رواية بين بابين الفصل الخامس
- أنا زعلانة منه، وخايفة يكون زعل مني. الاتنين ينفعوا سوا يا ماما؟
سألتها وأنا قاعدة على الكنبة، والمفاتيح لسه في إيدي. ماما خدتهم من إيدي، وحطتهم جنب شنطتي.
= ينفعوا. بس إنتِ قلتي له إيه؟
- إني مش قادرة أسمعه دلوقتي. حسيت إني ضايقته، رغم إني كنت خايفة منه.
ماما قعدت جنبي.
= إنتِ محتاجة تهدي. لما تقدري تسمعيه، ابقي اسمعيه.
فتحت الموبايل. حمزة مبعتش حاجة. فضلت باصة للشات، وبعدين كتبت: «معلش لو اتكلمت معاك بطريقة ضايقتك».
قبل ما أبعت، قريتها لماما.
= إنتِ شايفة إنك اتكلمتي معاه وحش؟
بصيت للشاشة.
- لأ. أنا بس قلت إني مش قادرة أسمعه.
مسحت الرسالة، وفضلت ماسكة الموبايل.
كريم كان بيقفل المكالمة لما أختلف معاه، ويختفي يومين. أبعت له رسائل كتير، وأفضل أراجع آخر كلامي لحد ما ألاقي حاجة أعتذر عنها. حتى لما يرجع يتكلم عادي، أفضل حريصة طول اليوم، عشان ميتضايقش تاني.
حمزة ممكن يكون سايبلي وقت، زي ما أنا طلبت. بس أنا كنت قاعدة مستنية زعله، ومجهزة اعتذار من قبل ما أعرف هو حاسس بإيه.
ماما قامت تعمل شاي. دخلت وراها، وحطيت الكوبايتين على الصينية. إيدي خبطت في كوبايتها، والشاي وقع على الرخامة.
- يا ماما، خلي بالك من إيدك.
جبت فوطة ومسحت، وهي بعدت الكوباية عن الطرف.
= اقعدي يا وردة. أنا هخلص.
- زودي ميه على كوبايتك. إنتِ بتفضلي صاحية لما الشاي يبقى تقيل.
بصتلي وابتسمت، وأنا رجعت للصالة.
تنبيه الموبايل فكرني بمكالمة رنا. اتصلت، وأول ما ردت سألتها:
- أكلتي؟ ولسه زعلانة من السؤال؟
= أكلت، ونمت شوية. ولسه زعلانة. إنتِ صوتك ماله؟
حكيتلها اللي حصل، وإن حمزة طلع صاحب كريم.
رنا سكتت، وبعدين قالت:
= أنا معرفش حمزة عشان أقولك قصده إيه. بس ليه يسيبك تحكي وهو عارف؟
- أنا خايفة أسمعه وأصدقه عشان نفسي أصدقه.
= يبقى اسمعيه، وخدي وقتك بعد الكلام. مش لازم تقرري في نفس القعدة.
مسحت خدي بطرف المنديل. رنا قالت:
= فيه حاجة كنت عايزة أبعتها لك من ساعة ما رجعت. التقديم على منحة الماجستير فتح تاني.
- أنهي منحة؟
= اللي كنا بنقرا شروطها أول السنة. هبعتلك الإعلان، بصي عليه وإحنا بنتكلم.
فتحت الصورة. البرنامج في مدينة تانية، والمنحة بتغطي الدراسة والسكن. ينفع أقدم وأنا في آخر سنة، وأكمل الورق بعد النتيجة لو اتقبلت.
قريت موعد قفل التقديم: آخر الأسبوع الجاي.
- فاكرة لما كنت كل يوم أقولك هقدم بكرة؟
= فاكرة. ولسه عندي الورق اللي بعتيهولي أراجعه.
افتكرت أول مرة حكيت لكريم عن المنحة. كنا قاعدين في بيتنا، وهو فضل يقلب الموبايل لحد ما سألته رأيه.
= وإحنا هنعمل إيه لما تتخرجي؟ هنبقى متجوزين، ولا كل واحد في مدينة؟
- أنا لسه بسأل. خليني أشوف ينفع أقدم، وبعدين نشوف.
حط الموبايل على الترابيزة.
= يعني من دلوقتي بتخططي تبعدي. وأنا اللي مفروض أستناكي.
يومها قعدت أقنعه إني مش بحاول أبعد، وفي الآخر وعدته إني مش هقدم. لما ماما سألتني عن الموضوع، قلتلها الشروط مش مناسبة.
رجعت لصوت رنا وهي بتسألني:
= وردة، إنتِ معايا؟
- أيوه. أنا كنت عايزاها يا رنا. وقعدت أقنع نفسي إني مش عايزاها، عشان كريم ميزعلش.
= طب اقري الإعلان براحتك. أبعته لك على الإيميل كمان؟
- ابعتيه. والورق اللي عندك، لو لسه موجود.
= موجود. أنا بنسى إجابات، لكن مبمسحش ملفات.
ضحكت، وهي قالت:
= أهو، وحشني صوتك ده.
بعد ما قفلنا، ناديت ماما ووريتها الإعلان.
- أنا كنت كدبت عليكي يوم ما قلت الشروط مش مناسبة. كريم كان مش عايزني أقدم.
بصت للصورة، وبعدين ليا.
= ليه ماقولتيش؟
- مكنتش عايزة تسمعي عنه حاجة وحشة. وكل مرة أسيب حاجة، أقنع نفسي إنها مش مهمة أوي.
ماما خدت الموبايل وقرت، ورجعتهولي.
= تحبي نشوف الورق دلوقتي، ولا تستني بابا يرجع؟
- نشوفه. بس لازم أتكلم مع حمزة الأول. مش عايزة أفضل أفكر هو عارف إيه ومش عارف إيه.
بعتله: «لو فاضي، ينفع نتكلم قدام بابنا؟».
رد إنه فاضي. قلت لماما، وبعد شوية حمزة خبط. فتحت، وماما سلمت عليه من جوه.
- اتفضل.
طلعت كرسيين، وقعدنا قدام بابنا. سيبته موارب، وماما قعدت جوه في الصالة. أنا فضلت ماسكة المنديل، وحمزة حط إيديه على رجليه.
- إنتَ وكريم صحاب من إمتى؟
= من الكلية. بنتقابل من وقت للتاني. مكنتش أعرفك قبل ما تنقلي هنا. يوم العجلة، جت سيرة الجيران الجداد، وعرفت إنك وردة اللي كان خاطبها.
- ولما طلبت تقعد معايا، كنت عارف؟
= لأ. طلبت منك قبل ما أنزل أقابله، فاكرة؟
هزيت راسي. كنت فاكرة، بس محتاجة أسمعه.
حمزة خد نفس.
= فيه حاجة تانية لازم تعرفيها. يومها طلب مني أكلمك عشان ترجعوا لبعض.
إيدي وقفت عن فرك المنديل.
- وإنتَ قلت له إيه؟
= قلت هشوف لو ينفع أكلمك. وقتها كنت فاكر إن فيه خناقة وممكن تتصالحوا. لما قعدنا امبارح وقلتي إنك رفضتي تقابليه، كلمته بعدها وقلت له إني مش هتدخل.
- يعني دخلت القعدة وإنتَ ناوي تفتح موضوعه؟
بصلي.
= أيوه. كنت ناوي أسألك لو تحبي تسمعيه. وبعدين إنتِ اتكلمتي، وأنا سكت.
حطيت المنديل على رجلي. كنت فاكرة إننا قعدنا عشان نتعرف على بعض، وهو كان داخل وعنده كلام يخص كريم.
- أنا لما وريتك الكراسة، كنت مبسوطة. ولما حكيتلك، كنت بقولك حاجة مش بقولها لأي حد. دلوقتي مش عارفة وإنتَ بتسمعني، كنت بتفكر في إيه.
حمزة بص للمنديل اللي على رجلي، وبعدين رفع عينه.
= من حقك تسألي. أنا سمعتك وفهمت إنك مش عايزة ترجعي. بس كان لازم أقولك من الأول، وأقول لك إنه صاحبي. خفت القعدة تخلص، فخبيت.
- إنتَ قلت له حاجة من اللي حكيتها؟
= ماحكيتلوش التفاصيل. قلت له إننا قعدنا، وإنك مش عايزة تقابليه، وإنه ميطلبش مني أتدخل تاني.
بصيت ناحية السلم. كريم كان عارف إننا قعدنا، وأنا مكنتش أعرف إن حمزة اتكلم معاه أصلا. فضلت لحد النهارده فاكرة إن القعدة تخصنا إحنا بس.
رجعت بصيت له. امبارح كنت بتكسف لما عيني تيجي في عينه. النهارده كنت بحاول أعرف إذا كان فيه حاجة تانية لسه مخبيها عني.
مشمش خرج من الكرتونة، وحط رجليه على ركبتي. شلت المنديل بعيد عنه، ومسحت على ضهره. نزل ومشي بين الكرسيين، فحمزة وطى يبعد كرسيه عن طريقه.
لقيتني بقول:
- براحة على دراعك.
بطل يحرك الكرسي، وبصلي. اتكسفت من نفسي، وكملت:
- أنا لسه زعلانة. بس كوعك لسه متعور برضه.
هز راسه، وعدل الكرسي بإيده التانية. سكتنا شوية.
- لو اتكلمنا تاني، كلامنا يفضل بيننا. أنا مش عايزة كريم يعرف تفاصيل يومي، أو حتى يعرف إننا اتكلمنا. ولو حاول يوصلي، أنا هقرر أرد ولا لأ.
= مفهوم. وأنا مش هنقل له حاجة عنك، ولا هجيبلك كلام منه.
- أنا مش بطلب منك تقطع صحوبتك. إنتَ تختار علاقتك بيه. وأنا هختار أنا مرتاحة لإيه معاك.
حمزة هز راسه، وفضل مستني.
- ومش عايزة قعدات لوحدنا دلوقتي. محتاجة وقت أعرف أنا حاسة بإيه.
= ماشي.
رد بسرعة، فبصيتله.
- إنتَ زعلت؟
= متضايق إني بوظت حاجة كنت مبسوط بيها. وكنت نفسي نقعد تاني. بس مش هطلب منك توافقي وإنتِ مش مرتاحة.
كنت مستنية عتاب، أو سؤال يخليني أرجع في كلامي. فضل قاعد، وأنا لأول مرة في القعدة عرفت آخد نفس كامل.
- هفكر في اللي قلته. بس اللي حصل محتاج وقت.
= عارف. وأنا غلطت لما خبيت عنك.
قام يشيل كرسيه. أخدت منه الكرسي عند الباب، وقلت تصبح على خير. رد، ودخل شقته. دخلت الكرسي التاني، وقفلت بابنا بهدوء.
لقيت بابا رجع، وقاعد جنب ماما، وماسك موبايلها وبيقرا الإعلان. قعدت قصادهم، وماما ناولتني كوباية ميه.
بابا قال:
= أنا كنت فاكر إنك غيرتي رأيك في الماجستير.
- أنا كنت خايفة يا بابا. وكل ما كريم يزعل، ألاقي نفسي بتراجع. حتى النهارده، خفت حمزة يزعل لما قلت إني محتاجة وقت.
سكت، وبعدين حط الموبايل على الترابيزة.
= تحبي نفتح التقديم؟
بصيت لماما.
- طب والشقة؟ إنتوا لسه مستنيين نستقر، وأنا ممكن أمشي.
ماما بصت لبابا، وهو ابتسم لي.
= إنتِ لسه هتقدمي يا حبيبتي. ولما يتحدد رد، نشوف اللي محتاجينه. بس متسيبيش الاستمارة تقفل وإنتِ بتحسبي زعلنا.
فتحت اللابتوب. رنا بعتت ملفاتي القديمة، وبابا جاب ملف الشهادات من الدولاب. قعد يطلع الورق بالراحة، وناولني شهادة تدريب كنت ناسية مكانها.
- دي معاك من إمتى؟
= من يوم ما طلبتي مني أصورها. إنتِ سيبتيها في الملف بعد ما خلصت.
افتكرت قد إيه كنت مبسوطة يوم ما خلص التدريب. بابا يومها سألني نفسي أكمل دراسة ولا أكتفي بالتخرج.
كنت جاوبته من غير ما أفكر.
- أنا لسه عايزة أكمل يا بابا. حتى لو المنحة دي مجتش.
= يبقى نقدم عليها، ونسأل كمان على باقي الفرص.
ماما جابت الأكل اللي كنت سايباه من العصر. شديت لها الكرسي جنبي، وقسمت لها من سلطتي. هي كانت قاعدة معايا من ساعة ما رجعت، ومكلتش برضه.
راجعت الملفات، ورفعت صور الورق المطلوب للتقديم.
فتحت خطاب التقديم اللي رنا كانت محتفظة بيه. قريت الكلام اللي كتبته عن دراستي، وليه عايزة أكمل، وعدلت الحاجات اللي اتغيرت من أول السنة.
بابا كان بيقرا تفاصيل السكن على موبايل ماما.
= هتبقي في أوضة مشتركة. خلينا نسألهم بكرة عن نظام السكن والمواصلات، عشان لو اتقبلتي نبقى عارفين هنعمل إيه.
- إنتَ مش زعلان إني ممكن أبعد؟
سكت لحظة، وبعدين قال:
= هتوحشيني. وكنت مستني امتحاناتك تخلص عشان نرجع ننزل نتمشى. بس نلحقها في الإجازات.
حطيت إيدي على إيده اللي جنب اللابتوب.
- طب بلاش تقعد في البيت لحد ما آجي. خد ماما، هي كمان بتحب تمشي معاك.
ماما بصت له وقالت:
= أنا جاهزة من دلوقتي، بس خلصوا التقديم الأول.
ابتسمت وأنا رجعت للشاشة.
عند السؤال عن الاستعداد للسكن في مدينة تانية، صباعي وقف.
- لو اتقبلت، هتوحشوني.
ماما حطت إيدها على كتفي.
= وإنتِ كمان.
فضلت إيدها مكانها وأنا كملت البيانات، ورفعت خطاب التقديم مع باقي الورق. قبل ما أبعت، رجعت قريت الشروط مرة كمان. بابا سند ضهره للكرسي، وفضل قاعد جنبي، مستنيني أخلص براحتي.
حركت الماوس، وضغطت إرسال.
ظهرت رسالة إن الطلب اتبعت.
مسكت الموبايل وبعت لرنا: «قدمت».
ردت بفويس، سمعت فيه ضحكتها قبل الكلام:
= أخيرا يا وردة! المرة دي هنستنى الرد، مش هنستنى تراجعي نفسك.
رجعت لرنا وسجلت:
- أنا لسه خايفة. بس لو طلبوني للمقابلة، هروح. وعايزاكي معايا.
بعت الفويس، وبعدين فتحت محادثة حمزة.
كان نفسي أحكيله. يفرحلي، ويسألني عن المكان، وأشرح له اللي بقرا عنه من أول السنة.
كتبت: «أنا قدمت على منحة في مدينة تانية».
صباعي وقف فوق زرار الإرسال. افتكرت كريم وهو بيسألني هيستنى لحد إمتى. لقيتني بضيف: «لسه مفيش حاجة أكيدة، وممكن ميقبلونيش، وبعدين نشوف».
قريت الرسالة. لسه محكتلوش عن الحاجة اللي فرحانة بيها، وبدأت أصغرها في الكلام، كأني خايفة تزعله.
مسحت اللي زودته، وكتبت من الأول:
«أنا قدمت على منحة في مدينة تانية. لسه مستنية الرد، بس لو اتقبلت ناوية أروح. كنت حابة أحكيلك. ولسه محتاجة وقت زي ما قلت لك».
بعتها، وحطيت الموبايل جنب اللابتوب. قلبي كان بيدق بسرعة. رجعت بصيت لرسالة تأكيد التقديم، واسمي المكتوب فوقها.
كان نفسي حمزة يقولي «مبروك».
وكان نفسي أقدر أفضل مبسوطة، حتى لو قال حاجة غيرها.
