششش... أنا مش عايز أسمع حاجة دلوقتي. ممكن تروحي بقى وتعملي اللي قلتلك عليه، وأنا هخلص الشغل اللي في إيدي وأجي أراجع معاكي، مفهوم؟»

أومأت برأسها بابتسامة، لتذهب وتجلس إلى مكتبها. فتحت اللابتوب أمامها وبدأت في العمل، وبين حين وآخر تختلس النظر إليه، وهي تشعر بنبضات قلبها تتسارع بجنون كلما نظرت إليه.

مرّت ساعات، وبدأ الموظفون في المغادرة، بينما ظل سليم وريحانة في المكتب على حالهما، يعملان دون توقف.

كانت ريحانة تجلس بجانب سليم على الأريكة، وبيدها أوراق تتناقش معه بشأنها.

«طيب، بص كده، إحنا ممكن نقلل الحد الأدنى لمستوى إنتاج الأدوية بحيث تكون أقل في التكلفة، ونقدر نوزعها في السوق.»

هز سليم رأسه نفيًا:

«بس ده مش رأيي. أنا شايف إن لو عملنا اللي بتقولي عليه، كده الجودة هتقل. أنا شايف إننا نغيّر خطة الإنتاج ونزوّد ماكينات العمل. متنسيش، الجودة هي أهم حاجة، ولازم معايير السلامة متتأثرش تحت أي ظرف. دي سمعتنا في السوق، ومينفعش نتنازل عنها مهما حصل.»

نفخت ريحانة بضيق، وألقت الأوراق من يدها بإرهاق. راقب سليم ما تفعله، ليقول بصوته الرجولي:

«ريحانة، فيه إيه؟»

ضمت شفتيها بحزن:

«أنا زهقت يا سليم، مفيش حاجة راضية تظبط. الموضوع صعب أوي. لو الملفات ما كانتش اتسرقت، كان زماننا دلوقتي داخلين المناقصة بقلب جامد زي كل سنه. أنا حاسة إننا هنخسر، ومش هنتأهل حتى بين أول تلات شركات في المناقصه، الوقت مش في صالحنا، وأكيد باقي الشركات مقدمين خطة إنتاج أفضل مننا.»

تنهد سليم بهدوء، ثم ناداها بصوته الحنون:

«ريحانة.»

همهمت بحزن وهي تنظر إلى الأسفل.

مد يده ووضعها عند طرف ذقنها، قائلًا:

«بصيلي.»

رفعت عينيها نحوه ببطء، تنظر إليه بحيرة، وقالت بألم:

«سليم، أنا حاسة إني مستحقش الثقة اللي بابا وإنت حاطينها فيا. أنا بفكر نخرج من المناقصة، ده الحل الوحيد. إحنا مستحيل نلحق نخلص الملفات قبل المعاد.»

ابتسم بحنان وهو ينظر داخل عينيها بعمق:

«صدقيني يا ريحانة، هنقدر. ثقي في ربنا، هو شايف قد إيه إحنا تعبنا، وأكيد مش هيخذلنا.»

تنهدت بحيرة وقالت:

«يا رب.»

ليقول سليم بتشجيع:

«يلا نكمل.»

أومأت برأسها بحماس:

«يلا.»

**بعد مرور ساعة...**

ترك سليم الملفات فجأة وقال بنفاد صبر:

«لا، مش قادر بقى»

نظرت إليه ريحانة بدهشة:

«فيه إيه يا سليم؟»

نظر إليها سليم قائلًا:

«أنا هموت من الجوع... إنتي مش جعانة؟»

بلعت ريقها بصعوبة وهي تتحسس معدتها بجوع:

«الصراحة هموت من الجوع.. إحنا بنشتغل بقالنا كتير، ومخدناش بريك واحد يوحد ربنا.»

غمز لها سليم بعينه:

«طيب، إيه بقى؟»

نظرت إليه ريحانة باستغراب:

«إيه؟»

مال برأسه وسألها:

«نطلب؟»

حركت لسانها على طرف شفتَيها بحماس:

«فطيرة بالسجق!»

سليم بحماس مماثل:

«وواحدة مشكل جبن؟»

أكملت ريحانة:

«وواحدة بالنوتيلا عشان نحلي!»

طرقع سليم بأصابعه:

«هو ده الكلام، أنا هطلب من المطعم اللي جنبنا يجيب الأكل حالًا.»

صفقت بحماس:

«اشطاا!»

ابتسم سليم وهو ينظر إليها بحب، وفي الوقت نفسه بدأ يطلب الأوردر.

**بعد ربع ساعة...**

وصل عامل الدليفري إلى المكتب، فاستلم سليم منه الأكل، ثم حاسبه.

قال الشاب بخجل وهو ينظر إلى الفلوس:

«بس ده كتير أوي يا باشا!»

ربت سليم على كتفه قائلًا:

«مش كتير ولا حاجة، ربنا يرزقك.»

عاد سليم ليجلس على الأريكة، ولم يلاحظ ريحانة التي كانت تتابع ما حدث بابتسامة واسعة.

لاحظ نظراتها إليه، ليردف باستغراب:

«مالك بتبصيلي كده ليه؟»

تنهدت بابتسامة دافئة:

«مفيش.»

بدأ بفتح العلبة قائلًا:

«طيب، يلا ناكل.»

ريحانة بحماس:

«يلا»

مر الوقت، وكان سليم وريحانة يأكلان في جو مليء بالمرح والفرحة، وصوت ضحكهما عالٍ لدرجة أنه وصل إلى رجال الأمن الذين يقفون بالأسفل.

قالت ريحانة بضحك:

«آه، مش قادرة يا سليم، أرجوك كفاية، هتموتني من الضحك»

أكمل سليم وهو يضحك بشدة:

«طيب، استني، هقولك موقف كمان. كنت لسه رايح أمريكا، وطبعًا مستوايا كان زفت في الإنجليزي، والعيال اللي معايا في المدرسة كلهم أجانب، وبيتكلموا إنجليزي بسرعة، وأنا مش فاهم نص اللي بيقولوه. كنت حافظ كلمتين تلاتة بالعافية، وكل ما حد يكلمني أقوله yes I do و No I don't، وأبتسم كإني فاهم كل حاجة.»

ضحكت ريحانة وهي تسأله:

«طيب، وبعدين؟»

هز سليم رأسه وهو يحاول كتم ضحكته:

«في يوم، كنت واقف في الفسحة لوحدي. جه واد من اللي كانوا مشهورين في المدرسة إنهم بيتنمروا على أي طالب جديد، وفضل يرخم عليّا ويقول كلام أنا مش فاهم منه غير اسمي. وفجأة قرب مني وقال بعصبية: "I will kill you"»

اتسعت عينا ريحانة:

«يا نهار! وإنت عملت إيه؟»

رد سليم وهو يضحك:

«يا ستي، أنا وقتها كنت هعيط من الخوف، بس كنت عامل نفسي جامد قدامه. دماغي فضيت خالص، وكل اللي جه في بالي إني لازم أرد عليه بأي حاجة عشان ميبانش إني مش فاهمه. فبصيت له بكل ثقة وقلت: "I'm fine, thank you"»

انفجرت ريحانة في الضحك، حتى إنها اضطرت إلى وضع يدها على بطنها:

«لا، لا، استنى ..يعنيهو بيقولك: هقتلك، تقوم ترد عليه: أنا بخير، شكرًا؟!»

ضحك سليم وهو يهز رأسه:

« الواد بصلي كأني جاي له من كوكب تاني، وبعدها ضحك عليّا ومشي. وأنا فضلت واقف مكاني مش فاهم هو بيضحك ليه، لحد ما رجعت البيت وحكيت لياسين وندى اللي حصل. وهما بقى، طول عمرهم في مدارس إنترناشونال وبيعرفوا الإنجليزي، فهموني معنى الجملة. ومن ساعتها قررت أتعلم إنجليزي عشان متحطش في الموقف ده تاني.»

ضحكت ريحانة بقوة فور انتهاء كلامه، وهي تقول:

«آه، أنا عمري في حياتي ما ضحكت كده»

ابتسم سليم وهو يتأمل ضحكتها وتفاصيلها التي تأسره بقوة، لكن فجأة لاحظ بقايا من الشوكولاتة على جانب فمها، ليحذرها:

«ريحانة، امسحي بقك، عليه شوكولاتة.»

رفعت يدها تحاول مسحها، وهي تقول:

«بجد؟! فين؟»

أشار بإصبعه إلى المكان قائلًا:

«هنا أهو، حركي إيدك ناحية اليمين.»

حاولت ريحانة، لكنها لم تصل إلى المكان الصحيح، ليقوم سليم فجأة بوضع إصبعه على شفتيها، يمسح بقعة الشوكولاتة.

نظرت إليه ريحانة بصدمة، وهي تشعر بارتفاع نبضات قلبها بجنون من أثر لمساته؛ فهو حتى لم يستخدم منديلًا، بل مسح بقعة الشوكولاتة بإصبعه.

ابتسم سليم، وما زال إصبعه موضوعًا على شفتيها:

«خلاص، أنا مسحتها.»

رفع عينيه فجأة، ليجدها تنظر إليه بتوتر. ثقلت أنفاسه عندما أدرك مدى قربهما، لينظر إليها بتوهان وهو يتأمل جمال عينيها الفيروزيتين الصافيتين، لدرجة أنه لمح انعكاس وجهه داخلهما.

ظلا هكذا لثوانٍ، ينظر كل منهما إلى الآخر في صمت رهيب، مستمتعين بجمال اللحظة. كان سليم يترجاها، ليس بالكلام، بل بنظراته، أن تسمح لقلبها بمسامحته، بينما كانت ريحانة تنظر إليه بحيرة وضياع من تخبط مشاعرها.

لم يكن هناك ما يقطع هذا الصمت بينهما سوى أصوات أنفاسهما العالية.
وفجأة، قطع ذلك الصمت صوت فتح باب المكتب.

انتفضت ريحانة بخضة، فقد كانت منفصلة عن الواقع منذ ثوانٍ. أما سليم فنظر ناحية الباب لثوانٍ، وشتم في سره بأبشع الألفاظ عندما رأى مراد يقف عند الباب، ينظر إليهما.
_____________________________________________________________

**في بيت ياسين وآيات**

كانت آيات تقف في المطبخ تحضّر العشاء، لتشهق فجأة عندما شعرت بياسين يضمها من الخلف، ويضع رأسه على كتفها، دافنًا أنفه داخل خصلات شعرها التي أصبح يعشقها مؤخرًا.

قالت آيات برقة:

«ياسين، خضتني!»

ياسين بحب:

«سلامتك من الخضة يا قلبي... بتعملي إيه؟»

ابتسمت آيات:

«بحضّر العشاء.»

تنهد ياسين بسعادة:

«آاااااه، ده الواحد كان محروم من الدلع ده، أنا خلاص معدتي كانت اتهرت من المعلبات والأكل الجاهز.»

استدارت له آيات وأحاطت عنقه بذراعيها وهي تبتسم:

«ده كان زمان يا حبيبي، دلوقتي إنت اتجوزت ومراتك هتطبخلك كل اللي نفسك فيه.»

عض ياسين على شفتيه قائلًا:

«يا لهوي! إيه العسل ده؟ أنا خايف والله أطلع بحلم!

هزت آيات كتفها بدلع:

«متخافش، إنت صاحي مش بتحلم.»

لكن فجأة تغيرت ملامحها، ونظرت إليه بارتباك.

قطّب جبينه باستغراب وسألها:

«إيه؟ شكلك عايزة تقولي حاجة.»

أومأت برأسها بابتسامة:

«الصراحة، آه.»

«طيب، قولي.»

تنهدت بتوتر، ثم قالت:

«هو أنا ممكن أسألك سؤال، بس خايفة تتضايق؟»

«أنا عمري ما هتضايق منك أبدًا، يلا قولي سؤالك.»

عضت على شفتيها بشدة، ثم ترددت قليلًا قبل أن تسأله:

«إنت ليه دايمًا لابس السماعة، حتى أما تكون نايم بتفضل لابسها؟»

ابتسم بخفة:

«عشان ببساطة مسمعش أي حاجة من غيرها.»

انكمشت ملامح آيات، ونظرت إليه بحزن:

«بجد؟ مش بتسمع أي حاجة؟»

أومأ برأسه بتأكيد، وعندما لاحظ حزنها، ابتسم قائلًا:

«متخافيش، أنا خلاص اتعودت على كده، والسماعة بقت جزء مني.»

«هو إيه كان السبب؟»

«قصدك فقدت السمع إزاي؟»

أومأت برأسها بتوتر:

«لو مش عايز تحكيلي، عادي.»

أحاط ياسين خصرها بحب، وقال:

«أولًا، إنتي مراتي، ومن حقك تعرفي كل حاجة عني. أنا محكتلكيش قبل كده عشان إنتي مجتيش تسأليني، ففكرت ان الموضوع مش في دماغك .

تنهد ثم أكمل :

بصي يا ستي، أنا اتولدت عندي مشكلة في طبلة الأذن، وسمعي كان ضعيف، بس كنت بسمع على خفيف كده. لكن ما الدكاترة قالوا إنه مع الوقت هفقده بشكل كلي. وفعلاً، في يوم لقيت نفسي مش سامع أي حاجة، كأني مشغّل فيلم بس كاتم الصوت تمامًا، ومن وقتها لبست السماعة.»

ضمت آيات شفتيها وهي تحاول منع نفسها من البكاء، بينما كانت دموعها تتساقط بغزارة.

قال ياسين بتفاجؤ:

«آيات، إنتي بتعيطي ليه؟»

نفت آيات برأسها وهي تقول بنبرة مليئة بالحزن عليه:

«مش بعيط ولا حاجة.»

تنهد ياسين وهو يقترب منها، ثم أسند جبينه إلى جبينها قائلًا:

«طيب، تعرفي إن لولا إن سمعي راح، كان زماننا ما اتقابلناش؟»

قطبت جبينها باستغراب، وقالت وهي تمسح دموعها:

«إزاي؟»

«هقولك. فاكرة أول يوم اتقابلنا فيه؟»

ابتسمت آيات:

«أيوه، لما أنقذتك من العربية.»

«ساعتها أنا كنت نازل من عيادتي بسرعة عشان أجيب السماعة الاحتياطية من العربيه؛ لأن اللي كانت في ودني وقعت واتكسرت. عديت الطريق بسرعة وأنا مش سامع أي حاجة، وفجأة لقيت ملاك بيشدني لحد ما وقفنا على الرصيف.»

تنهد ياسين بهيام، وأكمل:

«أول ما عيني جت في عينك، حسيت بسكون وصمت غريب، صمت مختلف عن اللي كنت عايشه بسبب إن السماعة مش معايا. حسيت بقلبي بينبض بجنون، ولما قولتيلي: "إنت كويس؟" فهمت كلامك من حركة شفايفك.

ولما قمنا والناس ابتدت تتلم، روحت بسرعة للعربية عشان أجيب السماعة وألبسها، ولما رجعت، للأسف، ملقتكيش ومشيتي.»

ابتسمت آيات والدموع تلمع في عينيها:

«اليوم ده، كنت بجيب إياد من الحضانة، ونزلت في المكان ده بالصدفة عشان أشتري حاجة، وساعتها قابلتك.»

ضمها ياسين إلى صدره بحنان، وهمس بحب:

«بحبك يا آيات، وبشكر ربنا كل يوم إنه عوضني بيكي.»

لفت آيات ذراعيها حول خصره، وتمسكت به بشدة وهي تقول:

«أنا اللي بحمد ربنا ليل ونهار إنه عوضني براجل زيك يا ياسين.»

_____________________________________________________________

اقترب مراد وهو ينظر إلى سليم بحقد، قائلًا:

«معقول إنتوا لسه في المكتب لحد دلوقتي؟»

نهضت ريحانة بتوتر، وقالت:

«أيوه، إحنا كنا بنشتغل عشان نحاول نخلص ملفات المناقصة.»

لاحظ مراد الطاولة الموضوعة أمامهما، والتي كانت مليئة بعلب الطعام الفارغة، ليرفع عينيه تجاه سليم، الذي كان يجلس ببرود، واضعًا قدمًا على الأخرى، ويرمقه بتحدٍّ.

قال مراد بسخرية:

«آه، طبعًا. ربنا معاكم.»

سليم بسخرية:

«ادعيلنا يا مراد، يمكن دعوتك تستجاب.»

لم تلاحظ ريحانة نظرات الغضب والتحدي المتبادلة بينهما، ليكمل سليم وهو يبتسم بسماجة:

«إلا قولي يا مراد، إيه رأيك في موضوع الملفات اللي اتسرقت دي؟»

قطب مراد جبينه باستغراب:

«رأيي إزاي يعني؟»

سليم بسخرية مقصودة، وهو ينظر إليه من أعلى لأسفل:

«أصل غريبة، إنت لسه واصل للشركة مكملتش أسبوع، والملفات اتسرقت. مش شايف إنها غريبة شوية؟»

قالت ريحانة باستغراب:

«سليم، إيه اللي إنت بتقوله ده؟»

قال مراد:

«سيبيه يا آنسة ريحانة... إنت شاكك فيا يا سليم بيه؟»

هز سليم كتفه ببرود:

«أنا مقولتش كده، لكن واضح إن وشك حلو أوي علينا يا مراد بيه.»

جز مراد على أسنانه بغضب، ثم قال:

« تمام، متشكر يا سليم بيه على ذوقك. عن إذنكم.»

غادر مراد المكتب سريعًا، لتقول ريحانة بضيق:

«إيه اللي إنت قولته ده؟»

نظر إليها سليم بطرف عينه، ثم قال:

«أنا مقولتش حاجة، هو اللي خد الكلام على نفسه واتقمص، واللي على راسه بطحة بقى.»

رفعت حاجبها باستنكار:

«إنت غريب أوي يا سليم! يعني من دقيقتين بس كنت حاسة إني فاهماك، ومفيش بينا حواجز، لكن دلوقتي...»

أكملت وهي تنفخ بغضب:

«رجعت لشخصيتك المتسلطة... شخصية رجل الأعمال سليم الدالي.»

اقترب بوجهه منها، وقال وهو ينظر إلى عينيها بابتسامة دافئة:

«أنا بتغير بس لما بكون معاكي بس. بنسى إني سليم الدالي لما بكون جنبك يا ريحانة، عشان وقتها بكون سليم العاشق.»

بلعت ريقها بصعوبة، وهي تشعر بارتفاع نبضات قلبها من كلماته، لتقول بتلعثم:

«طيب، يلا بقى نكمل. إحنا أخدنا بريك يادوب، نخلص عشان هموت وأنام.»

ابتسم سليم على هروبها الدائم، ثم تنهد باستسلام:

«يلا.»
_____________________________________________________________

**بعد يومين، في قاعة الاجتماعات**

كانت ريحانة تقف في مقدمة طاولة الاجتماعات، تتحدث مع الموظفين: «أنا جمعتكم النهارده بالذات قبل معاد المناقصة بكام ساعة؛ عشان حابة أتكلم معاكم شوية».

أنصت لها جميع الموظفين بالشركة، بما فيهم مراد وسليم. بدأت ريحانة الحديث: «طبعًا، بعد الظرف اللي حصل للشركة وسرقة الملفات، موقفنا بقى حرج جدًا في المناقصة، لكننا حاولنا على قد ما نقدر نعمل كل اللي في وسعنا. والحقيقة، كل الموظفين بلا استثناء تعبوا اليومين اللي فاتوا، وبجد بشكركم من كل قلبي.

«وخليكم عارفين، سواء نجحنا في المناقصة النهارده أو خسرنا، أنا هفضل ممتنة لكل موظف في الشركة إنه ما سابناش في المحنة دي، وبذل جهده واشتغل فوق ساعات عمله عشان نلحق نخلص الشغل».

قاطعها أحد الموظفين: «بس يا ريحانة هانم، لو خسرنا في المناقصة، سمعة الشركة هتتأثر، ده غير إن العملاء والممولين هيفقدوا ثقتهم فينا. لازم شركتنا على الأقل تتأهل لمرحلة التصفيات، لأول تلات شركات».

نظرت ريحانة لسليم بتوتر، ليهز رأسه لها بتشجيع. سحبت نفسًا عميقًا وقالت: «أنا عارفة إن كان أسلم حل إننا كنا نخرج من المناقصة، على الأقل ما نكونش خسرنا كل حاجة، بس أنا متأكدة إن وقتها كنا هنندم إننا خرجنا من المعركة بدري، وحكمنا على نفسنا بالخسارة. لكن إحنا معملناش كده، إحنا اشتغلنا لآخر لحظة، وده اللي يهمني، إننا نفضل إيد واحدة؛ لأن أكيد دي مش هتكون أول ولا آخر أزمة تعدي بيها شركة السويسي».

بدأ الموظفون ينظرون لبعضهم ويهمهمون بالموافقة على حديثها، ليقول أحد الموظفين: «عندك حق يا ريحانة هانم، سواء إنتي أو أدهم بيه، عودتونا إننا ما نستسلمش مهما حصل، وسواء كسبنا أو خسرنا، هنفضل فخورين إننا جزء من شركة السويسي».

صفق جميع من بالغرفة، لتتنهد ريحانة بارتياح، فهي تحاول رسم القوة على ملامحها، بينما بداخلها القلق ينهش بقلبها.

نهض سليم واقترب منها، ثم وضع يده على كتفها برقة: «يلا يا ريحانة، عشان ما نتأخرش. يادوب نتحرك دلوقتي عشان نوصل المكان».

أومأت برأسها بتوتر، وكادوا أن يتحركوا، لكن فجأة نهض مراد وقال: «أنا هاجي معاكم».

نظر له سليم من أعلى لأسفل، وملامح الاشمئزاز على وجهه: «إحنا مش رايحين فسحة».

عقد مراد ذراعيه أمام صدره وقال بثقة: «متنساش يا سليم بيه، أنا أبقى مين، وحضوري للمناقصة هيفيدكم، مش هيضركم».

أومأت ريحانة برأسها باقتناع: «مراد عنده حق يا سليم، هو ممكن بعلاقاته يقنع لجنة التحكيم بخطة إنتاجنا، لو حصلت حاجة».

قلب سليم عينيه بملل، بينما نظر له مراد بابتسامة ماكرة.

قال سليم بغيظ، رغمًا عنه: «ماشي، تعالى معانا».

لم يُعر مراد الأمر انتباهًا، وساروا ثلاثتهم حتى خرجوا من مبنى الشركة. استقل سليم سيارته، وجلست ريحانة بجانبه، بينما جلس مراد بالخلف.

نظر سليم لمراد في مرآة السيارة، وهو يهمس بغضب: «حاسس إننا طالعين رحلة دريم بارك والله».

بعد ساعة، وصلت السيارة إلى الفندق الذي سيُقام به حفل المناقصة، حيث كان فندقًا ضخمًا من أشهر فنادق القاهرة، المعروف بإقامة مثل هذه الحفلات للطبقات الأرستقراطية.

دخل كلٌّ من سليم وريحانة ومراد إلى الحفل، الذي كان منظمًا بشكل راقٍ؛ قاعة واسعة، ومئات الكراسي للحضور، ومنصة عالية تجلس عليها لجنة التحكيم المكونة من كبار المستثمرين داخل مصر وخارجها.

توجهت ريحانة سريعًا نحو أحد صفوف الحاضرين عندما لمحت والدها يجلس هناك، فركضت عليه كالطفلة.

«بابا، أنت هنا!».

ابتسم أدهم وهو يحتضنها تحت أنظار سليم ومراد.

«إزيك يا حبيبتي؟ أنا وصلت من شوية».

«طيب، مجتش الشركة ليه عشان كنا نيجي هنا سوا؟».

ربت أدهم على يدها بحنان: «كان عندي مشاوير قبل معاد الحفلة، وعشان كده مجتش الشركة».

أومأت ريحانة برأسها وجلست بجانب أدهم، ليبقى كرسي واحد فارغ بجانبها. اقترب مراد ليجلس بجانبها، لكن سبقه سليم ودفعه في كتفه بخفة ليجلس هو بجانب ريحانة.

كل ذلك كان تحت أنظار أدهم، الذي فهم منذ اللحظة الأولى الصراع القائم بين هذين الشابين، وبالطبع أساس هذا الصراع هي ريحانة.

عض مراد على شفتيه بغضب، وتحرك إلى الصف الذي يليهم، وجلس خلفهم مباشرة.

بدأ المذيع يعلن عن بدء الحفلة، وبعد ثوانٍ دخل أعضاء لجنة التحكيم، وكانوا عبارة عن ثلاثة رجال وامرأة، وواضح من هيئتهم الثراء والعملية.

قال المذيع في الميكروفون: «طبعًا، كلنا عارفين أهمية الحدث بتاع النهارده؛ لأنه ما بيحصلش غير كل سنة، كل شركة بتقدم خطة إنتاج للمصنع التابع ليها، ولجنة التحكيم بتطلع عليها وبتحدد أنهي خطة إنتاجية أفضل، والشركة سعيدة الحظ اللي هتفوز ليها العديد من الامتيازات، وهي عقد ممتد لخمس سنين لتمويل المشاريع الاستثمارية، سواء داخل مصر أو خارجها.

«طيب، بعد ما شرحنا آلية المناقصة، هنتكلم دلوقتي عن الشركات اللي وقع عليها الاختيار إنها تتأهل للاختيار من قِبل لجنة التحكيم، وهم سبع شركات».

بدأ المذيع في ذكر اسم كل شركة والمجال اللي بتعمل فيه، بالإضافة إلى خطة الإنتاج المقدمة، وأخيرًا قال: «وطبعًا، وزي كل سنة، معانا شركة السويسي، لصاحبها ومالكها البزنس مان الملقب بحوت المعمار، أدهم السويسي».

تعالى التصفيق الحار في القاعة، بينما أومأ أدهم برأسه بابتسامة هادئة.

ليكمل المذيع: «وبما إن الأجيال بتسلّم أجيال، ودي سُنّة الحياة، فالمرة دي اللي مسؤولة عن خطة الإنتاج للسنة دي لشركة السويسي، واللي قدمت خطة إنتاجية لسلسلة شركات الأدوية في الشرق الأوسط، هي خليفة حوت المعمار، البزنس وومان ريحانة السويسي».

تعالى التصفيق مرة أخرى، لتنظر ريحانة حولها بتوتر، وهي ترى الجميع ينظرون لها ويتهامسون، لكن فجأة شعرت بيد دافئة تلمس يدها، فرفعت رأسها لتجد سليم ينظر لها بحب ويطمئنها بنظراته، لتبتسم له بخفة.

«طيب، دلوقتي بعد ما اتكلمنا عن المناقصة وأسماء الشركات المتقدمة، بعد دقائق هنعلن لكم عن أسماء تلات شركات فقط اتأهلوا ووقع الاختيار عليهم لتكملة المناقصة، ثم هيتم التفاوض بين أعضاء لجنة التحكيم، وبناءً على التصويت، هنعلن عن اسم الشركة الوحيدة اللي هيتم التعاقد معاها».

نهض مراد واتجه إلى مكان ما، لتمر دقائق من الانتظار، والجميع متأهب لمعرفة أسماء الشركات الثلاث. الصحافة والكاميرات متأهبة لتسجيل اللحظة.

عاد مراد إلى كرسيه مرة أخرى، ثم جلس خلفهم وقال: «متقلقوش يا جماعة، أنا روحت وعرفت أسماء الشركات اللي اتأهلت».

نظرت له ريحانة بتوتر، وهي تحبس أنفاسها: «وشركتنا؟».

ابتسم بخفة: «متقلقيش، الشركة اتأهلت».

أغمضت ريحانة عينيها براحة، حتى وإن كانت راحة مؤقتة، فالآن تبقت الخطوة الأخيرة، وهي معرفة الشركة الفائزة بالمناقصة.

عاد المذيع مرة أخرى وأعلن عن أسماء الشركات الثلاث المتأهلة، وبالفعل كانت الشركة من ضمنهم. وبعد انتهاء التصفيق، أكمل المذيع الحديث:

«دلوقتي وصلنا لآخر وأهم جزء في الحفلة كلها، وهو إعلان الشركة الفائزة بالمناقصة. انتظروا دقائق لسماع تصويت لجنة التحكيم».

مرت دقائق كانت هي الأصعب على الإطلاق، خصوصًا على ريحانة، التي كانت تفرك أصابعها بشدة،وفجأة ...
تعالت أنفاسها بصوت مسموع، وهي تشهق بقوة، وكأن الهواء أصبح يقل من حولها.

اقترب أدهم وربت على ظهرها بقلق.

«ريحانة، مالك؟».

زاغت عيناها بتوتر: «مـ... مش عارفة أتنفس يا بابا».

«قومي، نطلع من هنا. إنتي وشك بدأ يحمر».

قال سليم بقلق شديد: «ريحانة، قومي معايا نخرج بره في الهوا».

«بـ... بس هما هيعلنوا دلوقتي».

قال أدهم بغضب: «ما تتحرق المناقصة، إنتي أهم دلوقتي».

ثم وجّه حديثه لسليم: «سليم، خدها طلّعها بره شوية».

أومأ سليم برأسه: «حاضر. تعالي معايا يا ريحانة».

«بابا، أنا كويسة. خليك إنت هنا، مينفعش كلنا نخرج».

قال أدهم باعتراض: «ريحانة!».

«بابا، صدقني، أنا بجد كويسة. هخرج بس شوية أشم هوا».

أومأ أدهم برأسه بقلق: «ماشي».

نهضت ريحانة بتثاقل، ومعها سليم، تسير بجانبه ببطء، وهو يراقبها بقلق ويتأمل ملامحها المتعبة وقطرات العرق الملتصقة بجبينها.

خرجوا من القاعة، وفي تلك اللحظة انهارت أعصاب ريحانة لتبدأ في البكاء بشكل هستيري.

نظر لها سليم برعب، ليجذبها ويقف بها في إحدى الزوايا خلف عمود كبير، ثم فجأة جذبها داخل حضنه، وهو يربت على ظهرها بحنو.

«شششش، بس... اهدي... اهدي يا حبيبتي».

بعد دقائق، بدأت أنفاس ريحانة تعود إلى إيقاعها الطبيعي. ابتعدت ببطء عن سليم، لتجده ينظر لها بقلق.

«ريحانة، إنتي كويسة؟».

أومأت برأسها ببطء، وهي تنظر داخل عينيه بملامح مرهقة.

أخرج سليم من جيبه مناديل ورقية، وبدأ يمسح وجهها ورقبتها برفق شديد، كأنه يتعامل مع قطعة ألماس ثمينة.

ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تتأمله، تشعر بأمان غريب كلما نظرت داخل عينيه، لتجد نفسها تسبح داخل عيونه الحادة، لكن هذه المرة لم تكن نظراته متسلطة، بل نظرات قلقة للغاية، وهو يتحسس وجهها برفق.

فجأة، سمعا أصواتًا في القاعة تعلن استكمال الحفل.

نظر لها سليم بهدوء: «اعملي حسابك، إحنا مش هندخل الحفلة. إنتي لسه تعبانة».

نفت برأسها بابتسامة، وهي تشعر بشعور أفضل.

«أنا كويسة يا سليم».

قال سليم باعتراض: «ريحانة، والدك جوا، ولو حصلت حاجة هو هيتصرف».

نفت برأسها بابتسامة: «سليم، صدقني، أنا بقيت أحسن. يلا ندخل».

نظر لها سليم بتردد، لتهز رأسها بتأكيد. تنهد باستسلام.

«ماشي، بس لو حسيتي إنك تعبانة، هتعرّفيني».

قالت بابتسامة: «حاضر، أوعدك. أول ما أتعب هعرّفك».

رفع سليم يده وأمسك يدها بشدة، وهو ينظر لها بتصميم.

«المرة دي إيدك هتفضل في إيدي، أنا مش ضامن لتقعي مني وإنتي ماشية».

ابتسمت بخفة وأومأت برأسها.

دخلا القاعة سويًا مرة أخرى، مثلما خرجا منها، وجلسا في أماكنهما. وبعد ثوانٍ، أمسك المذيع بالميكروفون.

«حانت اللحظة الحاسمة اللي الكل مستنيها من وقت ما بدأنا. كان مشارك معانا أكبر الشركات في الشرق الأوسط، لكن للأسف الفايز واحد بس».

صمت لثوانٍ، ثم أكمل:

«والآن، سيتم الإعلان عن الشركة اللي كسبت المناقصة، وهي...».

الكاميرات تتسابق في التصوير، والجميع في حالة توتر رهيب.

توجه المذيع نحو لجنة التحكيم، وسحب الكارت المغلف من أحد الأعضاء، ثم عاد إلى مكانه وفتح الظرف. نظر إليه لثوانٍ، لترتسم ابتسامة على وجهه، قائلًا:

«الشركة اللي اتفوقت بين سبع شركات، ثم اتأهلت للدور النهائي، وقدرت تفوز في المناقصة بإجماع آراء لجنة التحكيم، هي...».

أغمضت ريحانة عينيها، وهي تكتم أنفاسها بصعوبة، بينما يدها ما زالت تحتضن كف سليم، تمسك به بشدة لدرجة أن أظافرها تركت آثارًا على ظهر يده من شدة ضغطها.

رفع المذيع صوته عاليًا:

«الشركة الفائزة هي .... شركة السويسي جروب للاستيراد والتصدير!».

فتحت ريحانة عينيها فجأة عندما سمعت اسم شركتها، لتتساقط الدموع من عينيها وهي تنظر حولها بعدم تصديق.نعم، لقد فعلتها! لقد فعلتها أخيرًا!

نهض كل من في القاعة، وتعالى التصفيق.

ابتسم مراد: «مبروك يا ريحانة، تستحقيها».

قالت ريحانة بدموع فرحة: «شكرًا».

احتضن أدهم ابنته بفخر، لتبكي من الفرحة في حضنه، ثم رفعت رأسها لتجد سليم أمامها يتأملها. ابتسمت له بفرحة، بينما بادلها الابتسامة بعشق.

قال المذيع: «يا ريت آنسة ريحانة تتفضل على المنصة عشان تستلم الجائزة وعقد الاستثمار».

توجهت ريحانة نحو المنصة، وسط أنظار الجميع حولها. صعدت درجات السلم بخفة حتى وصلت إلى لجنة التحكيم، وسلمت عليهم جميعًا، ثم استلمت الجائزة.

تساقطت دموعها بفرحة، وهي تنظر لجميع الحضور في القاعة، الذين وقفوا يصفقون بحرارة، بينما أضواء الكاميرات مسلطة عليها.

وفجأة، لمحت سليم يخرج من الصف ويتوجه إلى خارج القاعة بعدما اطمأن عليها.

تعالت أنفاسها بشدة عندما رأته يقترب من باب القاعة، وعلى وشك الخروج، لتجد نفسها فجأة تنزل سريعًا على درجات السلم وتركض نحوه.

وعندما شعرت إن كعب الحذاء يعيق حركت قدمها، بدون تفكير خلعته ورمته على الأرض.

الجميع ينظر لها باستغراب، استدار سليم على غفلة عندما شعر بحركة غريبة وسط الحضور.ليجدها فجأة تركض تجاهه حافية القدمين، بعدما خلعت الحذاء ذا الكعب العالي.

توقف وهو ينظر لها بذهول وعدم تصديق، حتى وصلت أمامه وهي تتنفس بسرعة. ظلت لثوانٍ قبل أن تندفع فجأة وتقفز داخل حضنه، ليلتقطها سليم على الفور، وهو يحتضنها ويجذبها بشدة إليه، بينما فلاشات الكاميرات تتضارب بجنون حولهما، تتسابق لتسجيل تلك اللحظة التاريخية.

تعليقات