رواية ساعة الصفر الفصل الثالث 3 بقلم ملكة الروايات


 رواية ساعة الصفر الفصل الثالث 


​مع مطلع عام 1971، لم يعد "ماركو بينتي" مجرد تاجر أنتيكات يتردد على الصالونات الأرستقراطية؛ بل تحول إلى عنصر محوري في الدائرة المقربة لـ "إيلينا". كانت اللقاءات المتكررة بين روما وبروكسل قد أثمرت عن علاقة وثيقة، امتزج فيها الإعجاب المتبادل بالدهاء السياسي. بالنسبة لإيلينا، كان ماركو الملاذ الهادئ، الرجل الثري المتزن الذي يتذوق الفنون ولا يتدخل في تفاصيل عملها الحساس في اللجنة الاستشارية العسكرية.
​لكن خلف هذا الهدوء، كان "عمر الجبالي" يعيش أشد سنوات عمره احتراقاً.
​في شقة سرية استأجرها باسم مستعار في ضواحي العاصمة البلجيكية، تحول ماركو إلى آلة جمع معلومات لا تهدأ. كان يتلقى التوجيهات الدقيقة من "العميد فاروق" عبر محطات وسيطة في أثينا وزيورخ. لم تكن المخابرات العامة في القاهرة تبحث عن شائعات، بل كانت بحاجة إلى "أرقام وخرائط":
​إحداثيات التحديثات الجديدة لبطاريات الدفاع الجوي والقطع البحرية التي تسلّمها الكيان.
​التعديلات الهيكلية في خطوط الإمداد والتموين الميداني.
​جداول مناورات وقواعد شبكات الاتصال الخطية واللاسلكية.
​كانت أدوات عمر متناهية الصغر؛ كاميرا "مينوكس" بحجم ولاعة السجائر، أوراق مائية تنحل في الماء خلال ثوانٍ معدودة إذا ما داهمه الخطر، وحبر سري لا يُظهر الكتابة إلا عند تعرضه لمزيج كيميائي معقد صُنّع خصيصاً في معامل القاهرة.
​في إحدى الليالي، أثناء وجوده في مكتب إيلينا الخاص بفيلا والدها، استغل خروجها لمدة عشر دقائق لتدخين سيجارة في الشرفة. ببرود أعصاب يُدرس، واستغلالاً لذاكرته الفوتوغرافية، التقط عمر أنفاسه، وأخرج الكاميرا الدقيقة، وصوّر 18 صفحة من مخطط تسليح محصن قبل أن تعود إيلينا وهي تحمل كأسي قهوة، دون أن تلاحظ أن أوراقها قد تحركت بمقدار مليمتر واحد.

​في ديسمبر 1971، أقام "دانيال" حفل عيد الميلاد في فيلته الجبلية ببلجيكا. كان الحفل يضم نخبة من كبار الضباط والاستخباريين المتقاعدين والحاليين.
​في منتصف السهرة، دخل رجل قصير القامة، ذو بنية قوية وعينين زرقاوين باردتين كالجليـد. كان هذا الرجل هو "دافيد"، المسؤول العقائدي عن فرع الأمن الداخلي والاستخبارات المضادة لمراقبة البعثات في أوروبا.
​لم يكن دافيد يبتسم، وكانت نظراته تتنقل بين الحضور ككاشف معادن. وعندما وقعت عينه على ماركو، وهو يتجاذب أطراف الحديث مع سفير سابق، اقترب منه بخطوات بطيئة، وأمسك بكأسه قائلاً بنبرة مشحونة بالسخرية:
​ "السيد ماركو بينتي.. التاجر الإيطالي الذي يظهر فجأة في كل مكان يتواجد فيه كبار رجالاتنا. أليس غريباً أن تاجر آثار يهتم بكل هذا القدر بالحديث عن موازنات الدفاع والسياسة الدولية؟"
​ساد الصمت الدائرة الصغيرة المحيطة بهما. أدرك عمر فوراً أن هذه اللحظة ليست مجرد مزاح، بل هي أول سهم يُوجّه إلى صدره.
​لم يتلعثم ماركو، ولم تنقبض عضلات وجهه. بل أخذ رشفة هادئة من كأسه، ونظر في عيني دافيد مباشرة بابتسامة ثقة أرستقراطية:
​ "السيد دافيد.. التاريخ ليس مجرد سياسة، التاريخ هو من يصنع التحف التي أبيعها. والرجال الذين يصنعون التاريخ هم زبائني المفضلون. أما السياسة نفسها، فأنتم تدفعون ثمنها من أعصابكم، وأنا أكتفي بالاستمتاع بمشاهدتها من البعيد."
​تدخلت إيلينا بسرعة وهي تضع يدها على ذراع ماركو:
دافيد.. ماركو صديق العائلة، ودانيال يعتبره بمثابة ابن له. لا تنقل هواجسك الأمنية إلى حفلاتنا الخاصة."
​ابتسم دافيد ابتسامة صفراء، لكن عينيه الباردتين لم تتزحزحا عن وجه ماركو:
 "بالتأكيد يا إيلينا.. مجرد فضول من رجل عجوز يقضي حياته في البحث عن الأشباح."
​لم تكن كلمات دافيد مجرد شكوك عابرة؛ بل كانت بداية عملية مراقبة جهنمية أُحيطت بها حركة ماركو.
​تم زرع أجهزة تسنّت متطورة داخل شقته في روما وفي متجره. أصبح كل طرد يصله خاضعاً للتفتيش الدقيق دون علمه، وكل مكالمة يجريها مسموعة. استشعر عمر الشباك وهي تضيق حوله، فتوقف تماماً عن إرسال أي رسائل إلى القاهرة لمدة أربعة أشهر، متبعاً تعليمات السلامة الصارمة: "الخمول التام عند استشعار الخطر".
​لكن الاختبار الحقيقي والقاتل حدث في ليلة بائسة من شهر مايو 1972.
​كان ماركو يغط في نوم عميق بشقته، بعد يوم عمل شاق. وفي الساعة الثالثة فجراً، اقتحمت الشقة قوة ملثمة بملابس مدنية، دون إصدار أي صوت، وتم كسر الباب واقتحام غرفة نومه!
​سُحب ماركو من فراشه بقوة وهُجم عليه، وأُلقي على الأرض ويداه مقيدتان خلف ظهره. سُكب ماء مثلج على وجهه، وتسلطت على عينيه أضواء كشافات قوية عمته عن الرؤية.
​صرخ رجل بصوت قاسي باللغة العبرية، ثم باللغة العربية بلكنة ساحلية:
 "اعترف يا عمر! الجهاز انكشف وكل حاجة انتهت! فاروق أتقبض عليه في القاهرة والورق كله معانا! انطق بالعربي بدل ما نخلص عليك هنا!"

​كان هذا الاختبار النفسي الأكثر قسوة في تاريخ الجاسوسية؛ إيقاظ مفاجئ من النوم العميق، وصدمة عصبية، وتهديد بالقتل باللغة الأم، لإجبار العقل الباطن على التفوه ولو بكلمة واحدة بالعربية أو إظهار رد فعل يدل على فهمها!
​في تلك الثواني الفاصلة التي تفصل بين الحياة والإعدام، تصارع "عمر الجبالي" مع "ماركو بينتي" داخل عقله.
​فتح ماركو عينيه المغرورقتين بالماء، وبدا عليه الذهول والرعب الشديد.. وبدأ يصرخ بلغة إيطالية هستيرية، بلكنة أهل الشمال الصافية، وهو يرتجف: " ايها اللصوص! خذوا الأموال والاشياء الثمينه و اتركوا حياتي! ياربي ما هذا؟ "
​تخشب الرجال فوق رأسه. ظل يصرخ بالإيطالية ويكرر التوسلات مستغيثاً بالشرطة الإيطالية ومردداً أسماء شرفاء روما ودانيال وإيلينا، دون أن تفلت من لسانه كلمة عربية واحدة، ودون أن تبدو على ملامحه أي علامة تشير إلى فهمه للحوار الذي دار بالعبرية أو العربية.
​بعد دقائق من الصمت الرهيب، تبادل المهاجمون النظرات. أزال أحدهم القيود ببرود، وقال بلغة إيطالية جافة:
 "عذراً يا سيد بينتي.. كان هذا بلاغاً كاذباً عن وجود إرهابيين في المبنى، واختلطت علينا الشقق."
​غادروا المكان كما دخلوا.

​عندما أُغلق الباب، ظل ماركو مستلقياً على الأرض الخرسانية الباردة لعدة ساعات. كان جسده يرتجف كلياً من أثر الصدمة العصيبة، ونبضات قلبه تتسارع كطبول الحرب.
​زحف ببطء نحو الحمام، وفتح الصنبور ليعسل وجهه. نظر إلى المرآة تحت الضوء الخافت؛ كان وجهه شاحباً كالموتى، وشعرات بيضاء جديدة قد نبتت عند صدغيه رغم أنه لم يتجاوز الثالثة والثلاثين من عمره.

​سقطت دمعة واحدة من عينيه.. لم تكن دمعة خوف، بل كانت دمعة إنهاك من قسوة التمثيل المتواصل، ومن حرمان عقله وقلبه من الكشف عن حقيقته ولو لدقيقة واحدة.
​تذكر والده في الجمالية، وتذكر شوارع القاهرة التي يحرم عليه حتى الحلم بها باللغة العربية.
​ابتسم ابتسامة مكسورة، ومسح وجهه، وقال بداخل سريرته بصرامة صلبة:
"عبرت الاختبار يا عمر.. دافيد سينسحب الآن، والباب للضربة الكبرى قد فُتح على مصراعيه."


تعليقات