رواية نقطة عمياء الفصل الرابع بقلم منة احمد
بعد شوية، بدأ معتز يستعيد وعيه ببطء. فتح عينيه وقفلهم كذا مرة، لحد ما قدر يثبت نظره على السقف، قبل ما يلف راسه ويلمح أحمد قاعد جنبه، ملامحه مشدودة من القلق وقرب منه: معتز؟ سامعني؟ حاسس إنك كويس؟
معتز، بصوت ضعيف ومبحوح: أنا... إيه اللي حصل؟
أحمد، وهو بياخد نفس عميق: إنت اللي تقولي! أول ما سمعت صوتك في التليفون، حسيت إن فيه حاجة مش طبيعية، ولما ناديت عليك ومردتش، جيت على طول. ولقيتك واقع على الأرض.
حاول معتز يعتدل في قعدته، لكنه حس بوجع في جسمه، فنزل بعينيه ناحية إصا..باته. آثار الجر..وح كانت واضحة، والد...م متجمع تحت كل جر...ح. فضل باصص لجسمه للحظات، قبل ما يشيح بوشه بعيد وكأن الموضوع مايعنيهوش.
أحمد، بصوت مخنوق بالقلق: ليه يا معتز؟ ليه رجعت تعمل في نفسك كده؟ إحنا اتكلمنا في الموضوع ده ألف مرة، وإنت عارف كويس إن الحالة دي لما بترجع لك، مينفعش تواجهها لوحدك!
معتز، ببرود باهت وهو بيحاول يقوم: مفيش حاجة يا أحمد... أنا كويس.
أحمد، بنبرة حاسمة: لأ، إنت مش كويس. وأنا مش بكلمك دلوقتي باعتباري صاحبك وبس، أنا بكلمك باعتباري الدكتور اللي متابع حالتك وعارف إنت وصلت لفين. اللي حصل ده مش حاجة بسيطة نعدّيها بكلمتين ونقفل الموضوع!
معتز، وهو بيغمض عينيه بضيق: أحمد، أرجوك... مش قادر أتكلم دلوقتي. مش عايز أتكلم مع حد.
أحمد، بهدوء حذر: مش هضغط عليك تحكي دلوقتي، بس مش هسمح لك تتعامل مع اللي حصل كأنه ماحصلش. إنت عارف إن سكوتك وإنكارك مش هيحلوا حاجة.
معتز مردش عليه. فضل ساكت شوية، وبعدها لف وشه ناحيته وسأله بصوت مرهق: إنت دخلت إزاي هنا؟
أحمد، وهو بيرفع حاجبه باستنكار: كسـ..رت الباب يا سيدي. كنت هعمل إيه يعني؟ أسمع صوتك وبعدين ألاقيك مش بترد، وأستنى حضرتك تتفضل تفتحلي؟
معتز بص له لثواني، وبعدها زاح الغطا عنه وقام من السرير ببطء، متجاهل نظرات أحمد.
أحمد، وهو بيتابع حركته بقلق: رايح فين؟
معتز، بفتور وهو بيتجه ناحية الحمام: الحمام.
أحمد قام من مكانه، لكن قبل ما يتكلم، معتز دخل الحمام وقفل الباب وراه، وسابه واقف مكانه، بيبص ناحية الباب بقلق واضح. كان عارف إن صاحبه مش هيحكي بسهولة، وإن أصعب حاجة في التعامل معاه مش إنه ينهار... لكن إنه ينهار ويصرّ بعدها إنه بخير وفي المستشفى
فتحت نسمة عينيها ببطء، وحاولت تستوعب هي فين. كانت حاسة بتقل في جسمها ووجع بيشدها كل ما تحاول تتحرك، ففضلت باصة للسقف بارتباك، لحد ما قربت منها الممرضة بابتسامة هادية وهي بتظبط المحلول: حمد الله على السلامة يا حبيبتي، نورتي الدنيا تاني.
نسمة، بصوت ضعيف ومبحوح: أنا فين؟ وإيه اللي حصل لي؟
الممرضة، وهي بتطمنها: إنتي في المستشفى يا حبيبتي. اتعرضتي لحا..دثة، وجيتي هنا في حالة صعبة، بس الحمد لله العملية عدّت على خير، والدكاترة قدروا يسيطروا على حالتك. دلوقتي أهم حاجة ترتاحي ومتجهديش نفسك.
اتسعت عيون نسمة بخوف، وحاولت ترفع جسمها من على السرير، لكن الألم منعها، فشهقت وحطت إيدها على جنبها.
الممرضة، وهي بتسندها بسرعة: إيه اللي بتعمليه ده؟! بالراحة يا بنتي، إنتي لسه خارجة من عملية، ومينفعش تقومي بالشكل ده. استندي عليّا وارجعي نامي، ولما الدكتور يطمن على حالتك هنشوف تقدري تتحركي إمتى.
نسمة، وهي بتحاول تلتقط أنفاسها: طب... هو حد سأل عليّا؟
بصت لها الممرضة باستغراب، فنسمة مسكت إيدها بتوسل، وملامحها اتبدلت لخوف واضح و بصوت مرتعش: بالله عليكي، اسمعيني كويس... لو فيه حد جه يسأل عليّا، قولي له مفيش واحدة بالاسم ده هنا. أنا مش عايزة حد يعرف مكاني، أرجوكي!
الممرضة، وهي بتحاول تهديها: طب اهدي يا حبيبتي، إنتي ليه خايفة بالشكل ده؟ مفيش حد جه يسأل عليكي، بس الشخص اللي جابك المستشفى هو اللي كان بيتابع أخبارك ومستنيكي تفوقي.
سحبت نسمة نفسًا طويلًا، ورجعت برأسها للمخدة، وكأنها كانت حابسة أنفاسها من شدة الخوف وهي بتغمض عينيها براحة: الحمد لله... الحمد لله.
الممرضة، وهي بتعدل الغطا عليها: ربنا يطمن قلبك يا حبيبتي. بس لازم تهدي وتحافظي على نفسك، إنتي لسه ضعيفة ومحتاجة راحة. ولو فيه أي حاجة مضايقاكي أو خايفة منها، تقدري تتكلمي معانا، ومش لازم تحكي أي تفاصيل مش مستعدة تحكيها.
ابتسمت نسمة ابتسامة باهتة، والممرضة اتجهت ناحية الباب، لكنها وقفت قبل ما تخرج: هسيبك ترتاحي شوية، ولو احتجتي أي حاجة اضغطي على الجرس اللي جنبك، اتفقنا؟
هزت نسمة راسها بالموافقة، فخرجت الممرضة بهدوء.
بعد شوية، اتفتح باب الغرفة، ودخل آدم وهو ماسك موبايله، ولما شاف نسمة صاحية، وقف مكانه وابتسم ابتسامة بسيطة:حمد الله على السلامة. أخيرًا فوقتي.
أول ما نسمة شافته، جسمها اتشد، وقبضت على طرف الغطا بإيديها. لاحظ آدم خوفها، فرفع إيديه الاتنين قدامه خطوة لورا، علشان يطمنها و بنبرة هادية: اهدي، متخافيش. أنا مش جاي أضايقك، ولا عايز منك أي حاجة. أنا بس كنت مستني أطمن إنك بقيتي أحسن.
نسمة، وهي بتبلع ريقها بتردد: هو... إنت اللي أنقذتني؟
اتجنب آدم النظر في عينيها للحظة، قبل ما يرجع يبصلها وكأنه بيحاول يخفي ارتباكه:أنا معملتش حاجة تستاهل كل ده. لقيتك عملتي حادثه، وخدتك المستشفى، وأي حد مكاني كان هيعمل كده. المهم دلوقتي إنك بقيتي أحسن... حاسة بوجع شديد؟
هزت نسمة راسها بالنفي، رغم التعب الواضح على ملامحها:لا، الحمد لله... شكرًا على مساعدتك. أنا مش عارفة أرد لك الجميل ده إزاي.
آدم، وهو بيقرب الكرسي من سريرها: تردي الجميل إيه بس؟ إنتي محتاجة ترتاحي وتتعافي، متشغليش بالك إنتي مديونة لمين وبإيه. متحمليش نفسك فوق طاقتها.
سكت لحظة: وبالمناسبة، أنا اتكفلت بمصاريف العملية والعلاج لحد دلوقتي، فمتقلقيش من الناحية دي. ركزي بس في صحتك، وأي حاجة تخص المستشفى أنا هتابعها.
نسمة، وهي بتبص له بعدم تصديق: إنت دفعت كل ده؟! ليه؟! إنت متعرفنيش أصلًا، وأنا مش عارفة حتى أقولك إيه. كفاية إنك وقفت جنبي، مش لازم تتحمل مصاريفي كمان.
آدم، بابتسامة خفيفة: يا ستي اعتبريها مساعدة لحد ما تقفي على رجلك. مش كل حاجة في الدنيا لازم يكون وراها مقابل، ومش هقبل إنك تفضلي شايلة هم الفلوس وإنتي لسه خارجة من عملية.
فضلت نسمة باصة له في صمت، مش عارفة تثق فيه ولا تخاف من مساعدته، لحد ما قطع آدم الصمت بسؤال:طب قوليلي، نقدر نتواصل مع حد من أهلك؟ المستشفى محتاجين بياناتك كاملة، وإحنا لحد دلوقتي مش عارفين نتواصل مع مين.
نزلت نسمة بعينيها ناحية إيديها، وبدأت دموعها تتجمع من غير ما تحس ؛ بصوت مكسور: للأسف... مليش حد.
عقد آدم حواجبه باستغراب: يعني إيه ملكيش حد؟! طيب أهلك فين؟ مش المفروض يكونوا جنبك دلوقتي؟
نزلت دمعة على خد نسمة، وحاولت تمسحها بسرعة، لكن دموعها سبقتها: كانوا معايا... بس مشيوا وسابوني. سابوني لوحدي مع واحد معرفوش، ومحدش فيهم فكر حتى يسأل أنا هبقى عاملة إزاي بعد كده.
شهقت نسمة، وغطت وشها بإيديها، قبل ما تكمل بصوت متقطع: أنا مش عايزة أتكلم في تفاصيل، معلش... بس أنا فعلًا مبقاش عندي حد أرجع له.
اتغيرت ملامح آدم، واختفت ابتسامته تمامًا. كان واضح إنه مش متوقع يسمع منها الكلام ده، لكنه ما ضغطش عليها بأسئلة أكتروبصوت هادي: خلاص، مش هسألك عن حاجة إنتي مش عايزة تحكيها. بس متفتكريش إنك لازم تواجهي كل حاجة لوحدك. دلوقتي إنتي محتاجة تتعافي، وبعدها ابقي فكري في أي حاجة تانية براحتك.
مد إيده ناحيه جيبه وطلع محفظته، وجاب كارنيه الشغل بتاعه، وقدمه لها: اتفضلي، ده كارنيه الشغل بتاعي. أنا آدم، مهندس. أهو بقيتي عارفة أنا مين، ولو احتجتي أي حاجة تخص علاجك او اى حاجه في حياتك الشخصيه كلميني.
أخدت نسمة الكارنيه وبصت فيه، وبعدين رفعت عينيها له بابتسامة صغيرة :شكرًا يا بشمهندس آدم... بجد مش عارفة أقولك إيه.
آدم، وهو بيبتسم: متقوليش حاجة. بس قوليلي بقى، أنا عرفت نفسي، وإنتي لسه مخبيّة اسمك عني!
مسحت نسمة دموعها، وابتسمت ابتسامة خفيفة:نسمة... اسمي نسمة.
آدم: اتشرفت بيكي يا نسمة. وإن شاء الله تقومي بالسلامة قريب.
قام من مكانه، وعدل قميصه قبل ما يبصلها مرة أخيرة:هسيبك ترتاحي دلوقتي. ولو احتجتي أي حاجة، كلميني، وأنا هحاول أكون موجود.
نسمة، بامتنان: ربنا يجازيك خير على اللي عملته معايا.
ابتسم آدم ليها، وبعدها خرج من الغرفة، وسابها غرقانة في أفكارها. كانت مش عارفة إذا كان اللي حصل بداية نجاة من حياتها القديمة، ولا مجرد بداية لوجع جديد.
في بيت عزام كان معتز قاعد قدام أبوه وعمه إسماعيل، وملامحه جامدة بشكل يخلي اللي يبص له ميعرفش هو غضبان ولا حتى حاسس بحاجة. حط موبايله على الترابيزة، وبعدها رفع عينيه ناحية عمه.
معتز، ببرود: بنتك يا عمي طلعت بتخوني.
اتجمد إسماعيل مكانه، وبص لمعتز بصدمة وغضب :إنت بتقول إيه يا معتز؟! إنت واعي للكلام اللي خارج من بقك؟ دي بنتي، واسمها من اسمي، ومش هسمح لك ترميها بالباطل وتشوّه سمعتها لمجرد إن بينكم خلاف!
معتز، من غير ما يتأثر بنبرته: أنا لا شوّهت سمعتها، ولا اتكلمت من فراغ. لو عندك شك في كلامي، اسألها هي. ولا إنت شايفني قليل الأصل لدرجة إني أتهم مراتـي في شرفها من غير دليل؟
عزام، والد معتز، وهو بيحاول يسيطر على الموقف: استنى يا معتز، وإنت يا إسماعيل اهدى واسمعوا بعض. يا ابني، دي مراتك، وأكيد فيه حاجة حصلت واتفهمت غلط. يمكن كانت بتتكلم مع حد في موضوع تاني، وإنت فهمت الكلام على غير قصده.
لف معتز وشه ناحية أبوه، ونظرته بقت أكثر حدة:مش مراتي يا بابا، ودي أول حاجة أحب أوضحها. وتاني حاجة، أنا مش طفل عشان أسمع جملة وأبني عليها اتهام. أنا سمعتها بنفسي وهي بتتكلم مع الراجل، واعترفت قدامي إنها عمرها ما حبتني، وإنها اتجوزتني علشان فلوسي ومكانتي.
كانت راندا واقفة بعيد عنهم، ودموعها بتنزل في صمت. حاولت تتمالك نفسها، لكن كلام معتز كان بيضيّق عليها الخناق.
إسماعيل، وهو بيبص لبنته بقلق قبل ما يرجع لمعتز: الكلام ده كبير يا ابني، ومش سهل يتقال. أنا أعرف بنتي كويس، ومش مصدق إنها تعمل حاجة زي دي. إنت متأكد إنها قالت الكلام ده بالحرف؟
معتز، بسخرية باردة: أنا مش جاي اهزر يا عمي في موضوع حساس زي ده . أنا بقول لك اللي حصل، ولو مش مصدقني، عندي الدليل.
عزام، وهو بيحاول يستوعب كلام ابنه: طب إنت متأكد من موضوع الخيانة؟ مش يمكن يكون فيه تفسير تاني للكلام اللي سمعته؟
معتز: مفيش تفسير يغيّر الحقيقة يا بابا. إحنا بقالنا سنة متجوزين، وطول السنة دي كنت فاكر إن على الأقل فيه احترام بينا، لحد ما اكتشفت إنها بتاخد حبوب منع الحمل علشان تمنع الحمل من غير ما أعرف.
اتسعت عيون إسماعيل، والتفت ناحية راندا بصدمة.
معتز، وهو بيبص لعمه مباشرة: بنتك كانت مخططة إنها تاخد فلوسي وتمشي مع الراجل اللي بتكلمه، ومش فارق معاها أنا ولا الجوازة دي. ومع احترامي لحضرتك، أنا مش هقبل أعيش مع واحدة شايفاني مجرد حساب في البنك.
راندا، بتردد وهي بتحاول تدافع عن نفسها: إنت كداب! محصلش الكلام ده، واللي بيقوله ابنك يا عمي مش حقيقي. هو أصلًا اللي كان رافض يخلف مني، وكان دايمًا بيقول إنه مش بيحبني، وإنه اتجوزني علشان يرضيك!
لف معتز وشه ناحيتها ببطء، وابتسامة ساخرة ظهرت على طرف شفايفه :أيوه، مش هكدب عليكي في دي. أنا فعلًا محبتكيش، واتجوزتك علشان أرضي أبويا. بس فيه فرق كبير بين إني أكون صريح من البداية، وبين إنك توافقي تعيشي معايا وتلعبي من ورايا. إنتي كنتي تقدري تطلبي الطلاق وتمشي، إنما تختاري الخيانة وتفتكري إني مش هعرف؟ دي مش مشكلتي.
راندا، ودموعها بتزيد: إنت بتتكلم كأنك ملاك! إنت عمرك ما حسستني إني مراتك، ولا عاملتني كأني إنسانة ليها مشاعر!
معتز، بحدة مكتومة: وده كان يديكي الحق تخونيني؟! لو كنتي كارهاني للدرجة دي، كان الباب مفتوح قدامك. إنما متحاوليش تحوّلي غلطك لذنب أنا اللي أتحمله.
إسماعيل، وهو بيبص لعزام بغضب: شوفت ابنك يا عزام؟! جاي يتهم بنتي بالخيانة، وهو بنفسه بيعترف إنه اتجوزها من غير ما يحبها! أومال إيه اللي يضمن لي إن القصة دي مش كلها من تأليفه علشان يتخلص منها؟
معتز ما ردش فورًا. مد إيده لجيبه، وطلع موبايلها، وفتح تسجيل المكالمة اللي احتفظ بيه من الليلة السابقة.
معتز، وهو بيحط الموبايل على الترابيزة: أنا مش هضيّع وقتي في جدال ملوش لازمة. بدل ما كل واحد فينا يتهم التاني بالكذب، نسمع التسجيل ونخلص.
ضغط على زر التشغيل، وبدأ صوت راندا يملأ المكان وهي بتتكلم مع عشيقها، بتضحك وبتقول إنها اتجوزت معتز علشان فلوسه، وإنها مش عايزة تخلف منه، قبل ما يرد عليها الرجل بكلامه المستهتر عن زوجها كل ما التسجيل كمل، ملامح إسماعيل كانت بتتغير. الغضب اللي كان موجه لمعتز بدأ يتحول لصدمة وخيبة أمل، لحد ما انتهى التسجيل وساد صمت إسماعيل، بصوت عالي ومخنوق من الغضب: قولي إن الكلام ده كدب يا راندا! قولي إن فيه حاجة أنا فاهمها غلط!
راندا، وهي بتتراجع بخوف: يا بابا، طب اسمعني بس...
إسماعيل، مقاطعها بزعيق: أسمع إيه؟! أنا سمعتك بودني! إنتِ واعية إنتِ عملتي إيه؟! ده مش جوزك وبس اللي خنتيه، ده أنا كمان خذلتيني!
راندا، وهي بتحاول تقرب منه: يا بابا، والله الموضوع مش زي ما إنت فاهم...
إسماعيل، وهو بيصرخ: اخرسي! مش عايز أسمع صوتك!
وفجأة، صفعها إسماعيل بقوة، فاختل توازنها ورجعت خطوتين لورا، وحطت إيدها على خدها وهي باصة له بصدمة.
راندا، بصوت مبحوح: إنت... إنت ضربتني يا بابا؟
إسماعيل، وهو بيشاور عليها بعصبية: أيوه ضربتك! ولسه عايزة تدافعي عن نفسك؟! بعد اللي سمعته ده، عايزاني أعمل إيه؟ أقولك برافو يا بنتي؟!
عزام، وهو بيتدخل بسرعة وبيمسك إسماعيل من دراعه: خلاص يا إسماعيل! كفاية! إنت كده هتضيّع نفسك!
حاول إسماعيل يفلت من إيده وهو لسه بيبص لراندا بغضب، لكنها فضلت واقفة مكانها، بتعيط وبتفرك خدها بإيدها.
إسماعيل، بصوت مخنوق: أنا مش مصدق إنك تعملي فيا كده يا راندا... أنا مش مصدق!
عزام، وهو بيشدّه بعيد عنها: طب اهدا واسمعني! الضرب مش هيغيّر اللي حصل. خلينا نخلص الموضوع ده من غير ما الدنيا تقلب أكتر.
بعدها لف عزام ناحية معتز، اللي كان واقف ساكت، بيراقب كل اللي بيحصل بملامح جامدة :بص يا ابني، أنا مش هقولك سامحها ولا هطلب منك ترجع لها غصب عنك. بس خلّصوا الموضوع بعقل، وكل واحد ياخد حقه.
معتز، وهو بيعدل ساعة إيده ببرود: متقلقش يا بابا. هكلم المحامي وأتابع إجراءات توثيق الطلاق وتسوية الحقوق. أنا مش عايز مشاكل، وكل اللي عايزه إن الموضوع يخلص، وميبقاش فيه أي حاجة تربطني بيها بعد كده.
عزام، بتنهد حزين: عمري ما كنت أتمنى أشوفكوا بتوصلوا لكده يا معتز، بس طالما الثقة راحت، محدش يقدر يجبرك تكمل.
معتز، وهو بيبص له بنظرة باردة: الثقة لما بتتكسر يا بابا، مش بترجع بكلمتين حلوين واعتذار. فيه حاجات بتتغير جوا الواحد، ومهما حصل مش بترجع زي الأول.
لف معتز ناحية عمه إسماعيل، اللي كان لسه واقف مصدوم من التسجيل.
معتز: أنا عارف إنها بنتك، وعارف إن اللي سمعته مش سهل عليك. وعشان كده جيت وواجهتك بنفسي. بس أتمنى متطلبش مني أعيش معاها بعد اللي حصل.
إسماعيل، بصوت حزين وهو بيهز راسه: مش هطلب منك يا معتز، ومش هبرر اللي عملته. اللي سمعته كفاية أفهم إنك اتظلمت. بس كنت أتمنى إنها تكون صريحة معاك من الأول بدل ما توصلنا لكده.
كانت راندا واقفة بتترعش، وعينيها بتتنقل بينهم، وكل محاولاتها للدفاع عن نفسها انهارت. وفجأة رفعت راسها، كأنها افتكرت حاجة ممكن تغيّر الموقف كله.
راندا، بتردد وخوف: استنوا... فيه حاجة لازم تعرفوها.
معتز بص لها بضيق، بينما عزام سألها بقلق: إيه تاني يا راندا؟
حطت راندا إيدها على بطنها، وبصت لمعتز والدموع مالية عينيها.
راندا، بصوت مرتعش: أنا حامل... حامل من معتز.
ساد الصمت المكان كله وإسماعيل وقف مكانه مش مصدق، وعزام بص لابنه بذهول، أما معتز فاتجمدت ملامحه تمامًا، وكأن الكلام اللي سمعه سحبه فجأة من كل أفكاره.
معتز، بصوت منخفض وتقيل: إنتي قولتي إيه؟
راندا، وهي بتعيط: أنا حامل يا معتز... والله العظيم حامل منك. وووووو
شكرا لزيارتكم عالم روايات سكيرهوم
