رواية جحيم ال مارينتوس الفصل الثلاثون
"عرض زواج"
في الصباح الباكر، كانت سيلفانا تقف أمام مرآتها تُنهي ضبط مظهرها العام، ثم وقعت عينيها على الصندوق الصغير المغلق أمامها، ابتلعت ريقها بتوتر وحملته. أغمضت عينيها قليلا ثم فتحتهما مُجددًا عازمة على تقديم هديته تلك، زفرت ببطء وحملت حقيبة يدها وخرجت من غرفتها لتتقابل مع كارلا التي خرجت من غرفتها للتو.. عقدت سيلفانا حاجبيها وتحدثت بحيرة:
- متى عدتِ بالأمس يا فتاة؟
تحدثت كارلا بابتسامة لطيفة وهي تلتفت إليها:
- تأخرتُ قليلاً، لم أجد أي واحدةً منكم مستيقظة.. تناولت عشائي ثم نمت.
همهمت سيلفانا ثم تساءلت بابتسامة لطيفة:
- أخبريني، ماذا حدث بالأمس؟ هل أحب ابن صديقتكِ الهدية؟
نظرت كارلا أمامها بشرود وتحدثت بغصة:
- أجل بالطبع، لقد أحبها كثيرًا.. حتى أنه قام بضمي بشدة وقال أنه يحبني.
اتسعت ابتسامة سيلفانا:
- يبدو أنكما قريبان من بعضٍ للغاية.
أومأت كارلا بصمت بينما خرجت جوداء من غرفتها بنعاس وخصلاتها الناعمة تُخفي بعضًا من وجهها، تثائبت ثم وضعت يدها على فاهها واستعاذت بالله من الشيطان الرجيم وتقابلت عينيها مع كارلا وسيلفانا اللذان يرمُقانها بتعجب ولكنها تجاهلتهم واقتربت من المطبخ وأخذت كوبًا من المياه ثم شربته كله على ثلاث مرات.. وحينما هدأت قليلاً رمقتهما بحيرة وتحدثت:
- ماذا هناك؟
تحدثت سيلفانا بابتسامة:
- لا شيء، ولكن يبدو أنكِ أصبحتي على مايُرام يافتاة.
عقدت جوداء حاجبيها وأخذت تتحسس موضع جرحيها، شعرت أنهما بخيرٍ ولكن يوجد ألمٌ بسيط فقط.. ابتسمت بنعاس:
- اوه، أخيرًا سأعود لعملي.
ابتعدت عن المطبخ وتحدثت بانشغال وهي تفكر:
- سأخبرهم أنني سأعود في الغد.
أوقفتها كارلا بتذكير:
- الغد يوم عطلة جوداء.
ابتسمت جوداء وهي تنظر إليها:
- سعيدة أنكِ أنتِ وجلوريا اعتدتما على اسمي..
بادلتها كارلا الابتسامة .. بينما زفرت جوداء بتفكير:
- حسنًا أنا أكره أن أبقى جالسة بالمنزل.. سوف يمر اليوم ببطء ولكن غدًا ماذا سنفعل يا فتيات؟ هل توجد فكرة لديكن؟
فكرت سيلفانا قليلاً ثم تحدثت باقتراح:
- أفكر أن نقضي يوم العطلة سويًا..
صمتت سيلفانا بينما تحدثت كارلا باقتراح:
- ما رأيكن بأن نذهب للسينيما؟
هزت جوداء رأسها نافية:
- لن نستطيع، لأجل جلوريا.
تحدثت سيلفانا باقتراح:
- سنذهب في نزهة في إحدى الحدائق العامة، ما رأيُكُنَّ؟
- هذا جيد.
تحدثت كارلا وجوداء في وقت واحد ثم وجهت سيلفانا حديثها للأولى:
- هيا بنا لنذذهب نحن، السائق ينتظرنا.
خرجت الإثنتان من المنزل وصعدت سيلفانا السيارة ولكن كارلا لم تصعد، عقدت سيلفانا حاجبيها وتحدثت بحيرة:
- يا فتاة، هيا اصعدي.
زفرت كارلا ببطء وتحدثت قائلة:
- لدي عمل أنهيه، اذهبي أنتِ.
علَّقت سيلفانا بضيق:
- من أين خرج لكِ هذا العمل؟ يا فتاة اصعدي سنتأخر.
هزت كارلا رأسها نافية:
- طريقي مختلف عنكِ، سأتأخر قليلاً.
رمشت سيلفانا قليلاً ثم هزت رأسها وأمرت السائق بالتحرك، بينما تهدل كتفي كارلا وتمتمت هامسة:
- ربما يجب أن أبتعد عن أي شيءٍ يخص سايلِس حتى الوقت الذي يتقبلني فيه كأخته.
ثم سارت في طريقها للشركة .. جلست جوداء بالخارج فوق الأريكة تحمل هاتفها وقامت بتشغيل التلفاز بينما أخذت تتصفح هاتفها قليلاً ولكن دون أن تشعر بحثت عن ديميتري من جديد، وظهرت لها صورته الشخصية وأخذت تُطالعه قليلاً.. ملامحه الهادئة والغامضة في الوقت ذاته، كان جميلاً إلى حدٍ لم تراه من قبل كيف لم تنتبه إلى تلك التفاصيل من قبل؟.. كبرت الصورة بأصابع يدها ليُصبح وجهه أكثر وضوحًا لها، وتيقنت في تلك اللحظة أنها قد اشتاقت لرؤيته حقًا.. كم تريد أن تراه الآن أمامها.. تريد أن تراه ينظر إليها بتلك النظرات التي تشعر أنها تلتهمها بجنون...
- جوداء، هل أنتِ مستيقظة؟
أطلقت جوداء صرخة فزعٍ وهي تنتفض من فوق الأريكة كأن شيئًا ما لسعها للتو وارتطمت أرضًا، تعجبت جلوريا من صراخها المفاجئ وقلقت للغاية:
- جوداء؟ ماذا هناك هل أنتِ بخير؟
تأوهت جوداء بألم وهي تضع يدها فوق موضع الإرتطام للتو ولكنها سارعت بإغلاق الصورة التي كانت تتأملها وتحدثت بألم:
- أنا بخير.
زفرت جلوريا بارتياح بينما تحدثت بابتسامةٍ لطيفة وهي تنظر للفراغ أمامها:
- من الجيد أنكِ بخير، إن ستيفانو ينتظرني بالخارج أمام الشقة، هل تريدين شيئًا قبل أن أرحل؟
هزت جوداء رأسها نافية ثم تحدثت:
- شكرًا لكِ جلوريا.
ابتسمت جلوريا بلُطف بينما تحركت وهي تتحسس الشقة من حولها حتى وصلت للباب وفتحته ثم أغلقته خلفها.. بينما زفرت جوداء ببطء وهي مازالت مُلقاة أرضًا هكذا ثم عادت تنظر من جديد نحو هاتفها المُغلق شاشته، وهزت رأسها بيأس لأنها استوعبت ما فعلته للتو، إنه لذنب عظيم أن تظل هكذا تتأمل في صورته وقد أمرها الله بغض البصر، التمعت عينيها بالعبرات لأنها في لحظة نسيت ماعاهدت نفسها عليه.. تمتمت بالمصرية هامسة بحزن:
- محتاجة أصلي ركعتين أطمن بيهم.
قامت بفتح هاتفها مُجددًا وفتحت تطبيق الأذكار وأخذت تستغفر الله ثم عادت لغرفتها تتجهز للصلاة.
في فيلا ريبيكا ألبيرتي، كانت روزالين تجلس بكرسيها أمام مائدة الفطور وكانت والدتها تجلس امامها وأيضًا تتجاهل النظر إليها وتتناول طعامها بهدوء، بينما كانت الأولى تحاول التحكم في عبراتها لتقول بغصة:
- أمي، لماذا تفعلين بي ذلك؟
توقفت يداها ورفعت رأسها نحوها وتساءلت بجمود:
- ماذا تقصدين؟
انهمرت عبراتها وتحدث بتوضيح:
- هذا كله، لماذا تكرهينني لتلك الدرجة؟ لماذا تجبرينني على فعل أشياء لا أرغب بها.
عقدت ريبيكا حاجبيها وقالت باستنكار:
- كيف لأمٍ أن تكره ابنتها روزالين؟ لا تصعبي الأمور على نفسكِ.
هزت روالين رأسها ببكاء نافية وأردفت:
- أنتِ أكبر مثالٍ أمي.. لماذا تفعلين بي ذلك؟ هل هذا كله لأنني ابنة رجل فاسد استغلكِ؟ أم أن هناك سببًا آخر لا أعلمه؟
صمتت ريبيكا وهي تنظر إليها والتمعت عينيها بينما استفاقت على صوت روزالين التي تصرخ باكية:
- أجيبيني.
وقعت عينا ريبيكا على ساعة يدها لتجد أن وقت العمل قد حان.. اعتدلت من مقعدها وهي تمسح فاهها بمحرمة ناعة وتحدثت بجدية:
- هل تتحدثين بهذا الحديث السخيف الآن لأجل أن تُخفي عني مافعلتيه يوم أمس بهاتف أحد الرجال..
صمتت ريبيكا قليلا ثم استأنفت:
- لا تقلقي، على أي حال أعطيته الكثير من الاموال تعويضًا له ولكن لا تفعليها مرة أخرى روزالين.
خرج من الفيلا وتركتها تبكي بحسرة بسبب ماتشعر به وقالت بيأس:
- ليس هكذا أمي.. ليس هكذا.
وصلت سيلفانا للشركة وأسرعت في خُطواتها للداخل بعدما فُتِحت أبواب المصعد ولكنها توقفت أمام المكتب حينما وجدت العمال يقومون بجمع بعضًا من قطع الزجاج المكسورة من أمام مكتب سايلِس عقدت حاجبيها بعدم فهم ولكن عينيها وقعت على القطع المتفرقة على الأرض والتي كان يجمعها العمال لتتسع عينيها بصدمة.. إنها هي إنها نفس البلورة الثلجية التي قامت كارلا بشراءها بالامس، شعرت بالتشتت لثوانٍ تحاول أن تستوعب ماتراه ولكنها استفاقت على صوت أحد العمال:
- على مهلكِ يا آنسة، مُرِّي من فضلك.
أومأت بهدوء ثم دلفت داخل المكتب الذي كان فارغًا تلك المرة؛ فلقد أخبرها سايلِس بالأمس أنه سيتأخر قليلاً، زفرت ببطء ووضعت حقيبتها فوق مكتبها وجلست خلفه تستند بظهرها على الكرسي المُريح تنظر بشرود للخارج من خلال الحائط الزجاجي.. تلك البلورة الثلجية! ما الذي أتى بها أمام مكتب سايلِس.. هل كانت كارلا تكذب بشأن مولد ابن صديقتها؟؟ وعند ذلك التفكير لمعت عينا سيلفانا بالدموع لاعتقادها أن كارلا تحمل مشاعرًا لسايلِس، عادت بذكرياتها نحو كل مرة كانت تتحدث بها عن سايلِس أمامها وتلاحظ توترها، ولكنها هزت رأسها بسرعة تطرد تلك الأفكار عن عقلها رسالة.. زفرت بهدوء ووقعت عينيها على الهدية التي قامت بشراءها لسايلِس زفرت ببطء ثم ابتسمت مُتذكرة تلك الرسالة التي أرسلها لها سايلِس بالأمس .. لا تستطيع أن تُخرجها من عقلها تمامًا اقشعر جسدها من مجرد أن تصبح تلك الفكرة حقيقة! ظلت هكذا شاردة بتلك الرسالة ولم تنتبه لمجموعة الملفات الموجودة أمامها وحتى لم تقم بفتح حاسوبها المحمول لتطلع على بريدها الإلكتروني.. كل ماكانت تفعله أنها تفكر بسايلِس..
كانت جوداء تجلس فوق سجادة صلاتها تقرأ وِردها من القرآن الكريم بخشوع ليطمئن قلبها قليلاً، وحينما انتهت من قراءتها ضمت المصحف الشريف نحو قلبها، وأخذت تدعي بالكثير بداخلها.. خائفة! لا هي مرتعدة أن تفقد يومًا إيمانها.. خائفة من أن تفتنها هذه الدنيا.. خائفة من الكثير.. استفاقت من خشوعها هذا عندما سمعت رنين جرس الشقة.. عقدت حاجبيها بحيرة تفكر مَن من الممكن أن ياتِ الآن؟! اعتدلت وقامت بطَيّ سجادتها ووضعتها جانبها وبجانبها المصحف الشريف.. ثم خرجت من الغرفة واقتربت من الباب وأخذت تنظر عبر العين السحرية لترى هوية الطارق ولكنها تجمدت مكانها وارتعش جسدها عندما رأته أمامها.. إنه بخير! إنه أمامها الآن! لقد كانت قلقة عليه حقًا، ولكنها استوعبت وجوده أمام شقتها! مما جعل وتيرة أنفاسها تزداد بسرعة.. واحتارت كثيرًا في ماستفعله ولكنها سمعت صوته الهادئ يصل إليها..
- جوداء، هل من الممكن أن نتحدث قليلاً؟
لمعت عينيها بالعبرات وابتلعت ريقها بصعوبة.. وضعت يدها المرتعشة فوق المقبض وفتحته بهدوء ليظهر أمامها ديميتري بطوله الفارع وبجسده العريض حيث كان يرتدي معطفًا أسود طويلاً وأسفلة حُلة سوداء قميصها أبيض اللون، كان وسيمًا حقًا .. لقد اشتاقت إليه كثيرًا.. استفاقت من تفكيرها هذا لتشعر أنه قد أخذ مساحة الباب بأكمله... أو أن توترها هذا جعلها تراه هكذا وبدأت أنفاسها تضيق لتتحدث بنبرة مرتعشة حاولت جعلها رسمية:
- أهلا بك سيد ديميتري.. بماذا يُمكنني مساعدتك؟
وأخيرًا رآها! لقد كان يشتاق إليها حقًا.. تقابلت نظراتهما ليظهر التأثر بهما ولكن جوداء كانت تحاول أن تخفي ذلك بجمودها المزيف.. أما ديميتري فقد كان يقف أمامها هادئًا ليقول بابتسامة لطيفة:
- ألن تسمحي لي بالدخول؟
أجابت بضيق:
- غير مسموح لك بالدخول طالما أنا وحدي هنا سيد ديميتري.
همهم ديميتري ثم زفر ببطء:
- حسنًا، أحتاج إلى التحدث إليكِ في أمرٍ هام، لا أدري من كنت سأحدثه بهذا الأمر.. واحترت كثيرًا ولكنني وجدت نفسي أمام بابكِ.. لعلكِ تُعطيني الرد المناسب.
عقدت جوداء حاجبيها بعدم فهم:
- لماذا أنا؟
شرد ديميتري بها قليلا ثم تحدث قائلا:
- ربما أحتاج صديقًا أستمع لرأيه.
أجابت باعتراض:
- سيد ديميتري، أنا لست صديقتك! ثم إنني لا أؤمن بتلك الترهات بين الرجال والنســ
توقفت باقي الكلمات في حلقها عندما اقترب منها ديميتري وتجاوز ممر الباب حتى أصبح خلفها أي أصبح داخل الشقة، التفتت للخلف نحوه بصدمة، بينما عقد ديميتري حاجبيه بحيرة:
- أكملي، لماذا توقفتِ؟
ابتلعت ريقها بصعوبة وأشارت بيدها نحو الخارج وهي تقول بنبرة مهزوزة:
- أخرج من شقتي، من فضلك!
حرك ديميتري رأسه نحو اليمين قليلاً وهو يفكر بينما يرمقها بهدوء.. زفرت جوداء ببطء ثم تحدثت باستسلام:
- حسنًا.. ماذا تريد مني؟
عقد ديميتري حاجبيه قائلاً:
- أن نتحدث كصديقين.
أغمضت جوداء عينيها ثم فتحتهما من جديد وأخذت تتحدث بهدوء:
- سيد ديميتري......
تحدث بتصحيح:
- ديميتري فقط.
ابتلعت ريقها وتحدثت تحاول أن تسايره في هذا المعتقد السخيف:
- حسنًا ديميتري، فقط أنا لا أصادق الرجال، هل فهمتني؟
ظل ديميتري يرمقها بهدوء ثم تحدث:
- ولذلك أتيتُ إليكِ، ستُعطيني ردًا رسميًا سأنفذه.
رمشت جوداء بسرعة لتنتبه أنها محاصرة بينه وبين باب الشقة.. قالت بسرعة:
- من فضلك انتظرني بالأسفل وأنا سأتجهز وألحق بك.. حسنًا؟
طالعها ديميتري بهدوء لثوانٍ ثم نفذ أمرها وبمجرد أن خطت قدماه خارج الشقة أغلقت جوداء الباب خلفه بسرعة وهي تتنفس بسرعة ووقفت تنظر أمامها بذهول! لا تصدق أنه دخل الشقة حقًا.. ظلت هكذا واقفة في مكانها بينما ديميتري مازال واقفًا خارج الشقة ومرت لحظاتٍ قليلة ليصلها صوته:
- لا تنسي، أنا أنتظركِ بالأسفل وإن لم تأتِ أنتِ تعلمين ماذا سأفعل.
اتبلعت ريقها بصعوبة وابتعدت بسرعة عن الباب بينما ابتسم ديميتري ابتسامة بسيطة لينفذ أمرها وينتظرها بالأسفل.. مرت دقائق قليلة وخرجت جوداء من المنزل وهي ترتدي ثيابًا شتوية واقتربت من ديميتري الذي يوليها ظهره حيث كان ينظر أمامه بهدوء، شعر بها تقترب نحوه والتفت برأسه ليبتسم بهدوء قائلاً:
- جيد أنكِ ترتدين ثيابًا ثقيلة؛ فأنا أخاف أن تُصابي بالزُكام.
رمشت بسرعة وتساءلت بتوتر مُتجاهلة كلماته تلك:
- أين سنذهب؟ وعن ماذا سنتحدث؟
صمت ديميتري قليلاً ثم تحدث:
- أفضل السير، هل تستطيعين السير؟ أم أحملكِ؟
احمرت وجنتيها وعقدت حاجبيها وهي تنظر إليه بينما ابتسم ديميتري ولكنها أجابت بضيق:
- أفضل السير، أنا بخير.
ثم تركته وسبقته خطواتٍ قليلة وسارت وهي تضع يديها الإثنتين جانبها ليلحقها ديميتري بهدوء حتى أصبح بجانبها وهو يضع يديه الاثنتين خلف ظهره، لتقول جوداء بضيقٍ مكتوم:
- قبل أن نبدأ حديثنا، أريد أن أُذكرك بشيءٍ هام.. وهو وعدكَ الذي قطعته لي ثم أخلفته! هل هذا هو وعدك حقًا؟ لقد وعدتني أنك ستبتعد.
تحدث ديميتري بابتسامة هادئة وهو يسير بهدوء بجانبها:
- أعلم، ولكنني أحيانًا أُخلِفُ وعودي القاسية التي أقطعها لأجل من أحب.
رمشت بصدمة وشعرت أن الكلمات قد توقفت بحلقها بينما استأنف ديميتري وهو ينظر إليها تلك المرة:
- أريدُ أن أعلم، لماذا كنتِ تحاولين الإتصال بي؟ هل حدث شيءٌ ما لكِ؟
ظلت ترمقها بتردد ثم استجمعت شجاعتها وأردفت بجمود:
- لم يكُن أنا.. كانت روزالين تحاول الوصول إليكم.. وكنت أساعدها.
صمتت قليلاً ثم تساءلت بترقُب لملامحه:
- صحيح، أين كُنت؟
ابتسم ديميتري بهدوء بينما قال ببساطة:
- كنتُ بمصر، كان لدي بعض الأعمال يجب أن أقوم بها.
- ماذا؟؟
هذا ماقالته جوداء بصدمة من حديثه، بينما عقد ديميتري حاجبيه بحيرة من صدمتها تلك.. التمعت عيناها وهي تعود بذكرياتها لموطنها بينما ابتسم ديميتري على شرودها ذلك..
- لو كنتُ أعلم أنكِ تفتقدين موطنكِ هكذا، لما كنتُ ترددت ثانية في أن أصطحبكِ معي.
عقدت حاجبيها وقالت بشغب:
- بالطبع أفتقد مصري العزيزة ولكن...
صمتت قليلاً ثم تنهدت باستسلام وهي تغير مجرى الحديث:
- ماذا كنت تريد أن تُحدثني به ديميتري؟
وصلا عند مفترق طرق وبشكل تلقائي وضع ديميتري يده خلف ظهرها لتنتفض جوداء على إثر لمسته تلك حيث شعرت بحرارة يده على الرغم من ارتداءها ملابس سميكة.. أبعد ديميتري يده عنها بسرعة ثم أعادها خلف ظهره.. بينما رمقته جوداء بنظرة تحمل كل معاني السخط.. ليقول بهدوء دون أن ينظر إليها:
- أنظري أمامكِ قبل أن تدهسكِ السيارات..
وانتبهت على مايقول لتحرص على عبور الطريق بحذر.. بينما كان هو يسير بجانبه وهو ينظر أمامه كأنه يحفظ حركات السيارات داخل تلك المدينة.. وحينما عبرا الطريق، قالت جوداء بضيق:
- ها قد عبرنا الطريق، هيا تحدث.
أشار ديميتري نحو طاولة تخص أحد المقاهي والتي تكون موجودة على أحد الأرصفة:
- اجلسي.
زفرت بيأس ثم جلست ليجلس هو مقابلها.. صمت ديميتري قليلاً ثم تحدث:
- أعتذر يا جوداء إذا كنتُ قد أضعت وقتكِ، ولكن هناك شيءٌ قد علمته مؤخرًا ولا أدري ماذا أفعل .. لذلك لجأتُ إليكِ لأن أفكاري تهدأ حينما أراكِ وأتحدث معكِ.
احمرت وجنتاها بسبب كلماته لها ولكنها عقدت حاجبيها بعدم فهم بينما ارتاحت في جلستها قليلاً وتحدت باهتمام:
- ماذا تقصد؟ ماهو هذا الشيء؟
صمت ديميتري قليلاً فكر كيف سيخبرها بأمرٍ كهذا.. أما جوداء فقد شعرت أنه سيقول شيئًا من الممكن أن يكسرها لآلاف القطع ولا تدري لما آلمها قلبها الآن قبل أن ينطق بحرفٍ واحد.. ولكن ديميتري قال كلماته بسرعة دون تفكير بينما كان ينظر في عُمق عينيها:
- روزالين ألبيرتي تكون ابنتي البيولوجية.. أجريت تحليل الحمض نووي وأثبت لي ذلك.
الصمت.. خيم الصمت بينهما على الرغم من صخب المارين بجانبهما على الطريق.. اهتزت مقلتيها قليلاً لتستوعب تلك الصدمة.. وارتجف جسدها ولكنها حاولت أن تكون رسمية في ردها لا يجب أن تظهر له أن الأمر قد آلمها، قالت بغصة حاولت إخفاءها:
- وماذا بعد؟
صمت ديميتري قليلاً وهو ينظر إليها ثم تابع حديثه:
- أريد أن أقتل والدتها وسايلِس على مافعلوه بي، وعلى إخفاءهم الحقيقة عني... الآن!
اتسعت عيناها بذهول وصدمة في آنٍ واحد لتقول بسرعة:
- ماذا تقول؟ّ! هذا لا يجب أن يحدث بالطبع.
عقد ديميتري حاجبيه وقال بصوتٍ خفيض:
- إن جميع أسلحتي بسيارتي الآن.. كنتُ سأفعلها حقًا يا جوداء، ولكنني وجدت نفسي أمام بابكِ.. هُناك أمورٌ من الممكن أن أتساهل بها ولكن أن يخدعني شخص طوال تلك السنوات لا يمكنني أن أترك هذا الأمر يمُر مرور الكرام.
صمتت جوداء قليلاً ثم تحدثت بمنطقية:
- هُناك سؤالٌ يشغلني ديميتري، لماذا أنت جالسٌ معي هنا ولم تذهب لأن تضم ابنتك بين ذراعيك، بما أن والدتها في هذا الوقت تكون في عملها؛ فهذا ماعلمته من روزالين سابقًا، انشغل بها بدلاً من قتلهم؟
صمت ديميتري ونظر أمامه بشرود ثم تحدث:
- لأنني لا أعرفها.. لا أدري ماهو الشعور الذي يجب أن أشعره تجاه ابنتي.
التمعت عينا جوداء بالعبرات حينما قال تلك الكلمة.. ولكنها حاولت أن تتماسك:
- ديميتري، حاول أن تضمها بين ذراعيك إن الفتاة تحتاج أن يكون والدها في حياتها.. ومن رأيي أن تفكر قليلاً.. أعلم جيدًا أن الأمر صعبٌ عليك للغاية... حاول أن تعلم ما السبب خلف إخفاء والدتها للحقيقة.. أما سايلِس...
زفرت ببطء ثم تابعت:
- لا أدري ما سبب عداوتكما منذ البداية.. ولكن عداوتكما خاصة بكما، لا دخل لي بها .. الأهم من كل هذا الآن...
شعرت بثقل أنفاسها وهي تُجاهد أن تمنع عبراتها من الهطول:
- أن تقوم بجمع عائلتك من جديد، يجب أن تكتمل عائلتك ديميتري لكي تكون سعيدًا.
تحولت ملامح ديميتري للحزن ولأول مرة تراه جوداء حزينًا هكذا، كورت يديها بقوة تحاول أن تتماسك.. ولكنها تفاجأت حينما أمسك بيدها بقوة لتشهق بصدمة واتسعت عيناها الدامعتين بذهول..
- لا أستطيع فعلها يا جوداء، لن أكون سعيدًا في حياةٍ أنتِ لستِ موجودة بها.. لقد اخترتكِ منذ البداية و.........
أبعدت يدها عنه وتحدثت بصعوبة وهي تبكي وتقاطعه:
- لقد أخبرتك سابقًا أن مابيننا مُحرم! لما لا تتفهم هذا الأمر؟ ثم إنك لديك ابنة تصغرني بعشر سنواتٍ ديميتري! وليس ذلك فقط بل تكون صديقتي، كما أن هناك.. إمرأة أنت....
انهمرت عبراتها من جديد بينما استأنفت ببكاء واستيعاب وهي تنظر في عُمق عينيه:
- إمرأة أنتَ لمستَهَا.
تحدث ديميتري بتبرير:
- إنه قبل عشرون عامًا جوداء.
هزت جوداء رأسها نافية ومسحت عبراتها بصعوبة ثم عادت تنظر إليه مُجددًا وتحدثت بنبرة جادة على الرغم من غصتها:
- حقيقةً يا ديميتري، لماذا تتحدث إلي؟ لماذا تفعل بي ذلك؟ إلى أين تريد أن تصل بحديثك هذا معي؟
كاد أن يُجيب ولكنها أوقفته بعدم تصديق كأنها تتحدث إلى نفسها:
- لقد فهمتُ لعبتك الآن! أنت تحاول إثارة غيرتي، أنتَ تعلم جيدًا أنك مهما حاولت لن تستطيع فعل ذلك لأعدل عن قراري، أخبرتك أن الأمر كله عقيدتي ديميتري.. عقيدتي، هل فهمت؟
هز ديميتري رأسه نافيًا ثم تحدث:
- هذا الأمر حقيقي يا جوداء، وأنا أخبركِ بكل شيء لأن ما بينا هو أعمق مما تتصورين.
ضمت جوداء نفسها بقوة لأنها شعرت بالبرودة الشديدة تجتاحها فجأة، واعتدلت من مقعدها وحملت حقيبتها وتركته ورحلت دون أن تنطق بكلمة.. تبعها ديميتري يهرول خلفها حتى دخلت ممرًا ضيقًا لا يوجد به أحد، لحقها ديميتري وأمسكها من ذراعها يجذبها إليه لتصطدم بصدره وثبتها بقوة بينما حاولت الابتعاد عنه وهي تبكي:
- ابتعد عني.
- جوداء، لا تفعلي ذلك.
هزت رأسها بهيستيريا وأردفت:
- عُد لعائلتك واتركني وشأني.. اتركني لحال سبيلي ديميتري.
ولكنه لم يفعل إذ أخذ ينظر إليها وهي مُنهارة هكذا، مرت لحظات قليلة حتى خارت قواها وسكنت بين ذراعيه ثم أخذت تشهق بقوة لم يستطع ديميتري أن يمنع نفسه من فعل مايريد ولكنه ضمها بقوة بين ذراعيه، تهدل كتفيها وازداد نحيبها بينما تحدثت من شهقاتها:
- لا أستطيع، لا يجب أن يحدث هذا بيننا.. أنا أفقد إيماني في كل لحظة أكون بها معك يا ديميتري، من فضلك لا تفعل بي ذلك.
حاولت أن تبتعد عنه ولكنه ثبتها بقوة بين ذراعيه.. ليقول بصوت خفيض قد سمعته:
- لا أستطيع أن أُبعدكِ عني جوداء، لأنني اخترتكِ شريكة حياتي منذ البداية.
.................................
كان دييجو بالشركة يُراسل إيلينا عبر أحد تطبيقات التواصل الإجتماعي..
- اشتقتُ إليكِ، لما لا تُردين على إتصالاتي؟
انتظر قليلا حتى تُجيبه وقد أجابته:
- أعتذر ولكنني انشغلتُ كثيرًا بعملي في المشفى، دييجو.
ابتسم لكلماتها تلك ثم أرسل لها رسالةً أخرى:
- لا، أنا لا أقبل اعتذاركِ هذا، أريد تعويضًا عما فعلتيه بي.. ما رأيكِ لو قضينا عطلة نهاية الأسبوع سويًا.
رأت رسالته وانتظر قليلا حتى ترد ولكنها لم ترسل شيء.. ظل ينظر للهاتف دقائق طويلة شعر أنها دهرًا بأكمله حتى وجدها تقوم بالكتابة:
- ما رأيك بأن تأتِ لمنزلنا غدًا؟ إن أمي تريد أن تتعرف عليك بشكل أفضل.
أطلق دييجو صفيرًا عاليًا وتحمس قليلاً ثم قام بالرد بسرعة:
- حسنًا، سأكون في منزلكِ بالغد.
- دييجو.
انتفض دييجو على إثر كلمات لوكا الذي يرمُقهُ بحيرة وهو يراه غريب الأطوار هكذا..
تحدث دييجو بضيق:
- ماذا يا لوكا؟ ماذا تريد؟
رمقه لوكا بعدم فهم ثم تحدث:
- لقد أوقفت شرحك دييجو، من فضلك أكمل.
زفر بضيق ثم تمتم بغضب:
- أقسم أنني سأريك يا لوكا، أتمنى أن يعود ديميتري في أسرع وقتٍ لكي يرحمني من أسئلتك الكثيرة تلك حول إدارة أعمالنا.
استأنف ماكان يفعله معه ... وبداخل مبنى سكني حديث وجميل أيضًا.. كان ستيفانو يُمسك بيد جلوريا التي كان يبدو عليها القلق..
- ماذا هناك ستيفانو؟
همس ستيفانو قليلاً داخل أذنها:
- تبقى القليل فقط..
ظلت تسير بمساعدته حتى أصبحت بمنتصف شقة جميلة ولطيفة للغاية ولكنها لا تستطيع رؤيتها ..
- ها قد وصلنا.
تحدثت جلوريا بحيرة:
- أين نحن؟
أمسك بيدها وجعلها تلتمس كل قطعة بالمكان حولها حتى انبهرت بها كأنها تراها أمامها.. قالت بتأثر:
- ستيفانو، ماهذه؟
أجاب بصوتٍ خفيض:
- إنها شقة الزوجية.. حتى إشعار آخر.
شهقت جلوريا بسعادة وضمته بقوة:
- أحبك كثيرًا ستيفانو ولكن هذا كثير.. أعتقد أننا لن نستطيع تحمل إيجارها.
ابتسم ستيفانو بهدوء ثم أجاب قائلاً:
- لا تقلقي، لقد دبرت أموري جيدًا.
صمت ستيفانو قليلاً وأخذ ينظر إليها بتوتر ولكنه عزم أمره وأخرج عُلبة صغيرة من جيب بنطاله القماشي الأسود الفاخر.. ثم ركع أرضًا وأمسك بيدها بينما يده الأخرى تمسك بالعلبة.. عقدت جلوريا حاجبيها بحيرة لتقول:
- ماذا هناك ستيفانو؟
- جلوريا، هل تقبلين أن تكوني زوجتي؟
ارتعشت وامتلأت عينيها بالعبرات وانطلقت عبراتها حينما ساعدها ستيفانو على لمس الخاتم الماسي الموجود في العلبة.. ظلت تبكي ولم تُعطيه ردها..
- جلوريا، أجيبيني، أريد أن نتزوج بسرعة.. أريد أن نبني أسرةً جميلة ولطيفةً مثلك.
هزت رأسها بالموافقة أثناء بكاءها، وألبسها الخاتم بينما اعتدل وقام بضمها بقوة... تحدث ستيفانو بهمس:
- سأتحدث مع ديميتري في أمر الزفاف، أريد أن يكون كل شيٍء جاهزًا.
- ولكن....
- لا تقولي شيئًا جلوريا، لأجلكِ سأفعل أي شيء... لا تهتمي للماديات ولو قليلاً؛ فأنا أتدبر أموري.. فقط كوني سعيدة وهذا كل ما أريده.
...................................
ذُهلت جوداء مما قاله لها ديميتري ورفعت رأسها تنظر إليه لتقول بذهول:
- ماذا تقصد؟ هل أصبحتَ مُسلمًا؟
هز ديميتري رأسه نافيًا ولكنه تحدث بهدوء:
- لا، ولكنني وجدتُ الحل لأمرنا.
عقدت جوداء حاجبيها بحيرة على اعتقادها أنه سيخبرها أنه سيعتنق الإسلام، ولكنه فاجأها برده:
- أريد أن أتزوجكِ.
ابتعدت عنه حينما أرخي ذراعيه حولها، لو كانت فتاةً أخرى غيرها لكانت صرخت من السعادة بسبب كلماته تلك، ولكن هناك شيء غامض لا تفهمه:
- كيف؟ كيف لنا أن نتزوج وأننا غير متواقفين دينيًا؟!
قال ديميتري باقتراح:
- علينا أن نتزوج زواجًا مدنيًا.
وسعت عينيها بصدمةٍ مما قال بينما استأنف حديثه بهدوء:
- ستحملين اسمي، وتكونين زوجتي رسميًا.. سوف تكون عائلتي مكتملة بكِ جوداء.
تبدلت ملامحها للصرامة:
- وأين ديني من هذا الأمر؟
عقد ديميتري حاجبيه:
- أنا أحترم دينكِ، ولن أجعلكِ تتخلي عنه.
ضحكت بصخب لدرجة جعلت ديميتري يتعجب من ردة فعلها تلك لتقول بتعجب:
- هل أنت واعِ لما تقوله!! هل علمت حُكم زواجي منك في عقيدتي؟؟ أم أنك تتكهن ديميتري؟
زفز ديميتري بيأس ثم تحدث بتبرير:
- أعلم هذا الأمر، لذلك حاولت أن أجد حلاً يجعلكِ لا تفقدين دينك كما أنني أنا أيضًا لا أستطيع أن أترك كل شيء خلفي فجأة هكذا وأرحل.. هناك الكثير أريد فعله.. ليس الآن جوداء.
ظلت جوداء تُطالعه بشرود ثم تحدثت:
- إذًا لا يوجد شيء نناقشه هنا ديميتري، هل تعلم أنك هكذا تراني دون قيمة؟!
هز ديميتري رأسه نافيًا:
- لا جوداء، أنا أرى فيكِ كل شيء.. ولكنني لستُ جاهزًا .. لذلك وجدت شيئًا نستطيع من خلاله أن نكون سويًا.
لم ترمش ولو قليلاً بل ظلت تنظر إليه بشفقة وأردفت بحزن:
- لقد خذلتني حقًا.
ابتعدت عنه وسارت خطوتين وهنا فقد ديميتري آخر ذرة عقلٍ لديه وأمسكها من ذراعها من جديد يوقفها بغضب:
- أتعلمين ما الذي لا أفهمه جوداء؟ هو أنني أستطيع أن أضع العالم كله تحت قدميكِ، ومع ذلك تعجزين عن منحي الشيء الذي أريد.
صرخت في وجهه بغضب:
- لا أستطيع أن أخالف إيماني لأجلك! إذا كنت تريدني حقًا اخسر كل شيء ولا تلتفت خلفك، ولكنك يا ديميتري لديك عائلة.. كما أنك أيضًا من المافيا .. لا أستطيع.. لا أقبل بك.. لا أقبل بأي شيءٍ يخصك.. أنت أكثر شخص لا يجب أن أكون معه!
تحدث ديميتري بغضب وهو يقربها منه أكثر:
- لا تتحدثي وكأنكِ تعرفين ما أنا مستعدٌ لخسارته من أجلكِ، أتظنين أنني لم أفكر في كل ذلك؟ أتظنين أنني لم أبحث عن طريقة أستطيع بها الاحتفاظ بكِ دون أن أطالبكِ بالتخلي عن إيمانكِ؟!
صمتت قليلا وانهمرت عبراتها تلك المرة وهي تسحب ذراعها بعنف:
- بل أنت لا تفهم، أنت تبحث عن طريقة تجعلني زوجتك، ولكنك تتجاهل السبب الأساسي لرفضي هذا الزواج.
ابتسم بمرارة:
- وماذا تريدين مني أن أفعل؟ هل تريدين مني أن أترككِ ترحلين من حياتي لأن هناك حدودًا لا أستطيع تجاوزها؟
تحدثت بجمود:
- أجل ديميتري، هذا ما أطلبه.. يجب عليك أن تفهم أنني لستُ شيئًا تستطيع الحصول عليه لمجرد أنك تريده.
صرَّ على فكه وانخفض صوته وقال بلهجة شديدة:
- أنا لا أراكِ شيئًا جوداء، أنتِ المرأة الوحيدة التي جعلتني أتساءل إن كان بإمكاني أن أكون رجلاً آخر غير الذي أصبحتُ عليه، لكنكِ تطلبين مني أن أهدم حياتي بأكملها ثم تقفين أمامي وتخبرينني أنني لم أفعل ما يكفي؟ّ!!
هزت رأسها بأسى وهمست:
- أنا لم أطلب منك هكذا، كل ما قلته أنني لا أستطيع بناء حياةٍ معك على حساب ديني، أنت من ذهبت تبحث عن حل لا يقبله قلبي ولا يقبله إيماني.
انتشر الصمت بينهما بينما تحدث ديميتري بحُزن:
- إذًا....
ابتسمت جوداء بين بكاءها لتتابع:
- لا تجعلني أختار بينك و بين ما أؤمن به.. لأنني مهما آلمتني خسارتك.. لن أختارك على حساب ديني.
لم يجد ديميتري شيئًا يُخبرها به.. فهي ليست صفة يربحها وأيضًا لا يوجد حل يفرضه عليها .. لقد جعلته عاجزًا تمامًا عن كل شيء.
تحدث بهدوء:
- أنتِ قاسيةٌ للغاية جوداء.
قالت بهدوء مماثل:
- أنا لا أجبرك على أن تترك كل شيء لأجلي؛ ففي النهاية الاختيار لك، ديميتري.
رد ديميتري بملامح خالية من أي تعبير:
- حسنًا لقد اخترت يا جوداء، ولكن ليس الآن اتفقنا؟
رمشت بسرعة لا تستوعب مايقول:
- ماذا؟!
ديميتري بتوضيح:
- سأصبح مسلمًا ولكن ليس الآن.. فقط كل ما أريده أن تكوني معي وبجانبي.
ابتلعت جوداء غصتها وهي تنظر إليه:
- حينما تكون مُسلمًا قف أمامي وقُل لي أننا سنتزوج، وما دون ذلك فأنا لستُ معترفة به.
كادت أن تبتعد ولكنه أمسك بيدها وركع أرضًا..
- جوداء، من فضلك لا ترحلي.. كوني بجانبي، حتى أنتهي من كل هذا.
أحد المارة رأى هذا المنظر وكانت إمرأة حيث صرخت بسعادة ورفعت هاتفها تصورهم لأنها اعتقدت أن هذا الرجل يعرض الزواج على تلك المرآة.. اجتمع المارة أمام الممر وأخذوا يُصفرون بتشجيع، قالت إحداهُنَّ:
- وافقي هيا، يبدو أنه يحبكِ.
ارتبكت جوداء وخافت من مايحدث، وحاولت ترك يده ولكنه أطبق عليها بقوة حتى لا تبتعد، بينما عقد ديميتري حاجبيه والتفتت للخلف ينظر ليجد أن جميع هواتف المار مُسلطة عليهم ويشجعونهم بحماس.
