رواية فرصه ثانيه الفصل الرابع
دلفت دينا إلي غرفتها، فوجدت رحمة جالسة على مكتبها و امامها الكتب تنظر اليها بشرود، اقتربت منها و تفحصتها لثوانٍ، واردفت:
- مالك يا بت يا رحمة
فاقت من شرودها،و رفعت نظرها اليها، و تمتمت:
- مافيش يا دينا
وضعت يدها علي كتفها تربت عليها بحنان، واعادت عليها سؤالها:
- مالك بس يا رحومة ايه الي مضايقك
امتلأت عينيها بالدموع و قالت بصوت مرتعش:
- حسام
جلست دينا علي المقعد المجاور، و قالت تحثها علي الحديث:
- ماله حمص الشمام
نظرت الي سقف الغرفة تمنع نفسها من البكاء، زفرت بقوة، و اعادت نظرها الي دينا و همست:
- شوفته امبارح علي السطوح و كان تعبان، و كان نفسي اطمن عليه و اشوفه لكن مشوفتهوش النهاارده
مصمصت شفتيها بسخريه، و أردفت:
- واقف ياختي علي الناصية زي القرد مع شويه الصيع بيقضيلهم
تنهدت بضيق، هزت دينا رأسها بقلة حيلة، و تابعت حديثها:
- طالما بتحبيه و هتموتي عليه كدا، لما اتقدملك بدل المره اتنين رفضتيه ليه، ابوكي و امك ولا في دماغهم حاجة لو كنتي وافقتي مكنوش هيقولولك انتي بتعملي ايه
قالت رحمة بنحيب:
- انا رفضته عشان بحبه يا دينا، حسام مش كدا، حسام نضيف من جوا، و عايز دافع و مساعدة، عشان يرجع زي ما كان
أجهشت في البكاء، لتقترب منها دينا و تأخذها في عناق حنون، اخذت تربت عليها، ورحمة تنتحب بشدة، مرت دقائق حتى هدأت رحمه تماماً، ابتعدت عنها رحمة و علي وجهها ابتسامة حزينه، نظرت لها دينا بشفقة علي حالها، و قالت:
- احسن؟
أومأت لها و هي تربت علي يدها، و قالت بخفوت:
- روحي انتي غيري هدومك و كلي، نكدت عليكي و انتي لسه جايه من برا
لكزتها دينا محاولة التخفيف عنها و قالت بمزاح:
- يارب يطمر بس
لتكمل:
- رايحين انا وامك مشوار كدا علطول و راجعين
- ماشي يا حبيبتي، خلوا بالكو من بعض، وانا هكمل مذاكره
ليأتي صوت والدتهم من الخارج وهي تنادي علي دينا، فقالت دينا:
- اجبلك حاجه وانا جايه
هزت رحمة رأسها بالرفض، فقالت دينا تسألها مره اخري:
- اجبلك حمص وانا جايه طب تطمني عليه
لتضحك رحمة علي مزاحها، اخذت دينا حقيبتها، و اردفت وهي تضحك:
- طب انا هروح بقي عشان امك متجيش تصوت
ومن ثم غادرت الغرفة، و بينما رحمة انكبت علي كتبها تحاول تجميع تركيزها
_____________________________
دلفت ملك إلي منزلها بإرهاق، فكان يوماً طويلاً و متعب للغاية، بحثت عن والدها لتجده في غرفته، دقت الباب و قالت :
- بابا انت هنا
لتسمع صوته مجيباً عليها:
- ادخلي يا حبيبتي
دلفت ملك بابتسامة صغيرة،وجدته يجلس علي المقعد ،اقتربت منه تعانقه، قائلة:
- عامل ايه يا بابا، وحشتني
ربت عليها، قائلا بحنان:
- وانتي كمان يا حبيبة بابا
ابتعدت عنه، لتقول متسائلة:
- جاي من الشغل بقالك كتير ولا ايه
هز رأسه بالنفي، و تمتم:
- لا يا ملوكه لسه جاي و هموت و انام
- مش هتاكل قبل ما تنام
لينهض من المقعد، واقترب منها يقبل رأسها، واردف:
- انا كنت في عشا شغل من شوية و لسه جاي، يدوبك اخد الدوا و انام
لتردف وهي تمد شفتيها السفلى بعبوس مصطنع:
- يعني ايه هتعشي لوحدي
ضحك علي وجهها و قال:
- لا طبعا، هقعد معاكي افتح نفسك
لتبتسم بسعاده و قالت سريعا:
- حلو اوي انا هروح اغير علطول و اجي اشوف هاكل ايه
لتتركه و تتجه الي غرفتها، وضعت حقيبتها في الخزانة، و ملابسها في سلة الملابس المتسخة، ارتدت بيجامه قطنية رمادية بها خطوط بيضاء، و اتجهت الي المطبخ وهي تعقص شعرها كعكة، فتحت الثلاجة لتخرج المكونات التي تحتاجها لصنع عشاء خفيف، ولم يأخذ الكثير في تحضيره، لتاخذه و تتجه الي والدها الذي كان ينتظرها في غرفة المعيشه وهو يتثاءب، وفور ان رآها ابتسم و قال:
- ايه الروايح الحلوه دي
لتجيبه بثقه:
- انا احسن واحدة تعمل بيض بالبسطرمه بدون منازع
ليضحك علي حديثها الواثق و قال:
- طبعا هو في اشطر من بنتي
ابتسمت علي إطرائه لها و اقتربت منه و جلست بجانبه، و قالت وهي تأكل الطعام:
- عملت ايه النهارده بقي احكيلي
قص عليها يومه وهو يتثاءب بين الحين والاخر و كانت هي تسمعه و هي تأكل طعامها بنهم، لتعقب عليه :
- يعني خصمت له يومين عشان دخن في معاد غير معاد الاستراحه
أومأ لها و قال مؤكدًا:
- ايوا طبعا النظام نظام و هو مش قديم، و معروفه ممنوع تدخن في وقت الشغل
لتقول مازحه:
- ده انت قلبك قاسي او.....
ليقطع حديثها رنين هاتفها، ليكن المتصل نهي، لتنفض يدها قائلة:
- دي نهى
لينهض قائلا:
- اااه انا اسيبك انتي وهي ترغوا للصبح وانا هدخل انام بقي، تصبحي على خير
لتمسك هاتفها و تجيبه:
- وانت من اهله يا حبيبي
وفور ان سمع جملتها انطلق سريعاً نحو غرفته للنوم، لتضحك عليه وهي تضغط علي الهاتف لتفتح المكالمة، وضعت الهاتف علي اذنها و قالت:
- عاملة ايه يا نينو
اجابتها نهى:
- كويسه الحمدلله، انتي ايه الاخبار
سندت الهاتف بكتفها و قالت متأهبة للوقوف:
- بخير الحمدلله، كنت بتعشى
- بالهنا يا ملوكه، اه صحيح
قالت وهي متجهة الي المطبخ لتضع الصحن في الحوض:
- ايه يا حبيبتي
و قالت نهى بنبره سريعه:
- انا قولت لماما انك جايه بكرا انتي و عمو و ماهر
هتفت ملك بعيون متسعه اثر صدمتها:
- نعم ياختي
قالت نهى تبرر فعلتها:
- ايوا انتوا وحشتونا و مشفنكوش بقالنا كتير فا انا قولت نتجمع بقي
كانت تسير متجه الي غرفتها، قالت لها بضيق:
- انتي اتجننتي يا نهى بجد، اجبلك ماهر منين يعني، و بابا و معرفش جدوله بيمشي ازاي، وانا عندي شغل، قولتلك هظبط يوم و اجى نقعد سوا
تمتمت نهى:
- يووه بقي يا ملك يعني الحق عليا عشان عايزانا نتجمع
لتجيبها موضحة:
- لا الحق عليكي عشان ديما بتدبسيني
حكت نهى رأسها و قالت تشجعها:
- ماهر و هتعرفي تقنعيه و عمو برضو كذلك، و شغلك خلصيه بدري بقي
زفرت ملك بضيق لتقول لها :
- نهى غوري يا نهى نامي ولا شوفي جوزك
قالت نهى تحاول ان تخفف ضيقها:
- انا عارفه انك هتحليها و هتخلينا نقعد قعده عائلية زي ما بتمني
لتجيبها بضيق:
- زي ما بتتمني!!!! انتي مستفزة يا بت، روحي عشان ماقفلش في وشك السكه
لتكتم نهى ضحكتها لكي لا تغضبها اكثر لتقول:
- تصبحي علي خير يا ملوكه يا احلي بنت خالة في الدنيا
- وانتي من اهله يا نهى
لتغلق الهاتف، و من ثم جلست علي مقعد الكتب تفكر ماذا سوف تفعل، فان لم يذهبوا جميعا، سوف تحزن خالتها فهي تكره ان لا يفي احد بوعوده و من وجهة نظرها هم وعدوها بسبب حديث نهى، و من بعد وفاة والدتها وهي لا تحب ان تحزن خالتها فقد اخذت دور الام في حياة ملك و اهتمت بها و بشؤونها، تنهدت بشرود و تهأبت للذهاب الي المرحاض لكي تقوم بطقوسها الليلية
______________________________
وفي مشهد موازي، كان حسين يجلس بجانب سوسن يطمئن عليها و يحثها علي الطعام:
- يلا بقي يا طنط سوسن ده انا مكلتش حلو وجبت الأكل ده عشان نتعشى انا وانتي
مد يده بقطعة من الدجاج المقلي، لتأخذها منه و تأكلها بدون شهية، و قالت:
- والله يا حسين ما قادره، كفاية كدا انا كلت كتير
ليشير للطعام باستنكار و قال:
- فين ده الي أكلتي يا طنط، ده انتي مكملتيش ورك الفرخه
كانت تشاهدهم نسمة بأندهاش لما يفعله حسين، يطعم والدتها و بيده، لو لم تشاهده بعينيها و قال لها احدهم لم تكن تصدقه مهما حدث، تنحنحت وهي تنهض :
- يلا يا ماما خلصي اكلك علي ما اجيب الدوا و اعمل الشاي
نظرت لها والدتها، وهي تضم شفتيها بضيق، فقد اكلت كثيراً، و الضغط عليها يزعجها، لتنظر الي حسين بجديه لتقول:
- انا كلت خلاص يا بني علي قد نفسي كفايه كدا
مد يده بقطعه اخري من الدجاج و اردف:
- اخر حته و خلاص
لتأخذها منه و تأكلها بضيق، نظر لها برضا و لملم الطعام، ثم التفت ينظر لها و قال بجدية يشوبها الحنان:
- انا عارف ان يحيى مش موجود، فلو احتاجتوا اي حاجه انا موجود، ودي مش عزومه حضرتك عارفه غلاوتك عندي
ربتت عليه و اردفت:
- عارفه يا حسين و انت في مقام يحيى ربنا يرجعه بالسلامه، اهم حاجه عندي ان نسمه و أنس يكونوا بخير
اجفل عند ذكر نسمة ليقول:
- نسمة و أنس في عيني يا طنط
نظرت الي السماء تدعو لهم:
- ربنا يهدي سركوا و يحل مشاكلكو يا بني
نظر لها و قال بقله حيله:
- دعواتك، لاني مبقتش مستحمل الوضع ده
هزت رأسها بعدم رضا و قالت:
- الكلمه الحلوه بتلين الحجر، و دماغ الست لما تبقي زعلانه بتبقي زي الحجز، كلمتين حلوين منك هيصلحوا الدنيا و الي بينكوا مش مشكلة كبيرة، الي بينكوا شوية خلافات
لتكمل وهي تشير علي الغرفه النائم بها أنس:
- وفي عيل، لازم يتربي بين ابوه و امه مش طول الاسبوع عند امه و في اخره عند ابوه
تنهد و هو يستمع الي حديثها فكلامها صحيح تماماً و قال:
- بحاول، دعواتك.....
قطع حديثهم دخول نسمه و بيدها صينية الشاي و الماء، وضعتهم علي الطاولة، ثم اخرجت الدواء من جيبها و اعطته لوالدتها و معه الماء، اخذته منها سوسن و تناولته، لتقول نسمه:
- بالشفا ان شاء الله
ابتسمت لها سوسن بوهن، جلست بجانبها نسمة وهي تربت عليها، تأهب حسين ليغادر فقال:
- طيب هقوم انا بقي عشان الوقت اتأخر
لتشير سوسن علي الشاي، قائلة:
- اشرب الشاي يا بني
نهض و هو يهندم ملابسه، و قال:
- مرة تانيه، يلا سلام عليكم
اتجه الي الباب لتتبعه نسمة و سألته بخفوت:
- اجبلك أنس ؟
اجابها بالرفض قائلا:
- لا لا خليه نايم كدا كدا كنت هجيبه بكرا عشان المدرسه، وكمان يومي بكرا مليان شغل
أومأت بصمت، و جلس يرتدي حذائه، ليرفع نظره لها و اردف:
-هو في مانع لو اتغديت بكرا معاكوا هنا
أشارت الي الارضية بمعني المنزل و قالت بأستنكار:
- هنا معانا
- ايوا
لتضحك بسخريه و قالت:
- و ده من امتي إن شاء الله
نهضت بعد ان ارتدي حذاءه، ليقول ببساطه:
- من بكرا
ليعود عليها السؤال:
-هاا ينفع؟
هزت رأسها بالموافقة:
- تمام هنستناك علي الغدا
ابتسم برضا و قال :
- تمام اشوفك بكرا تصبحي علي خير
- وانت من اهله
ليتجه الي الخارج مغادراً، لتغلق الباب من خلفه و تذهب الي سوسن و علامات الدهشه علي وجهها، لتسألها سوسن:
- في حاجه ولا ايه
اجابتها نسمة :
- حسين عايز يتغدي معانا بكرا
- ينور، هتعمليلنا ايه بقي بكرا
عقدت نسمه حاجبيها و قالت:
- ينور و اعملكو اكل ايه، هو انتو اتحولتوا ولا ايه
قالت سوسن برزانة:
- طالما بيفتح صفحة جديده و بيتغير يبقي نساعده مش نهاجمه و نستغربه يا نسمة، وهو لسه بيحبك و شاريكي،و انتي كمان بتحبيه يبقي ليه مندهوش فرصة
هدرت نسمة بانفعال:
- انا مش بحبه ولا عمري حبيته
نهضت سوسن من علي الاريكه و قالت:
- توقعت ردة فعلك دي بنتي و حفظاكي، هتفضلي تنكري وتهربي لحد ما فجأة كل حاجه تضيع من ايدك و تقول ياريت الي جرى ما كان ، انا داخله انام
توجهت الي غرفتها و تركتها بمفردها، غارقه في أفكارها، لا تعلم ما الصحيح، تخشى ان يكون تغير حسين ماهو إلا بفخ و من ثم يعود الي طبيعته و تجد نفسها مرة اخرى وحيده بدونه و بدون اهتمامه بها و بتفاصيلها كما كان يفعل سابقاً، ظلت علي حالها لبرهه، انتبهت علي نفسها و نهضت متجه الي غرفتها تبدل ملابسها بأخرى مريحة و تنام بجوار صغيرها
______________________________
صباح يوم جديد، تململت ملك علي فراشها اثر صوت المنبه، مدت يدها بانزعاج و كسل لتقوم بإغلاقه، فتحت عينيها نصف فتحة بكسل، فالشعور بالنعاس يغلبها، أزاحت الغطاء، و نهضت بتثاقل حكت شعرها و هي تتثاءب، ارتدت خفها و اتجهت الي المرحاض لتقوم بطقوسها الصباحية، ثم اتجهت الي شرفتها و فتحتها و فور ان رأت أزهارها، ارتسمت ابتسامه ناعمه علي وجهها، اقتربت و اخذت سقاية الزرع و بدأت تروي ازهارها، وبعد ان انتهت، ملأت الصحن الذي خصصته للطيور، دلفت الي الغرفة لتأتي بحبوب تطعم بها الطيور، رجعت الي الشرفه و صبت الحبوب في المكان الذي خصصته لطعامهم، ابتعدت قليلاً و ابتسمت برضا عندما رأت الطيور تقترب لتأكل، التقطت هاتفها، و ضغطت علي زر الاتصال لرقم ماهر اخيها، و انتظرت اجابته لكن لم يرد عليها، زفرت بضيق، و تركت الهاتف و اتجهت الي الخارج لكي تعد الفطار، لتجد والدها مستيقظ يحتسي القهوه، و بيده الحاسوب اللوحي، لتقول بلطف:
- صباح الخير يا بابا
نظر لها عادل و ابتسم ابتسامه صغيره و قال:
- صباح الخير يا ملك
اتجهت الي المطبخ و قالت بهتاف:
- انا هعمل فطار و هتفطر معايا
هز رأسه بنفاد صبر و ابتسم علي تلك الصغيرة، بينما هي كانت تعد فطورها المفضل و الذي هو عبارة عن بيض بالبسطرمه، و بجانبه مشروبها المفضل الشاي بنكهة التوت، بعد ان انتهت من صنع البيت ووضعتها في شطائر و اتجهت الي والدها، الذي شم رائحه البيض من علي بعد ليقول:
- الله علي ريحه البيض بالبسطرمه
لتبتسم باتساع علي مدحه، جلست بجانبه و وضعت الصحن و كوب الشاي علي الطاوله، ثم قدمت له شطيره لتقول:
- بالهنا يا بابا
أخذ منها الشطيره ، قال و هو يأخذ قضمة:
- انا بفطر عشان خاطرك بس انتي عارفه اني مبحبش اكل حاجه الصبح
لتأخذ شطيره هي الاخري و تعقب علي حديثه:
- يا حبيبي غلط القهوه بس علي الصبح لازم تاكل حاجه، و بعدين انا مش هتقل عليك هو الساندوتش ده بس لكن عندي طلب
نظر لها بطرف عينه ليقول متسائلاً:
- وايه هو ياترى
تمتمت سريعاً:
- النهارده خالتو ناهد عزمانا علي الغدا انا وانت وماهر
ليبتسم بسخريه فور ان سمع اسم ماهر:
- ماهر
ليكمل:
- و ماهر ده اخر مره شوفناه كانت إمتي
نظرت الي الارض لا تعلم ماذا تجيبه فهي تعلم ان خلف سخريته تلك حزن كبير من ولده، تنهدت و قالت:
- انا هكلمه وان شاء الله هيجي
عم الصمت، كانوا يتناولون الطعام، و فور ان انتهى عادل، اخذ منديل يمسح يده و امسك كوب القهوه يرتشفه حتي النهايه، و نهض وهو يغلق زر بدلته و قال:
- انا ماشي، و هاجي عند ناهد علي معاد الغدا
لوحت له و قد رسمت ابتسامه صغيره، و قالت:
- باي باي يا بابا
اجابها وهو يرحل متجه الي الخارج:
- باي
و من ثم سمعت صوت الباب يغلق، تنهدت بقله حيله، امسكت كوب الشاي، ترتشف منه وهي تفكر كيف تأتي ب ماهر فإذا لم يأت سوف تتسع الفجوة بينه و بين والده، و يجب ان تقربهم من بعضهم و تصلح الخلاف، نهضت و قد اخذت الصحن معها لكي تضعه في المطبخ، و اتجهت الي غرفتها لكي ترتدي ملابسها و تتجه الي عملها
_______________________
دلف نهى و امير الي المشفي ممسكين بيد بعضهما، كانوا يتحدثون و يضحكون بخفوت، بينما وقعت عليهم عيون دينا التي كانت تسير في هذا الممر متجه الي غرفة احد المرضى، توقفت تنظر الي نهى بغيظ و أثناء مراقبتها لهم انتبهت إلي الوشاح الذي تربطه نهى علي رقبتها، لتبتسم بخبث، ثم اتجهت الي وجهتها وهي تفكر كيف ستحصل عليه
______________________________
دلفت ملك الي المصحه بإشراقها المعتاد المصحوب بصوت حذاؤها ذي الكعب العالي، اتجهت الي مكتبها، لتدخله بهدوء، وضعت حقيبتها السوداء علي الطاولة، ثم جلست علي المقعد، تنظر الي ملفات المرضى و تدون بعض الاشياء، لتسمع طرقاً تعرفه جيداً، لتسمح بالدخول، لتكون ريهام التى قالت بصوت عذب:
- صباح الخير يا دكتورة ملك
رفعت نظرها عن الملفات و نظرت لها و قالت:
- صباح الخير يا ريهام، عامله ايه النهارده
اجابتها ريهام مبتسمه:
- بخير الحمدلله، واتمني تكوني بخير
- بخير الحمدلله، هاا قوليلي بقى في ايه النهارده
فتحت الجهاز اللوحي، و نظرت له سريعا و قالت:
- جلسات مياده و اياد الجماعيه مع دكتور وليد خلصت حضرتك هترجعي للجلسات الفردية معاهم تاني النهارده دى حسب الخطة العلاجيه
أومأت لها بتفهم و قالت :
- و نسرين ؟
- نسرين، حالتها فيها تحسن طفيف خالص لاحظه احمد و بلغني بيه فا كتبته عشان ابلغه لحضرتك هي فطرت النهارده مع بقية زمايلها و اتأكدنا انها اخدت الدوا
- و يحيى
نظرت الي الجهاز اللوحي و قالت:
- يحيى حالته زي ماهي يعتبر لسه وجباته بترحله الاوضه زي ما حضرتك قولتي و بياخد ادويته
اومأت لها، وهي تنهض ترتدي البالطو الطبي ، و تساءلت:
- اياد في الاوضه؟
- لا اعتقد لسه شيفاه في الجنينه
اخرجت شعرها البني الطويل من البالطو و رفعته علي هيئه ذيل حصان و اتجهت الي الخارج بعد ان اخذت دفترها، قائله:
- شكرا يا ريهام
اجابتها وهي متجه الي الخارج معها:
- العفو يا دكتورة ملك
اتجهت ملك الي الحديقه تبحث عن إياد، لتجده يجلس بمفرده مغلق عينيه يستمتع بعبير الهواء، لتجلس بجانبه، فتح إياد عينيه و نظر بجانبه بعد ان شعر باحد يجلس علي المقعد، لتقول ملك بابتسامتها المعهودة:
- صباح الخير يا إياد
اجابها بخفوت:
- صباح الخير يا دكتورة ملك
- ايه الاخبار، طمني عليك
- الحمدلله كويس، حضرتك عامله ايه بقالك كام يوم مخليه دكتورة نرمين الي بتدينا الجلسات
ليقول مازحا:
- انتي زهقتي منى ولا ايه
ابتسم علي أثر جملته، لتجيبه:
- لا طبعا يا إياد، لكن الجلسات الجماعيه دي من ضمن خطة العلاج، عشان تعرف ان الي حصلك بيحصل لمعظم الناس، و متخافش او تتكسف انك تحكي ازمتك عشان ممكن تفيد حد بتجربتك، وبعد ما تخرج من هنا بيبقي في جلسات زي دي كتير هتفيدك و ممكن تلحقك لو كان هيحصلك اي انتكاسة
ابتسم بمراره و قال:
- انتكاسه، انا لو حصلي انتكاسه يا دكتورة ملك مش هعرف اكمل انا لا يمكن اعيش الي عيشته ده تاني ولا اعيشه لمراتي ولا ولادي
ليضيف بتأثر:
- ولادي لحد دلوقتي بيخافوا مني، لما بيجوا زياره بيبقوا
جايين مغصوبين و مرعوبين، ده حتى مش بيحبوا يتكلموا معايا في التلفون
تنهد تنهيده طويله و قال:
- عارفه يادكتورة لو مكنتش مراتي بتحبني و بنت اصول انا كان زماني ميت دلوقتي....
كانت ملك تستمع له وهو يروي لها اشياء سمعتها منه في احدى الجلسات لكن كانت تستمع له بتركيز شديد فمعني انه يعيده عليها، ان الامر يخنقه ولا يعرف كيف يحله، تركته يدلو بدلوه، ثم قالت تبث الطمأنينه في نفسه:
- بص يا إياد معني انك عندك دافع انك تصلح كل ده يبقي هتعرف تصلحه، لكن الامور محتاجه وقت، ان ولادك يرجعوا يحبوك تاني و ميخافوش منك تاني محتاجه وقت لكن مش كبير لانهم لسه صغيرين فالموضوع هيبقي سهل عليك شويه، و كمام بمساعده من والدتهم الامر هيتحل، و انا موجوده لو احتاجت اي حاجه
نظر لها و عينيه تفيض منها الامتنان و قال:
- انا بشكر حضرتك بجد علي طول فتره وقوفك جنبي لحد ما عديت المرحله دي و رجعت لنفسي
ابتسمت له ابتسامه صغيره و قالت:
- العفو يا إياد ده واجبي
ليقول متسائلا:
- هو انا المفروض هطلع أمتي
لتجيبه ملك:
- كام يوم هنعمل شويو اجراءات بس و يبقي تمام كدا ، و نتأكد ان حالتك مستقره
ابتسم بسعاده ليقول:
- الحمدلله، انا مبسوط اوي اني خلاص خفيت من القرف ده، وهرجع لبيتي و عيالي و اعوضهم عن كل الوحش الي شافه مني....
- حمدلله علي سلامتك يا إياد، لكن زي ما قولتلك تحافظ علي الجلسات الجماعيه، و كمان هيبقي في جلسات فردية
اومأ برأسه و قال:
- اكيد يا دكتورة
لتنهض من المقعد و تقول:
- كنت مبسوطه اوي يا إياد اني كنت دكتورتك طول فتره علاجك، و بتمني تكون حياتك الجايه كلها انجازات
وقف امامها إياد و قال :
- انا الي مبسوط و شكرا لحضرتك مرة تانيه
- العفو
لوحت له بعفويه، ليبادلها التلويح و تتركه متجهة الي مكتبها، دلفت و عيونها عالقه بها الدموع، فهذا حالها عندما يتم شفاء احد المرضى علي يدها و يكون وقت الوداع قد حان، فتلك الدموع ماهى الا دموع الفرحه ممزوجه بالفخر من انجاز حققته هي و المريض في رحله العلاج، اخذت ملف إياد من الدرج و قرأته بعيون دامعه و فم مبتسم، ليقطع لحظتها الخاصه رنين هاتفها باسم " my brother " ، سحبت طرف عينيها الي الوراء لتمنع نزول دموعها و امسكت هاتفها لتجيب بنبره تملؤها الاشتياق:
- عامل ايه يا ماهر
اجابها بروتينية:
- الحمدلله، انتي عامله ايه
اجابته بنفس النبره :
- الحمدلله، انت طمني عليك واحشني اوي
- انا كويس الحمدلله، وانتي كمان وحشاني
كان يجيبها وهو يتفحص احد الملفات، لتقول له:
- عايزه اشوفك يا ماهر
اجابها برتابة:
- وانا بجد يا ملك لكن مش فاضي خالص
زفرت بضيق فهي تعلم ان تلك اجابته، لكن اردفت بنبرة هادئه:
- كلنا متجمعين النهارده عند خالتو ناهد، تعالي واهو فرصه نشوفك كلنا
صمت لثوان ثم قال:
- هشوف يا ملك ان شاء الله
ابتسمت و قالت بمزاح لتخفيف الاجواء:
- مافيش هشوف هتيجي يعني هتيجي
ليقول بتساءل:
- بابا هيبقي موجود
اردفت بتلاعب:
- لا مظنش عليه شغل
هز رأسه بتفهم و قال :
- طيب يا ملك هشوف كدا لو خلصت شغلي بدري هاجي
- تمام يا حبيبي هنستناك
تنهد ببطء علي اصرارها ليقول:
- هقفل بقي عشان عليا شغل
- اوكي، سلام
-سلام
اغلقت الهاتف، و نهضت متجه الي الخارج لكي تطمئن علي يحيى، و تبدأ جلستها معه، وقفت امام الباب و طرقت، سمعت صوته من الداخل يسمح لها بالدخول، دلفت و علي وجهها ابتسامتها الهادئه، لتقول :
- مساء الخير يا يحيى
كان يجلس علي الفراش و التعب و الارهاق متمكنان منه، فتمتم بخفوت:
- مساء الخير
جلست علي المقعد المجاور للفراش و بيدها دفترها و القلم، كان الشعور بالشفقه و الفضول مسيطرين عليها، نظرت له بترقب و قالت:
- حاسه انك النهارده تعبان اوي
اجابها بخفوت:
- جسمي كله واجعني
وفور ان انتهى من جملته، شعر برغبة بالقىء فنهض سريعا الي المرحاض ، كانت تنتظره هي بالخارج بقلق، و بعد دقائق خرج من المرحاض و علامات الارهاق جالية علي وجهه، جلس علي الفراش مره اخرى، يأن بألم، كانت تتفحصه بحزن، لتتجه الي الخارج ثم تعود بعد ثوان، و اردفت:
- يحيى انا عارفه ان الالم صعب جدا، لكن لازم تتحمل عشان تبقي احسن
اردف من بين اسنانه:
- انا مش عايز ابقي احسن انا عايز اضرب، انا عايز البودره الي بتنيل اخدها
كان ينظر لها بوجه متعرق و عيون حمراء، كادت ان تجيبه، لكن قاطعها دخول الممرضة بكوب من الاعشاب الساخنه، وضعتها علي الكومود بجانب الفراش و قالت:
- اتفضلي يا دكتورة ملك الاعشاب زي ما طلبتي
شكرتها ملك، و انتظرت حتى ترحل الممرضة، و اتجهت الي الكوب، اخذته و مدته له، لينظر الي الكوب ثم يضربه من يدها و قال بعصبيه:
- انا مش عايز زفت، انا عايز اخرج من هنا
حاولت اخفاء علامات الالم من قطرات الاعشاب الساخنة التي وقعت علي يدها، مسحتهما علي الفور و هي تبعد نظرها عنه، لاحظ انكماش ملامحها ، نظر لها معقود الحاجبين، ليقع نظره علي يدها التي تمسكها، ليستجمع في عقله ما بها، فأخذ يتمتم وهو يحوم بأرجاء الغرفه و عقله يعيد له مشهد والدته:
- انا عملت ايه..انا بعمل ايه
اخذ يكرر تلك الجملة وهو يدور حول نفسه في الغرفه، و ملك كانت تحاول تهدئته لكن لم يكن يستجيب، ليفيق من تلك الدوامة فور ان لامست كتفه، لينظر الي يدها، امسكها من معصمها و اتجه بها الي المرحاض، سألته بقلق تحاول السيطره عليه:
- في ايه يا يحيى
لم يجبها، دلف بها و فتح صنبور المياه ووضع يدها تحته، و قال:
- خليها تحت المايه شويه
انهى جملته و تركها و غادر، جلس في الزاويه، و الدمع ينزل من عينيه، يلعن ضعفه الذي جعله يتناول تلك المادة التي تجعله يؤذي من حوله
