رواية السم في العسل الفصل الرابع
ــ عيب بجد يا أستاذة، الله يعين جوزك إنه كان قادر يتحمل كل الصراخ ده .
ــ أنا فين؟ أنا مش مجنونة زي ما هو بيقول، يا دكتور أنا مش مجنونة زي ما هو بيقول، صدقني بيكدب.
حسيت بصورة فؤاد على الحيطة وبتكبر وهو بيضحك بطريقة تخوف..
رجعت لورا على سريري بخوف وأنا بطلب منهم يلحقوني منه .
بعد ما هديت ملقتش حد معايا، قعدت أعيط، حاسة إنه كتير، ليه يعمل فيا كده؟
فضلت أصرخ من التعب والصداع وإحساس إن درجة الحرارتي عالية، دخلت الممرضة فقولت لها:
ــ أنا مش مجنونة صدقيني، هو.... هو اللي عمل فيا كل ده، أنا ملييش ذنب، أنا في كامل قوتي العقلية والله.
كان معاها علبة حبوب، طلعت منها حبة وإديتهالي وقالت:
ــ معلش هو الموضوع صعب شوية بس أنتِ هنا علشان تبقي أحسن.
ابتسمت وقالت:
ــ بس شكل جوزك بيحبك قوي.
سكت وبصيت لها بأسى فهي كملت:
ــ فضل واقف شوية لما دخلوكي هنا وأنتِ نايمة وباين عليه الزعل.
دموع القهر نزلت وقولت:
ــ جوزي هو اللي جابني هنا, أنا كنت كويسة، فجأة بدأت أحس بأعراض غريبة عليا من كام شهر.
قعدت على كرسي جنبي وسألتني:
ــ زي إيه الأعراض دي؟
ــ بشوف حاجات مش موجودة، واسمع أصوات مش حقيقية, والصداع على طول ملازمني، وممكن أشوف الحاجة ضخمة وهي حجمها عادي، أو أشوفها طائرة.
بصت بانتباه وسألتني بعد ما دونت حاجة في نوت معاها:
ــ طيب بتأخدي أي علاج؟
نفيت برأسي وقولت لها:
ــ لاء، مش بأخد أي حاجة.
ــ بتدخني؟
ــ أنتِ بتقولي إيه؟؟! أنا مش بطيق ريحة أي حاجة من القرف ده, وعيب وحرام.
قربت منها وقولت بصوت واطي:
ــ جوزي هو اللي بيشرب كل حاجة،مدمن مخدر.ات وبيدخن .
سكتت فأنا كملت:
ــ وبيمثل على الكل إنه مثل أعلى وهو إنسان دنيء.
ــ أنتِ شوفتي حقيقته؟
ــ محدش يعرف غيري.
طبطبت على إيدي وقالت:
ــ بعد الفحوصات والتحاليل هنشوف إن شاء الله.
خرجت وحسيت إن جسمي همدان فنمت.
مكنش في حد بيدخلي غير الأكل، أسبوعين ومحدش من أهلي جه؟!
مفيش غير الممرضة بتدخل تديني علاجي وتخرج بدون كلام.
فقدت الإحساس بالحياة وبكل حاجة حواليا، حاسة إن الهلاوس زي ما هي، حتى نوم مبقتش عارفة أنام.
كانت جايالي زيارة فـ خرجتني وواحدة من الممرضات الجنينة، كنت مسنودة عليها وخرجت لقيته قاعد وبيشرب سيجارته بكل هدوء وبرود أعصاب.
قعدت على المقعد الكبير اللي هو قاعد عليه بس كنت بعيدة عنه بمسافة.
رمى عُقب السيجارة وداس عليه برجله وبعدين ابتسم وقال:
ــ إيه رأيك؟ مكان موقعة مميز وكله مميزات.
ابتسمت علشان مريحش قلبه وقولت:
ــ طبعاً ده مكان مميز يا ملاك يلي جناحتك دخلت في عيني.
ــ طب حاسبي لأحسن ارفرف بيهم اطرفك.
حطيت رأسي بين إيديا وأنا حاسة بدوار وقولت:
ــ جنونك وخوفك من إني أعرف الكل حقيتك القذ.رة خلاك ترميني هنا يا حقير.. بس والله وقت ما أطلع لأربيك، ولو أنا معرفتش أخد حقي، فمفيش حق بيضيع عند ربنا.
مسكني من خدي وهو بيشده وبيقرص:
ــ هأو, ده لو طلعتي أصلاً، أصل حبايبي كتير هنا خدي بالك، وتزوير الأوراق هنا مفيش أسهل منه.
كنت هادية برغم كل التعب اللي فيا، عايزة أعرف آخره، محتاجة أهدأ وأفكر...
ـــ طيب وأنت مستفيد إيه لما بتعرفي، عايز تقهرني؟ عادي مبقتش فارقة، طالما أنت إنسان مريض إعمل اللي تعمله، ولو انتحرت ولا حتى مُت هنا، هل ربنا هيفضل ساترك كتير؟ أصل الستر بتاع ربنا ده رصيد، مهما فضلت مفكر إنك أذكى واحد علشان محدش شاف قرفك ده غيري، مش هتفضل مستور كتير، أنت عامل زي اللي ربنا قال عنهم ﴿﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ﴾
متهزش.. ولا حتى رمشة عين واحدة منه اتغيرت!
بالعکس، ابتسامته المريضة وسعت أكتر، ورجع ضهره لورا ببرود يرعب، وهو بيصلي بنظراته المستفزة ويهز رجله بثقة كأنه بيكلم واحدة طفلة ومش فاهمة حاجة. بصلي وقال بنبرة ميتة:
ــ كلام جميل يا شيخة.. ابقي قولي الكلمتين دول للمجانين جوة يمكن يعجبهم.
ساعتها بس فهمت.. الإنسان لما بيبتعد عن ربنا للدرجة دي، قلبه بيتحجر لدرجة إن الموعظة مبتلمسوش، بالعكس بتزيده غرور.
مردتش عليه، ومحاولتش أثبتله أي حاجة تاني. كفاية عليّ إني أنا اللي فاهمة وشايفة اللي هو مش شايفه. هو شايف النفوذ والأوراق المزورة والحيطان المقفولة عليّ.. وأنا شايفه هو وهو بيغرق في الفخ اللي بيحفره لنفسه بجهل.
قمت من جنبه ببطء، وجسمي لسه بيميل من الدوار، بس المرة دي كنت ماسكة نفسي. بصيت له بقلة حيلة وأسى على حاله، ومشيت مع الممرضة اللي كانت واقفة بعيد مستنياني.
وأنا راجعة لأوضتي، كانت خطواتي أتقل، بس عقلي لأول مرة من شهور يبدأ يهدأ ويصفى..
فؤاد فاكر إنه حبسني هنا عشان يقهرني أو يتخلص مني، بس هو بغبائه أداني الفرصة الوحيدة اللي كنت محتاجاها:
أبعد عن إيده، د وأبدأ أجمع شتات نفسي.
يمكن مستغرباني، أو مش فاهمة إزاي ربنا أثلج على صدري كده، ومن لما شوفته وفي تغير بدأ يحصل جوايا، وهو إن ربنا عدل، مش بيضيع حق حد، حقي هيرجعلي لحد عندي، إزاي وامتى وفين معرفش، بس أنا فجأة دخلني الشعور ده.
دخلت دكتورة يمكن في أواخر العشرينات، قعدت معايا وإتكلمت فقولت لها:
ــ أنا عندي إيه يا دكتور؟
ــ الدكتور اللي كان مسئول عن حالتك جاتله بعثه أربع شهور وأنا هكون معاكي وبتابع حالتك لحد ما هو يرجع، فـ إحكيلي بقى مالك؟
كانت قاعدة رزينة، بشوشة، ويمكن دي الحاجة اللي خلتني ارتاحلها علشان الدكتور اللي كان قبلها كان مُريب ومش بيتفاهم.
بدأت أحكي لها، فطلبت مني أحكي من البداية خالص، قولت لها بعض الحاجات لأني مش مستعدة أخرج كل اللي جوايا مرة واحدة.
سجلت في الورق اللي معاها شوية حاجات وبعدين قالت:
ــ فرصة سعيدة يا فريدة، بالمناسبة اسمك عسول.
ابتسمت وشكرتها وبعدين خرجت وسابتني، بس قبل ما توصل لعند الباب سألتها:
ــ ممكن يا دكتور ورق وأقلام؟ ينفع حد يجيبلي ألوان؟ أو حتى قلم رصاص وأي ورق؟
ــ بتحبي الرسم؟
ــ دماغي مليانة دوشة وناس كتير بتتكلم، محتاجة أطلع جزء من الدوشة اللي جوة علشان ارتاح ولو حبة صغيرين.
ــ بكرا لما أشوفك في الجنينة بإذن الله.
ــ هو مسموح أصلاً؟
ــ ليه مش مسموح ليه؟ ... ثانية فهمت قصدك، في حالات بتكون صعبة، دي اللي مينفعش يخرجوا علشان هيدمروا ويخربوا كل حاجة.
تماسكت وأنا بقولها:
ــ من وقت ما دخلت هنا والدكتور اللي كان بيجيلي كان آخرها يلقي نظرة ويقعد يقول إني مجنونة ويمشي .
بعد ما مشيت قعدت أفكر، هل هي ممكن تساعدني؟ إفرض كانت متفقة هي كمان معاه.
كنت حاسة إن جسمي تقيل عليا، ومصعب عليا إني أقوم أو حتى أتعدل، هما شوية وقت اللي قعدتهم مع الدكتورة وكنت بتغاضى عن كل دول ده غير الزغللة بس كنت بحاول اضغط على نفسي.
لحد ما خدت قرار ، وهو إني هوقف العلاج اللي بأخده اجباري.
في ممرضة مريبة كانت بتيجي مع الدكتور إياه هي اللي بتديهولي غصب، دخلت هي لوحدها ومعاها العلاج... أو اللي هو المفروض علاج.
ــ مش هترضى تأخديه وهغصبك زي كل يوم؟
ــ لاء هأخده طبعاً...
ــ كويس مش هنرجع نعاني كل يوم.
خدت البرشام وبلعته وبعدين بعد ما طلعت طلب أروح الحمام وروحت استفرغته بقصد.
حسيت إني اتحررت، بس قعدت في الأرض ومعدتي كانت واجعاني ومش قادرة أقوم من مكاني.
بعد وقت كنت خرجت، وكل يوم كنت بعمل كده لمدة عشر أيام لحد ما في مرة اغمى عليا وأنا رايحة للسرير بعد ما رجعت من الحمام بس اغمى عليا وصوت العالم هدأ من حواليا.
ما حسيتش بنفسي غير وأنا بفتح عيني بصعوبة، وشايفة الإضاءة البيضاء القاسية بتاعة الرعاية، وخرطوم المحاليل متوصل في إيدي.
الدكتور كان واقف جنبي، ماسك الأوراق وبيبصلي بنظرة فيها صدمة ويمكن غضب:
ــ حمد الله على السلامة يا فريدة.. طبعاً فاكرة إنك كنتِ أذكى من الممرضة بقالك عشر أيام؟ تحاليل دمك طالعة نسبة الدواء فيها صفر، ونسبة الأملاح والضغط في الحضيض من كتر ما بتجبري نفسك تستفرغي!
كنت حاسة بلساني تقيل، فدورت وشي الناحية التانية بتحدي.. بس الكلمة اللي قالها بعد كده هي اللي خلت قلبي يقف بجد:
ــ بس اللعبة دي انتهت خلاص..
