رواية مهرة في عرين القحطاني الفصل الرابع والعشرون 24 بقلم اماني سيد


 رواية مهرة في عرين القحطاني الفصل الرابع والعشرون 

ظل زيدان جالسًا أمام صفوان، وقد أخذت الصدمة تتسلل إلى ملامحه كلما أعاد التفكير في كلماته. 
- إنتَ عرفت إزاي يا صفوان؟! مين اللي قال لك إن شاهنده بنت عتمان؟ 
- احكيلي كل الحقيقة يا زيدان، من أول ما عرفت شاهنده لحد ما اتجوزتها، وأنا هقول لك عرفت إزاي، وإيه اللي حصل. بس عايزك تحكي لي كل حاجة بالتفصيل، حتى لو فيه حاجات إنتَ شايف إنها مش مهمة.
تردد زيدان قليلًا، ثم أطلق زفرة طويلة، وكأنه يحاول استعادة الأحداث من بدايتها، قبل أن يبدأ حديثه بصوت اختلط فيه الاستغراب بالحيرة.
- بص يا صفوان، الحكاية بدأت من أيام الجامعة. أنا وقتها كنت في رابعة، وهي كانت لسه في أولى. في يوم، واحد من شؤون الطلبة جه يسألني عنها، وقال لي إذا كنت أعرفها أو هي بنت عمي. 
عقد صفوان حاجبيه باهتمام، بينما تابع زيدان:
- وقتها استغربت جدًا، وقلت له لأ، أنا معنديش بنت عم اسمها شاهنده، ومعرفش البنت دي أصلًا. لكن الموضوع فضل في دماغي، فحاولت أقابلها وأسألها بنفسي واتاكد انها مش بتكدب وتنسب نفسها لعيلتنا وخلاص . ولما اتكلمت معاها، أكدتلي إنه مجرد تشابه أسماء، وإنها مش قريبة ليا، وإن الموضوع كله مجرد لخبطة حصلت في شؤون الطلبة.
سكت زيدان لحظة، ثم هز رأسه 
- وأنا صدقتها يا صفوان، لأن مكنش عندي أي سبب يخليني أشك في كلامها. وبعدها بقيت أشوفها كل فترة في كافتيريا الجامعة، نتكلم شوية عن الدراسة والمحاضرات والامتحانات، وأوقات كانت بتسألني عن مواد أنا خلصتها قبل كده، بحكم إني كنت  أكبر منها. ومع الوقت بقينا نعرف بعض أكتر، لكن علاقتنا فضلت في حدود الزمالة، لحد ما اتخرجت.
كان صفوان يستمع إليه بانتباه شديد، وقد بدأ يدرك أن معرفة زيدان بشاهنده تعود إلى سنوات طويلة قبل أن تتطور علاقتهما إلى الزواج.
أكمل زيدان:
- بعد ما اتخرجت بسنة تقريبًا، لقيتها بتكلمني وبتسألني إذا كان ممكن تتدرب في الشركة عندي. أنا وافقت، وطبعًا عشان محدش من الموظفين يشك في أي حاجة أو دماغه تروح بعيد، أنا بنفسي خلصت لها ورق التدريب، وخليت كل حاجة تمشي بشكل طبيعي، زي أي متدربة جديدة.
رفع صفوان عينيه إليه وسأله:
- ومن وقتها بدأت علاقتكم تقرب؟
أومأ زيدان.
- أيوه. في الأول كانت مجرد زميلة بتتدرب في الشركة، لكن مع الوقت بقينا نتكلم أكتر، وبدأت أكتشف إنها فاهماني بطريقة غريبة. كانت بتفهم أنا عايز إيه من غير ما أضطر أشرح كتير، وتعرف تتعامل معايا في المواقف اللي كنت بتعصب فيها أو أكون مضغوط بسبب الشغل. حسيت إنها قريبة مني، وإن فيها مواصفات كتير كنت بدور عليها في شريكة حياتي.

- واحدة واحدة، لقيت نفسي اتعلقت بيها، ولما اتأكدت من مشاعري قررت أتقدم لها رسمي. وقتها كنت حاسم أمري، ومكنتش شايف إن فيه أي سبب يمنعني من الجواز منها.
تغيرت ملامحه فجأة، واختفت ابتسامته حين وصل إلى الجزء الذي ظل يزعجه حتى الآن.
- لكن قبل ما أروح أتقدم لها، كنت اتكلمت مع الكل ، قصاد عمك، وقلت له إني ناوي أتجوز . وقتها عمل مشكلة كبيرة واعترض، قولت وقتها حقه يزعل عشان خاطر انه كان بيقول زمان مهره لزيدان وزيدان لمهره بس كنت مقرر إنى مش هاخد غير اللى تريحنى وتفهمنى وقولت عمى هيزعل يومين وبعدها هروح اراضيه وخلاص 
هز زيدان رأسه، ثم أكمل حديثه وهو يستعيد تفاصيل تلك الأيام:
- المهم، بعد ما اتكلمت مع عمي، قررت إني أروح أتقدم لشاهنده، وكنت فاكر إن الموضوع هيخلص بسهولة، خصوصًا إني كنت مقتنع إنها البنت اللي عايز أكمل حياتي معاها. لكن أول ما وصلت بيتهم، اتفاجئت بوجود عمي هناك!
رفع صفوان رأسه بسرعة، وقد انعقد حاجباه بدهشة واضحة.
- عمك كان هناك؟! وإنتَ مكنتش تعرف إنه رايح؟
- لأ، والله ما كنت أعرف أي حاجة. أنا روحت في معادي، ولما دخلت لقيته قاعد مع أهلها، وشاهنده كانت قاعدة ساكتة، ووشها متغير. استغربت طبعًا، لكن عمي قام سلم عليا وكأن مفيش أي حاجة غريبة حصلت، ولا كانه كان معترض على ارتباطى بحد تانى غير مهره  وبعدها طلب مني أقعد معاه شوية على انفراد.
صمت زيدان لحظة، ثم تابع:
- أول ما بقينا لوحدنا، بدأ يتكلم معايا بطريقة عمري ما أنساها. قالي إن شاهنده بنته، وإنها عايشة هي وأمها بعيد عن العيلة، وإنه بنفسه اللي طلب منها ماتقولش لحد إنها بنته، وهددها لو حاولت تكشف الحقيقة قبل ما هو يسمح لها.
تبدلت ملامح صفوان، بينما استطرد زيدان:

- قالي إنه كان خايف عليها من كلام الناس، وإنه مش عايز حد يعرف إن عنده بنت من زمان، وإنه كان بيحاول يحميها ويحمي أمها من مشاكل كتير. فضل يحكيلي عن الظلم اللي هما عايشين فيه، وإن شاهنده وأمها مالهمش ذنب في أي حاجة، وإنهم طول عمرهم عايشين في الضل، محرومين من أبسط حقوقهم، وإنه نفسه يشوف بنته سعيدة ومستقرة.
تنهد زيدان، ثم مرر يده على وجهه قبل أن يضيف:
- وأنا بصراحة اتأثرت بكلامه يا صفوان. كنت شايف إن عمي مهما كان غلط في حقهم، فهو في الآخر أبوها، وإنه أكيد عنده أسبابه اللي مخلياه مخبيهم عن العيلة. ولما لقيته بيطلب مني إن الموضوع يفضل سر بيني وبينه، وإن محدش يعرف حقيقتة لحد ماهو يقول بنفسه ، وافقت.
- وافقت إزاي يا زيدان؟! إنتَ كنت داخل تتجوز بنت عمك، إزاي تقبل إنك تخبي حاجة زي دي عن أبوك وأهلك كلهم؟
تنهد زيدان وأطرق برأسه.
- عارف إنك شايف إن ده غلط، وأنا دلوقتي لما برجع أفكر في الموضوع، بسأل نفسي نفس السؤال. لكن وقتها كنت فاكر إني بساعد شاهنده، وإن سكوتي هيحميها من المشاكل. وعمي أقنعني إن إعلان الحقيقة ممكن يقلب الدنيا، وإنه مش مستعد يخسر بنته بسبب خلافات العيلة.
ثم رفع عينيه إلى صفوان واستكمل:
- وفعلاً  محدش كان عنده أي فكرة عن الحقيقة. حتى بابا، لما حكيت له إني هتجوز شاهنده وقولتله على موضوع عمى فى الاول اعترض لكن قدرت اقنعه إن فى الاول والاخر هى ومهره اخوات، وإن عمي موافق على الجواز بس عايز الموضوع يفضل سر، استغرب جدًا وسألني عن السبب.
- وإنتَ قلت له إيه؟
- قلت له إن دي حاجة خاصة بعمي، وإنه عنده ظروف مش حابب يتكلم عنها، وإنه طلب مني ما أفتحش الموضوع مع حد. بابا وقتها مكنش مقتنع تمامًا، لكنه احترم رغبتي، خصوصًا إني أكدت له إن الجواز رسمي وإن شاهنده بنت محترمة، وإن مفيش أي حاجة غلط في الموضوع نفسه.
سكت زيدان قليلًا، ثم ظهرت على ملامحه ابتسامة باهتة وهو يتذكر يوم زفافه.
- ويوم جوازنا، عمي حضر، وكان بيتعامل مع شاهنده بحذر شديد، لا قرب منها زيادة ولا أظهر أي حاجة ممكن تلفت نظر حد. والغريب إن أخوها هو اللي كان وكيلها في الجواز، ووقتها أنا ماوقفتش عند النقطة دي، لأن عمي كان موضح لي إنهم عايشين بعيد عن العيلة، وإن دي الطريقة اللي اتفقوا عليها.
تراجع زيدان في جلسته، ثم قال بصوت أكثر انخفاضًا:
- اتجوزتها وأنا فاكر إن السر ده هيفضل بينا للأبد، وإن مع الوقت عمي ممكن يراجع نفسه ويعلن الحقيقة، خصوصًا بعد ما شاهنده تبقى في بيتي وتستقر حياتها. 
ظل صفوان صامتًا للحظات، غارقًا في التفكير فيما سمعه من زيدان، قبل أن يرفع عينيه إليه ويسأله بنبرة جادة:
- طيب، فيه سؤال مهم عايز أسألهولك يا زيدان، وإجابته هتفرق معايا جدًا. شاهنده وعتمان يعرفوا إنك جاي تقابلني النهارده؟
استغرب زيدان السؤال، وعقد حاجبيه وهو يرد:
- شاهنده تعرف إني جاي أقابلك، إنما عمي ما اتكلمتش معاه في الموضوع ده. ليه بتسأل؟

تغيرت ملامح صفوان، وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يقول:
- طالما شاهنده عارفة إنك جاي تقابلني، يبقى عتمان كمان عرف إن فيه حاجة بتحصل، حتى لو إنتَ ما قلتلوش بنفسك. إنتَ عارف إن شاهنده بنته، وعارف كويس إن علاقتها بيها مش عادية، وده معناه إن أي خطوة بتاخدها من غير ما تحسب حسابها ممكن توصل له.
قطب زيدان حاجبيه، وقد بدأ القلق يتسلل إليه.
- إنتَ تقصد إيه يا صفوان؟ هو فيه حاجة أنا مش فاهمها؟
مال صفوان إلى الأمام، وخفض صوته وهو يقول:
- بص يا زيدان، أنا عايزك تسمعني كويس، واللي هقولهولك دلوقتي تنفذه من غير ما تسألني عن السبب، على الأقل لحد ما أقدر أوضح لك الصورة كاملة.
أومأ زيدان ببطء، فاستطرد صفوان:
- أول حاجة، محدش يعرف إنك جيت قابلتني النهارده علشان تتكلم معايا عن شاهنده أو عن عتمان. لو حد سألك عن سبب الزيارة، سواء شاهنده أو عمي أو أي حد من العيلة، قوله إنك كنت جاي تمضي على شوية ورق يخص الشغل، وإن فيه أوراق محتاجة توقيعك، وأنا طلبت منك تيجي بنفسك علشان نخلصها.
نظر إليه زيدان باستغراب، ثم سأله:
- وليه كل السرية دي؟ إنتَ خايف إن عمي يعرف إننا اتكلمنا في الموضوع؟
- أنا مش خايف إنه يعرف وبس، أنا مش عايزه يعرف إحنا وصلنا لإيه، ولا إنتَ حكيتلي إيه، ولا أنا عرفت منك إيه. فيه فرق كبير بين إن حد يعرف إنك قابلتني، وبين إنه يعرف سبب المقابلة وإيه اللي اتقال فيها.
سكت صفوان لحظة، ثم تابع بنبرة أكثر حزمًا:
- وتاني حاجة، عايزك تراقب شاهنده كويس يا زيدان، وتخلي بالك من تصرفاتها، وماتثقش فيها بسهولة لمجرد إنها مراتك وإنك عارفها من سنين انت فعلاً لو كنت تعرفها زى مابتقول مكنتش خبت عليك أنها بنت عمك أصلا 
اتسعت عينا زيدان، وظهرت على وجهه علامات الضيق، وكأنه شعر بالإهانة من مجرد احتمال أن تكون زوجته تخدعه.
- شاهنده مراتي يا صفوان! مهما كان اللي حصل، دي عشرة سنين بيني وبينها، وأنا مش هقدر أتعامل معاها على إنها واحدة غريبة أو أشك فيها لمجرد إن فيه أسرار في حياتها.
لم يعترض صفوان على كلامه، بل نظر إليه بثبات وقال:
- وأنا مقدر ده، وعارف إن الكلام اللي بقولهولك مش سهل عليك، بس أنا مش بطلب منك تظلمها، ولا تواجهها، ولا حتى تسألها عن حاجة. كل اللي بطلبه منك إنك تفتح عينيك، وتبطل تعتبر إن كل حاجة بتحكيهالك هي الحقيقة كاملة.
هز زيدان رأسه بعدم اقتناع تام، ثم سأله:
\- طب ما تقولي إيه اللي حصل يا صفوان؟ إنتَ عرفت إيه خلّاك تتكلم عنها بالطريقة دي؟ أنا حكيتلك كل اللي أعرفه، ومن حقي أفهم أنا داخل على إيه.
تنهد صفوان، وأشاح بوجهه للحظات، قبل أن يعود وينظر إليه.
- عارف إن من حقك تفهم، وعشان كده أنا طلبت منك تيجي، لكن فيه حاجات حصلت مؤخرًا مش هقدر أحكيهالك دلوقتي، مش لأني مش واثق فيك، لكن لأن الكلام فيها دلوقتي ممكن يبوظ كل حاجة قبل ما نعرف الحقيقة كاملة.
- يعني إنتَ عايزني أرجع بيتي وأتعامل مع شاهنده عادي، وفي نفس الوقت أراقبها وأشك فيها، من غير ما أعرف إنتَ شاكك في إيه أصلًا؟
- أيوه يا زيدان، وعايزك تعمل ده بعقل، مش بعصبية. ماتتغيرش معاها فجأة، وماتحسسهاش إن فيه حاجة حصلت، والأهم من ده كله، ماتروحش لعتمان وتسأله عن أي حاجة من اللي حكيتهالي. خليه فاكر إن كل حاجة ماشية زي ما هو مخطط لها.
ظل زيدان ينظر إليه طويلًا، ثم سأله بصوت منخفض:
- وإنتَ هتعمل إيه؟
أجاب صفوان بحسم:
- أنا هكمل من المكان اللي وصلت له، وهحاول أجمع باقي الخيوط قبل ما آخد أي خطوة. لكن لحد ما ده يحصل، لازم كل واحد فينا يتصرف بطبيعته، ومحدش يحس إن فيه حاجة اتغيرت.
- اسمعني كويس يا زيدان، أنا مش بقولك إن شاهنده مذنبة، ومش هحكم عليها قبل ما أعرف الحقيقة، لكن فيه حاجات مش راكبة على بعضها، وعتمان عمره ما كان بيعمل حاجة من غير سبب. ولو فعلًا فيه سر كبير مستخبي من سنين، فمش معنى إنك عرفت جزء منه إنك بقيت عارف الحقيقة كلها.
نهض زيدان من مكانه ببطء، ولا تزال علامات الحيرة تسيطر على وجهه، ثم قال:
- حاضر يا صفوان، هعمل زي ما قلتلي، ومش هتكلم مع حد عن سبب زيارتي. لكن أوعى تخليني أندم إني وثقت فيك، لأن شاهنده مهما كان اللي بيني وبينها، أنا مش هسمح لحد يظلمها.
وقف صفوان أمامه، وربت على كتفه قائلًا:
- وأنا مش هطلب منك غير إنك تدور على الحقيقة، وبعدها احكم بنفسك.
تحرك زيدان ناحية الباب، لكنه توقف قبل أن يفتحه، والتفت إلى صفوان للمرة الأخيرة.
- صفوان، لو عتمان عرف إننا اتكلمنا في الموضوع ده، تتوقع يعمل إيه؟
تجمدت ملامح صفوان للحظة، ثم أجابه:
- عتمان مشكلته إنه لما بيحس إن حد قرب من سر هو مخبيه، بيحاول يسبق الكل بخطوة. وعشان كده أنا عايزك تاخد بالك من كل حاجة بتحصل حواليك، خصوصًا في الأيام الجاية.
خرج زيدان من المكتب، وظل صفوان واقفًا مكانه يتابعه بعينيه حتى اختفى خلف الباب.
كان يعلم أن زيدان لم يعد الشخص الوحيد الذي يحتاج إلى الحذر، وأن مجرد وصول خبر هذه المقابلة إلى عتمان قد يدفعه إلى اتخاذ خطوات لم تكن في الحسبان.
أخرج هاتفه، وظل ينظر إلى اسم عتمان المسجل أمامه، لكنه لم يتصل به.
بدلًا من ذلك، فتح محادثة أخرى، وكتب رسالة قصيرة، ثم توقف قبل إرسالها، وكأنه يعيد التفكير في كل كلمة.
فهو لم يكن يريد أن يثير شكوك عتمان قبل أن يتأكد من كل شيء، لكنه في الوقت نفسه لم يعد قادرًا على تجاهل ما اكتشفه.
والأخطر من كل ده، إن صفوان كان عارف إن السر اللي اتكشف النهارده مش مجرد حكاية بنت عتمان اللي خبّاها عن العيلة، لكنه بداية خيط ممكن يوصله لحقيقة ظلم مهره وأمها، وحينها مش هيكون عتمان وحده هو اللي مطالب يواجه الماضي.

لم يكن صفوان من الرجال الذين يتخذون قراراتهم تحت تأثير الغضب، لكنه حين يصل إلى قناعة معينة، يصبح التراجع عنها أمرًا بالغ الصعوبة. وما عرفه مؤخرًا عن عتمان جعله يعيد النظر في أمور كثيرة كان يتعامل معها باعتبارها من المسلَّمات، بدءًا من تدخل عمه في شؤون العائلة، وانتهاءً بمحاولاته المستمرة للسيطرة على القرارات التي تخصه وتخص زيدان.
لم يكن عتمان يريد مجرد الحفاظ على مكانته بين أفراد العائلة؛ بل أراد أن يصبح صاحب الكلمة الأخيرة في كل شيء، وأن تظل الأموال والممتلكات والنفوذ تدور في فلكه، حتى لو كان الثمن أن ينتزع من أبناء أخيه كل ما يميزهم ويمنحهم استقلالهم عنه.
وكان صفوان، على وجه الخصوص، يمثل له عقبة لا يستطيع تجاوزها بسهولة. فرغم محاولاته المتكررة لفرض سلطته عليه، لم ينجح في تحويله إلى رجل ينتظر منه الإذن قبل أن يتخذ قراراته، وهو ما جعل الصدام بينهما مسألة وقت لا أكثر.
جلس صفوان إلى مكتبه، وأمامه مجموعة من الملفات التي طلب مراجعتها خلال الأيام الماضية. لم يكن يبحث عن ثغرة يختلقها ليحاصر عتمان، بل كان يعيد ترتيب الأمور التي تركها له مجالًا للتدخل فيها، ويسترد الصلاحيات التي لم يكن ينبغي أن يشاركه فيها أحد من الأساس.
رفع سماعة الهاتف واتصل بالإدارة المختصة.
- عايز كشف كامل بكل الصلاحيات اللي متاحة  لعتمان بيه . وكمان أي تفويضات قديمة اتمنحت له، عايزها تتراجع وفقًا للائحة الشركة.
جاءه الرد بالموافقة، فأنهى المكالمة واتصل بمساعده.
- جهّزلي اجتماع لمراجعة الهيكل الإداري، وخلّي كل قرار يخص الصلاحيات المالية والإدارية يتعرض على الجهة المختصة قبل اعتماده. من النهارده، مفيش تفويضات مفتوحة لأي حد.
لم يرفع صفوان صوته، ولم يحتج إلى شرح دوافعه لأحد. كان يعرف أن عتمان سيفهم الرسالة حين تبدأ القرارات التي اعتاد اتخاذها منفردًا في العودة إليه للمراجعة، وحين يكتشف أن الطريق الذي كان مفتوحًا أمامه أصبح يحتاج إلى موافقات لم يعد يملك التحكم فيها.ولم يكن ذلك سوى البداية.
وصلت الأخبار إلى عتمان في اليوم التالي، حين حاول اعتماد قرار يتعلق بأحد المشروعات، فأُبلغ بأن الإجراء أصبح يحتاج إلى موافقة إضافية وفقًا للتعليمات الجديدة.
قطّب حاجبيه، وأعاد السؤال على الموظف الواقف أمامه.
ـ  يعني إيه القرار مش هيتنفذ غير بموافقة تانية؟ هو فيه حاجة اتغيرت وأنا معرفش عنها؟
- دي التعليمات الجديدة يا فندم، وكل القرارات اللي داخلة ضمن الصلاحيات دي لازم تتراجع قبل التنفيذ.
- والتعليمات دي مين اللي أصدرها؟
- أستاذ صفوان، بالتنسيق مع الإدارة المختصة.

لم يرد عتمان في البداية. اكتفى بالنظر إلى الموظف نظرة جعلته يتمنى لو أنه لم يكن مضطرًا إلى نقل الخبر بنفسه.
- تمام، امشى انت دلوقتي.
خرج الموظف، فأغلق عتمان الملف أمامه بعنف، ثم نهض من مقعده وراح يتجول داخل المكتب. لم يكن ما حدث مجرد إجراء إداري مزعج؛ لقد كان إعلانًا واضحًا بأن صفوان قرر إنهاء الوضع الذي اعتاد فيه عتمان أن يتحرك كما يشاء.
حاول الاتصال بصفوان، لكنه لم يجبه. أعاد الاتصال مرة أخرى، ثم ألقى الهاتف فوق المكتب حين وجد أن محاولته لم تحقق شيئًا.
لم يعتد أن ينتظر ردًا من أحد، ولم يعتد أن يجد قراراته معلقة بسبب تعليمات يصدرها شخص آخر، فكيف يحدث ذلك مع صفوان تحديدًا، الذي ظل سنوات يحاول أن يضعه في المكان الذي يراه مناسبًا له؟
أمضى بقية يومه في مراجعة ما جرى، ثم اكتشف أن الأمر لم يقتصر على مشروع واحد. بعض التفويضات القديمة أُعيد تقييمها، والقرارات التي كان يعتمدها دون الرجوع إلى أحد أصبحت تخضع لإجراءات جديدة، كما أن ملفًا آخر كان ينتظر توقيعه تأجل لحين استكمال المراجعة.
عندها أدرك أن صفوان لم يتصرف بعشوائية، ولم يكن هدفه تعطيل عمل الشركة مؤقتًا. لقد بدأ يسترد كل مساحة تركها لعتمان ليتدخل فيها، وكأنه يريد أن يعيده إلى حدود دوره الفعلي مهما بلغت اعتراضاته.
وهنا تبدل غضب عتمان إلى شيء أشد؛ شعور بأن نفوذه يتآكل أمام عينيه، وأن الرجل الذي اعتقد أنه يستطيع احتواءه بدأ يخرج تمامًا من قبضته.
في صباح اليوم التالي، دخل عتمان مقر الشركة دون أن يحدد موعدًا مسبقًا، واتجه مباشرة إلى مكتب صفوان.
فتح الباب دون استئذان، فرفع صفوان عينيه عن الأوراق التي كان يراجعها. لم يبدُ عليه أي ارتباك من دخول عمه المفاجئ، بل أغلق الملف بهدوء وأشار إلى المقعد المقابل له.
- اتفضل يا عتمان.
لم يجلس عتمان. ظل واقفًا أمام المكتب، وعيناه معلقتان بصفوان.
- إنت فاكر نفسك بتعمل إيه بالظبط؟
رفع صفوان حاجبيه قليلًا، ثم أجابه بهدوء:
- ممكن توضّح قصدك؟
- متحاولش تستعبط معايا. إنت عارف كويس أنا بتكلم عن إيه. إيه القرارات اللي إنت طلعتها فجأة دي؟ وإيه حكاية مراجعة الصلاحيات والتفويضات اللي بقت لازم تعدي على ألف مكتب قبل ما تتنفذ؟
أسند صفوان ظهره إلى مقعده، وظل صوته ثابتًا.
- دي إجراءات تنظيمية، والشركة محتاجة يبقى فيها نظام واضح. مفيش حد المفروض تكون عنده صلاحيات مفتوحة من غير مراجعة.
اقترب عتمان من المكتب، ووضع كفيه فوقه.
- وإنت قررت الكلام ده لوحدك؟ من غير ما ترجع لي؟

- أنا رجعت للإجراءات المعمول بيها، وكل قرار اتاخد في حدود الصلاحيات المتاحة ليا.
- يعني إنت بتقولي إنك هتسحب مني صلاحياتي؟
نظر إليه صفوان مباشرة، ولم يحاول الالتفاف حول السؤال.
- أنا براجع الصلاحيات اللي موجودة، وأي صلاحية مش من حق صاحبها يحتفظ بيها من غير ضوابط، هتتعدل. وده مش معناه إن حد بيستهدفك شخصيًا.
ضحك عتمان ضحكة قصيرة خالية من المرح.
- مش بيستهدفني شخصيًا؟ أمال كل القرارات دي ظهرت في الوقت ده ليه؟ إنت فاكر إنك لما تقفل الأبواب في وشي هتقدر تفرض نفسك عليّا؟
نهض صفوان من مقعده، وأغلق الملف الموضوع أمامه، ثم وقف في مواجهته
- أنا مش بحاول أفرض نفسي عليك يا عتمان. أنا ببساطة مش هسمح لحد يفرض نفسه عليّا. او يطلع على كتافى ويلغى اللى عملناه انا وبابا عشان طمع فى حاجة مش بتاعته 
تجمدت ملامح عتمان للحظة. كانت الجملة أقرب إلى إعلان تمرد صريح على كل ما حاول ترسيخه طوال السنوات الماضية.
- إنت ناسي نفسك يا صفوان. أنا أكبر منك، وأنا اللي عارف مصلحة العيلة، وعارف إزاي الأمور لازم تمشي.
- إنت كبير العيلة باحترام الناس ليك، مش بإنك تتحكم في حياتهم وقراراتهم. وكل واحد فينا له شغله وماله وقراراته، ومش معنى إنك شايف نفسك صاحب الكلمة الأخيرة إننا لازم نفضل ساكتين.
اشتد وجه عتمان، وتقدم خطوة أخرى.
- واضح إنك اتغيرت، وإن فيه حاجات خلتك تفتكر إنك تقدر تقف قصادي.
ـ  أنا بس بطلت أسيب الأمور تمشي بالطريقة اللي إنت متعود عليها.
ظل الاثنان يتبادلان النظرات، بينما بدا أن عتمان يحاول السيطرة على غضبه قبل أن ينفجر. لم يكن معتادًا أن يسمع هذا الكلام من صفوان، ولا أن يجد أمامه رجلًا لا يتراجع بمجرد أن يرفع صوته.
أخيرًا، استقام عتمان في وقفته، وسوّى سترته، ثم قال بنبرة تحمل تهديدًا واضحًا:
\- إنت لسه ما تعرفش إنت بتفتح على نفسك أنهي باب يا صفوان ودلوقتي انت لواحدك هتقدر تح.ارب العيله لواحدك لما تسحب كل الصلاحيات ليك لواحدك انت كده بتلعب بان..ار 
لم يتراجع صفوان خطوة واحدة.
- يبقى خلينا نشوف الباب ده هيوصلنا لفين.
استدار عتمان وغادر المكتب، وأغلق الباب خلفه بقوة، تاركًا وراءه صمتًا ثقيلًا.
أما صفوان، فظل واقفًا في مكانه لعدة لحظات. كان يعلم أن المواجهة لم تنتهِ، بل بدأت للتو، وأن عتمان لن يتقبل خسارة نفوذه بسهولة. لكنه كان قد اتخذ قراره بالفعل؛ لن ينتظر حتى يستيقظ ذات يوم ليجد أن عمه انتزع منه كل ما يملك، ولن يسمح له بأن يفعل بزيدان ما حاول فعله معه.
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الأمر مجرد خلاف على إدارة الشركة، بل أصبح صراعًا على من يملك حق التحكم في حياة الآخرين، ومن سيجبره على التراجع أولًا.
هل دى اول مواجهه ؟؟ 
وهل زيدان هيبقى فى صف مين عمه ولا صفوان ؟؟ 

تعليقات