رواية وهم السنة الواحدة الفصل الثاني بقلم سلسبيل احمد
وقبل ما نلحق نكمل الكلام، رن جرس الباب برة بنغمة متواصلة ومستعجلة جداً!
اتفضنا الاتنين في نفس اللحظة.
بصيت ليوسف بذعر وقلت بصوت واطي:
— "مين اللي بيخبط كده الساعة تسعة الصبح!"
يوسف قام بسرعة وبص من الشباك الصغير بتاع الممر، ولَفّ ليّ وشة وشكله اتغير كأنه شاف كارثة:
— "أمي.. وأمك!
الاتنين واقفين على الباب !
وقفت مكان وشعري المنكوش والبيجامة الواسعة وصينية الفطار .. وقلبي وقع في رجلي:
— "نهارك أسود يا يوسف!
لو دخلوا ولقوا أوضتك المقفولة دي..
التمثيلية بتاعتنا هتتفضح في أول 24 ساعة!"
الجرس فضِل يرن بنغمة مستعجلة، وأنا واقفة في نص المطبخ متسمرة، ضوافري غرسة في الشال الكحلي من الرعب.
يوسف لمح ذعري، وفي ثانية واحدة اتغير هدوءه العادي لحسم وسرعة حركة غريبة.
مسكني من كتفي بثبات وقال وهو بيوطي صوته وبيصلي بتركيز:
— "حفصة.. اسمعيني كويس وركزي معايا، قدامنا بالضبط 15 ثانية قبل ما يقلبوا الشارع علينا."
بلعت ريقي وهزيت رأسي بسرعة.
— "أولاً: أجرِي على الأوضة الصغير المقفولة، شيلي مخدتك ولحافك من على السرير بتاعي وارميهم على السرير الكبير في أوضتك.. بسرعة!"
— "ثانياً: افردي المفرش على السرير الكبير خليه شكله متبهدل كأننا كنا نايمين سوا ونزلنا الصبح.. أوعي تسيبيه متظبط!"
— "ثالثاً: انطري الشال ده وشعرك سيبيه كدة.. وهدي نفسك عشان ما يبانش إنك كنتِ مرعوبة."
جريت على الأوضة الصغيرة كأني في سباق الماراثون، شلت المخدة واللحاف بطريقة عشوائية وجريت بيهم على الأوضة الكبيرة، رميتهم على السرير وفردت المفرش بلخبطة مظبوطة جداً.
رجعت بصيت في المراية، حطيت مسحة روج سريعة على شفايفي، وخرجت أجرّ رجلي.
في الوقت ده، كان يوسف شال أطباق الفطار المنظمة وجاب طبقين كبار وملاهم عيش وفول وجبنة وعمل زيطة في المطبخ عشان يبان إننا لسة صاحيين وبنحضر الفطار سوا.
قرب من باب الشقة، وشاورلي بإيده: "اضبطي رياكشن وشك!"
خدت نفس عميق، ووقفت جنبه.
يوسف فتح الباب وهو بيدعك عين بإيده وبيمد إيده التانية يلفها حولين كتفي بثبات مفاجئ..
شدني بالكامل وقربني منه، وأنا غصب عني مسكت في طاقية التيشيرت بتاعه من التوتر.
أول ما الباب اتفتح، لقيت ماما وطنت سعاد واقفين.
طنط سعاد دخلت براسها الأول، عيونها بتفحص الصالة والربكة اللي على وشنا، وقالت بابتسامة خبيثة:
— "يا فتاح يا عليم يا رزاق يا كريم.. إيه يا حبيبي، ساعة عشان تفتحوا؟ كُنتم نايمين ولا إيه؟"
يوسف ابتسم ابتسامة هادية ودافية، وشدني لضلعه أكتر وهو بيبوس رأسي قدامهم بجرأة خلّت الدم يهرب من وشي:
— "صباح الخير يا أمي.. صباح الخير يا طنط. معلش، كنا لسة بنصحى وحفصة كانت بتعملي الشاي."
ماما دخلت وراها بصينيتها، وعيونها الشديدة بتراقب كل شبر في الشقة، ونزلت نظرتها على إيد يوسف اللي محوطة كتفي، وقالت بنبرة فيها شك مكتوم:
— "صباح النور يا يوسف..
إحنا قلنا نطب عليكم بدري بالفطار البلدي عشان نطمن، وعشان أستكشف الشقة وأشوف بنتي أصلحت حالها ولا لسة."
طنط سعاد سابت الأكياس على الترابيزة ومشت بخطوات سريعة وواثقة ناحية الممر، وقالت بصوت عالي:
— "أما أدخل أحط الحاجة في الثلاجة..
قلبي سقط في رجلي ورجعت للرعب تاني، بصيت ليوسف بعيون متسعة.. طنط سعاد رايحة ناحية الأوض بالعدل!
رجلي كانت بتتخشب مع كل خطوة بتاخدها طنط سعاد في الممر.
ماما واقفة وراها بتركّز في كل تحركاتنا، وأنا حاسة إن التمثيلية هتقع على راسنا في أول أربعة وعشرين ساعة.
طنط سعاد مدّت إيدها ومسكت مقبض باب الأوضة الكبيرة، وفتحته ببطء شديد وهي بتبص بجنب عينيها..
وقف قلبي في ثانية!
الأوضة كانت دافية، المفرش المتبهدل بلخبطة مظبوطة مغطي السرير الكبيرة، واللحاف والمخدة اللي نقلتهم في ثواني مرميين بعفوية خلّت المنظر يبان كأن اتنين لسة قايمين من عليه حالا!
طنط سعاد دخلت خطوتين، عيونها بتدور على الكومودينو والهدوم..
وفجأة، عينها جات على باب الأوضة الصغيرة اللي في آخر الممر، وكانت مواربة حتة صغيرة ومبيّنة طرف المكتب وسرير صغير عليه مخدة واحدة!
حسيت بدمي بيتهرب، وماما كانت طالعة وراها وشكها بيزيد، وقالت وهي بتضيّق عينها:
— "هي الأوضة اللي هناك دي فيها إيه يا يوسف؟"
قبل ما ينطق أي حد فينا بكلمة، يوسف تحرك ببديهية وسرعة مرعبة!
حط إيده على وسطي بجرأة، وشدني لضلعه بتملك دافي أربكني تماماً، ومسح على شعري قدامهم بابتسامة واسعة ورزينة وقال بثقة:
— "دي الأوضة اللي حاطط فيها مكتبي وأوراق الشغل يا طنط..
وحفصة الله يكرمها ..
من أول ما دخلنا البيت وهي مسخرة الأوضة دي عشان تكون مكتبي الخاص، حاطة لي فيها مخدة ومجهزه سرير صغير عشان لو تعبت من السهر على الشغل أنام ساعة وأرجع لها."
طنط سعاد لفت وشها بسرعة، وبصتلي باستغراب وخروج عن توقعاتها، فنزل يوسف عينه عليا وباس شعري بوسة خفيفة ودافية أمام عين ماما، وقال بنبرة مليانة تمثيل حنين أوي:
— "صح يا حبيبتي؟
مش أنتِ اللي عملتي كدة عشان أركز في شغلي؟"
أنا كنت متسمرة في مكانه، دقات قلبي كانت مسموعة من كثرة التوتر والقرب المفاجئ، بس أدركت إنها الفرصة الوحيدة!
رفعت عيني وبصيت ليوسف وابتسمت ابتسامة متكلفة وهزيت رأسي:
— "أكيد يا طنط..
يوسف تعب جداً في التشطيبات والشغل الفترة اللي فاتت، وكان لازم أعمله مكان يريح فيه لما يسهر."
ماما ابتسمت بإنصاف وكبرياء يرضي غرورها قدام طنط سعاد، وقالت وهي بتبص لأم يوسف:
— "شايفة يا سعاد؟
بنتي متربية ومقدرة قيمة جوزها وشغله، مش مهملة زي ما كنتِ فاكرة."
طنط سعاد اتراجعت خطوة، وملامحها هديت شوية بس سابت نظرة استكشافية، وقالت بابتسامة متكلفة:
— "ربنا يهدي سركم يا حبايبي..
بس برضه، السهر كتير على المكتب مش حلو، وأوضة النوم الرئيسية أدفى يا يوسف."
أول ما لفوا وخرجوا رايحين المطبخ يحضروا الفطار البلدي، يوسف ساب وسطي بالراحة.
سندت ظهري على حيطة الممر، وخدت نفس طويل جداً كأني كنت ميتة وبحيى.
بصيت ليوسف بعيون واسعة وبهمس حاد:
— "أنت جننت؟!
إيه الحركة اللي عملتها دي؟!
كنت هتموتني من الرعب!"
يوسف قرب مني وشوشني بابتسامة خبيثة ورزينة وهو بيرفع حواجبها:
— "لو ما كنتش شديتك وقلت الكلمتين دول، كان زمان أمك وأمي بايتين معانا في الشقة النهاردة بيفتشوا تحت السراير!
.. اعترفي إن الحركة نفعت والتمثيلية عدت بامتياز."
بصيت له بغيظ مكتوم، بس ماقدرتش أنكر إن هدوءه وتصرفه في أضيق ثانية أنقذنا من كارثة محققة!
أول ما باب الشقة اتكسر وراهم وصوت خطواتهم اختفى في السلم، الشقة كلها رجعت ساكتة فجأة.
وقفت في نص الصالة، الشال الكحلي كان نازل من على كتفي، وشعري منكوش، وحاسة إن طاقتي اتشفطت بالكامل في الساعتين دول!
يوسف مشي ببطء، قفل الباب بالمفتاح، ورجع ظهره على الباب الخشبي وهو بياخد نفس طويل أوي ويهز رأسه..
وقعد ع الكنبه ودعك عينيه بتعب.
بصيت له ورجلي بتاخدني ناحية الكنبة، اترميت عليها بقلة حيلة وقلت وأنا بنهج من كثر التوتر:
— "أنا مش مصدقة إننا عدّينا من المعجنة دي!
أنا ركبي كانت بتخبط في بعض، وحاسة إن أمك وأمي عندهم أجهزة استشعار للكدب!"
يوسف مشي ببطء وقعد على الكرسي الفوتاي اللي قصادي..
وسند كوعيه على ركبه وبصلي بابتسامة خفيفة ودافية:
— "بس اعترفي.. أداءك كان ممتاز، حتة 'أنا اللي عملتله المكتب عشان يريح فيه' دي كانت ضربة معلم، أمك كانت هتاكل أمي بالحيا من الفخر!"
رفعت حاجبي وبصيت له بغيظ متصنع، بس ضحكة خفيفة هربت مني رغماً عني:
— "أنت اللي أربكتني!
لمستك ليا وبوستك لشعري قدامهم خلوني أستوعب إننا لو ما مثلناش صح، هنروح في داهية..
بس على فكرة بقى يا بشمهندس!"
ضيّق عينيه بفضول:
— "إيه؟"
عدّلت القعدة، وقلت بنبرة جادة بحاول أسترد بيها كبريائي والشروط اللي حطيناها:
— "الحركات دي قدامهم وبس..
أول ما الباب ده يترزع، الحدود ترجع تاني فوراً!
مش معنى إنك أنقذت الموقف إنك تتمادى في تقريبك ده.. اتفقنا؟"
يوسف بصلّي لحظة بصة طويلة، عيونه كانت فيها لمعة هادية وسرية، هز رأسه ببطء وابتسم ابتسامة رصينة:
— "اتفقنا يا آنسة حفصة..
الحدود موجودة، وأنا محترمها جداً.. بس افتكري إنهم مش هيسيبونا في حالنا، وموضوع الخلفة والأحفاد اللي فتحوه على الفطار ده هيرجع يفتلوه تاني وتالت."
اتخضيت وافتكرت كلام طنط سعاد وهي بتقول على الفطار "عايزين نشوف
.حفيد قبل السنة ما تخلص!"..
وشي احمرّ من الكسوف والغيظ:
— "ده بعينهم!
إحنا اتفقنا هي سنة واحدة وبس..
وساعتها هنشوف حجة منطقية وننفصل بمنتهى الهدوء."
يوسف قام من مكانة بالراحة، مشي ناحية المطبخ عشان يلم أطباق الفطار البلدي، وقبل ما يدخل لَفّ وشة وقال بنبرة دافية وهادية أوي:
— "نشوف موضوع السنة ده بعدين..
المهم دلوقتي قوليلي، أعملك فنجان قهوة معايا نطرد بيه توتر الصبح ده؟ ولا القهوة كمان ضد الحدود؟"
بصيت لظهره وهو داخل المطبخ، وحسيت بنغزة دافية غريبة في صدري..
النغزة دي خلتني أبتسم من غير ما أحس وأرد بصوت واطي:
— "سادة.. لو سمحت يا يوسف."
وساعتها بس، عرفت إن العيشة مع يوسف مش هتكون مجرد "اتفاق على ورق".. البيت ده بدأ يدفي بجد.
مر كام يوم على المعجنة الأولى، والحياة بيننا كانت هادية وبدأت تاخد شكل إيقاع منتظم.. إيقاع حذر بس دافي.
لحد ما جه يوم الجمعة، والضربة جات المرة دي من طنط سعاد!
تلفون يوسف رن على الصبح، وكانت طنط سعاد على الخط بصوتها الآمر الناهي:
— "جمعة مباركة يا حبيبي..
