رواية رماد القلوب الفصل الثاني
"رماد القلوب "
في إحدى الغرف التي تشع بؤس وكآبة جلست فتاة على كرسي يقيدها وهي تنظر إلى الفراغ بعينين زائغتين تنتظر الموت بفارغ الصبر حتى ينتهي عذابها ولكن أنى لها الموت ولم يحن أجلها بعد .
خارج الغرفة وعبر الزجاج كانت تراقبها سيدة في أواخر العشرينيات تنظر إايها بنظرات ملؤها الخبث والمكر وهي تهمس بالجملة المشهورة بها " مزيد من العذاب... مزيد من المال " ثم ضحكت ببساطة وكأن من تتحدث عنه ليس إنسان بل فأر تجارب لا أكثر ..
في ذلك الوقت دخل رجل في منتصف الأربعينات طويل القامة ذو جسد رياضي ويتخلل شعره بضع خصلات بيضاء ، وقف بجانب السيدة وهو يقول :
_ كيف حالك دكتور سيجما .
نظرت له دكتور سيجما شزراً ثم قالت :
_ سيد مُهاب أخيراً أتيت .
_ آسف يا دكتور ولكن...
قاطعته بغير اكتراث قائلة :
_ أعطني نتائج الإختبار الأخير .
مد مهاب يده لها بملف أبيض أخذته منه وتفحصت محتواه بشغف
وسرعان ما ارتسمت على وجهها ابتسامة شر وانتصار ، فابتسم مهاب بدوره وقال وهو ينظر إلى الفتاه المسجونة :
_ تلك الفتاة مذهلة حقاً يا دكتور لم أتوقع أن تنجو من تلك الكهرباء العالية التي تعرضت لها فقد أنتج جسدها كرات دم حمراء بسرعة هائلة ليعوض تلك التي احترقت حتى أن الضرر في بقية أعضائها كان بسيطاً
اتسعت ابتسامة دكتور سيجما وهي تنظر إلى الفتاة بدورها وتقول :
_ أنت لم ترى شيئاً بعد يا مهاب هذه النتائج مذهلة وتمكننا الآن من الإنتقال للمرحلة التالية ... مرحلة السموم .
قطب مهاب حاجبيه وهو يقول بتعجب :
_ مرحلة السموم ؟!
_ نعم .. يمكنني الآن أن أحقنها ببعض السموم .. وسأبدأ بالبلادونا.
قالت تلك الكلمة لتتسع عينا مهاب من الصدمة وهو يقول :
_ ولكن يا دكتور هذا السم خطير وقد تموت منه ونفقد المشروع بأكمله .
ارتسمت ابتسامة جانبية على وجهها وقالت :
_ السموم لن تقتلها يا مهاب ... راقب ما الذي ستفعله بها .
_______________________________________
كان إياد جالساً في مكتبه يكتب واحد من تلك التقارير التى لا تنتهي والتي زادت بشكل ملحوظ في الفترة الأخيرة ، أنهى إياد التقرير بتوقيعه ثم وضعة مع إخوته ، تنهد بتعب وقد ذهب عقله إلى تلك اللية ولكن قبل أن ينغمس في تفكيره أحس بأن أحد ما يراقبه ، نظر بسرعة ناحية الباب المفتوح قليلاً ولكنه لم يجد أحد
نهض بسرعة وفتح الباب ناظراً في الممر ولكن لا أحد أيضاً ، عقد حاجبيه و عاد أدراجه .. ضحك بسخرية قائلاً " رائع لقد بدأت أرى هلاوس .. علي أن أنام حقاً " كان يقول ذلك وهو يحاول أن يهدأ نفسه ولكن قلبه يخبره أن الأمر حقيقي فتلك لم تكن المرة الأولى ....
أنهى إياد عمله وقد دقت الساعة معلنة وصولها إلى منتصف الليل ، فجمع أشيائه وخرج من المشفى ، وعندها لمح المدير واقفاً عند مدخل الطوارئ ، تعجب إياد.. لماذا المدير مازال في المشفى إلى هذا الوقت المتأخر ، ولكن هذه المرة لم يراقبه فقط بل ذهب إليه منادياً إياه :
_ دكتور عاطف كيف حالك .. ماذا تفعل هنا يا رجل .
انتبه عاطف وفي لحظة تملك الرعب من قلبه والتوتر من ملامحه وهو يرى إياد يقترب منه ، حاول ضبط أعصابه وتنحنح قائلاً :
_ لا ... لا شئ فقط هناك مريض أخذت حالة وقت طويل لأنها لم تكن مستقرة ولم أستطع أن أرحل قبل أن أتأكد أنه بخير .
لم يكن كلامه منطقياً ولم يقنع إياد الذي كان واقفاً أمامه ينظر إليه دون رد .. لم يحتج إلى قرائه ملامحة فقد كان التوتر والكذب جلياً على وجهه لذلك ابتسم إياد ابتسامة جانبية وقال:
_ حسناً أتمنى من مريضك المميز أن يتلقى العلاج بشكل جيد .
قال إياد تلك الجملة وهو يرى أثرها هلى وجه عاطف الذي بدأ يتصبب عرقاً .. تحرك إياد من أمامه ملوحاً له وذهب إلى سيارته وتحرك بها عائداً إلى بيته وفي داخله ألف قسم بأن يكشف سر ذلك المخادع .
وقف عاطف ينظر بحنق إلى سيارة إياد وهي تبتعد وهمس بتوعد قائلاً " أقسم لك يا إياد أني سأجعلك تندم على اليوم الذي فكرت فيه أن تتبعني "
عاد إياد إلى منزله وحكى لليلى كل ماحدث معه .. ليلى التي لم تكن راضية عما يحدث وكانت تنظر إليه بعتاب وقلق قالت له :
_ إياد أشعر أن الأمر خطير لذلك أرجوك توقف ولا تبحث عن المشكلات .
_ ليلى .. عاطف ليس شخصاً نزيهاً أبداً ويمكن أن أتوقع أي شئ منه فلقد حبس من قبل في قضايا اختلاس ولكنه خرج منها بمساعدة أشخاص مثله ، لذلك أن لن أتركه هذه المرة وسأعرف ماذا يفعل .
سكتت ليلى قليلاً ، ثم قالت :
_ حسناً ما الذي تظن أنه يفعله .
صمت إياد قليلاً ثم نظر في عيني ليلى بثقة وهو يقول :
_ الإتجار بالبشر .
شهقت ليلى بصدمة وهي تضع يدها على فمها وتنظر إلى إياد برعب ثم قالت :
_ لا .. مستحيل يا إياد ليس إلى هذه الدرجة .
_ ليس مستحيلاً كل شئ ممكن .
_ ولكن إن كان هذا صحيحاً فإن علم أنك تتبعه لن يتوانى عن التخلص منك .
_ لا تخافي يا ليلى لن يفعل هذا سأكون بخير بإذن الله فقط أنا سأوقفه عند حده ولن أسمح له بإيذاء أحد .
قال ذلك ثم وقف ونظر إلى ليلى مبتسماً وأمسكها من يدها هو يحثها على النهوض ثم قبّل رأسها ونظر لها بحنان وقال :
_ والأن دعينا نغلق هذا الموضوع ونجلس معاً في الشرفة ونقضي وقتاً هادئاً بعيد عن المتاعب .
ابتسمت ليلى بدورها وقد احمّرت وجنتاها خجلاً وهي تقول :
_ حسناً هيا بنا .
ثم أمسكت يده واتجها معاً إلى الشرفة .
______________________________________
جلست دكتور سيجما في مكتبها وهي تقرأ حالة مشروعها وتبتسم بظفر ، نظرت إلى ساعتها فوجدت أنها العاشرة صباحاً اتسعت ابتسامتها وهي تقول " حان الوقت " في تلك اللحظة طرق باب المكتب ودخل مهاب وهو يقول :
_ دكتور سيجما كل شئ معد وجاهز للتجربة .
_ حسناً أنا قادمة .
خرج مهاب وتبعته دكتور سيجما إلى الغرفة التي تقبع فيها الفتاة البائسة ، وقفا خارجها ينظران إلى الفتاة ، ثم أشارت دكتور سيجما إلى الأطباء ليبدأوا في التنفيذ ...
كانت الفتاة جالسة على الكرسي ومكبلة لا تنتظر شئ سوى عذابها التالي الذي كان بالفعل بدأ للتو إذ دخل ستة أطباء وحاوطوها ، فدب الرعب في قلبها خاصة عندما بدأو بتثبيت أسلاك كهربائية على جسدها وكأن الكرسي الكهربائي وحده لايكفي ، ثم قام أحد منهم بحقنها بجرعة كبيرة جداً من سم البلادونا وهنا بدأ العذاب الحقيقي ...
إذ بعد مرور عشر دقائق اتسعت حدقتاها بشكل مرعب وتسارعت دقات قلبها بوتيرة جنونية ومن ثم اشتعلت حرارة في جسدها وجف فمها وحلقها ، كانت تنظر إليهم بإستغاثة ولكنها لم ترى سوى ابتسامة خبث على وجه دكتور سيجما ، ثم فجأة بدأت الفتاة تضحك بهستيرية وتتحرك بعشوائية في محاولة اتحرير نفسها ولكن لا فائدة ، كانت تشعر أن نهايتها باتت قريبة فكان جزء منها سعيد و الجزء الآخر مرتاع ، ولكن فجأة شعرت بإن كل الأعراض بدأت بالإنسحاب وسيطر شعور آخر عليها فلقد بدأ جسدها يهدأ ولكن فرحتها بذلك لم تدم إذ اشتعلت كهرباء شديدة في جسدها جعلتها تصرخ بأعلى صوتها مستغيثة ولكن لا فائدة كان جسدها يهتز بعنف وهي تشعر بإن الكهرباء تتسلل إلي أحشائها وكل خلية في جسدها تئن من الألم سقط رأسها وأغمضت عينيها في محاولة لإحتمال الألم الذي بالفعل أصبح محتملاً .. هي لم تعد تشعر بشئ تقريباً فتحت عينيها ظانة أن الكهرباء قد توقفت ولكن لا لقد كانت مستمرة ولكنها لم تعد تشعر بها ، رفعت رأسها ونظرت إلى دكتور سيجما وكانت عينا الفتاة تومض بشكل غريب ... عند تلك اللحظة أخذت دكتور سيجما تضحك بجنون وهي تقول " رائع .. رائع لقد نجحت التجربة " ، ثم أشارت إلى الأطباء فقاموا بإيقاف الكهرباء وبمجرد توقفها شعرت الفتاة بدوار غريب وسقط رأسها وأغشي عليها في الحال ...
عادت دكتور سيجما إلى مكتبها وهي تكاد تطير من الفرحة وقال لمهاب الذي تبعها :
_ بهذا المشروع والتجارب يا مهاب قد نجني الملايين
_ مبارك لكِ يا دكتور .
_ لم تكن تلك يا مهاب سوى التجربة الأولية مازال أمامنا الكثير لنلفعله .
_ وأنا سأظل معكِ يا دكتور حتى النهاية .
وقبل أن تجيب دكتور سيجما طُرق الباب وفُتح ليطل عاطف من
خلفه وهو يقول :
_ مبارك لكِ يا دكتور لقد سمعت أن التجربة قد نجحت .
_ مرحباً يا عاطف تفضل بالدخول
دخل عاطف وجلس هلى الكرسي المقابل لها .. لم تكن مملامحة سعيدة كما يدل كلامه ، فقالت له دكتور سيجما :
_ ما بك يا عاطف .. لماذا لا أرى في وجهك البِشر .
_ لا شئ يا دكتور .. فقط بعض المشاكل مع بعض الفضوليون .
رفعت دكتور سيجما حاجبها وقالت:
_ أهو ذلك الطبيب الفضولي الذي حدثتني عنه
_ نعم .. فهو برغم كل الحالات التى وكلتها إليه لأصرف ذهنه وأرهقة مازال يشك وأنا أعلم أنه لن يتوقف عن البحث حتى يعرف .
نظرت له دكتور سيجما بإحتقار وقالت :
_ أنت بلا فائدة يا عاطف فأنا لم أوكل إليك سوى مهمة واحدة وهي تأمين المشفى ولم تستطع تنفيذها ... ولكن لا بأس دعه لي فأنا لدي طرقي الخاصة في دفع المتطفلين .
_________________________________________
بدأ إياد عمله بإحدى تلك الحالات الصعبة كالعادة كان يسير وهو يراجع الحالة فأوقفته قدماه عند مكتب عاطف ، نظر قليلاً إلى الباب وحاول فتحه ولكنه كان مغلق تعجب من ذلك لماذا يغلق عاطف المكتب وإلى أين يذهب من الأساس ، رأي أحد الممرضين يسير في الممر فأوقفه قائلاً :
_ ألا تعرف أين ذهب المدير .
_ لا ..لا أعرف لقد قال بأنه ذاهب ليقوم بعمل مستعجل ولم يعد إلى الآن .
_ عمل مستعجل ! ... حسناً شكراً لك .
رحل الممرض بينما وقف إياد ينظر إلى الباب المغلق بحنق وهو يقول " سأعرف إلى أين تذهب أيها الجلف " .
عاد إلى مكتبه ليكمل أعماله الكثيرة ولكنها لم تمنعه من البحث ففي استراحته تجول تقريباً في المشفى بأكلمه يبحث في الغرف التي استطاع دخولها ويسأل من استطاع سؤاله ولكن بحثه ذلك لم يسفر عن أي شئ ولكن لم يطفئ عزيمته أبداً .
خرج إياد من المشفى وهو ينظر إلى ساعته التي تشير إلى العاشرة ، ثم نظر في هاتفه فوجد تقريباً عشر اتصالات من ليلى ، فاتصل بها وطمأنها أنه عائد الأن .. ركب سيارته وقبل أن يدير المفتاح سمع صوت صمام أمان مسدس يفتح بجانب رأسه .....
