رواية اسرار الماضي الفصل الرابع
ارتطم جثمان "عادل راشد" بالأرض، وتخاطفت الدماء بقعاً دافئة على الأسمنت البارد للغرفة المظلمة. انطلق النقيب حسام نحو النافذة المهشمة وصاح عبر اللاسلكي:
"تأمين المبنى فوراً! القناص على السطح المقابل! اقطعوا طريق الخروج!"
في تلك الأثناء، جثا العقيد مراد الألفي بجوار عادل الممدد. كان النبض ضعفياً للغاية، والرصاصة النفاذة استقرت بالقرب من الترقوة. ضغط مراد بيديه المكسوتين بالقفازات على الجرح محاولاً كبح نزيف الدم المتدفق.
تطلّع عادل بفلول عينيه الذابلتين إلى مراد، وبصوت مخنوق تقطعه الحشرجة قال:
"المفكرة... ليست معي... أخفيتها... في... في حديقة الفندق... أسفل شجرة... السرو... خلف... النافورة..."
توقف عادل عن الكلام، وغاب عن الوعي وهو يلهث ببطء شديد.
"الإسعاف فوراً يا حسام! اطلب وحدة العناية المركزة، لا أريده أن يموت قبل أن يفتح هذا الصندوق الأسود!" ألقى مراد بأوامره الصارمة وهو يقف متفقداً أثر الرصاصة.
كانت عملية إطلاق النار على عادل دليلاً ناصعاً على أمر واحد: القاتل لا يعمل بمفرده، بل تحيط به شبكة من الرقابة الحثيثة اللحظية، وأن الخطوات التي يخطوها التحقيق أصبحت تلامس منطقة شديدة الخطورة لدى الجناة.
عودة إلى مسرح الجريمة: ظلال في الحديقة الخلفية
في تمام الساعة الثالثة فجراً، عادت سيارات الشرطة لتطوق حديقة فندق "اللوتس" الخلفية. كانت أضواء الكشافات القوية تخترق الضباب الخفيف المحيط بنافورة الرخام الكبيرة.
وقفت طواقم المباحث تحفر بعناية بجوار جذع شجرة السرو التي أشار إليها عادل قبل فقدانه للوعي. وبعد دقائق من البحث المعتم، اصطدمت مجرفة الضابط بقطع قماشية مموهة ومقاومة للماء.
رفرف قلب حسام وهو يرفرف بالقطعة ويستخرج منها دفتر مذكرات صغيراً غلافه من الجلد الأحمر القاني، يلتف حوله شريط مطاطي محكم.
"وجدناها يا سيدي العقيد!" قال حسام وهو يسلم المفكرة لمراد
فتح مراد الصفحات بحذر. كانت المفكرة تحتوي على تواريخ دقيقة، ورسائل نصية مطبوعة، ومحاضر جلسات مغلقة. لكن الصفحات الأخيرة كانت المدوّنة بخط يد نورهان الشاذلي، وكانت عباراتها تقطر خوفاً وغضباً:
"لم تكن حادثة سير عادية... طارق الزيني كان هو المقود الحقيقي لتلك الليلة. وشريكي المنتج سيد متولي هو من دفع مقابل تغيير تقرير الطب الشرعي لإخفاء وجود مادة مخدرة في دم شاكر... أما سيرين عبد الباقي، فكانت صلة الوصل التي نقلت العقد المشبوه لتمويل القناة. الجميع ملطخون بالدم، وإن لم يتوقف طارق عن تهديدي بالصور القديمة، فسأقلب المائدة في ليلة الزفاف."
تأمل مراد الكلمات المصاغة بمرارة، ثم أردف قائلاً:
"نورهان لم تكن بريئة تماماً، بل كانت شريكة في الصمت طوال خمس سنوات حتى بات الحبل يلتف حول عنقها. ولكن انظر هنا يا حسام..."
أشار مراد بإصبعه إلى الصفحة ما قبل الأخيرة؛ كان هناك اسم مقتطع جزئياً بقعة حبر داكنة، ولم يتبق منه سوى الأحرف الأولى: "د. أ. م"، وتحته ملحوظة مكتوبة بخط مضطرب:
"هو من زودهم بالخيط الجراحي المعقم... هو القاتل الخفي الذي لا يشك فيه أحدا
بدايه سقوط الاقنها،
أمر مراد باستدعاء المشتبه بهم الثلاثة الرئيسية من جديد إلى قاعة الفندق الكبرى: طارق الزيني، وسيد متولي، وسيرين عبد الباقي، وانضمت إليهم نادين الشاذلي.
كانت القاعة أشبه بساحة محاكمة مبكرة، يسودها الوجوم والإنهاك.
جلس مراد في المنتصف ووضع المفكرة الحمراء أمامهم على الطاولة. وبمجرد أن وقعت عيون طارق الزيني على الغلاف الأحمر، انقبضت حدقتاه بوضوح شديد، بينما تراجعت سيرين بظهرها إلى الخلف.
"هذه المفكرة كانت الحُكم بالسعد أو الإعدام لنورهان الشاذلي،" أعلن مراد بصوت جاد يتردد صداه بين جنبات القاعة. "كلكم كنتم هنا ليلة الأمس لسبب واحد فقط... ليس للحفل ولا للابتهاج، بل لمنع هذه السطور من الخروج للعلن."
وقف طارق وقال بنبرة غاضبة:
"هذه خرافات! نورهان كانت تعاني من اضطرابات نفسية وتتوهم أموراً لا أساس لها من الصحة! هل تستند إلى كتابات على ورق مجهول لاتهامي بالقتل؟"
"لم أتهمك بالقتل بعد يا طارق بيه،" قال مراد بثبات. "ولكن التقرير الجنائي المالي لشركاتك وصلني منذ قليل، ويؤكد أن حساباتك شُهدت منها تحويلات مالية ضخمة ليلة الحادث إلى حساب طبيب شرعي متقاعد يدعى 'دكتور أنور مرسي'... وهو صاحب الأحرف 'د. أ. م' المذكورة في المفكرة!"
انهار سيد متولي وسقط كوبه من يده ليتهشم على الأرض:
"أنا لم أقتل! أقسم لكم طارق هو من طلب مني التغطية على موضوع الحادث القديم! أنا فقط دفعت المال للصحافة!"
صاحت سيرين عبد الباقي بغضب هي الأخرى:
"وهي من ابتزتني بصور عروض الأزياء! نورهان لم تكن ضحية، كانت شيطاناً برداء أبيض!"
الانفجار المفاجئ
بينما كانت الاتهامات تتبادل بين أطراف الشبكة وتتكشف الأوراق واحدة تلو الأخرى، قطعت صرخة حادة من نادين الشاذلي حبل الذهول:
"يكفي! يكفي كذباً وخداعاً!" وقفت نادين وهي ترتجف وتؤشر بأصبعها نحو شاشات العرض الكبيرة في منتصف البهو. "أنتم لا تعرفون شيئاً... نورهان لم تكن تنوي نشر المفكرة لابتزازكم، نورهان كانت ستسلم نفسها للشرطة هذه الليلة بالذات فور انتهائها من عقد القران!"
في تلك اللحظة بالذات، انطفأت أضواء القاعة الكبرى كلياً، وساد الظلام الدامس في أرجاء المكان.
تعالت الصيحات والارتباك في العتمة، وسُمع صوت تحطم زجاج قوي قادم من ناحية المنصة الرئيسية، تلاه صوت أقدام تركض بسرعة في الممر الداخلي...
أنار حسام كشافه التكتيكي فوراً، وصاح مراد بثبات:
"أغلقوا المنافذ! لا تدعوا أحداً يغادر القاعة!"
حين أضاءت كشافات الشرطة المكان مجدداً، كانت المفكرة الحمراء قد اختفت من فوق الطاولة... وكان سيد متولي ملقىً على الأرض فاقداً للوعي، ودبوس زينة ذهبي حاد مغروس في كتفه!
القاتل لم ينتهِ من مهمته بعد، والقناع الأخير يرفض أن يسقط بغير مزيد من الدماء.
وسُحب الفيش الرئيسي للوحة المفاتيح الكهربائية بفعل فاعل، مما أدى إلى غرق القاعة الكبرى بالفندق في أظلم سكون.
سرت حالة من الفوضى العارمة بين الحضور؛ صراخ النساء، وارتطام كراسي المائدة، وضجيج خطى مرتبكة تحاول الفرار نحو المخرج. انتشر ضباط المباحث فوراً بمساعدة كشافات هواتفهم وأضواء التكتيك اليدوية، محاولين فرض حزام أمني حول المنصة ومنع أي شخص من التحرك.
"حسام! أمّن المنافذ فوراً ولا تسمح لأحد بالخروج!" صاح مراد بصوت نحاسي شق صفير الذعر في القاعة.
انطلق النقيب حسام نحو لوحة الكهرباء الفرعية خلف الممر، وحين أعاد المفتاح الرئيسي لتضيء الثريات الكريستالية من جديد، كشفت الأضواء عن مشهد صادم:
كان المنتج سيد متولي مطروحاً على السجادة النبيذية بقرب المنصة، يئن بوجع مكتوم ويمسك بكتفه الأيمن، حيث انغرس دبوس زينة ذهبي ذو رأس مدبب ومزين بفص من الزمرّد. أما الطاولة الخشبية التي كان يجلس عليها مراد... فقد خلت تماماً من المفكرة الحمراء!
اندفع مراد نحو سيد، وجثا بجانبه مفحصاً الجرح:
"لا تتحرك يا سيد! الدبوس لم يصب شرياناً رئيسياً."
التفت مراد بعينين تقدحان شرراً نحو الحضور الذين احتشدوا في زاوية القاعة. كان طارق الزيني يقف مشدوهاً بجوار العمود الرخامي، يلهث وعرقه ينصب على جبينه، بينما كانت سيرين عبد الباقي تتكئ على إحدى الطاولات وهي تمسك بوشاحها بجمع يدين ترتجفان. أما نادين الشاذلي، فكانت تجلس على الأرض منهارة وتبكي بذهول.
"الدبوس..." قالت سيرين بصوت متلعثم وهي تشير بيدها نحو جثة سيد. "هذا الدبوس... كان جزءاً من مكملات فستان زفاف نورهان! أنا من صنعه بيداي!"
اتسعت عينا حسام واندفع نحوها:
"وهل كان هناك نسخة أخرى من هذا الدبوس مع أي شخص آخر؟"
بلعت سيرين ريقها بصعوبة وأجابت:
"لا... صنعت قطعتين فقط؛ الأولى كانت تثبت وشاح نورهان في الجناح، والثانية... الثانية كانت في حقيبة أدوات الخياطة الخاصة بي، والتي تركتها في غرفة الاستراحة بالطابق الثامن!"
تتبع أثر السارق
أسرع مراد بفحص المنطقة المحيطة بالطاولة. على البار اللامع بجوار الطاولة، لاحظ بقعة صغيرة جافة من مسحوق أبيض ناعم... بودرة معطرة لليدين تُستخدم عادة في العروض الفنية أو كواليس مسارح الأزياء.
"القاتل أو شريكه كان يقف على بعد خطوات فقط منا في الظلام،" قال مراد بصوت خفيض لحسام. "استغل ارتباك الجميع، ضرب سيد ليعطل أي شهادة قد يضيفها، وسرق المفكرة لأنها كانت تضم الاسم المفصلي الذي يخشاه جميع من في هذه الغرفة."
"سيدي العقيد،" قال حسام وهو ينظر إلى الشاشات التلفزيونية الصامتة في البهو. "الطبيب الشرعي المتهم في المفكرة، 'دكتور أنور مرسي'... وصلتنا معلومات من التحريات عنه منذ دقائق. لقد غادر حسابه البنكي بالكامل قبل ساعتين، وتوجه إلى مطار القاهرة ليدرك رحلة الطيران المتجهة إلى أثينا في تمام الساعة السادسة صباحاً!"
نظر مراد إلى ساعته؛ كانت تشير إلى الرابعة والنصف فجراً.
"اتصل بأمن المطار فوراً وضعه على قائمة الممنوعين من السفر! لا أريده أن يطأ طائرة واحدة قبل أن نستجوبه!" أمر مراد بحزم.
مفاجأة في الطابق الثامن
ترك مراد القوة الأمنية تؤمن القاعة السفلى وتقتاد سيد متولي إلى العيادة الطبية بالفندق تحت الحراسة المشددة، ثم صعد برفقة حسام مجدداً إلى الطابق الثامن لفحص غرفة استراحة الخياطين التي ألمحت إليها سيرين.
كانت الغرفة صغيرة وتضم طاولة كوي ومعدات حياكة ومرآة كلاسيكية. عند دخول مراد، لاحظ أن سلة المهملات بجوار الطاولة تحتوي على مغلف ورقي محترق جزئياً.
التقط مراد بقايا المغلف باستخدام الملقط الجنائي. رغم احتراق معظم الأجزاء، بقيت زاوية صغيرة تحمل ختماً كيميائياً رسمياً لـ "مستشفى السلام الخاص"، وتحته سطر واحد قراءته ممكناً:
"نتائج التحليل البيولوجي للعروس نورهان الشاذلي: إيجابي (وجود مادة نيروتوكسين سريعة التحلل)..."
وقف حسام مذهولاً:
"سمّ أعصاب سريع التحلل؟! هذا يعني أن نورهان لم تُخنق حتى الموت فقط... بل تم تسميمها أولاً لتعطيل قدرتها على الحركة والمقاومة قبل أن يلتف الخيط الحريري حول عنقها!"
"بالظبط،" قال مراد وعيناه تلمعان بذكاء حاد. "وهذا يفسر لماذا لم تجرِ أي محاولة للمقاومة، ولماذا لم تصرخ حين دخل القاتل الجناح. القاتل أعطاها المادة أولاً في مشروب أو عطر... ثم انتظر حتى فقدت قدرتها على الحركة ليخنقها بدم بارد."
التفت مراد نحو باب الغرفة وقال بنبرة هادئة لكنها تحمل الكثير من الغموض:
"الآن أصبحت الصورة أكثر وضوحاً يا حسام... نحن لا نلاحق قاتلاً واحداً، بل نلاحق تحالفاً من شخصين؛ أحدهما وضع السم، والآخر خنقها بالخيط الحريري ليضمن موتها ويكتم أسرار السجلات المغلقة إلى الأبد!"
