رواية اسرار الماضي الفصل الثالث
أشرقت شمس الصباح الباكر لترسم ظلالاً رمادية طازجة على زجاج فندق "اللوتس". كانت الأجواء بالأسفل تخيم عليها كآبة ملموسة، فالأخبار انتشرت كالنار في الهشيم عبر منصات التواصل الاجتماعي، والصحفيون يحيطون بالأسوار الخارجية للفندق كسراب من الجوارح، يبحثون عن أي تسريب يُشبع ظمأ الجمهور الحريص على معرفة تفاصيل المأساة.
في العلية المؤقتة التي اتخذها العقيد مراد الألفي مقراً لإدارة التحقيقات، كانت أوراق القضية تغطي الطاولة الخشبية بالكامل. دخل النقيب حسام وهو يحمل كوبين من القهوة الداكنة، وعلامات الإرهاق تبدو جليّة أسفل عينيه.
"سيدي العقيد، نتائج تحليل الخيط الحريري الذي عُثر عليه برقبهالقتيله. وصلت للتو من المعمل الجنائي،" قال حسام وهو يضع الأوراق أمام مراد.
رفع مراد عينيه عن الملاحظات، واحتسى رشفة من القهوة قبل أن يسأل:
"ماذا لدينا؟"
"الخيط مطلي بتركيبة كيميائية خاصة تُستخدم حصرياً في خياطة الفساتين الفاخرة لدى دار أزياء واحدة في جاردن سيتي... دار 'ميزون لافيير'، المملوكة لمصممة الأزياء الشهيرة 'سيرين عبد الباقي'."
عقد مراد حاجبيه باهتمام:
"سيرين؟ هي نفسها المصممة التي صنعت فستان زفاف نورهان، أليس كذلك؟"
"بالضبط يا فندم،" أجاب حسام. "وكانت متواجدة بالفعل في الفندق ليلة الأمس حتى الساعة السابعة والربع مساءً لتفقد الفستان وتعديل ذيله قبل بداية الحفل!"
المواجهة الأولية: سيرين عبد الباقي (خيوط من الحرير والغموض)
تم استدعاء سيرين عبد الباقي إلى مقر التحقيق الميداني. دخلت المرأة الخمسينية بوقار يشوبه التوتر، ترتدي نظارات شمسية داكنة خففت من حدة نظراتها القلقة، وتضع وشاحاً حريرياً حول عنقها.
"استدعائي في هذا التوقيت وفي هذا المكان يبدو مهيناً لسمعتي يا عقيد مراد،" قالت سيرين بصوت هادئ يحاول التماسك وهي تجلس على الكرسي المقابل.
رد مراد بنبرة خالية من الانفعال:
"الاهانة الحقيقية يا مدام سيرين هي أن تُقتل عروس في ليلة زفافها باستعمال سلك حريري دقيق يُصنع حصرياً لدار الأزياء الخاصة بكِ."
انقبضت ملامح سيرين لثانية واحدة قبل أن تستعيد رباطة جأشها:
"دار الأزياء تبيع مئات القطع والفساتين سنوياً، والحرير المستخدم نطبعه ونستورده بالكميات. أي شخص يملك وصولاً لورشتنا أو يشتري إحدى قطعنا يمكنه الحصول على هذا الخيط. هذا ليس دليلاً على شيء."
"صحيح، لكن ليس كل شخص كان متواجداً في الطابق الثامن قبل الحادث بساعة،" تدخل حسام وهو يلوح بسجل حركة بطاقات الطوارئ للفندق. "لدينا تسجيل لاستخدام بطاقة الخدمة الخاصة بتعديل الفساتين لفتح باب الجناح (804) في تمام الساعة السابعة وعشر دقائق."
شحبت شفتا سيرين، وأمسكت بحقيبتها الجلدية بصلابة:
"كنت هناك لأساعدها في وضع اللمسات الأخيرة على الفستان! نورهان كانت صديقة مقربة وزبونة دائمة، لماذا قد أؤذيها؟"
مال مراد بجسده إلى الأمام وسألها بصوت خفيض:
"ربما لأن نورهان اكتشفت أن دار الأزياء الخاصة بكِ تُستخدم كواجهة لتبييض الأموال لحساب رجال أعمال في الخليج ومصر؟ وأن العقد الذي وقّعته معكِ لتكون الوجه الإعلاني للدار كان يحتوي على بنود خفية أدركتها هي قبل أيام قليلة فقط من الزفاف؟"
اتسعت عينا سيرين بالصدمة، وقبل أن تتكلم، دخل أحد ضباط التحريات وألقى بظرف أصفر مغلق على طاولة مراد:
"سيدي العقيد، عثرنا على هذا التقرير المالي المخفي في خزانة نورهان الخاصة بمنزلها، وتحليل الرسائل النصية المتبادلة بينها وبين هاتف مسجل باسم دار 'ميزون لافيير'."
فتح مراد الظرف، وقرأ الملاحظات المكتوبة بخط يد نورهان الشاذلي. كانت المذكرات تحتوي على أسماء وشخصيات نافذة، ومن بين الأرقام المسجلة، برز رقم غريب يتكرر يومياً في تمام الساعة الثانية صباحاً.
لغز الرقم المجهول والحساب الخفي
أنكرت سيرين معرفتها ببنود الابتزاز أو تبييض الأموال، مصرةً على أن علاقتها بنورهان كانت مجرد اتفاق تجاري محض، وأن أعداء نورهان في الوسط الإعلامي أكثر من أن يُحصوا. وبعد نصف ساعة من الاستجواب المشدود، أُمر بوضع سيرين تحت الحراسة وعدم مغادرتها القاهرة حتى اكتمال التحاليل الجنائية للبطاقة الإلكترونية.
"القصة تتشابك أكثر مما توقعنا يا حسام،" قال مراد وهو يتأمل الرقم المجهول المكتوب في ورقة نورهان. "هذا الرقم ليس لسيرين ولا لطارق الزيني ولا لسيد متولي."
"طبقتُ الاستعلام السريع على صاحب الرقم،" قال حسام وهو ينظر إلى الشاشة. "الرقم مسجل باسم شركة استشارات وهمية أُغلقت منذ عامين، لكن المفاجأة أن الموقع الجغرافي الصادر منه آخر اتصال لنورهان قبل مقتلها بـ عشر دقائق... كان من داخل الفندق نفسه!"
نهض مراد من مقعده ببطء، وجمع الأوراق:
"القاتل لم يخرج من الفندق بعد يا حسام. القاتل ما زال هنا، يتنفس بيننا، وربما يراقب خطواتنا في هذه اللحظة بالذات."
توقف مراد لحظة عند باب الغرفة، ونظر إلى الخريطة الزمنية للجريمة المعلقة على الحائط، ثم قال بنبرة واثقة تتخللها ظلال من الشك العميق:
"تجهز للخطوة التالية... سنفتح الآن ملف السجلات المغلقة لحياة نورهان الشاذلي قبل خمس سنوات، الملف الذي حاول الجميع محوه من الذاكرة."
عقد العقيد مراد العزم على نبش المستور. وقف أمام اللوح الزجاجي مجددًا، وكتب بخط عريض: "حادث طريق إسكندرية الصحراوي - منذ 5 سنوات".
ألتفت نحو النقيب حسام وقال بنبرة ملؤها الجدية:
"قبل أن تصبح نورهان الشاذلي نجمة الشاشات والمجتمعات المخملية، كانت مجرد صحفية تحقيقات مبتدئة في جريدة إقليمية صغيرة. وفي تلك الفترة، وقع حادث سير غامض أودى بحياة خطيبها السابق، المهندس شاكر فهمي. الحادث قُيد وقتها ضد مجهول باعتباره قضاءً وقدرًا... لكن المفاجأة التي لم يعلم بها أحد، هي أن نورهان كانت تجلس بجواره في السيارة وخرجت بنسبة خدوش بسيطة، ولم تُدلي بأي شهادة تفصيلية."
فتح حسام الملف الأرشيفي القديم على شاشته واستطرد:
"بالفعل يا سيدي العقيد، وبعد الحادث بأقل من ستة أشهر، قفزت نورهان قفزة غير مفاهيمية في مسيرتها المهنية؛ انتقلت لشاشة قناة فضائية كبيرة مملوكة لمجموعة شركات يملكها... طارق الزيني!"
"بالظبط،" قال مراد وهو يضيء سجارته وينظر للدخان المتصاعد. "هنا تكمن الحلقة المفقودة. نورهان لم تكن مجرد ضحية لليلة زفافها، بل كانت تملك 'ورقة ضغط' قاتلة ضد أكثر من طرف في هذه القاعة. صمتها طوال السنوات الخمس الماضية كان مقابل ثمن باهظ، وحين قررت أن تتزوج طارق وتخرج من عباءة السيطرة أو تبتز الجميع بضربة واحدة... جاء قرار التخلص منها فورًا."
أثر الهارب: ظهور الشخصية الخامسة
بينما كان التحقيق يتشعب في تفاصيل الماضى، أسرع أحد ضباط المباحث بالدخول إلى الغرفة، وبيده شريط تسجيلي حصري أُخذ من كاميرات المحل التجاري المقابل للبوابة الخلفية للفندق:
"سيدي العقيد! وجدنا لقطات جديدة من كاميرة شارع جانبي خلف الفندق. في تمام الساعة السابعة وثمان وأربعين دقيقة أي في نفس نافذة وقوع الجريمة — خرج شخص يرتدي قبعة سوداء ومعطفًا ثقيلاً من باب الطوارئ الخلفي للفندق، وكان يحمل حقيبة صغيرة قماشية، وصعد سريعا في سيارة أوجار سوداء بلا لوحات معدنية!"
كبر حسام الصورة على الشاشة المركزية، وحاول توضيح ملامح الوجه من تحت القبعة. ورغم ضبابية الصورة، برزت علامة فارقة على يده اليمنى: وشم صغير يمثل رمز "الميزان المكسور".
اتسعت عينا حسام بالدهشة: "هذا الوشم! إنه الوشم الخاص بـ 'عادل راشد'... الشقيق الأكبر للمهندس شاكر فهمي المتوفى في الحادث القديم! عادل كان قد أقسم علنًا بعد وفاة أخيه أنه ينتظر اليوم الذي ينتقم فيه من نورهان ومن كل من تسبب في قتل أخيه والتغطية على الجريمة!"
اقترب مراد من الشاشة وركز نظراته على حركة الرجل:
"إذن لدينا مشتبه به رابع يعمل خارج الدائرة المعلنة... عادل دخل الفندق بهوية مزيفة، ربما بصفة أحد موظفي الخدمة أو عمال التجهيزات."
مواجهة في الظلام
لم يمضِ سوى نصف ساعة حتى أرسل مراد دورية خاصة لتتبع موقع الهاتف المجهول الذي أرسل التهديد الأخير لنورهان. كانت الإشارة تؤكد وجوه داخل مبنى استديوهات مهجور على أطراف شبرا الخيمة.
تحركت قوة أمنية بقيادة مراد وحسام تحت ستر الليل. تحكم الهدوء الحذر أرجاء المكان المهجور. اقتحمت القوة المبنى بخطوات حاسمة، لتجد عادل راشد يجلس في منتصف الغرفة المظلمة، وأمامه طاولة عليها أجهزة بث إلكترونية وشاشات تراقب حشد الفندق!
رفع عادل يديه إلى الأعلى ببطء وابتسامة ساخرة تعلو شفتيه المجهدتين:
"تأخرتم كثيرًا يا سيادة العقيد... كنت بانتظاركم."
اندفع حسام ونزع القبعة عن رأسه ووجه السلاح ونحوه:
"أنت مقبوض عليك بتهمة قتل نورهان الشاذلي!"
ضحك عادل بصوت مجوف ومرير، ونظر مباشرة في عيني مراد:
"أنا لم أقتلها يا سيادة النقيب... أنا أردت قتلها، نعم! جئت الفندق وأرسلت لها الرسائل لأرعبها ولأجعلها تعترف قبل أن تزف إلى رجل صمت عن دم أخي. لكن عندما دخلت جناحها عبر نافذة الشرفة في الساعة السابعة وأربعين دقيقة... كانت نورهان بالفعل جثة هامدة على الأريكة، وعيناها تحدقان في السقف!"
ساد صمت قاطع في الغرفة، وسأله مراد بصوت كالرعد:
"إذا كنت لم تلمس الجثة قط، فماذا كان في الحقيبة القماشية التي أخذتها معك وأنت تهرب من الباب الخلفي؟!"
فتح عادل عينيه ببطء، وقال بنبرة تقشعر لها الأبدان:
"أخذت الشيء الوحيد الذي كان القاتل الحقيقي يبحث عنه ولم يجده... أخذت 'مفكرة الأسرار' التي كانت نورهان تخفيها في حقيبه ملابسها، وهي المفكرة التي تحتوي على أسماء القتلة الحقيقيين لأخي... وأول اسم فيها هو الاسم الذي لن تتخيلوه أبداً!"
توقف عادل عن الكلام فجأة، وقبل أن ينطق بالاسم، أُطلقت رصاصة كاتمة للصوت من نافذة المبنى المهجور لتخترق الزجاج وتصيب كتف عادل، ليسقط أرضًا وسط ذهول الجميع والصراخ بالملاحقة!
المعركة لم تنتهِ... بل أصبحت أكثر شراسة وضبابية.
