رواية قسمتي ونصيبك الفصل الثالث
"انطق يا معتز، مستني إيه؟! طلقها وارميها في الشارع بفضيحتها، ولا مستني لما تدسلك السم في اللقمة عشان تورثك أنت وأمك؟!"
صوت العمة فوزية شق صمت الشقة، وهي واقفة على حيلها بتشاور بصباعها المليان خواتم دهب على وش شهد، وعيونها بتلمع بشماتة صريحة.
بنتها ريهام كانت واقفة وراها، بتفرك إيديها وبتبتسم بنص بؤ كأنها بتدوق طعم انتصار كانت مستنياه من سنين، عيونها رايحة جاية بين معتز وشهد، مستنية اللحظة اللي البيت ده يتخرب فيها عشان تاخد مكانها الطبيعي اللي كانت شيفاه حقها.
قبضة معتز كانت لسه ماسكة كتف شهد، أصابعه بتضغط بقسوة تكفي تكسر العضم، وشه كان قريب منها لدرجة إنها حاسة بأنفاسه السخنة اللي طالعة محروقة، وعينيه تايهة بين الغل والوجع.
كان بيبص في عينيها بيدور على ذرة خيانة، على رمشة عين تثبت التهمة، على خوف يفضح إنها شريكة في المؤامرة.. لكن ملقاش غير سواد عيونها اللي بتلمع بدموع مكبوتة، ونظرة كبرياء صافية خلت إيده ترتعش فوق كتفها غصب عنه.
"انطقي!" صوت معتز طلع مبحوح ومكتوم كأنه بيجاهد عشان ميفقدش عقله في الصالة قدام أهله:
"قولي إن التسجيل ده مش صوتك.. قولي إن الكلام ده متقالش بلسانك.. انطقي يا شهد قبل ما أتصرف تصرف مش هيعجبك!"
شهد مبعدتش عينيها عنه، شفايفها كانت بتترعش لكن نبرتها طلعت صلبة ومفيهاش ذرة انكسار:
"الصوت صوتي.. لكن الكلام مش كلامي. لو قلبك وعقلك اتعموا لدرجة إنك تصدق إني أبيع لحمي ودمي وأتآمر على أمي وأختي عشان شوية عفش وشقه، يبقى أنت متستاهلش حتى إني أدافع عن نفسي قدامك. شيل إيدك عني يا معتز بيه، اللي يمد إيده على واحدة متكتفة بوجعها عشان يثبت هيبته ميبقاش راجل!"
الكلمة نزلت على وش معتز زي الصفعة، شدها أكتر وصوته كان هيهز السقف:
"أنا مش راجل؟! أنتي اللي هتعلميني الرجولة يا بنت..."
وقبل ما يكمل الكلمة، صرخة رعب مكتومة قطعت كلامهم كله!
الست صفية.. الكرسي المتحرك اتهز بعنف، إيدها المرتعشة سابت مسند الكرسي وراحت على رقبتها، وشها اتحول في ثواني للون الأزرق الغامق، وعيونها اتقلبت لفوق وصدرها بيطلع وينزل بشهقات مخنوقة كأن الهوا انقطع تماماً عن رئتها.
"أمي!"
معتز ساب شهد في ثانية كأنه اتلسع بنار، وركع على ركبه جنب الكرسي، وشه اتخطف وبقى لونه شاحب:
"أمي! ردي عليا يا أمي.. مالك؟! نفسك بيروح ليه؟! فوزية.. هاتي مية بسرعة!"
فوزية اتلخبطت ورجعت لورا برعب:
"يا مصيبتي! دي بتموت.. الضغط علي عليها تاني يا معتز، الست هتروح مننا !"
وريهام بنتها وقفت تصوت بهستيريا من غير ما تمد إيدها تعمل أي حاجة تفيد، مجرد صريخ بيملى الصالة توتر ورعب.
وسط الفوضى والصريخ والهرجلة، كانت شهد هي الوحيدة اللي اتحركت بوعي وسرعة خاطفة.
سنين شغلها ورعايتها لأبوها المريض قبل ما يتوفى، وشغلها في حضانة الأطفال، خلو عقلها يشتغل في لحظات الخطر.
نزلت على ركبتها التانية قدام الكرسي، زقت إيد معتز اللي كانت بتترعش من غير فايدة، وفكت زرار عباية الست صفية من عند الزور عشان توسع مجرى الهوا.
"معتز فوق!" شهد زعقت فيه بصوت حاسم ومسؤول فوقه من صدمته ورعشته:
"دي نوبة اختناق وارتجاع من الضغط العصبي.. متقعدهاش كده ضهرها هيقفل الرئة! ساعدني ننزلها على الأرض بسرعة، لازم تنام مستقيمة وراسها مرفوعة شوية على مخدة!"
معتز بصلها بذهول، كان بينفذ أوامرها من غير تفكير، شالوا الست صفية بشويش ونيموها على السجادة. شهد مدت صوابعها في بؤ الست صفية تطمن إن لسانها مش قالع ولا خانق مجرى التنفس، وبصت لمعتز بنظرة صارمة:
"أجري على أوضتها.. في درج الكومودينو التاني في بخاخة موسع شعب وقطرة بتتحط تحت اللسان لون علبتها أحمر، هاتها بسرعة ومعاها جهاز الضغط! ريهام.. بطلي صريخ وافتحي بلكونة الصالة خلينا ندخل هوا نقي للبيت!"
معتز طار على الأوضة كالمجنون، ورجع بالدوا في أقل من عشر ثواني. شهد مسكت راس الست صفية بحنية بالغة، حطت النقط تحت لسانها، وبدأت تعملها تدليك خفيف ومنتظم عند عضلة الحجاب الحاجز وصدرها وهي بتسمي الله وبتقرأ آيات من القرآن بصوت هادي ودافي كان بينزل زي المية الباردة في ودن الست التعبانة:
"اهدي يا أمي.. خدي نفس براحة، أنا جنبك ومش هسيبك، شهيق بالراحة.. أيوة كده، ربنا معاكي ومعانا."
دقيقتين كاملين من الرعب وحبس الأنفاس..
دقيقتين معتز كان قاعد فيهم على ركبه، باصص لشهد وهي بتعافر عشان ترجع الروح لأمه، شعرها نازل على وشها، عرقها بينقط على جبين الست صفية، وإيديها الرقيقة بتنقذ أغلى إنسانة في حياته.
التناقض كان هيموته: إزاي دي البنت الشيطانة اللي التسجيل الصوتي بيوصفها، وهي بنفسها اللي بتعافر عشان ست مش أمها ولا من دمها؟!
شهقة طويلة وواسعة طلعت من صدر الست صفية، لون وشها بدأ يرجع لطبيعته بشويش، وفتحت عيونها التعبانة اللي كانت مليانة دموع.. أول ما شافت، شافت وش شهد المبتسم بلهفة ودموع ارتياح:
"الحمد لله.. حمد الله على سلامتك يا حبيبتي، النبض رجع يهدى أهو، انتي كويسة."
صفية رفعت إيدها المتلجة بصعوبة بالغة، وحطتها على خد شهد، وطبطبت عليها بضعف شديد:
"ربنا يسترك يا بنتي.. ربنا يجبر خاطرك زي ما سترتيني."
في اللحظة دي، دخل صوت فوزية السام تاني، وهي حاطة إيدها على وسطها بعد ما شافت الخطر عدى:
"أهو شفت يا معتز؟ بتتمسكن لحد ما تتمكن! تمثيلية رخيصة عشان تنسيك الفضيحة اللي مسجلاها بلسانها! ده طارق باعت الفويس نوت لشباب العيلة كلهم، ولو سکت على اللي بيحصل ده، اسم الشناوية عيلتك كلها هتبقى علكة في بوق اللي يسوى واللي ميسواش في الحارة!"
معتز قام وقف ببطء..
طوله الفارع وهيبته رجعوا، بس المرة دي وشه كان عليه غضب من نوع تاني خالص.
غضب راجل شاف الموت بيخطف أمه، وشاف أهله وعزوته واقفين يتفرجوا ويتاجروا بوجعه.
مشى خطوات بطيئة ووقف قدام عمته فوزية، وبص لبنتها ريهام اللي كانت باصة للأرض بخبث.
"خلصتي كلامك يا عمتي؟" صوته كان واطي، بس تقيل.
فوزية برقت:
"أنا خايفة على مصلحتك وسمعتك يا واد أخويا!"
"مصلحتي؟" معتز ابتسم بسخرية قطرت مرار:
"مصلحتي اللي خلتك تتفرجي على أمي وهي بتموت ومتحركيش صباعك؟ مصلحتي اللي خلت بنتك واقفة تصوت بدال ما تطلب دكتور؟! أهلي اللي جايين يباركولي داخلين عليا بتسجيلات وفضايح وشمتانين في كسرتي؟!"
شاير بإيده على باب الشقة المفتوح وقال بنبرة لا تقبل نقاش:
"اطلعي برة يا عمتي.. خدي بنتك واخرجي من بيتي. وحسابي مع طارق ومع اللي عمل التسجيل ده مش أنتوا اللي هتديروه، بيتي ده لحمي وعرضي، والباب اللي يتقفل عليا، مسمحش لحد يدخل يولع فيه.. برة!"
فوزية وشها اسود من الغيظ، وشدت شنطتها بعنف:
"بتطرد عمتك عشان خاطر دي؟! بكرة تندم يا معتز، بكرة هترجع تبوس الأيادي عشان نغسل عارك، وهنشوف الهانم دي هتوديك لفين!"
خرجت فوزية وريهام وراها ورزعوا الباب، والهدوء نزل على البيت فجأة.. هدوء تقيل وخانق.
معتز شال أمه بحنية مفرطة، دخلها أوضتها ونيمها على سريرها وغطاها، وباس إيدها وراسها. صفية مسكت إيده وهي بتغمض عيونها بتعب:
"أوعى تظلمها يا ابني.. الظلم ظلمات، وأنا قلبي حاسس بالبنت دي.. متكسرش خاطرها عشان خاطر أختها."
معتز باس جبينها ومردش، طفى النور وساب الباب موارب وخرج للصالة.
شهد كانت واقفة جنب الشباك، بتلم الكوبايات والصواني اللي وقعت في المعمعة، بتحاول تشغل نفسها بأي حاجة عشان متنهارش.
معتز مشى ناحيتها، مسك كف إيدها اللي كانت ماسكة صينية العصير، ونزلها على الترابيزة ببطء.
"التسجيل ده اتعمل إزاي؟" سؤاله كان مباشر، عيونه كانت جادة وفيها ترقب مميت.
شهد بصتله بوجع، وسحبت إيدها من تحت إيده:
"وأنت يهمك تعرف؟ مش مصدق إني متفقة معاهم عشان ألهف فلوسك وشقتك؟"
"لو كنت مصدق مكنتش طردت عمتي وبنتها!" معتز زعق بنفاذ صبر وهو بيخبط على صدره:
"أنا راجل ليا اسمي وسوقي، ومعنديش استعداد أكون لعبة في إيد حد! التسجيل صوتك بنسبة مية في المية.. النبرة، النفس، الكلمات! إزاي طارق معاه تسجيل بصوتك وأنتي بتقولي الكلام ده؟ انطقي وخليني أفهم بدل ما أتصرف تصرف أعمى!"
شهد اتنهدت تنهيدة طويلة كأنها بتطلع روحها معاها، وطلعت تليفونها القديم المكسور من جيبها وحطته قدامه:
"افتح التسجيل تاني.. بس المرة دي متسمعوش بقلبك المجروح، اسمعه بودن راجل مهندس متعلم وبيفهم في التفاصيل."
معتز استغرب، فتح الواتساب وشغل الفويس نوت تاني..
(اهربي أنتي يا سماح مع طارق الليلة وسيبيهولي.. متخافيش أنا اللي هلبس الفستان وهقنعه يكتب عليا، ومعتز أهبل وبيصدق بالكلمتين وهيشتري السكوت بفلوسه.. الشقة والشركة دي كلها هتبقى تحت إيدينا!)
شهد شاورت على الشاشة وقالت بمرارة:
"سامع التقطيعة اللي بعد كلمة (سيبيهولي)؟ وسامع الصدى المختلف لما كلمة (معتز أهبل) اتقالت؟! الكلام ده متجمع ومتركب! من تلات أسابيع، سماح كانت بتعمل مقالب في البيت وبتسجلنا واحنا بنتكلم! طارق خد مقاطع صوتية من مكالمات وفويسات قديمة لسماح معايا، واستخدم برامج الذكاء الاصطناعي وتطبيقات تقطيع الصوت اللي العيال الصايعة بتلعب بيها اليومين دول، وركب الجمل دي عشان ينتقم منی ومن سماح بعد ما سرق دهبها وطردها!"
معتز كان بيسمع وعيونه بتضيق..
ركز في الفويس نوت للمرة التالتة، وفعلاً، كراجل متعلم، لقى فيه ذبذبات مش متناسقة، وتقطيع طفيف في خلفية الصوت بين كل جملة والتانية.
الشك بدأ ينهش في حقيقة تانية خالص: طارق مش بس هرب مع سماح، طارق كان مخطط يدمر العيلتين ويفضحهم !
"طب وسماح؟" معتز سأل بصوت واطي ومشدود: "سماح شريكة معاه في ده؟"
"سماح أختي غبية ومغرورة.. بس مش شيطانة لدرجة إنها تفضح نفسها وتكسر بيتنا كده." شهد ردت بدموع غلبتها:
"سماح ضحية غبائها، وطارق ده ديب.. ولما هي رجعتلك الفجر متبهدلة وضربتها وطردتها، طارق حس إن خطته باظت، فقرر يحرق البيت كله باللي فيه عشان يبتزك بالفضايح!"
وقبل ما معتز يستوعب الصدمة، تليفون شهد نفسه رن برقم والدتها.. الست هدى.
شهد فتحت الخط وحطت الاسبيكر بصوابع بترتعش:
"ألو.. ماما؟ أنتي كويسة؟"
صوت صريخ ولطم عالي ملأ الشقة، صوت هدى كان طالع بهستيريا ورعب يخلع القلب:
"الحقيني يا شهد! تعالي يا بنتي أنتي وجوزك استروا علينا! سماح.. سماح خدت شريط مهدئات كامل وبلعته، ومقفول عليها باب الأوضة وجسمها أزرق ومش بترد! وطارق ابن خالتك واقف تحت البلكونة في الشارع مع بلطجية الحارة وماسك ميكروفون بيشتم في شرف أختك وفيكي، وجايب معاه تاجر الأجهزة اللي ماضينله الشيكات وبيقول هيدخل يحجز على البيت ويفضحنا قدام الناس كلها!"
شهد صرخت وحطت إيدها على راسها:
"سماح بتموت يا ماما؟! اطلبي الإسعاف واكسري الباب، اوعي تسيبيها!"
معتز خطف التليفون من إيد شهد، وصوته نزل في السماعة زي جمر النار:
"خالتي هدى! اسمعيني كويس واقفي على حيلك.. اقفلي الباب علیکی بالمفتاح، ولا كلمة تطلع منك. الإسعاف هتوصلك في تلات دقايق، وأنا طارق.. حسابه معايا في الشارع قدام الناس اللي لمهم!"
قفل الخط، وبص لشهد اللي كانت منهارة تماماً على الأرض وبتترعش من الخوف على أختها وسمعة أمها المهددة بالضياع.
معتز مد إيده، بس المرة دي مكنتش قبضة قسوة.. مسك كف إيدها وشدها وقومها على حيلها، وبص في عينيها بنظرة قاطعة:
"امسحي دموعك.. والبس عبايتك وطرحتك وتعالي معايا."
"رايحين فين يا معتز؟! أختي بتموت والناس هتتفرج علينا!" شهد كانت بتنهج برعب.
"رايحين نرد كرامتك وكرامتي اللي طارق فاكر إنه كسرها.. رايحين نخلص الحساب ده كله الليلة دي، ومخلوق في الحارة مش هيقدر يمس شعرة منك طول ما أنتي على ذمتي!"
في خلال نص ساعة، كانت عربية معتز بتدخل مدخل الحارة الشعبية بسرعة جنونية..
صوت فرامل العربية صرخ في الشارع الضيق، ونزل معتز من الباب، وهيبته وغضبه اللي كان كافي يهد عمارة.
الحارة كانت مقلوبة، الناس متجمعة في البلكونات وعلى النواصي، وأصحاب المحلات واقفين بيتفرجوا في ذهول، وفي نص الشارع كان واقف طارق.. لابس قميص، وعينيه طايرة، ومعاه تاجر أجهزة كهربائية اسمه الحاج فتحي، ووراهم تلاتة بلطجية ماسكين شوم، وطارق بيزعق في الشارع ويفضح في سمعة البنات. بقلم نور محمد
شهد نزلت ورا معتز، وجسمها كله بيترعش وهي شايفة الإسعاف واقفة قدام بيت أمها، والمسعفين نازلين بسماح على نقالة وهي فاقدة الوعي تماماً ومركبين لها أكسجين، وأمها هدى نازلة وراها بتصرخ ولابسة عبایة متبهدلة وبتلطم على وشها.
طارق أول ما شاف معتز وشهد، ابتسم بصفاقة ورفع صوته قدام أهل الحارة كلهم:
"أهو جه الباشمهندس! جه العريس اللي فاكر نفسه ذكي! ها يا معتز بيه.. هتدفع تمن الأجهزة وتمن الفضايح دي، ولا نخلي تسجيلات المدام تلف على تليفونات شباب المنطقة كلها؟!"
الناس في الحارة وسعوا من الخوف، لكن معتز متهزش، ورجال معتز وعمال شركته اللي اتصل بيهم في الطريق كانوا بدأوا يتجمعوا من أول الشارع.
معتز مشى بخطوات هادية ومرعبة ناحية طارق، مكنش ماسك في إيده أي سلاح، عيونه كانت مسلطة على عين طارق مباشرة لحد ما بقى واقف على بعد خطوة واحدة منه.
"أنت فاكر الحارة دي سايبة يا طارق؟" معتز قالها بصوت واطي وتقيل زي الرصاص.
طارق ضحك بسخرية وهز صباعه في وشه:
"البلد دي مفيهاش كبير لما يخص الشرف والفلوس! الحاج فتحي ليه نص مليون جنيه تمن جهاز الهانم اللي بتموت فوق، ومعايا وصولات أمانة وشيكات مش هترحم خالتی ولا بناتها.. تدفع وتسترهم، ولا نجرجرهم في المحاكم؟!"
معتز بص للحاج فتحي، التاجر اللي بايع الأجهزة، وقال ببرود:
"فلوسك هتاخدها يا حاج فتحي بالمليم.. مش عشان طارق الصايع ده، عشان حقك في تجارتك ميضيعش. لكن أنت يا طارق..."
معتز رفع تليفونه اللي كان فاتح فيه مكالمة فيديو شغالة ومباشرة مع قسم الشرطة:
"الفيديو اللي بتهدد بيه والتسجيل اللي ركبته ببرامج التزييف ده.. مباحث الإنترنت اتحركت بيه من ربع ساعة ببلاغ رسمي ابتزاز وتشهير وسرقة بالإكراه للدهب اللي سماح هربت بيه وسرقته منها في العجمي!"
في نفس الثانية، سارينات البوليس دوّت في أول الحارة وآخرها، والبوكسات قفلت المداخل كلها!
البلطجية رموا الشوم في الأرض وجريوا، وأمناء الشرطة نزلوا كتفوا طارق في ثواني وهو بيصرخ ومش مصدق إن أمره اتكشف بسرعة كده.
لكن الكارثة الحقيقية مكنتش في طارق..
الظابط اللي نزل من البوكس، مشى بخطوات رسمية ناحية تجمع الناس، وطلع من جيبه ملف أحمر فيه أوامر ضبط وإحضار رسمية من النيابة.
بص للحاج فتحي، وبص لمعتز، وبعدين بص لشهد اللي كانت واقفة ساندة أمها المنهارة. بقلم الکاتبه نور محمد
الظابط فتح المحضر وقال بصوت جهوري سمعه كل اللي واقفين في الشارع:
"احنا هنا عشان ننفذ أمر ضبط وإحضار صادر من نيابة الأموال العامة والجنح.. بس البلاغ مش ضد طارق بس، البلاغ مقدم من التاجر فتحي بخصوص شيكات وإيصالات أمانة بمبلغ 800 ألف جنيه.. والاسم المكتوب كمدين وضامن أصلي مش هدى.. الاسم اللي متسجل وصادر ضده أمر الحبس الفوري هو: (شهد عبد الرحمن)!"
الصمت نزل على الحارة زي السكينة.
شهد برقت، رجليها سابت تحتيها والأرض دارت بيها تماماً..
بصت لأمها هدى بذهول وصدمة شلت لسانها.. أمها اللي كانت واقفة تبكي وتوطي راسها في الأرض ومقادرة تبص في عين بنتها!
هدى كانت ماضية إيصالات الأمانة بتاعة جهاز سماح الفاخر.. باسم شهد ورقم بطاقة شهد من ورا ضهرها عشان تضمن السداد لان الشهد الوحیده الموظفه والتاجر اطمن لها !
الظابط قرب خطوة من شهد، ومد إيده بالكلبش:
"اتفضلي معانا يا آنسة شهد بهدوء، عليكي حكم واجب النفاذ بالحجز والحبس!"
شهد اتسمرت مكانها، عيونها اتملت بدموع خذلان تقطع نياط القلب، وبصت لمعتز اللي وشه اتجمد وعينيه وسعت من هول المفاجأة ومرارة الواقع اللي اتفجر في وشه قدام أهل منطقته كلهم..
راجل لسه كاتب كتابه من ساعات، ومراته بتتكبل بالكلبش قدام عينه بتهمة ديون أختها وأمها!
