رواية حتي يثبت العكس الفصل الثالث 3 بقلم إلين روز

 

 


رواية حتي يثبت العكس الفصل الثالث بقلم إلين روز


فتحت عيوني على آخرها وأنا باصة للشاشة بذهول، قلبي كان بيخبط جامد في صدري لدرجة إني حسيت إن روحي هتطلع.. يوسف ظاهر فعلاً في الفيديو وهو نازل من عربيته بسرعة وبيجري على السلالم بجنون زي ما حكى بالظبط!

صهيب شد نفسه للأدام بتركيز رهيب، وعينه مش بتتحرك لحظة واحدة من على الشاشة، وسيف قال بسرعة وهو بيبص لنا بحماس:

_ استنوا يا جماعة.. متستعجلوش، كملوا اللقطة للأخر!

وفعلاً، الفيديو كمل.. دقيقتين بالظبط من دخول يوسف المستعجل، وفجأة ظهرت المفاجأة اللي قلبت كل موازين القضية! باب الشقة اتفتح ببطء، وخرج منه شخص غريب لابس غامق ومخبي ملامحه، وماسك في إيده حاجة لامعة، وكان بيتلفت حواليه برعب شديد كأنه هارب من جريمة قتل مكتملة الأركان، ونزل السلالم طائر كأنه بيجري من عذاب!
دموعي نزلت بغزارة وأنا باصة لصهيب بفرحة مكسورة وصوت مهدود:َ

_ صهيب.. صهيب شوفت؟! يوسف صادق.. يوسف مدخلش لقى مراته لوحدها، في قاتل تاني كان جوه الشقة قبله بدقائق وهرب!

صهيب بص للشاشة بعيون واسعة وصدمة مكتومة، والشك الأسود اللي كان بدأ يتسلل لقلبه اتقشع في ثانية واحدة، وبص لي بندم حقيقي ومد إيده ضغط على كفي بقوة وقال بصوت مهزوز:

_ أنا آسف يا ليل.. آسف إني شكيت في لحظة، بس الفيديو ده نسف كل الشكوك.. يوسف بريء تماماً، وده دليل قاطع يخرب بيت أي وكيل نيابة يرفضه!

مريم حطت إيدها على بوقها بذهول وقالت بصوت مسحوب:
_ يا رب دي حقيقة.. يعني يوسف كان مظلوم وطول الوقت بيدفع ثمن جريمة معرفش عنها حاجة!

سيف ابتسم بثقة وهو بيكتب على اللابتوب:

_ اطمنوا خالص.. أنا هعمل فوراً نسخة أصلية بجودة عالية جداً من الفيديو ده على فلاشة جديدة، وأمّنها ضد أي تلف، وتقدروا تروحوا بيها فوراً للنيابة.

قمت من مكاني وأنا حاسة إن جبل هموم انزاح من على صدري، بصيت لصهيب اللي عيونه كانت تلمع بالإصرار وهو بيقول بحسم:

_ يلا يا ليل.. مفيش دقيقة نضيعها، وكيل النيابة لازم يشوف الدليل ده دلوقتي حالاً، ويوسف هيخرج يعني هيخرج!

ركبنا العربية مع صهيب اللي داس بنزين بجنون، وطار بينا على مبنى النيابة كأننا في سباق مع الزمن.. طول الطريق صوته كان دافئ ومليان حب وهو بيبص لي:

_ أقسم بالله يا ليل ما هسيب حقكم، وهندم الكلب اللي دمر حياتكم وعمل فينا كده!

​ابتسمت بدموع وربعت إيدي جنبه وأنا حاسة إن روحي رجعت لي.. وفي أقل من ربع ساعة كنا قدام مبنى النيابة العامة.. دخلنا بخطوات ثابتة وواثقة، وطلب صهيب مقابلة وكيل النيابة بشكل عاجل.

​دخلنا المكتب، ووكيل النيابة استقبلنا بملامح جادة، بس صهيب ما ضيعش وقت وطلع الفلاشة وحطها قدامه..

​وكيل النيابة شغل الفيديو، وعيونه بدأت تتابع اللقطات بكل تركيز.. الدقائق اللي مرت كانت كأنها سنين، وأنا ماسكة في إيد صهيب بقوة لدرجة إني كنت بترعش من التوتر.

​وفعلاً.. ظهرت اللقطة الحاسمة؛ الشخص الغريب وهو خارج من الشقة مترعب وبيبص حواليه قبل ما يهرب، وبعده بدقيقة دخل يوسف كالمجنون ليلاقي أخته بالمنظر ده!

​وكيل النيابة رفع عينه بذهول شديد، ووشه اتغير تماماً وبص لصهيب وقال بصوت مذهول:

_ إيه ده؟! دي مفاجأة تكفئ لقلب موازين القضية كلها.. الفيديو ده مش بس بيبرّأ يوسف من بصماته اللي على الأداة، ده بيثبت إن في مجرم حقيقي هرب قبل دخوله بدقائق!
​حسيت إن الدنيا مش سايعاني من الفرحة، وصهيب رد عليه بثقة وحماس:

_ وطبعاً يا فندم، بناءً على الدليل القاطع ده، بنطلب قرار إفراج فوري عن المتهم يوسف لانتفاء مبررات الحبس وثبوت براءته بالدليل المرئي!

​وكيل النيابة ما ترددش ولا لحظة، وكتب قرار الإفراج العاجل وختمه بختم النيابة، وقال بابتسامة تقدير:

_ اخلصوا إجراءات الخروج حالاً، وأنا هبعت فوراً للبحث الجنائي عشان يجيبوا الكلب اللي ظهر في الفيديو ده في أسرع وقت ممكن.

​خرجنا من مكتب النيابة وإحنا طايرين من الفرحة، ركبنا العربية وطيرنا على السجن.. وبعد ساعات قليلة من الإجراءات، وقفنا قدام بوابة السجن الكبيرة والموحشة.

​وفجأة.. باب السجن اتفتح ببطء، وظهر يوسف خارج بخطوات متعبة ووشه باهت من قسوة الأيام.. أول ما عينه وقعت عليا وعلى صهيب، دموعه سبقت كلامه، وجريت عليه حضنته بكل قوتي وأنا بصرخ بصوت مهدود من العياط:

_ خرجت يا يوسف!.. خرجت، وبرائتك ظهرت خلاص يا حبيبي!

يوسف كان باصص حواليه بتوهان، كأنه لسه مش مصدق إنه خرج من الكابوس ده.. شدني في حضنه أكتر، ودموعه نزلت بغزارة وهو بيكرر بصوت مهزوز ومبحوح:

​_ أنا بريء يا ليل.. والله ما عملت حاجة، مراتي وحبيبتي راحت، وكمان اتهموني بقتلها!

​صهيب قرب منه بخطوات بطيئة، ومد إيده وشد على كتف يوسف بقوة، وعيونه كانت مليانة اعتراف بالذنب واحترام لثباتنا كلنا، وقال بصوت حازم ودافي:

​_ حمد لله على سلامتك يا يوسف.. اعتبر كل اللي فات ده كابوس وانتهى، ومن اللحظة دي.. إحنا يد واحدة، ومش ههدى غير لما أجيب حق نسيمة وأعلق الكلب الحقيقي اللي دخل بيتك ودمر حياتكم!

​يوسف رفع عينه لصهيب، وبص لابتسامة التأكيد اللي على وشي، فبدلته ابتسامة مكسورة بس فيها بوادر حياة من جديد.
​ركبنا العربية، وطريق الرجعة للبيت كان مختلف تماماً عن كل الطرق المظلمة اللي مشيناها الأسابيع اللي فاتت.. الهواء كان أطهر، والوجع اللي على قلبنا خف شوية بعد ما النور ظهر. بس المعركة لسه منتهتش.. صحيح يوسف خرج وبرائته بقت ثابتة بالدليل القاطع، بس السؤال الأهم اللي كان بيحرق دماغنا كلنا: مين الشخص ده؟! وإزاي دخل الشقة، وإيه علاقته بجريمة قتل نسيمة أساساً؟!

​وصلنا البيت، وأول ما دخلنا، قابلتنا صدمة تانية.. أم نسيمة كانت قاعدة في الصالة وعيونها حمرا من كتر العياط، وأول ما سمعت صوت الباب بيفتح وطلعت وشافت يوسف واقف قدامها.. قلبها اتقبض!

أول ما عيونها وقعت عليه، وقفت مكانها كأن صاعقة ضربتها.. وشها اصفر، وجسمها كله بدأ يترعش بغضب وعجز مرعب، وفجأة انفجرت في صراخ هستيري هز حيطان الشقة وهي بتشاور عليه بجنون:

​_ إنت إزاي هنا؟! إزاي القاتل بيتمشى في البيت اللي دمره وبنت بنتي فيه؟! مين طلّعك من السجن؟!

​جريت ناحيتها وهي بتهجم عليه تضريه بايديها بوجع أم مكلومة وقلبها بينزف:

_ خرجت إزاي يا قاتل بنتي؟! مين تجرأ يطلعك ودم بنتي لسه مبردش في التراب؟! جاي تتباكى قدامي ولا جاي تكمل علينا؟!

​يوسف وقف مكسور ومش قادرة رجله تشيله، ودموعه نزلت وهو بيبص لكسرة الست اللي كانت في مقام والدته، وماقدرش ينطق حرف واحد.. بس صهيب اتحرك بسرعة ووقف قدامه بحماية، ومد إيده يمنعها بهدوء ووجع حقيقي في صوته:

​_ ارجعي يا طنط.. اهدي والنبي اسمعينا، أرجوكِ اهدي! يوسف مش قاتل، والله ما قتلها!

​أم نسيمة صرخت بصوت أبشع وهي بتزق إيده بغضب أعظم وعيونها مليانة شرار:

_ أسمع إيه؟! أسمع إن قاتل بنتي بيتمشى برة وبياخد براءته بعين توقحة؟! ابعد عني يا صهيب، إنت بتدافع عنه عشان صحاب من زمان، بس أنا أم مكلومة روحي راحت يوم ما بنتي راحت!

​هنا ماقدرتش أستحمل أشوف أخويا مكسور بالشكل ده، نزلت دمعة حارقة من عيني وقربت منها بحذر، وبصوت مكسور ومبحوح قلت:

​_ يا طنط.. بالله عليكي اهدي واسمعينا.. إحنا مش جايين نستفزك، ولا جايين نكدّس وجعك.. ربنا أخيرًا ظهر الحق وفك الضباب!

​وقفت مكانها بصدمة وهي باصة لي بذهول وقهر:

_ حق إيه وبتاع إيه يا ليل؟! 

​فتحت شنطتي بلهفة وطلعت الفلاشة الجديدة، ومديت إيدي بها وأنا ببتسم وسط دموعي:

_ مش قاتل يا طنط.. والله يوسف مظلوم! إحنا جبنا الدليل اللي بيبرّئه وبيثبت إن في مجرم تاني دخل الشقة وهرب قبل ما يوسف يوصل بدقائق.. يوسف دخل لقى مراته ميتة فاتصدم ومسك الأداة، بس القاتل الحقيقي برة.. والفيديو اهو، الدليل قدام عينا!

​الكلمات نزلت عليها زي الصاعقة.. بصلت للفلاشة، وبصلت ليوسف اللي كان بيعيط بوجع، ووقفت مكانها تايهة وكأن عقلها مش مصدق إن فيه وميض أمل وسط ظلام الكابوس ده كله.. وفجأه لقيناها أترمت على الأرض مغمي عليها! 


شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم

تعليقات