رواية ساعة الصفر الفصل الرابع 4 بقلم ملكة الروايات


 رواية ساعة الصفر الفصل الرابع 

​ هدوء ما قبل العاصفة (صيف 1973)
​عقب الحادث الغاشم في شقته، تراجعت حدة المراقبة المباشرة بشكل ملحوظ. أثبتت نتائج "اختبار الصدمة" لـ "دافيد" وجهازه أن "ماركو بينتي" ليس سوى تاجر إيطالي مذعور يمتلك علاقات نافذة وأعصاباً ضعيفة أمام السلاح. انطوت صفحة الشك المباشر، وبدأت ثمار الصبر التكتيكي تُؤكل.
​في صيف عام 1973، كانت حرارة الأحداث السياسية في الشرق الأوسط تزداد سخونة، لكن روما وبوركسل كانتا تعيشان في غفلة كاملة. أصبحت الشفرات والرسائل الواردة إلى عمر من "المركز" في القاهرة تحمل نبرة مختلفة تماماً؛ لم تعد الطلبات تدور حول استطلاعات عامة، بل أضحت "محددة، حاسمة، ومستعجلة":
​"الهدف الأول: الحصول على شفرات وخطط شبكة الاتصال الخطية واللاسلكية للقيادة الأمامية (الرمز: البومة)."
​كان عمر يعلم معنى هذه الطلبات. سنوات تدريبه الطويلة وحسه الوطني أنبأه بأن لحظة الحساب قد اقتربت، وأن مصر تستعد لشيء جبار.
​
​في أواخر شهر سبتمبر 1973، دعت "إيلينا" ماركو لقضاء نهاية الأسبوع في المقر الصيفي لوالدها "دانيال" في ضواحي مدينة "بروج" البلجيكية. كان المقر عبارة عن قصر أثري يحوي مكاتب وثائقية مؤمنة تُستخدم في اجتماعات التنسيق العسكري المغلقة.
​في ليلة الأحد، الرابع من أكتوبر، دُعي دانيال بشكل عاجل للسفر إلى طوكيو لحضور مؤتمر أمني استثنائي. تركت إيلينا وماركو في القصر بمفردهما مع عدد محدود من الحراس.
​في الساعة الثانية بعد منتصف الليل، استغل إيلينا استغراقها في النوم تحت تأثير منوم خفيف وضعه عمر بحذر شديد في كأس نبيذها، ليتسلل "صقر" إلى القبو الصفي المصفح.
​باستخدام أدوات فتح الأقفال الدقيقة التي دربته المخابرات عليها، ومعرفة مسبقة بأرقام الخزنة السرية التي استطاع قراءة حركة أصابع دانيال عليها عبر جهاز ناظور مصغر في زيارة سابقة، فتح عمر الخزنة الحديدية.
​هناك، بين عشرات المجلدات، وجد الكنز القاتل:
​كتيب التشفير الميداني الحصري (وثيقة البومة): يحتوي على ترددات الشفرات التكتيكية اليومية لجميع وحدات الإشارة والدفاع الجوي وشبكات الربط بين القيادة العامة والجبهة.
​خرائط النقاط الحصينة المحدثة: وتفاصيل خطط الدعم السريع والاحتياطي المدرع.
​لم يكن لدى عمر سوى 15 دقيقة فقط قبل جولة الحراسة الليلية. أخرج كاميرا الـ "مينوكس"، وبيدين ثابتتين كالحجر، صور 42 صفحة عالية السرية، ثم أعاد كل شيء إلى موقعه بدقة المليمتر، وأغلق الخزنة، وعاد إلى غرفته دون أن يترك ذرة غبار واحدة تدل على وجوده.
  ​3. حيلة المزهرية اليونانية
​كانت المشكلة الأكبر الآن هي: كيف يتم نقل هذا الكنز المعوماتي الشديد الخصورة إلى القاهرة خلال ساعات معدودة؟
​كانت خطوط الطيران والبريد تحت رقابة استخباراتية مشددة نتيجة التوترات الدولية. لو تم ضبط الميكروفيلم مع أي مبعوث أو في أي رسالة تقليدية، ستنتهي اللعبة، وسيُغير العدو شفراته فوراً، وتضيع الضربة المباغتة.
​ابتكر عمر حيلة عبقرية تنم عن دهاء بائع التحف وعقل الجاسوس المحترف:
​قام عمر بتفكيك قاعدة مزهرية يونانية زجاجية مزدوجة القاع يعود تاريخها للقرن الرابع قبل الميلاد، كان قد اشتراها مسبقاً لصالح تاجر آثار سويسري يُدعى "هنري" (وهو في الحقيقة محطة اتصال سرية تابعة للمخابرات المصرية في زيورخ).
​زرع شريط الميكروفيلم بحرص شديد بين طبقتي الزجاج السفليتين، ثم أعاد تلحيم القاعدة باستخدام مادة صمغية أثرية خاصة تسد الفجوات وتمنع ظهور أي أثر تحت أشعة الكشف العادية.
​في صباح الخامس من أكتوبر، اتصل عمر بالتاجر السويسري عبر الهاتف، وأخبره بنبرة تجارية مبهجة:
 "سيد هنري.. المزهرية النادرة التي طلبتها أصبحت جاهزة. سأرسلها لك اليوم مع مبعوث الشحن السريع ليتم تسليمها لك في مطار زيورخ قبل ظهيرة الغد."
​تم شحن الطرد تحت بند "شحنة آثار دبلومسيية مؤمنة".
 زلزال السادس من أكتوبر
​في ظهر يوم السبت، السادس من أكتوبر 1973 (العاشر من رمضان)، كان "ماركو بينتي" يجلس في مقهى "ديل بوبولو" الشهير في قلب روما، تحت شمس الخريف الدافئة.
​كان يحتسي قهوته والتلفاز المعلق في زاوية المقهى يعرض برنامجاً أوبرا إيطالياً. وفجأة، انقطع البث، وظهر مذيع الأخبار بوجه مشدوه ونبرة متلعثمة ليقرأ البياني العاجل:
​"سيداتي سادتي.. ننتقل بكم الآن إلى أنباء عاجلة من الشرق الأوسط. القوات المسلحة المصرية والسورية تشنان في هذه الأثناء هجوماً كاسحاً ومباغتاً عبر قناة السويس وفي هضبة الجولان! الصور الأولى تؤكد عبور آلاف الجنود المصريين لخط بارليف وتدمير التحصينات تحت غطاء جوي وشلل تام في شبكات الإشارة المعادية!"
​ساد الذهول المقهى. تساقطت الأكواب من أيدي الزبائن، وارتفعت الأصوات بالدهشة والاستنكار.
​في تلك اللحظة بالذات، كان الشلل الذي أصاب شبكات اتصالات القيادة المعادية نتيجة مباشرة لـ "وثيقة البومة" التي كانت قد وصلت إلى غرفة العمليات في القاهرة قبل ساعات قليلة من انطلاق الأذن بالعبور، مما سمح لسلاح الإشارة المصري بتعمية التشويش وقطع خطوط الإمداد والتواصل بين الوحدات الميدانية.
​وسط هذا الصخب والذهول الذي لَفّ المقهى، نزل صمتٌ برزخيّ على عقل عمر الجبالي.
​لم يصرخ، لم يقفز، ولم يدمع. أخذ رشفة أخيره من فنجان قهوته، ونظر إلى السماء من خلال زجاج المقهى.
​كانت روح "عمر الجبالي" تصرخ في الداخل بأعلى صوت: "الله أكبر! العبور تم!"، لكن شفاه "ماركو بينتي" اكتفت بابتسامة أرستقراطية باردة، وهو يهز رأسه للزبون المبتدئ بجانبه قائلاً بالإيطالية:
​ "يا لها من دراما سياسية غير متوقعة.. يبدو أن الشرق الأوسط لا يكف عن مفاجأة العالم."
وكان قلبه من الداخل كاد يتوقف من فرحته بالنصر علي اعداء الوطن  ومازال عمر يجيد لعبه التمثيل  

تعليقات