رواية مهرة في عرين القحطاني الفصل السابع والعشرون 27 بقلم اماني سيد


 رواية مهرة في عرين القحطاني الفصل السابع والعشرون 

بعد وقت، توقفت سيارة عتمان أمام الفيلا، وترجل منها وهو يحمل داخله غضبًا لم يهدأ طوال الطريق، بينما نزلت شاهنده من الجانب الآخر، وأغلقت باب السيارة خلفها، ثم سارت إلى جواره باتجاه المدخل.
استقبلهما أحد العاملين وسمح لهما بالدخول، وما إن وصلا إلى الصالة حتى خرج جاسر لمقابلتهما، وقد بدت الدهشة على وجهه من زيارتهما المفاجئة.
- عتمان! 
صافحه عتمان، ثم قال بنبرة مقتضبة:
- معلش يا جاسر، الموضوع جه فجأة، وكان لازم أجيلك.
وقعت عينا جاسر على شاهنده، فابتسم لها مرحبًا:
- أهلًا يا شاهنده، 
- الحمد لله يا عمي، إنت عامل إيه؟
- بخير يا بنتي، اتفضلي اقعدي.
أشار لهما بالجلوس، ثم جلس قبالتهما، وسأل عتمان:
- خير؟ فيه حاجة حصلت؟
لكن عتمان لم يُجبه على الفور، فقد كان ينظر حوله وكأنه يبحث عن صفوان، وقبل أن يسأل عنه، سمعوا صوت خطوات قادمة من الدرج.
كانت مهرة تنزل من غرفتها، ترتدي ملابس منزلية محتشمة وحجابًا مرتبًا يحيط بوجهها، ولم تكن تتوقع وجود أحد في الصالة. وما إن وصلت إلى آخر الدرج حتى وقعت عيناها على شاهنده وعتمان  فتوقفت للحظة قصيرة، فقد عرفتها من دون حاجة إلى تعريف؛ إنها ابنة أبيها من زوجته الأخرى، وزوجة زيدان.
لم تبدِ مهرة أي ترحيب، ولم تتقدم لمصافحتها، بل اكتفت بنظرة عابرة ثم أشاحت بوجهها، وكأن وجودهم لا يعني لها شيئًا، واتجهت نحو باب الحديقة.
تابعتها شاهنده بعينيها، ثم نهضت من مكانها، وقد أثار تجاهل مهرة فضولها وربما ضايقها أيضًا.
- عن إذنك يا عمي.
خرجت خلفها ، بينما تبادل جاسر وعتمان نظرة سريعة، ثم عاد عتمان إلى مقعده دون تعليق وهو ينظر ناحيه الباب مكان خروج مهره وشاهنده
كانت مهرة قد وصلت إلى الحديقة، واتجهت نحو أحد المقاعد القريبة من الأشجار، حين سمعت صوت شاهنده خلفها:
- إنتِ مهرة؟
لم تجبها مهرة، بل توقفت والتفتت إليها ببطء، ونظرت إليها بملامح هادئة لا تحمل أي رغبة في فتح حديث معها.
اقتربت شاهنده منها بابتسامة متكلفة، وألقت نظرة متفحصة على وجهها، ثم قالت:
- إنتِ مهرة؟ ما طلعتيش وحشة أوي زي ما كان بابا بيتكلم عنك. أنا شاهنده، مرات زيدان وأختك وبنت عتمان من الست اللى عاش عمره يحبها 
. زيدان اختارني أنا، وفضلني عليكي، وأنا في الآخر اللي بقيت مراته، واللي عايشة في بيته واسمي مرتبط باسمه. أما إنتِ، فهتفضلي إيه؟ قاعدة ضيفة في بيت عمك، مستنية لحد ما حد يتقدم لك وياخدك من هنا، ولا حتى عندك مكان ترجعي له وتعيشي فيه براحتك. وبابا مهما حاولتي تقربي منه، عمره ما هيدكى مشاعر لأن قلبه مع ماما ومعايا ، 
توقفت مهرة عن السير، واستدارت إليها بكامل جسدها، وقد اختفى الهدوء من عينيها، 
- خلصتي؟
ضحكت شاهنده بسخرية.
- لسه الكلام كتير، بس مش عايزة أضايقك أكتر من كده.
اقتربت مهرة منها خطوة، وقالت بثبات:
- اسمعيني كويس يا شاهنده، أنا في الأول وفي الآخر اسمي مهرة القحطاني، ومن عيلة القحطاني، والناس كلها عارفة أنا مين، وعارفة أصلي وفصلي. أنا عشت عمري كله في النور، عمري ما احتجت أستخبى ولا أعيش في ضل حد عشان أحس إن ليّا قيمة. إنما إنتِ اللي بتحاولي تثبتي لنفسك قبل أي حد إنك أحسن مني، وبتستخدمي  جوزك و بابا عشان تقللي مني.
تبدلت ملامح شاهنده، لكن مهرة لم تمنحها فرصة للرد، بل تابعت بنبرة أكثر حدة:
- وبعدين إنتِ بتتكلمي عن إيه بالضبط؟ عن إنك مرات زيدان؟ مبروك عليكِ جوازك، محدش ينافسك عليه ولا طلب منك تتنازلي عنه. وعن إن بابا بيحبك أكتر؟ دي مش حاجة تخليني أغير منك، دي حاجة تخصه هو، ولو اختار يفرق بين بناته فدي مسؤوليته، مش ذنبي أنا.
حاولت شاهنده مقاطعتها، لكن مهرة رفعت يدها تمنعها من الكلام.

- والأهم من كل ده، أوعي تفتكري إن وجودي في بيت عمي عيب، أو إن كوني قاعدة فيه لحد ما ربنا يكتب لي نصيبي يقلل مني. أنا موجودة في بيتي وبين أهلي، ومش مستنية منك ولا من غيرك إذن عشان أعيش. العيب الحقيقي إن واحدة تحاول تسرق اللى فى ايد غيرها وعلى فكره مش كل حاجه ينفع تتسرق .
نظرت إليها شاهنده بغيظ، وقالت:
ـ  إنتِ فاكرة إنك كده كسبتينى ؟!
أجابتها مهرة دون تردد:
- أنا مش بحاول اكسبك للانى مش شيفاكى أصلا، أنا بس بحطك عند حدودك. إنتِ اللي جيتي ورايا عشان تستفزيني، وأنا كنت ممكن أتجاهلك زي ما عملت أول ما شوفتك، لكن واضح إنك مش بتفهمي التجاهل واعتبرتيه ضعف. فخدي بالك، سكوتي مش معناه إني معنديش رد، أنا بس مش مضطرة أضيع وقتي في كلام ملوش قيمة.
ثم استدارت مهرة واستكملت طريقها نحو الفيلا، تاركة شاهنده واقفة في مكانها، وقد انقلبت ابتسامتها المتعالية إلى ضيق واضح. لم تكن تتوقع أن ترد عليها مهرة بهذه القوة، ولا أن تواجهها دون أن تتراجع أمام كلماتها. أما مهرة، فلم تلتفت خلفها، فقد قالت ما أرادت قوله، ولم يكن لديها استعداد لمنح شاهنده فرصة أخرى لتفسد عليها يومها.
بعد فترة 
كان صفوان وزيدان قد عادا إلى الفيلا بعد أن انتهى صفوان من العمل ، وما إن دخلا من الباب حتى فوجئ زيدان بوجود عتمان وشاهنده. توقف للحظة، وانتقلت عيناه بينهما باستغراب، فلم يكن يتوقع أن يجدهما قد وصلا بالفعل، خصوصًا أنه لم يخبرهما بمكانه.
- عمي؟! إنتوا هنا من إمتى؟ وجيتوا ليه 
التفت عتمان إليه، وأجابه بلهجة غاضبة:
- من شوية، وجاي لأخويا عشان أحط حد للي بيحصل. مش معقول أفضل ساكت على اللي صفوان بيعمله، وكل يوم يصحى يقرر ياخد قرار جديد من غير ما يحسب حساب لحد.
وقبل أن يرد زيدان، اقتربت منه شاهنده، وقالت بنبرة هادئة :
- خوفت بابا يتعصب أو يخرج عن شعوره، وجيت معاه عشان أهديه. إنت عارف إنه لما بيكون غضبان مش بيسمع لحد، فقلت أكون معاه يمكن أقدر أهدّي الدنيا . والمشاكل ماتكبرش 
نظر إليها زيدان باستغراب، ثم عاد ببصره إلى عتمان.
- طب ما كان ممكن تتصلوا بيا وتفهموني إنكم جايين، بدل ما أتفاجأ بيكم هنا.
رد عتمان بحدة:
- وإنت لما سافرت من غير ما تقول لحد، فكرت تتصل بيا وتفهمني رايح فين؟ ولا كنت مستعجل تلحق ابن عمك قبل ما يغير رأيه فيك؟
تدخل صفوان قبل أن يتطور الحديث 
ـ اديك جيت يا عمى وكويس إنك جيت عشان فعلاً محتاجين ننهى كل حاجه 
لم تمر دقائق حتى بدأت بقية أفراد الأسرة تتجمع في غرفة الاستقبال. حضرت والدة مهرة، ثم جاءت زوجة جاسر، وتبعتها خديجة، التي جلست بالقرب من والدتها وهي تراقب الوجوه المتجهمة حولها. كما حضرت مهرة وجلست في مكانها دون أن توجه حديثًا إلى شاهنده.
أصبح الجميع الآن داخل غرفة واحدة؛ جاسر في صدر المجلس، وبجواره زوجته، وعتمان في مواجهته، بينما جلس صفوان وزيدان بالقرب منهما. أما مهرة فجلست إلى جوار والدتها، في حين اختارت شاهنده مقعدًا قريبًا من زيدان.
ساد صمت ثقيل، تبادلت خلاله العيون النظرات، قبل أن يكسره عتمان وهو يتوجه إلى جاسر مباشرة:
- أنا جاي النهارده عشان نتكلم في اللي بيحصل في الشركة، ومش هخرج من هنا قبل ما نوصل لحل ينهي المهزلة دي.
ساد الصمت داخل غرفة الاستقبال، بعدما استقر الجميع في أماكنهم، وكان عتمان يجلس في مواجهة جاسر، وقد بدا واضحًا أنه جاء وهو يحمل في صدره الكثير من الغضب والاعتراض. عدّل جلسته، ثم نظر إلى أخيه وقال بنبرة تحمل عتابًا ممزوجًا بالحدة:
- بص يا جاسر، أنا مش جاي أتكلم مع صفوان، أنا جاي أتكلم معاك إنت، لأنك كبير العيلة، ومن بعدك أنا. ومش مقبول إن صفوان يتعامل معانا بالطريقة دي، ويسحب صلاحياتي كأن مفيش حد ليه كلمة غيره. هو في الآخر صفوان زيه زى زيدان ، الاتنين ولاد ولاد اخواتى ، ومش من حقه يحط ويشيل في صلاحيات الناس بمزاجه، ولا يتعامل معايا كأني موظف عنده. يعنى مثلاً مش من حق زيدان يعمل كده يبقى ليه صفوان يملك الحق ده 
ظل جاسر يستمع إليه دون مقاطعة، بينما كان صفوان جالسًا في هدوء، يراقب عمه دون أن يبدو عليه أي انفعال. وحين انتهى عتمان، وجّه جاسر نظره إلى ابنه، وكأنه يترك له فرصة الرد.
لكن صفوان لم يتعجل الكلام، بل وضع فنجانه على الطاولة، ثم اعتدل في جلسته ونظر إلى عتمان مباشرة.
- إنت بتسألني ليه بسحب صلاحياتك يا عمي؟ وبتقول إن مش من حقي أعمل كده؟ طيب، قبل أي كلام، لازم أفكرك الشركة والفروع اتبنوا إزاي، لأن واضح إنك نسيت، وابتديت تتعامل مع المكان كأنه ملكك، وعايز تبقى كبير في مكان مش بتاعك بالطريقة اللي إنت متخيلها.
تغير وجه عتمان، وتحرك في مقعده بضيق، لكن صفوان لم يمنحه فرصة للمقاطعة، بل تابع بصوت ثابت:
- لما جدي كان عايش، بابا ساب البلد وساب الدعم اللي كان ممكن ياخده منه، وبدأ شغله هنا في القاهرة من الصفر. مكنش معاه غير تعبه وطموحه، واشتغل لحد ما قدر يبني شركة صغيرة، وبعدها كبرها خطوة ورا خطوة. ولما جدي مات، كل واحد فيكم أخد نصيبه من الورث، لكن بابا أخد نصيبه واستثمره في شغله، وكبر الشركة وفتح فروع جديدة. إنما إنتوا وقتها، كل اللي كنتوا بتملكوه هو كام فدان الأرض اللي ورثتوهم.
نظر صفوان إلى عمه، ثم أكمل:
- وافتكر الوقت ده كويس يا عمي، أنا كنت لسه في ثانوي لما إنت وعمي نجيب  جيتوا لبابا وطلبتوا منه تشاركوه  في الشغل. وقتها بابا وافق، وقال لكل واحد فيكم هيكون له حصة في الشركة، وهيستفيد من أرباحها، لكن الإدارة والقرارات هتفضل مسؤوليته هو، لأن الشركة اللي بناها بتعبه مش هيسمح إن كل واحد ياخد قرار من دماغه فيها. وإنتوا وافقتوا على الكلام ده، ومحدش فيكم اعترض.
تبادل جاسر وعتمان نظرات قصيرة، بينما ظل صفوان مستمرًا:
- وبعدها الشركة كبرت، وبقى عندنا فرع في كل محافظة تقريبًا، ومبقاش الموضوع مجرد شركة صغيرة زي الأول. ومن وأنا في الكلية، كنت بنزل الشركة وأشتغل، وأختار زمايلي اللي بثق فيهم، واللي عارف مستواهم المهني، وأجيبهم يشتغلوا في الفروع. كنت بتعلم كل تفصيلة، وبعرف كل فرع محتاج إيه، وإزاي الشغل يمشي من غير ما يتعطل. وكنت اروح بنفسى لاوائل الطلبه واجبهم اشغلهم فى مجالهم عشان اضمن أعلى كفاءة سواء فى المزرعه او المصانع 
ثم التفت إلى زيدان للحظة، قبل أن يعود بنظره إلى عتمان.
- وأنا اللي طلبت من زيدان يمسك الفرع هناك. أنا اللي رشحته، وأنا اللي اديته الثقة والصلاحيات، مش إنت اللي فرضته عليّا. كنت شايف إنه يقدر يتحمل المسؤولية، وإن وجود حد من العيلة في الفرع هيساعدنا نحافظ على شغلنا، وخصوصًا لما بابا تعب، وأنا بقيت شايل مسؤوليات أكبر في القاهرة.

كان زيدان يتابع حديث ابن عمه بصمت، وقد أدرك الآن أن صفوان لم يكن يتحدث عن قرار سحب الصلاحيات فقط، بل كان يعيد أمام الجميع تاريخًا طويلًا من القرارات التي اتخذها بنفسه من أجل الشركة ويريد وضع كل شخص فى مكانه 
استكمل صفوان بنبرة أكثر حدة:

- وقتها قررت أسيب لكل فرع صلاحياته في حدود شغله، عشان أخفف الأعباء عن نفسي، وعشان كنت فاكر إن كل واحد فيكم هيحافظ على المكان اللي ائتمنته عليه. وكنت بقول لنفسي إن ده مال الكل، وإن مصلحة الشركة هتكون أهم من أي خلاف أو مصلحة شخصية. لكن إنت يا عمي، واضح إن الموضوع مش عاجبك، وإن الصلاحيات اللي اديتهالك خلتك تطمع في أكتر منها.
ضرب عتمان كفه على ذراع المقعد، وقال بانفعال:

- تطمع؟! إنت بتتهمني بالطمع يا صفوان؟! أنا اللي كنت واقف في الفروع وبشتغل وأكبر الشغل، وفي الآخر تيجي تقول عليّا طماع؟!
لم يتراجع صفوان أمام غضبه، بل أجابه فورًا:
- أيوه، بقول إنك طمعت، لأنك بدل ما تعتبر الصلاحيات دي أمانة ومسؤولية، ابتديت تتصرف كأن الفرع ملكك، وتاخد قرارات من غير الرجوع للإدارة الرئيسية، وتدخل معاملات باسم الشركة من غير ما تكون ماشية في إطارها الطبيعي. ولما اتسألت عن القرارات دي، بدل ما تقدم تفسير واضح، اعتبرت إن مجرد سؤالي ليك إهانة.
- إنت بتراقبني وبتحاسبني كأني حرامي؟!
- أنا براجع شغل الشركة يا عمي، ولو المراجعة طلعت إن كل حاجة سليمة، محدش هيقدر يقول عليك كلمة. إنما إنت عايزني أغمض عيني لمجرد إنك عمي، وأسيبك تتصرف من غير حساب؟!
ارتفعت نبرة عتمان:
- أنا مش محتاج حد يعلمني أشتغل، ولا محتاج موافقتك على كل نفس آخده في الفرع!
رد صفوان بصرامة:
- محدش قالك تستأذن في كل نفس، لكن أي قرار خارج صلاحياتك لازم ترجع للإدارة اللى هى انا او بابا ، وأي ورقة تخص الشركة لازم تمشي حسب النظام. وده مش نظام أنا اخترعته النهارده عشان أضايقك، ده اتفاق كان بينك انت وبابا وعمى نجيب وزيدان وعمى نجيب من وقت ما مسكوا الفروع كل شغلهم لا غبار عليه 
وملتزمين لاتفاق وافقتوا عليه من سنين، وإنت كنت موجود ووافقت بإرادتك.
التفت عتمان إلى جاسر، وكأنه ينتظر منه أن يتدخل ويوقف ابنه عند حده.
- وإنت ساكت يا جاسر؟! سامع ابنك بيكلمني إزاي؟! أنا أخوك الكبير، ومش هقبل إن ابني أخويا يقف يحاسبني قدام الناس بالشكل ده!
نظر جاسر إليه بجدية، وقال بهدوء:
- أنا سامع كل كلمة يا عتمان، وسمعت صفوان كمان. لكن قبل ما أتكلم، عايزك تجاوبني على سؤال واحد: هل إنت فعلًا التزمت بالاتفاق اللي وافقت عليه من سنين، ولا قررت إن صلاحياتك تخليك صاحب القرار في الفرع من غير ما ترجع للإدارة؟
لم يتوقع عتمان أن يأتيه السؤال بهذه المباشرة، فصمت لحظة، ثم قال بضيق:
- أنا كنت بتصرف لمصلحة الشغل.
- وده مش رد على سؤالي.
كانت كلمات جاسر قليلة، لكنها جعلت عتمان يشعر بأن الأرض التي جاء ليقف عليها بثبات لم تعد مضمونة كما تخيل.
أما صفوان، فمال قليلًا إلى الأمام وقال:
- وأنا مستعد أراجع كل قرار اتاخد، وأسمع تفسيرك لكل معاملة، لكن مش هقبل إنك تستخدم صلة القرابة عشان تمنعني من أداء مسؤوليتي. الشركة دي مش مجرد اسم مكتوب على ورق، دي تعب أبويا، وتعب ناس كتير اشتغلت فيها، وأنا مش هسمح إن حد يضرها مهما كان اسمه أو مكانته.
كان الجميع يتابع المواجهة بصمت. شاهنده تنظر إلى عتمان بقلق، وزيدان لم يعد قادرًا على تجاهل حجم الخلاف الذي كان يدور خلف الأبواب طوال الفترة الماضية. أما مهرة، فكانت تنظر إلى والدها، وقد بدا عليها الضيق من إصراره على تحويل كل حديث عن العمل إلى معركة شخصية.
رفع عتمان رأسه، وقال بصوت مشحون بالغضب:
- يعني إنت شايف إنك بقيت صاحب الكلمة لوحدك، وإن محدش مننا يقدر يقف قدامك؟
أجابه صفوان دون تردد:
- أنا مش شايف، يا عمي. أنا بقولك الحقيقة اللي اتفقنا عليها من البداية. إنت ليك حصتك، وليك أرباحك، وليك احترامك، لكن مش ليك ملكية الشركة ولا حق إنك تتصرف فيها من غير حساب. والفرق بين الحق والسلطة لازم يكون واضح عندك.
ثم أضاف وهو يثبت عينيه عليه:
- ولو كنت فاكر إن سكوتي طول السنين اللي فاتت معناه إني مش واخد بالي من اللي بيحصل، فأنت غلطان. أنا كنت بديك فرصة تثبت إن ثقتي فيك في محلها، لكن واضح إنك اعتبرت الثقة دي ضعف، وافتكرت إنك تقدر تمد إيدك أكتر من حدودك.
لم يرد عتمان فورًا، لكن ملامحه كانت تنذر بأن المواجهة لم تصل بعد إلى ذروتها. وكان جاسر يدرك أن ما قاله صفوان وضع الخلاف أمام الجميع للمرة الأولى، ولم يعد من الممكن احتواؤه بكلمات عائلية أو مجاملات. 
لم تستطع شاهنده أن تظل صامتة أكثر، فقد شعرت أن الحديث تجاوز حدود الخلاف على إدارة الشركة، وأن صفوان يتعمد محاصرة والدها أمام الجميع، فاعتدلت في جلستها، ونظرت إليه بحدة، ثم قالت بنبرة غاضبة:
- هو إنت بتعمل كل ده ليه يا صفوان؟! إيه اللي اتغير من وقت ما اكتشفت إن بابا عنده زوجة تانية وابن تاني؟ من ساعتها وإنت مش سايبه في حاله، وبتدور على أي غلطة عشان توقفه وتقلل منه قدام الناس!
وقبل أن تكمل، قاطعها صفوان ببرود لم يخلُ من السخرية، وهو يثبت عينيه عليها:
- جوازه من عدمه مش فارق معايا يا شاهنده، ولا أنا قاعد هنا أحاسبه على حياته الشخصية. بس بما إنك فتحتي الموضوع، اسمحيلي أسألك سؤال... إنتِ ليه ظهرتي دلوقتي؟ ما إنتِ كنتِ عايشة عمرك كله في الضل، إيه اللي خلاكي فجأة تدخلي في خلافات العيلة وتتكلمي باسم أبوكي؟
تبدلت ملامح شاهنده، وشعرت بالإهانة من كلماته، بينما تحرك عتمان في مقعده، وقد أدرك أن صفوان لم يعد يتحدث عن الشركة وحدها، بل يلمح إلى أمور ظن أنها ظلت بعيدة عن عيون الجميع.
نظر إلى صفوان مباشرة، وقال بنبرة مشحونة بالغضب:
- أهو كده بقى الكلام وضح! أكيد إنت عرفت من وقت كتب الكتاب إن شاهنده بنتي، لما بعت رجالتك للمأذون وخلّيتهم يعرفوا كل حاجة. بس أنا عايز أفهم حاجة واحدة... إنت حاشر نفسك ليه؟ وإيه علاقتك أصلًا بجوازي؟ وليه من يوم ما عرفت إني متجوز وعندي بنت وابن تاني، وإنت عامل عليّا حرب؟ إيه اللي بينك وبين حياتي الشخصية عشان تقلب الدنيا بالشكل ده؟
ساد الصمت للحظات، وتعلقت الأنظار بصفوان في انتظار إجابته، 
نظر صفوان إلى عتمان دون أن يرفع صوته، لكن ملامحه ازدادت صرامة، ثم قال:
- لما اكتشفت إنك مخبي حاجة زي دي السنين دي كلها، الفار بدأ يلعب في عبي، وخلاني آخد حذري منك. خصوصًا بعد اللي شوفته بعيني، لما طردت مراتك وبنتك قدامنا، وأكلت ورثها! ساعتها بدأت أسأل نفسي: اللي قدر يخبي جوازه وبنته عن عيلته السنين دي كلها، واللي قدر يتخلى عن مراته وبنته بالشكل ده، ممكن يكون عمل إيه تاني من ورانا؟!

اشتعل وجه عتمان غضبًا، وتحرك في جلسته كأنه على وشك الانفجار، بينما اتسعت عينا شاهنده وهي تنظر إلى والدها، ثم عادت ببصرها إلى صفوان، وقد أدركت أن الأمر لم يعد مجرد خلاف على صلاحيات الشركة.
أما صفوان فواصل حديثه دون أن يمنحه فرصة للمقاطعة:
- أنا ما بدأتش الح..رب عليك بسبب جوازك، ولا يهمني إنت اتجوزت مين ولا خلفت كام واحد. أنا بدأت أراجع كل حاجة لأن تصرفاتك خلتني أشك، واللي ظهر قدامي خلاني أتأكد إن الحذر منك كان لازم. ولو إنت واثق إن إيدك نضيفة، يبقى سيب الملفات تتراجع، وساعتها محدش هيقدر يتهمك بحاجة
لم يتحمل عتمان اتهامات صفوان أكثر من ذلك، فنهض من مكانه بعصبية، وارتفع صوته وهو يشير إليه بيده:
- إنت بتتهمني بإيه يا صفوان؟! إنت فاكر نفسك مين عشان تحاسبني على حياتي وبيتي؟! أنا مش هسمحلك تتكلم معايا بالطريقة دي، ولا هقبل إنك تحط نفسك فوقي لمجرد إن أبوك سلّمك إدارة الشركة!
لم يتحرك صفوان من مكانه، بل ظل ينظر إليه بثبات، وكأنه كان ينتظر منه هذا الانفعال تحديدًا، ثم قال بهدوء مستفز:
- اهدى يا عمي، إحنا لسه بنتكلم. وبما إنك فتحت سيرة شاهنده وبتقولى انى بعمل كل ده من وقت ماعرفت انها بنتك  خليني أسألك سؤال يمكن يوضح حاجات كتير... إيه اللي خلاك تزق شاهنده على زيدان عشان يتجوزها؟
رفع عتمان نظره بغيظ الى صفوان ولم يجيب  فأكمل صفوان 
- أنا ممكن أوافق أنسى اللي فات، وممكن كمان ماعملش اجتماع مجلس إدارة ، ونقفل الموضوع ده في نطاق العيلة من غير ما حد يعرف حاجة عن اللي حصل. بس في المقابل، عايز منك إجابة واحدة، إجابة صريحة ومن غير لف ولا دوران... ليه حطيت شاهنده في وش زيدان؟!
تبادل زيدان وشاهنده النظرات، بينما تابع صفوان وهو يوجه حديثه مباشرة إلى عتمان:
- زيدان كان خاطب مهرة، بنتك برضه، من وهما صغيرين. وفجأة ظهر في حياته حب جديد، وكانت شاهنده، بنتك التانية! ليه زقيت شاهنده على زيدان؟ ليه وافقت إن بنتك تدخل حياة خطيب أختها، وتاخد مكانها، وإنت عارف كويس إن زيدان كان مرتبط بمهرة؟ إيه اللي كنت بتفكر فيه وقتها يا عتمان؟ وليه عملت كده؟ 
رفض عتمان الإجابة، وأشاح بوجهه بعيدًا عن صفوان، ثم قال بضيق:
- مش هرد على السؤال ده، ومش من حقك تحاسبني على اختياراتي الشخصية، ولا هسمح إننا نفتح موضوع يخص بناتي قدام الناس كلها.
لم يتراجع صفوان، بل ظل ينظر إليه بثبات، ثم قال:
- بالعكس، من حقي أفهم، خصوصًا إن الموضوع مش مجرد جوازة حصلت وانتهت. أنا شايف إن فيه حسابات تانية ورا كل خطوة إنت خدتها، ومش هقبل إنك تتهرب من الإجابة بعد ما فتحت الموضوع بنفسك.
تدخل عتمان سريعًا، وقد أدرك أن استمرار الحديث أمام الجميع لن يكون في صالحه، فقال:
- الكلام ده مش هينفع يتقال قدام حد. عايز أتكلم معاك على انفراد.
نظر صفوان إلى والده، ثم عاد ببصره إلى عتمان وأومأ برأسه موافقًا:
- اتفضل.
نهض الاثنان ودخلا مكتب جاسر، وأغلق صفوان الباب خلفهما، ثم وقف أمام عمه منتظرًا أن يبدأ حديثه. ظل عتمان صامتًا للحظات، قبل أن يزفر بقوة ويقول:
- بص يا صفوان، أنا هقولك الحقيقة، ويمكن تكون شايف إن اللي عملته غلط، لكن أنا وقتها كنت بحسبها من ناحية تانية. كنت فاكر إن بخطوبة مهرة وزيدان، هما هيقربوا من بعض مع الوقت ويحبوا بعض، لكن ده محصلش. زيدان كان بيتعامل معاها كأنها مجرد بنت عمه، مفيش بينه وبينها مشاعر، وأنا عارف شخصية زيدان كويس. هو بيحب اللي تجادله وتناطحه، اللي يكون ليها شخصية قوية وتعرف تقف قصاده، إنما مهرة لأ، مهرة هادية ومش من النوع اللي يقدر يشد انتباهه بالطريقة دي.

توقف قليلًا، ثم استكمل وكأنه يبرر لنفسه قبل أن يبرر لصفوان:
- وقتها قلت لنفسي أكيد زيدان في يوم من الأيام هيدور على واحدة تملى عينه، واحدة تشد انتباهه ويحبها، وبدل ما يروح يدور على واحدة من بره العيلة، حطيتله شاهنده. شاهنده عكس مهرة تمامًا، نغشة، وجريئة، وعندها القدرة إنها تجادله وتستفزه وتعرف تقرب منه. وفعلاً قدرت تخليه يحبها، وهو اللي اختارها واتعلق بيها.
ظل صفوان صامتًا، يستمع إليه دون أن يقاطعه، ثم سأله مباشرة:
- وهتستفاد إيه من كل ده يا عمي؟ إنت كنت عايز زيدان يحب شاهنده ليه؟ وإيه مصلحتك من إنك تخلّي بنتك تتجوز خطيب أختها؟
أجابه عتمان دون تردد، وكأنه كان ينتظر هذا السؤال:
- نصيبي أنا وهو في الشركة هيكون مقارب
لنصيبكم وقتها، ومش هيكون ليك حق الإدارة لوحدك. زيدان لما يتجوز شاهنده ويبقى جوز بنتي، مصالحنا هتبقى واحدة، وهيكون ليا سند في الشركة قدامك. كنت عايز أضمن إن محدش يقدر ينفرد بالقرار أو يتحكم في كل حاجة لوحده، خصوصًا بعد ما بدأت أحس إنك بتاخد مساحة أكبر مني ومن أبوك.
ظل صفوان ينظر إليه في ذهول ممزوج بالغضب، فقد كان يتوقع أن يسمع تبريرًا يتعلق بمصلحة بناته أو خوفه على مستقبل مهرة، لكنه لم يتخيل أن تكون شاهنده وزيدان مجرد ورقتين في حسابات عتمان للسيطرة على الشركة.
اقترب خطوة منه وقال بصوت منخفض وحاسم:
- يعني إنت ضحيت بمهرة، وخلّيت شاهنده تدخل في جوازة مبنية على حساباتك، وكل ده عشان تضمن إنك تاخد سلطة أكبر في الشركة؟! حتى بناتك ما سلموش من طمعك يا عتمان!

في الوقت الذي كان فيه عتمان يعترف لصفوان بكل ما خطط له، كان زيدان يجلس في غرفة الاستقبال، يستمع لكل ما يدور داخل الغرفة فقد اتصل به صفوان وترك الخط مفتوح 
ظل يستمع في صمت، وكلما كشف عتمان عن جزء جديد من الحقيقة، كان يشعر وكأن شيئًا داخله ينهار. عرف أن رفضه لمهرة لم يكن مجرد قرار اتخذه حين وقع في حب شاهنده، بل إن عتمان كان قد وضع شاهنده في طريقه عمدًا، وأن تقربها منه لم يكن عفويًا كما ظن طوال تلك السنوات.
وعندما سمع اعتراف عتمان بأنه أراد أن يجعل زيدان سندًا له في الشركة، وأن زواجه من شاهنده كان جزءًا من حساباته، شحب وجهه، وانقبضت يده حول الهاتف.
لم يكن الوجع لأنه اكتشف أن شاهنده كانت تتقرب منه بتوجيه من أبيها فقط، بل لأنه بدأ يشك في كل لحظة عاشها معها؛ في كل كلمة حب سمعها، وفي كل موقف ظنه دليلًا على تعلقها به.
رفع عينيه نحو شاهنده الجالسة بالقرب منه، وكانت تتحدث مع خديجة دون أن تدرك أن زيدان يسمع الآن الحقيقة  التي كانت تعرفها وحدها.
أما داخل المكتب، فلم يكن صفوان قد أدرك أن زيدان يسمع كل شيء، بينما كان عتمان يظن أن اعترافه سيظل حبيس الجدران الأربعة.

تعليقات