رواية غالية سيدة قلب يونس الفصل الثاني والعشرون
أخد يونس «سمر» ونزل بيها تحت متوجهين للمكتب، وكانت سمر ماشية جنبه وهي مترعشة وخايفة من اللي مستنيها. وأثناء ما هو نازل بيها، شاف في طريقه الحاجة «حكمة»، فوقف وقال لها:
ـ «يا خالة حكمة.. معلش، اطلعي قولي لغالية إن العمدة يونس عايزها تنزل له تحت في المكتب.»
حطت خالة حكمة إيدها على قلبها بحب وقالت:
ـ «عيني يا ابني.. حاضر، من عيوني.»
كمل يونس طريقه للمكتب ودخل مع سمر وقفلا الباب. وفي الوقت نفسه طلعت خالة حكمة بخطوات سريعة لحد ما وصلت لجناح الحريم. فتحت الباب فلاقيت غالية وزينب وكريمة وروية قاعدين بيصفّوا الهدوم ويرتبوا حاجات الفرح. قربت منها خالة حكمة وقالت بابتسامة دافية:
ـ «غالية يا بنتي.. العمدة يونس عايزك تحت في المكتب بتاعه، وقال لي أنزل أقولك تنزلي له فورًا.»
وقفت غالية بتوتر محبب وقالت:
ـ «حاضر يا خالة حكمة.. نازلة معاكي أهو.»
بصت للبنات وقالت بابتسامة:
ـ «هروح يا بنات أشوف يونس عايز إيه وأجي لكم على طول.»
ضحكت زينب وقالت بغمزة هزار:
ـ «روحي يا أختي.. يا بختك! هو حد قد العمدة؟! بس هو إشمعنى يونس بعث لك، ومنصور ما بعثليش أنا كمان عشان أروح له؟! هو حد لاقي؟!»
ضحكوا البنات بصوت عالي، فسابتهم غالية وهي بتضحك ونزلت ورا خالة حكمة.
وأثناء ما غالية نازلة هي وخالة حكمة على السلم، صدفة قابلت «نعمة» وهي طالعة وعينيها ماليها الغيظ والشر. كانت غالية نازلة وهي رافعة راسها بشموخ وعزة، وبتتمخطر في مشيتها بثقة وقوة جديدة مبهرة.
رفعت نعمة عينيها وبصت لها من تحت لفوق بحقد وقرف، وقالت بصوت مسموع ومليان سخرية:
ـ «عشنا وشفنا.. خدمتنا ماشية بتتمخطر! ناس هاصت وناس لاصت!»
بس غالية ما بقتش زي الأول.. بقت قوية وما بقتش تسكت لحد. وقفت في وشها بكل ثبات وقالت بحدة:
ـ «احكمي لسانك زين يا نعمة، عشان ما ترجعيش تزعلي من اللي هيجرى لك!»
ردت نعمة بغيظ وهي بتكتف إيديها:
ـ «ومين ده اللي هيزعلني إن شاء الله؟! ما تكونيش أنتِ يا بت الخدامة؟! ما بقاش إلا أنتِ!»
قربت منها غالية خطوة، وبصت لها بكل برود واستفزاز وقالت:
ـ «سبحان الله.. اللي زيك يا ولية في الوضع اللي أنتم وبنتك فيه ده، المفروض تكونوا حاطين عينكم في الأرض من الفضيحة، مش تمشوا تتبجحوا على خلق الله!»
جن جنون نعمة، وقالت بصوت عالي ومهتز:
ـ «أنا بنتي ما عملتش حاجة! وأقطع لسان اللي يجيب سيرة بنتي بكلمة عفشة!»
ابتسمت غالية ببرود قاتل وقالت:
ـ «والله ما حدش جاب سيرة بنتك بحاجة عفشة.. بنتك هي اللي جابت العفش كله لحد عندها بمعرفتها! يلا.. أما أنزل أشوف يونس عايز إيه.. عمدتنا مستنيني!».. وسابتها وكملت طريقها بكل كبرياء.
اتغيظت نعمة لدرجة إن وشها احمر ودمها فار، وطلعت تكمل طريقها وهي بتبرطم بكلام غير مفهوم من كتر الغيظ.
ضحكت خالة حكمة بصوت عالي وهي ماشية ورا غالية، وقالت بإعجاب:
ـ «أباي عليكِ يا غالية يا بنتي.. والله بردتِ قلبي! ادخلي ليونس، وأنا هعمل لكم حاجة دافية تشربوها وأجي لك.»
دخلت غالية المكتب بخطوات ثابتة وقلب ثابت..
وفي داخل المكتب قبل دخول غالية بثوانٍ..
أول ما دخلت سمر مع يونس وقفلوا الباب، كانت سمر بتفكر في مصيبتها وإزاي تهرب من الجوازة المنحوسة دي ومن العقاب. ولمحت إن يونس لسه هيبدأ يحقق معاها، لمعت في دماغها شيطانة الخطة.. عرفت إن غالية هي اللي هتدخل عليهم دلوقتي، وقالت لنفسها إنها لازم تعمل أي مصيبة توجع بيها غالية وتوقع بينها وبين يونس، يمكن تنقذ نفسها أو تبعد الشبهة عنها!
وبمجرد ما حست إن غالية قربت تنزل وتوصل لباب المكتب، قررت سمر تنفذ لعبتها القذرة بسرعة البرق.
جريت عليه بدموع مصطنعة، وراحت ماسكة إيده برجاء وذل وهي بتقول بصوت مهزوز:
ـ «أحب على إيدك يا يونس.. والنبي ما تجوزنيش لرجب! والله ما بحبه، هو اللي جالي الأوضة ودخل عليّا غصب عني! أنت عارف يا يونس.. أنت عارف إني من يوم ما وعيت على الدنيا وأنا بحبك أنت! عشان خاطري يا يونس، ما تجوزنيش لرجب.. أنا بكرهه وما بطقوش! اتجوزني أنت يا يونس، وخليني.. والله هبقى خدامة تحت رجليك!»
تسمّر يونس مكانه من الصدمة وقسوة كلامها، وعينيه اتوسعت بعدم تصديق من الجرأة دي وهو لسه هيبعدها عنه ويزعق فيها...
وفي نفس اللحظة دي، سمعت سمر صوت خطوات غالية بتقترب من الباب وبره بتستعد تدخل..
فمن غير ما تتردد ثانية واحدة، نطت سمر ورمت نفسها في حضنه مرة واحدة، وعلّت صوتها بتمثيل ودموع وهي حاضناه وتقول بوقاحة:
ـ «بحبك قوي يا يونس! بحبك وما أطيقش أشوفك بتتجوز غيري، ولا أنا ممكن أكون لغيرك! أنا عمري ما تخيلت نفسي مع راجل إلا أنت.. وأنا موافقة أكون زوجتك التانية، بس ما تسيبنيش!»
اتصدم يونس صدمة عمره من حركة سمر المفاجئة دي ومن قوتها وهي حاضناه بالشكل ده، ولسه بيدفعها بقوة عنه عشان يبعدها...
وفي نفس اللحظة الدقيقة، اتفتح باب المكتب ببطء، ودخلت «غالية» بخطوات واثقة...
لتتفاجأ غالية بـ «سمر» وهي حاضنة يونس بالمنظر الفاضح ده جوه المكتب!
فتتفاجأ غالية وتتصدم من الوضع ده.. تتجمد في مكانها ثواني معدودة كأن صاعقة ضربتها، وعيونها تتسع بذهول وقهر من المنظر قدامها. لكن الصدمة بتتحول في لحظة لغبار ونار تحرق الكل!
تطلق غالية شهقة قوية مليانة غضب، ومن غير تردد ولا تفكير، تندفع زي العاصفة وتهجم على سمر، وتمسكها من شعرها بكل قوتها وتنزل فيها ضرب بقهر وهي بتصرخ بجنون:
ـ «يا نهاركم طين وبطين! إنتِ اللي جابك هنا يا حقيرة؟! بتعملي إيه يا قليلة الرباية والخِشة؟!»
كانت سمر بتصوت وتتلوى تحت إيديها، وغالية ماسكاها من شعرها وبتضرب فيها بدم بارد وغيظ سنين، وتقول بصوت عالي بيترعش من قمة الغضب:
ـ «أنتِ مين سمح لك تمدي إيدك وتلمسي جوزي يا حيوانة؟! يا قليلة الأصل والترباية! حسك عينك.. اسمعيني زين.. حسك عينك تمدي إيدك على أي حاجة تخصني، وبالذات يونس! لو شفتك بترفعي عينك فيه بس يا سمر، مش تلمسيه ولا تيجي جنبه.. ده لو بصيتِ له بعينك بس، هأخلع العينين دول بإيدي!».. ومدت إيدها بحركة مرعبة عند عينيها كأنها هتنفذ تهديدها فعلًا.
كانت سمر بتصوت بهستيريا وتعيط وهي مستخبية من ضرب غالية، وبتزعق بصوت مخلوع:
ـ «الحقني يا يونس! الحقني يا يونس، هتموتني!»
لكن غالية ما ادّتش فرصة لحد، فضلت ماسكة فكها وبوقها بإيدها التانية بضغط جامد وقالت بصوت مهدد ومرعب:
ـ «ولسانك.. لسانك اللي بتنطقي به اسم جوزي ده، والله لأقطعه لك يا سمر! وهأربيكِ من أول وجديد! أنا كنت متساهلة معاكي في كل حاجة عملتيها قبل كده، بس تيجي عند جوزي وتلعبي اللعبة دي؟! والله وألف والله هتشوفي مني وش تاني خالص ما عرفتيهوش قبل كده! أنتِ فاهمة زين يا بنت أنتِ؟! قومي.. قومي يا قليلة الرباية يا عفشة!»
وفي الوقت ده، كان «يونس» واقف مكانه مذهول ومش مستوعب اللي بيحصل قدامه بسرعة البرق دي كلها. ولما لقى الوضع بيخرج عن السيطرة، اتحرك بسرعة عشان يشد غالية ويبعدها عن سمر.
بس أول ما قرب، التفتت له غالية وعيونها بتطلع شرار، وصرخت في وشه بنبرة حادة وصارمة:
ـ «إياك.. إياك تلمسني أو تيجي جنبها وتشيلها من قدامي! أنت فاهم يا يونس؟! خليك بعيد عنها أحسن لك!»
رجع يونس خطوة لورا بحيرة ودهشة من قوة غالية وثورتها، ورجع يحاول يهدئها بهدوء وهو بيمد إيده يشدها بحذر وبكل قوته عشان يبعدها عن سمر اللي كانت منكمشة على نفسها وبتعيط بانهيار، وهو بيقول:
ـ «خلاص.. بكفاية يا غالية، بكفاية! أخدت جزاءها، ولسه والله هتاخد مني جزاء أثقل.. خلاص يا قلبي، اهدي.»
فضل يونس يحاول يشيلها عنها بكل حنية وقوة لحد ما قدر يبعدها عن سمر تمامًا، وفضل ضامم غالية لصدره واخدها في حضنه عشان يهدي أنفاسها المشتعلة، وهو بيطبطب عليها بحب ويقول:
ـ «حقك عليّ أنا يا غالية.. اهدي، اهدي خالص، ما تستاهلش حتى تتعصبي عشاني.»
أما «سمر»، فكانت قاعدة على الأرض مكومة، عينيها وارمة من العياط والضرب، وبتنوح بوجع وهي بترتجف من الخوف.
فبص لها يونس بعيون مليانة شرار وغضب أسود، وقال بصوت رعدي هز أركان المكتب:
ـ «اطلعي برّه.. ولينا كلام تاني بعدين!»
وقفت «غالية» قدامه بحدة وقالت برفض:
ـ «لا.. مش قبل ما أعرف هي كانت هنا بتعمل إيه الأول يا يونس!»
التفتت غالية بعيون كلها شرار لـ سمر، وقالت بصوت حاد ومليان قهر:
ـ «انطقي.. كنتِ بتعملي إيه هنا يا بت أنتِ؟! إيه اللي جابك في مكتب جوزي؟!»
فضلت سمر منكمشة على نفسها ومرعوبة من ضرب غالية ومنظره، فما ردتش.. فقالت غالية بسخرية:
ـ «مالك؟! القطة كلت لسانك ولا إيه؟! ما تردي يا بت!»
هنا تدخل يونس، وقال بهدوء وهو بيبص لغالية بنظرة خفيفة فهمتها في ثواني:
ـ «اهدي يا غالية.. أنا اللي جبتها هنا عشان أواجهها.»
غمز يونس لغالية بعينه إشارة خفية إنها تسيبه يدير الحوار عشان يوقع سمر في الكلام وتفضح نفسها بنفسها. فهمت غالية قصده على الفور، فبدأت تلعب اللعبة بذكاء، وقالت بتهكم واستفزاز لسمر:
ـ «آه.. شفتي بقى؟! حتى اللي كان جاي عشان يدّعي إنه بيموت في دبديبك، ما طلعش بيحبك ولا يحزنون، ده رمى بلاويه عليكِ في أول دقيقة واعترف بكل حاجة!»
رفعت سمر عينيها المدمعة بذهول وقالت بصوت متهدج:
ـ «رجب.. رجب اعترف بإيه؟! هو قال إيه عني؟!»
ابتسم يونس ببرود وقال:
ـ «اعترف بالخطة اللي دبرتيها أنتِ وهو عشان توقعوا بيني وبين غالية.. ودلوقتي، يا إما تعترفي بكل تفصيلة من غير لف ولا دوران، يا إما والله ما هرحمك لا أنتِ ولا هو، والنهارده في كتب الكتاب هخلي عيشتكم جحيم ظاهر للكل، وهأقول للنجع كله على اللي إحنا شُفناكم فيه في وضع فاضح وهنفضحكم على أصولكم!»
هنا رعب الدنيا كلياتها دخل قلب سمر، وتجمد الدم في عروقها.. خافت من الفضيحة قدام النجع كله، وفكرت إن رجب باعها وفضح كل حاجة، فنهارت وقالت بصوت متهدج كله عياط وترجّي:
ـ «والله.. والله ما قال لي على الخطة بالتفصيل! هو قال لي صحيح إن إحنا عايزين ننتقم منكم، وإن هو عايز غالية، وأنا كنت عايزاك يا يونس، وعشان كده هندمر حياتكم بالبطيء.. لكن واللهِ واللهِ ما قال لي على الخطة اللي ناوي عليها! وعشان كده أنا كنت باتهوش معاه أصلًا وكان بيقول لي: "هأقول لك الخطة في الوقت المناسب".. لكن واللهِ ما أعرف أي حاجة تاني! ما تظلمونيش.. أنا ماليش دعوة، هو اللي كان جاي بيخطط ويزن على دماغي، واللهِ أنا ماليش دعوة!»
بصّت غالية ويونس لبعض بنظرة طويلة مؤكدة؛ لقد تأكد إحساسهم وصحت شكوكهم، وعرفوا كل اللي كانوا عايزين يعرفوه من لسانها وهي خايفة!
هنا لمعت في عيون يونس شرارة الانتقام، وتقدم منها خطوة ثابتة وبص لها بنظرة مرعبة، وقرب منها لحد ما بقى وشّه قريب منها، وقال بصوت واطي ومخيف بفحيح يشبه الأفعى:
ـ «واللهِ يا بنت عمي.. ما هتشوفي لا أنتِ ولا رجب راحة في حياتكم واصل! وهأكون أنا "الحنش" اللي هيلف عليكم أنتم الاتنين، ويقرصكم في كل خطوة لحد ما تمنّوا الموت وما تلاقوهوش!»
سمر خافت وارتعبت، وفضلت تعيط وترجّي بانهيار:
ـ «لا يا يونس.. والنبي لا! أنا ماليش دعوة، والله ما عملت حاجة!»
وحاولت تمد إيديها عشان تمسك طرف إيده، لكن يونس انتش إيدها منه بسرعة وبقرف، ورجع خطوة لورا كأنه بيبعد عن أذى.
وفي اللحظة دي، تقدمت «غالية» بسرعة ووقفت قدامها بقامة منتصبة وقالت بصوت حاد يقطر قوة:
ـ «لمي إيدك يا بت أحسن أكسرها لك! ومش قلت لك اسم يونس ده ما يجيش على لسانك واصل؟! اسمعي يا سمر.. لو ما اتلمتيش وعقلتي، هأكرشك من الدار كلياتها أنتِ وأمك، ومش هينفعكم لا رجب المحروس بتاعك ولا أي كائن كان! وما تنسيش إن نص الدار دي باسمي أنا.. حطي عقلك في راسك عشان تعرفي خلاصك، واللي هيحصل لو اتجرأتِ وعملتي حركة تانية، ما هأقولكيش بقى هعمل فيكي إيه!»
بصت لها سمر من تحت لفوق بنظرة مليانة حقد، وغل، وغيظ أسود، وقالت بصوت مهزوز من القهر:
ـ «بقى كده يا غالية..»
قاطعتها غالية بكل جبروت وشموخ وهي بتقرب منها:
ـ «ستك غالية يا بت! من النهارده، هتتعلمي تحترمينا وتعرفي مقامك غصب عنك!»
هنا تدخل يونس، وقال بصوت حاسم ورعدي لسمر:
ـ «قومي.. لملمي نفسك، واطلعي على أوضتك، وما تطلعيش منها واصل غير بأمري.. أنتِ سامعة ولا لأ؟!»
أخذت سمر بعضها، وكانت متغاظة لدرجة إنها هتموت من الغيظ والقهر، ومش طايقة نفسها، وطلعت تجري على السلم وهي بتجرجر خيبتها وفضيحتها وراها.
أول ما مشيت سمر وبقيوا لوحدهم، بص يونس لغالية لقاها واقفة مربعة إيديها وشاربة الدم من الغيرة، فما قدرش يمسك نفسه وطلع ضحكة عالية، رجولية وجذابة هزت أركان المكتب.
بصت له غالية بعيون مبرقة وقالت بقهر مكتوم:
ـ «واه! وليك نفس تضحك كمان يا يونس؟! دنا كنت هقوم أقتلها في إيدي!»
قرب منها يونس وخطفت عينيه نظرة إعجاب، وقال بصوت دافئ ومغازل:
ـ «أول مرة أعرف إنك مجنونة كده.. وإنك بتغيري عليّ بالشكل ده يا بت!»
وقبل ما ترد، شدها من وسطها عليه بقوة وحنان، فبصت له بدلع وقالت:
ـ «لا يا حبيبي.. أنا مش مجنونة، بس لما الموضوع بيجي عندك أنتَ.. أنا بتجنن بجد وما بعرفش أعمل في نفسي إيه!»
ضحك يونس جامد على كلامها وبريق عيونها، فقالت بجدية وهي بتبص على هدومه باشمئزاز وغيرة طاغية:
ـ «بطل ضحك عاد يا يونس! بقولك إيه.. اطلع غير هدومك دي حالًا.. لا، أقول لك إيه؟ اقلعها وأحرقها! ولا أقولك.. هاتها لي وأنا اللي هحرقها بإيدي!»
سألها باستغراب مصطنع وهو بيبتسم:
ـ «ليه يا ستي؟! مالها هدومي؟!»
ردت بعصبية وغيرة واضحة:
ـ «ومالهاش فين يا عمدة؟! مش المحروسة عديمة الحيا والخِشة كانت حضناك ولمستك بإيديها الوسخة دي؟! تطلع طوالي يا يونس.. تخلع هدومك دي وتولع فيها! سامع ولا لأ؟! وما تكلمنيش خالص النهارده!»
وبعدت عن حضنه بحركة رقيقة، ولفت وشها للناحية التانية، وطلعت ماشية وهي بتتمايل بقمة الدلع والغرور الأنثوي الساحر.
وقف يونس باصص لها بذهول مصطنع وهي ماشية، وابتسم بحب غامر وقال لنفسه:
ـ «واه.. البت اتجننت.. والله العظيم اتجننت!»
وبعدين ابتسم ابتسامة واسعة من قلبه، وبص في أثرها وقال بصوت هامس يعج بالهيام:
ـ «بس عاجبني جنانها بنت الإيه دي.. آه بحبك يا بت!»
وفي جناح الحاج نعمان..
كان قاعد مع الحاجة صفية، وهي بتسأله باهتمام:
ـ «هنعمل إيه النهاردة يا حاج نعمان؟ الفرح على الأبواب!»
رد عليها بهدوء وهو بيشرب شايه:
ـ «ولا حاجة يا صفية.. المأذون هيجي عشية، وهنكتب كتاب رجب وسمر في السر زي ما اتفقنا.»
قالت بذهول:
ـ «يعني ما هنعملش حاجة خالص كده للعيال؟! والناس اللي هاصت دي؟»
هز راسه وقال بجدية:
ـ «لأ يا صفية.. هنعمل إيه يعني في مصيبة زي دي؟! بس عندي شغلانة أهم.. عايز جناح أخويا المرحوم -رضوان الله يرحمه- يتنضف كويس قوي، لأن الجناح ده أكبر وأوسع جناح في البيت، وهو ده اللي هيكون ليونس وغالية.»
فتحت صفية عينيها بقلق وقالت:
ـ «جناح المرحوم رضوان يا حاج؟! بس.. بس ده مقفول من سنين، وكل حاجة فيه زي ما سابها يوم ما مات، والكل كان طمعان فيه!»
قال نعمان بحسم:
ـ «عارف يا صفية، وعارف إن كل حاجة من يوم ما سابها رضوان وهي على حالها.. عشان كده عايزكم تفتحوه وتنضفوه أنتِ وحكمة، ومش عايز مخلوق في الدار دي يعرف خالص، ولا يحس بحاجة، لحد ما أجهزه بنفسي ليونس وغالية.»
قالت بطاعة واحترام:
ـ «عيني يا أخويا.. حاضر، اللي تأمر به هيكون. هقوم أنا بقى دلوقتي أشوف اللي ورايا.»
قال بابتسامة رضا:
ـ «طيب يا أم يونس.. روحي ربنا يعينك.»
وفي ناحية تانية من الدار.. عند وصال ورجب..
كانت وصال قاعدة قدام ابنها رجب، وعينيها ماليها الغيظ والقهر، وقالت بحدة:
ـ «هااا.. هتعمل إيه دلوقتي يا رجب؟! هتتجوز سمر بالسيف؟! وقعت نفسك في أكبر مصيبة وبلوة ممكن الواحد يوقع نفسه فيها يا ابن بطني!»
اتنفض رجب من مكانه بغضب، وزعق بصوت عالي:
ـ «أما كفاية حديث ماصخ بقى يا أمه! أنا لا هتجوز سمر ولا غيرها! أنا هاخد اللي عايزها بكيفي وبمزاجي، ومش عيل في البيت ده اللي هيمشي كلمته عليّا!»
وفي اللحظة دي.. اتفتح الباب بعنف، ودخل «عبد الحميد» وشرار الغضب يطلع من عيونه، فقال بصوت رعدي هز الأوضة:
ـ «كيف يا حيلت أمك هتاخدها بكيفك وبمزاجك؟! اسمع يا واد أنت.. لحد هنا وبس، الكلمة وقفت! الكلام ما بقاش على راجل بشنبات، والكلمة منك تنزلني الأرض! مالك تبيع وتشتري في ابنك؟! النهاردة هيكتب كتابك على سمر عشية، وغصب عنك وعن أي حد هتتجوزها!»
هجمت وصال بسرعة ووقفت في وش جوزها بعصبية وقالت:
ـ «لاا بقى.. خلاص، طفح الكيل! جرى إيه يا عبد الحميد؟! ابني قال إنه مش هيتجوزها، يعني مش هيتجوزها! مالك كده؟! الكلمة اللي أنا هقولها هتتسمع، ابني مش هيتجوز سمر يا عبد الحميد!»
بص لها عبد الحميد باحتقار وقال بحدة:
ـ «جرى إيه يا مرة؟! خلاص.. الكلمة اللي أنا قلتها هي اللي هتمشي، ومش هتصغروني قدام الناس أكتر من كده! مش كفاية أخواتي والعيال بيقولوا إن شروطكم ماشية بكلمتكم؟! أنا شرطي من النهاردة: الكلمة اللي هأقولها هي اللي هتتسمع، وابنك هيتجوز سمر يعني هيتجوزها يا أستاذ! عاجبك عاجبك.. مش عاجبك، تاخدي بعضك وتغوري عند أهلك، ده لو استحملوكي أصلًا!»
التفت بعد كده لابنه اللي كان بيبصله بغيظ وحقد، فقال بصوت حاسم:
ـ «وجهز نفسك يا رجب.. عشية كتب كتابك على سمر، أنا قلتها لك أها!»
وخد بعضه، وخبط باب الأوضة وراه بقوة وهو ماشي.
وعند عبد الرحيم ومنصور..
كان عبد الرحيم قاعد وحاطط إيده على رأسه بتعب، فبص له منصور بضيق وقال:
ـ «وبعدين يا أبا؟ هتفضل ساكت كده كتير؟! دي بقت فضيحة تكسر الجلابيات!»
اتنهد عبد الرحيم بحسرة وقال:
ـ «والله يا منصور يا ولدي.. بندم إني سِبت نعمة أمك تربيها، طلعت كيفها، نبهة أزرق! الناب ما تعرفش لا أصل ولا تربية ولا خِشّة، ربتها على الكره والغل لحد ما ضيعت بنتها بإيديها الاتنين!»
قال منصور بأسى وقهر:
ـ «مش عارف أقولك إيه يا أبوي.. بس يونس خلاص قد كلمته، وقال هيكتب كتابهم بالسر، ومحدش من برّه هيعرف.. ربنا يسترها، أنا خايف أمي ولا سمر هما اللي يفضحونا في الآخر.»
بص له عبد الرحيم بنظرة غامضة وقال:
ـ «ولا رجب.. رجب ممكن يخلع منها وما يرضاش أصلًا.»
وقف منصور على حيله فجأة، وعيونه حمرا من الغضب وقال بصوت يقطر غل:
ـ «ساعتها.. والله العظيم لأشرب من دمه، وأقطع جثته قطعتين!»
قال عبد الرحيم بهدوء وهو بيهديه:
ـ «هدي نفسك بس دلوقتي يا ولدي.. واللي ربنا عايزه هيكون.»
وفي الوقت نفسه.. عند يونس..
كان واقف في الجنينة وماسك التليفون بيكلم «أيمن»، وقال له بنبرة عملية:
ـ «اسمع يا أيمن.. أنا هبعت لك حمزة دلوقتي، عشان عشية تجيبوا المأذون وتيجوا على هنا.. وحمزة هيبقى يقولك على الحكاية بالتفصيل أول ما يوصلك، ومش عايز مخلوق يعرف بأي حرف من اللي هيقوله لك، سامع؟»
رد أيمن بسرعة واحترام:
ـ «أكيد يا عمدة، متقلقش.. بس كان فيه موضوع كده عايز أقوله لك قبل ما حمزة يوصل، أصله ما شاء الله حكاويكم ما بتخلصش!»
ضحك يونس بصوت عالي وقال:
ـ «في إيه يا واد؟! اخلص، ادخل في الموضوع على طول!»
قال أيمن بتردد وخجل:
ـ «والله يا عمدة.. أنا كنت حابب أطلب إيد كريمة.. لو الوضع يسمح عندكم يعني، وأنا خايف لا تكون هي اللي هتتجوز ولا حاجة أصلًا!»
ضحك يونس بصوت عالي أكتر على طريقته، وقال:
ـ «لأ يا عم.. ما تقلقش، مش هي اللي هتتجوز! عموماً، سيب الموضوع ده يومين تلاتة كده، وبعدين أطلبها براحتك، وما تقلقش خالص.. كريمة هتكون ليك وحدك! يلا، أنا هقفل دلوقتي عشان ورايا بلاوي عايز أخلصها.»
قفل يونس التليفون، والتفت لقى «منصور» و«حمزة» واقفين جنبه، فنادى عليهم وقال بجدية:
ـ «بقولكم إيه يا رجالة.. يا حمزة، عاوزك تاخد بعضك وتروح حالًا لـ أيمن، وهناك هتتفقوا أنتم الاتنين وتجيبوا المأذون وتيجوا على هنا بالليل.. سامعين؟»
هز حمزة راسه بثقة وقال:
ـ «اعتبره حصل يا يونس.. المأذون هيكون هنا عشية، ومتقلقش!»
وفي جناح نعمة وسمر..
كانت حكمة دخلت عندهم وبلغتهم بالخبر الصاعق، فوقفت نعمة بصدمة، وبصت لـ سمر بابتسامة سخرية وقهر وقالت:
ـ «سمعتي يا عروسة؟! جهزي نفسك يا أختي.. جهزي نفسك خلاص، كبرتي وهتتجوزي رجب اللي لا ليه شكل ولا منظر ولا لازمة في الحياة، واللي طوليه مش هتطولي غيره ولا هتشوفي أي حاجة حلوة واصل!»
اتنفضت سمر بقهر ودموعها نازلة بغزارة، وقالت بصوت مكسور ومرتجف:
ـ «بطلت تقطيع فيا يا ياما.. أنا مش ناقصة! هو إنتِ مش كفاية شايفة اللي أنا فيه؟! هتجوز واحد تاني غصب عني! أموت نفسي؟! أهرب؟! ولا أعمل إيه؟! فكري معايا يا ياما.. هتسيبيني في المصيبة دي لوحدي؟! الحقيني يا ياما، ما تسيبينيش، ما تخليهمش يجوزوني لرجب!»
ردت نعمة بضعف وعجز لأول مرة يبان عليها، وقالت وهي بتتهرب من الموقف:
ـ «اهدي.. ما فيش في إيدي حاجة أعملها يا بنتي! ما خلتليش عين أتكلم قصاد حد بعد اللي عملتيه.. اكتبي كتب الكتاب دلوقتي، وبعدين هنشوف هنعمل إيه!»
وسكتت نعمة وهي لأول مرة في حياتها مش عارفة تتصرف ولا تلاقي مخرج، خصوصًا إن عبد الرحيم ما شافتهوش من ساعة اللي حصل، ولا منصور ولا أي حد في الدار راضي يوقف معها أو يبص في وشها.
وفي المجلس الكبير بالدار..
كانت الرجالة قاعدين كلهم، ورجب قاعد غصب عنه، دراعه مربوط في شاش أبيض، وآثار الكدمات والضرب واضحة في كل حتة في وشّه وجسمه.
وفي الجهة التانية، كانت الحريم متجمعين.. زينب وغالية وروية وكريمة قاعدين جنب بعض بهدوء وشموخ، وفي الناحية المقابلة كانت صفية ووصال ونعمة قاعدين جنب بعض، عيونهم بتبص لبعض بغل وحقد، مش طايقين نفسهم ولا طايقين طقّة الحريم التانيين، وتترأسهم الجلسة كأنهم بيراقبوا المشهد بقلوب محروقة.
نزلت «سمر» من فوق بخطوات ثقيلة ومهزوزة، وكانت لافة نفسها بفستان لونه أسود كأنها رايحة مأتمها، وعينيها وارمة وحمرا من كتر العياط والقهر، ووقف عبد الرحيم ومنصور جنبها بملامح جامدة وخالية من أي مشاعر.
في اللحظة دي، بدأ الشيخ يقرأ الكلمات ويبتدي في إجراءات كتب الكتاب..
كانت سمر قاعدة عيونها بتلف في المكان بوجع، فوقعت عينها على «غالية» وهي قاعدة جنب يونس بكل شموخ وثقة، رافعة راسها ومبسوطة وبتضحك معاه بعيون مليانة حب واطمئنان. وبصت جنبها فلاقيت منصور وزينب نظراتهم مليانة ودّ، وحتى لاحظت بخطفة عين نظرات الإعجاب والقبول المتبادلة بين «أيمن» و«كريمة» اللي كانت مكسوفة ومرتبكة.
دارت في دماغ سمر كل الأفكار بنيران حارقة، وقالت في نفسها بغل وغيظ وقهر:
ـ «فعلًا.. كل واحد هنا أخد اللي هو عايزه، واللي ما كانش حد يقدر يطولني أو يقدر عليّ.. أهو بيجوزوني غصب عني وعن الكل! والله العظيم ما هأريحكم.. ولا هأخلي البيت ده يتهنى بكم أبدًا، وهأخلي لكم الدار دي كلها حريقة تأكل الأخضر واليابس!»
