رواية ديون النبض الفصل الثالث
آه، نسيت أقول لكم وأعرّفكم بنفسي.
أنا وعد محمد ثابت الشناوي، طالبة بكلية الطب، الفرقة الرابعة، ولسه في بداية السنة الدراسية.
أنا بنت زي أي بنت، لكن اعذروني، أنا رغاية شوية ومشاغبة، وعايشة حياتي بنشاط وحيوية. لساني دايما نسخوب متي وجسمي دايمًا سابق
ني ، وبيوقعوني في مشاكل، لكن المشكلة إني ما بحسش بيها غير بعد ما تحصل!
كنت أوقات كتير ما بكونش جادة، وأحب أضحك وأهزر، وكنت شايفة إن الحياة لازم نعيشها زي ما هي، ونستمتع بكل لحظة فيها. لو لحظة فرح وسعادة، أعيشها وأفرح بيها، ولو لحظة حزن، أعيشها برضه، لكن ما أطولش فيها، وأحاول أخرج منها وأكمل حياتي.
كنت بحب الطبيعة جدًا، وبحب أتأمل الشمس وضوئها، وأستمتع بمنظر غروبها، وأحب نور القمر وهدوء الليل وسكونه. وأوقات كنت بحب أقعد في الضل وأرتاح من حرارة الشمس.
كنت شايفة إن الضل حاجة مهمة في حياتنا، لأنه بيحمينا من أشعة الشمس الضارة، وبيدينا فرصة نرتاح من حرارتها. وكنت بحب فكرة إن كل حاجة في الدنيا ليها وقتها؛ وقت نستمتع فيه بالشمس، ووقت نحتاج فيه للضل علشان نقدر نكمل.
أنا كنت بنت مجتهدة وصبورة وعطوفة وحنينة، وعندي أحلام كتير جدًا. بعشق حاجة اسمها إني أطيب خاطر الآخرين، وكنت دايمًا بقول لنفسي إن الإنسان لازم يحاول يكون سعيد علشان يقدر يسعد اللي حواليه.
لكن لو في يوم ما قدرتش أسعد نفسي، وما لقيتش طريق يوصلني للسعادة، فده مش معناه إني أستسلم للحزن. على قد ما أقدر، هحاول أكون سبب في سعادة اللي حواليا، ويمكن وأنا بسعدهم ألاقي أنا كمان سعادتي.
كان ده نهجي في الحياة، وده اللي كنت بحاول أعيش بيه.
من أحلامي الكبيرة إني أدخل كلية الطب، مش علشان شهرة، ولا فلوس، ولا لقب دكتورة. أنا كنت عايزة أتعلم إزاي أخفف الألم عن المرضى، وأساعد الناس اللي بتعاني، وخصوصًا الأطفال والنساء.
كنت بحب تخصص القلب جدًا، ويمكن ده كان مرتبط ببابا الله يرحمه، اللي كان مريض قلب وتوفى. وبعد وفاته، ماما تعبت واتأثرت نفسيًا بشكل كبير، وحزنها على فراقه أثر على صحتها وقلبها كمان.
وأنا وقتها كنت صغيرة، وكل اللي كنت بفكر فيه إني لازم أعمل حاجة تخفف عنها، وأكون سبب في إنها تكمل حياتها وهي بخير.
ما كنتش فاهمة وقتها قد إيه ماما قوية، وقد إيه عندها قدرة على التحمل. كنت شايفاها بتتعب وبتحزن، لكن ما كنتش أعرف إنها رغم كل اللي مرت بيه، كانت بتقاوم وتتعافر علشان تقدر تكمل حياتها وتربينا أنا وأخويا.
كنت شايفة إن الستات بيجاهدوا كتير في الحياة علشان بيوتهم وأولادهم وأسرهم، وإنهم بيشيلوا مسؤوليات كبيرة، حتى لو ما بيتكلموش عن تعبهم.
وكمان كنت مهتمة بالأطفال الصغيرين، خصوصًا اللي لسه ما يقدروش يعبروا عن وجعهم أو يقولوا إيه اللي بيوجعهم. كنت شايفة إنهم محتاجين رعاية واهتمام كبير، وإن الطبيب لازم يكون عنده قدرة على ملاحظة الأعراض وفهم الحالة، حتى لو الطفل مش قادر يشرح اللي حاسس بيه.
أما أسرتي، فكانت صغيرة جدًا؛ أنا وماما وأخويا حازم.
كنا أسرة ميسورة الحال، لكن بعد وفاة بابا، حازم بقى العائل الوحيد لينا، وكان بالنسبة لي أكتر من مجرد أخ. كنت بحس إنه عوضني عن وجود بابا، وإنه شايل مسؤولية أكبر من سنه بكتير.
فرق السن بيني وبينه كان تلات سنين بس، لكن كنت بحس إنه أكبر مني بتلتاشر سنة، من كتر اهتمامه بيا، ومن إحساسي الدائم إنه شايل همي وهم ماما، وبيفكر إزاي يوفر لنا حياة كويسة.
كان بيشتغل الليل قبل النهار علشان يوفر لي كل اللي أحتاجه، وخصوصًا إني في كلية الطب، وكلية الطب مش دراسة ومحاضرات وبس، دي كمان محتاجة أجهزة وأدوات ونماذج عملية بنتدرب عليها، وده غير باقي المصاريف اللي بتحتاجها الدراسة.
كنت شايفة تعبه، وعارفة إنه بيحاول يوفر لي كل حاجة من غير ما يحسسني إني محرومة من حاجة، لكن في الوقت نفسه ما كنتش حابة أسيبه يشيل المسؤولية لوحده.
علشان كده، فكرت إني أشتغل حاجة أقدر أجيب منها فلوس، وفي نفس الوقت أشغل بيها وقت فراغي، وأستفيد من الوقت ده في حاجة بحبها.
كنت بحب شغل الريزين جدًا، وبحب أعمل بإيدي حاجات مختلفة يكون فيها لمسة فنية مميزة. ومن هنا بدأت أفكر إني أحول الهواية دي لشغل حقيقي، وأخليها مصدر دخل ليا ولماما.
بدأت أعمل منتجات الريزين، وقررت أبيعها باسم مستعار، وعملت صفحة على الفيسبوك أعرض عليها شغلي.
كنت بعمل ميداليات وديكورات وقطع زينة تتعلق في البيت أو تتحط في العربية، وكمان منتجات تناسب المحلات وأماكن مختلفة. كنت بحاول إن كل قطعة أعملها يكون ليها شكل مميز ولمسة جمالية خاصة بيا، مش مجرد منتج بيتباع وخلاص.
والحمد لله، منتجاتي بدأت تعجب ناس كتير، والصفحة بقت معروفة أكتر يوم بعد يوم، وبدأت يجيني طلب على الحاجات اللي بعملها.
ومع الوقت، بقيت أنا وماما بنشتغل سوا، وبدأنا نصرف من دخل المنتجات على دراستي واحتياجاتي في الكلية.
حازم كان بيتضايق لما يعرف إني بصرف على نفسي من شغلي، لأنه كان عايز يتكفل بكل مصاريفي، وكان شايف إن دي مسؤوليته وإنه مش عايزني أشيل هم الفلوس أو أتعب نفسي في الشغل جنب الدراسة.
لكن أنا كنت دايمًا أحاول أفهمه وجهة نظري، وأقول له:
وعد: «يا حازم، إحنا الاتنين كتفنا في كتف بعض، والحمل عليك تقيل. مش معنى إنك أخويا الكبير وإنك شايل مسؤوليتنا إنك لازم تعمل كل حاجة لوحدك. إحنا لازم نساعد بعض ونمشي في طريق واحد، وأنا مش حابة إنك تفضل شايل الحمل لوحدك.»
كنت عايزة أفهمه إننا مش مجرد أخ وأخت، إحنا أسرة، وكل واحد فينا لازم يسند التاني على قد ما يقدر.
زي ما هو وقف جنبي وبيحاول يوفر لي كل اللي أحتاجه، أنا كمان عايزة أكون سند ليه، وأساعده إنه يحقق أحلامه ويبني حياته، بدل ما يفضل كل تفكيره في مسؤولياتنا وبس.
أنا كنت مؤمنة إننا نقدر نساعد بعض ونكون نفسنا سوا، وإن وقفتنا جنب بعض هي اللي هتخلينا نقدر نكمل الطريق، مهما كانت مسؤولياته تقيلة....
ديون النبض – نكمل ثالث نبضه🫀
بقلم الكاتبة مروة صياح ✍️🎯
كملت كلامي مع حازم أخويا وقلت له:
وعد: «إنت كمان في يوم من الأيام هتكون نفسك، وهتكون أسرة، وتشوف لك شريكة حياة.»
كان دايمًا يبصلي ويضحك، وكأنه شايفني لسه صغيرة ومشغولة بأحلامي اللي ملهاش آخر.
أسرتنا كانت صغيرة، لكن كبيرة في المعنى والاحتواء، كبيرة في العطاء والحب. كنا بنحب بعض، وبنحب غيرنا، واتعودنا من وإحنا صغيرين إننا ندي ونضحي علشان اللي بنحبهم. يمكن الظروف علمتنا ده بدري، لكن الحب اللي بينا عمره ما خلانا نحس إننا لوحدنا.
كنا عايشين في محافظة تانية، وكانت بعيدة جدًا عن جامعتي. بقالى فترة طويلة وأنا بتعب من المواصلات، والوقت اللي بيضيع مني في الطريق كان بيأثر على دراستي وحياتي كلها...
علشان كده، قررنا أنا وماما وحازم إننا ننقل للقاهرة قلب العاصمة، ونختار مكان يكون قريب من جامعتي، أقدر أوفر فيه وقت المواصلات وفلوسها، وفي نفس الوقت أبقى قريبة من المستشفى الجامعي اللي هبدأ أتدرب فيه الفترة الجاية.
كانت العمارة جديدة، ولسه فيها شقق كتير فاضية. في الدور اللي اختارناه، كانت فيه شقة واحدة بس مسكونة، موجودة قصاد الشقة اللي اشتريناها.
الشقة دي كانت كبيرة وموقعها مناسب جدًا لينا، وقريبة من كليتي والمستشفى الجامعي. علشان نقدر نشتريها، بعنا كل حاجة نملكها تقريبًا، لكن كنا شايفين إن الخطوة دي تستاهل، وإنها هتساعدني أكمل دراستي من غير ما أستنزف وقتي ومجهودي في الطريق.
ومع بداية انتقالنا، اكتشفنا إن ترتيب الشقة وتجهيزها مش بالسهولة اللي كنا متخيلينها!
كنا مجهدين جدًا من كتر النقل والترتيب، وأنا في آخر اليوم كنت حاسة إن جسمي كله بيوجعني، ومش قادرة أعمل أي حاجة تاني.
حازم، من كتر ما كان شايفنا تعبانين، طلب لنا أكل من بره في أول يوم، لأننا كنا مشغولين لدرجة إننا ما قدرناش نحضر الغدا.
خلصنا اللي قدرنا عليه، وقررنا نكمل باقي الترتيبات تاني يوم.
لكن في اليوم ده، انشغلنا في ترتيب الشقة لدرجة إننا نسينا خالص موضوع الأكل. ومع نهاية اليوم، كنا تعبنا أكتر، وبقينا منهكين وجعانين، وكل واحد فينا مستني التاني يفتكرنا بالأكل!
بصيت لحازم وقلت له:
وعد: «يا حازم، إحنا نسينا نطلب أكل! إحنا تعبنا جدًا وجعانين، هنعمل إيه دلوقتي؟»
وقبل ما يرد عليّ، جرس الباب رن.
بصينا لبعض باستغراب.
وعد: «يا ترى مين اللي بيرن علينا؟ إحنا لسه محدش يعرفنا هنا، ولا إحنا نعرف حد!»
حازم قام من مكانه وراح يفتح الباب، وأول ما فتحه، لقى قدامه بنت في سني تقريبًا، واقفة جنب راجل أكبر منها، وكانت شايلة صينية كبيرة مليانة أكل ومغطياها بمفرش.
البنت ابتسمت وقالت له:
رغد: «مساء الخير، أنا رغد، وده بابا.»
ابتسم حازم ورد السلام، والراجل اللي معاها عرّف نفسه.
ياسين: «أنا ياسين، وإحنا جيرانكم في الشقة اللي قصادكم.»
حازم رحب بيهم ودعاهم للدخول، وأنا أول ما سمعت صوت عم ياسين، جريت ناحيتهم بطبيعتي المعتادة، اللي أوقات كتير بتخليني أتكلم قبل ما أفكر!
ياسين: «إحنا عرفنا من صوت الحركة إن عندنا جيران جداد، فقلنا نيجي نتعرف عليكم. وأكيد إنتوا منشغلين في نقل العفش وترتيب الشقة، ومش هتكونوا لحقتوا تحضروا حاجة تتغدوا بيها.»
بصيت للصينية، وبعدها بصيت لعم ياسين بابتسامة واسعة، وقلت له بحماس:
وعد: «الله يا عمي! إحنا مش عارفين نشكر حضرتك إزاي. ده إحنا كنا لسه هنطلب أكل حالًا، والله حضرتك جيت في الوقت المناسب!»
عم ياسين بصلي وضحك من طريقتي، وبعدين سألني:
ياسين: «وإنتِ اسمك إيه يا بنتي؟»
وعد: «أنا اسمي وعد.»
ياسين: «وأنا عمك ياسين، ودي بنتي رغد، بنتي الوحيدة. وعلى فكرة، هي في آخر سنة في الجامعة.»
بصيت لرغد وابتسمت لها.
وعد: «آه، يعني إنتِ تقريبًا أكبر مني بسنة.»
وقبل ما أكمل كلامي، حازم قاطعني وهو بيبص لعم ياسين باعتذار:
حازم: «أنا آسف يا عمي، أختي رغاية جدًا وثرثارة، وهي عفوية بطبعها، ما بتعرفش تخبي مشاعرها، حتى مع الناس اللي لسه متعرفاهمش!»
بصيت لحازم بضيق ، لكن عم ياسين ضحك ورد عليه ببساطة:
ياسين: «يا حازم، إحنا خلاص بقينا جيران، ومش غرب عن بعض. وزي ما بيقولوا: الجار قبل الدار.»
ابتسمت وأنا بسمع كلامه، لكن فجأة أخدت بالي إن عم ياسين لسه واقف عند الباب، فبصيت له باستغراب وقلت:
وعد: «هو حضرتك إزاي لسه واقف؟ اتفضل يا عمي، اتفضل!»
حازم انتبه وقتها إنه فعلًا نسي يعزمهم يدخلوا من كتر ما الحديث أخده، فقال بسرعة:
حازم: «أنا آسف يا عمي، والله الحديث خدنا ونسيت أقول لحضرتك اتفضل جوه.»
دخل عم ياسين معانا، ودخلت رغد وهي شايلة صينية الأكل، لكني قربت منها وأخدت الصينية من إيديها، وبصيت لها بابتسامة وأنا بقول:
وعد: «شكلك كده هتكوني صاحبتي أوي يا رغد!»
ضحكت رغد، وأنا وقتها ما كنتش أعرف إن التعارف البسيط ده، اللي بدأ بصينية أكل وكلمتين بين جيران لسه بيتعرفوا على بعض، هيكون بداية حكايات كتير لسه مستنيانا.
