رواية فدى سكينة الفصل السادس بقلم زينب سمير
- كيف هكا أنا شيعتك ياسكينة.. كيف يحصل هاد الكلام.. بتكون مين هاي لتتحدث عنك هيك
نطق عساف بغضب وعصبية مفرطة،
كان طول طريق العودة ساكت، قاعد جنب السواق بيضم كفوفه كل شوية، مش مصدق الإهانة اللي أتعرضلها وبيفكر بصدق الكلام ده من عدمه، كانت بتتواصل عيونه مع سكينة اللي قاعدة ورا.. فيبصلها بخيبة وعتاب وتبادله النظرة بآسف
هي مش مصدقة تسارع الأحداث.. عارفة إن هيحصل صراع لكن متوقعتش يكون بالسرعة دي وبالقسـوة دي
قصتهم إنتهت قبل ما تبدأ، حبهم كان مكتوب عليه من الأول إنه ميكملش
إنتبهت من شرودها لصوت أخوها بلعت ريقها من غير ما تلاقي رد
معاه حق في كل كلمة قالها وهتتقال.. أتعرض لموقف بشع وكلام أبشع
وهـي السبب، هي اللي خلت وحدة زي صفاء تهين أخوها.. عساف
شيخ قبيلة من أكبر قبلائل البدو
- حقيقي عشقتيه؟
إنتبهت لسؤاله ورفعت عيوزها تبصله مبهوتة
قبل ما يكمل بإستتكار وهو بيهز راسه- مستحيل.. مش هاد اللي أختي تفطر عليه بعد صيام طويل.. هاد ما بيساوي ضفر من ضفر رجالي.. سكينة يوم ما تتزوج تتزوج رجال ملو هدومه.. موش ابن امه.. كيف بس عقلها صورلها هاد الشيء..
الكلام فضل رايح جاي من خلاله.. صوتها مطلعش
أخيرًا بعد فين وفين بدأ يهدأ.. أثر الأهانة يخفت
رفع صباعه يحذرها- ما في معاملة مع أهل رفيقتك، ولا زيارة لبيتها السـو هاد، إذا بدها تقابلك يكون هون.. تجيلك لعندك.. سكينة بينسافر لها بلاد ما بتسافر لحدا..
مكنش قدامها غير إنها تهز راسها
ومرت الأيام.. إنهاردة أخر يوم إحتفال
ده يوم حنة كارما.. ده يوم فاصل بين الحنة والفرح
حاولت كارما ترن عليها لكنها مردتش، مكنش عندها لا طاقة ولا قدرة ولا رغبة
محتاجة تتعافى.. من الفكرة اللي الكل خدها عنها
من حب مكملش.. من مشاعر منتهتش
من خيال مش بيفارقها
وظل محاوطها..
وجـه الفرح ومر، عمرها ما توقعت إنها بعد ده كله متشوفش كارما عروسة..
بصت للسما.. في أي لحظة طيارته ممكن يكون عدت في السما
مش دي الخطة؟ يحضر الفرح ويركب أول طيارة علشان يرجع لإنجلترا
لحياته
هي صفحة وأنطوت.. إتنهدت تسند راسها على إيديها ونزلت دموعها بصمت
هتكون دموعها الأخيرة،
.
.
.
يوم ورا يوم..
صحيت مرة مخضوضة على صوت عالي في البيت، وقفت برعب وهي بتفكر إنه هجوم من قبيلة تانية عليهم أو أي مشكلة كبيرة عساف واقع فيها
أتفاجئت بوداد اللي دخلت تنهج- ما بتصدقي شو اللي بيحصل تحت ياسكينة
- شـو حاصل لشو كل هي الجلبة.. عساف صايرله شيء
- ما تقلقي أخوكي منيح اللي مالو منيح حبيب القلب
غمزت في أخر كلامها، ضيقت سكينة حواجبها بعدم فهم
مين حبيب القلب؟ مفيش غير واحد ساكن القلب
وده لا يمكن يكون هنا.. ده زمانه في مكان تاني وبلد تاني
أكيـد اللي بتفكر فيـه مستحيل إنه يحصل
لكن وداد أكدت توقع أفكارها- فـراس تحت مع عساف.. طالب يـدك للزواج
بصتلها سكينة بزهول لحظات قبل ما تنزل تجري.. تسابق الريح والزمن واللهفة ملياها
نزلت للمجلس بخطوات سريعة بدأت تبطئ كل ما تقرب، والصورة توضح، واقف عساف وحواليـه بعض أفراد القبيلة وفراس لوحده بيواجههم.. هيئته مختلفة عنهم
بلبسهم التقليدي وملامحهم الجدية الخشنة وسمار الشمس اللي معلم على رحلة حياتهم،
مقابل ملامحه الهادية الساكنة والمسالمة، بيشرة صافية وشعر ناعم.. وملابس عصرية
فرق غريب..
كان لسة محدش لمحها.. صوت عساف بيتردد في الأجواء- كيف بتتجرأ وتيجي لبابي وتطلب يـد سكينة خيتي..
لمح فراس المعنية، نطق اسمها بلهفة وهو بيسيب كل حاجة وبيقرب منها بإندفاع- سكينة..
وقف قصادها، قريب لحد مريب بالنسبة لعساف، وبعيد لحد خنيق بالنسباله هـو.. مـد إيده يحاوط وشها وبلهفة- أنتِ كويسة..
لكن إيد إتمدت تبعده عنها قبل ما يقرب وصوت وداد التحذيري- رد بالك.. ما تزود الطين بلة إيدك ما ترفعها على سكينة
بصت وراه بنظرات ذات معنى
فرجع خطوة وهو بيهز راسه وبيلعن غباءه
رجع يبص لعساف اللي ضامم إيده بقوة وعنف
كرر فراس كلامه بجدية وعناد- أنا بطلب إيد سكينة للجواز.. لية رافض علشان موقف ومشكلة مليش دخل فيها؟ أمي غلطت وأنا أعتذرتلك نيابةً عنها لكن متخدنيش بذنبها
- طلبك مرفوض.. أختي موش من نصيبك
- هترفض من غير ما ترجعلها؟
عساف- أنت موش الرجال اللي يملى العين.. موش اللي يناسب سكينة
قرب يقف قدامه بتحدي- أنت متعرفنيش علشان تقول كدا
بصله الكل من فوق لتحت بسخرية.. اللي هو الجواب باين من عنوانه
لكنه مهتمش
كمل فراس بإصرار أكتر- خد رأي سكينة.. هي اللي هتتجوز موش أنت
صك عساف على أسنانه بغيظ وبص لسكينة وبتساءل عارف إجابته- سكينة أنتي بدك هالرجال؟
بصتله سكينة.. وطولت البصة أتغيرت نظرة عساف تدريجيًا ياخوفه يكون كل ما ما خذاه جرى
أخته وعكس ما كان فاكر.. حبت! ويوم ما حبت..
بص لفراس بإستنكار.. مين ده وفيـه أية مميز.. فيه أي يستحق إن قلب سكينة يوقعله
بص لسكينة من تاني اللي هربت من عيونه وبصت للأرض
لا أكدت ولا نفت
بس دي سكينة هو يفهمها من نظرة عين..
أخته كوافقة! وحابة! وعايزه
وأمتى هو قال لسكينة لا؟ يمكن جـه الآوان؟
شـد ملامحه ونصب وقفته، يمكن هـي موافقة، وهو ميقدرش يقولها لا، بس لسة في إيده يقول لا بطريقة تانية
- أنا موافق بس بشرط
الكل ملامحه أتحفزت، عيون عساف بتلمع هيخليه هو بنفسه يقول لا، هيثبت لسكينة إنه ميستحقهاش، ومينفعهاش..
- لو وقفت هنا بعد ست شهور من دلوقتي وكررت طلبك هتتجوزها وبمباركتي كمان
هللت ملامح فراس وسكينة ووداد اللي كانت لسة هتزغرط
لكن عقب فراس بتعجب- اشبعنا بعد ست شهور؟ عمومًا سهلة عندي شغل ضروري في انجلترا هخلصه و..
قاطع عساف كلامه- خلال الست شهور هتعيش هنا.. هتعيش كيف ما عايشين وتدور على وكلك كيف ما بناكل.. هتلف على بعيرك وغنمك.. وتهتم بأرضك.. تعيش كيف أي بدوي عاش وكيف ما سكينة عاشت طول حياتها..
لو بعد ست شهور كنت لسة هنا ومصّر على طلبك يبقى وقتها سكينة من نصيبك
بصله الكل مدهوش
رجالته ضحكوا بسخرية وهما متوقعين رفض التاني ولو وافق فمستحيل يتحمل، واحد زيـه مجربش لسعة الشمس.. ولا تعب الترحال
بصت سكينة لأخوها بزهول قبل ما تبص لفراس بدموع.. من حقه يرفض
لية يتحمل؟ بصلها فراس لثواني قبل ما يبتسم ويهزلها راسه يطمنها
قبل ما يبص لعساف وبجدية- أنا موافق على شرطك بس أنت تكون عند كلمتك وبعد ست شهور متغيرش كلامك
حد من اللي واقفين نطق- عساف كلمته سيف.. خلينا نشوف بالأول لقد أية هتصمد أنت
بص لواحد من رجالته- خده للأرض البرانية
مشـى بيه وسط قلق سكينة.. هيوديه لأكتر مكان بعيد عنهم حيث حياة البدو على حق وحقيقي.. مش مكان قريب منهم اللي معمرة وفيها جزء من متطلبات الحياة
فضلت عيونها معلقة بيه لحد ما خرج من الدار
بصت هي لعساف بعتاب بس مقدرتش تلومه ولا تتكلم
بصلها هو بنفس اللوم كل واحد فيهم جرحه من التاني مختلف
لكنه مستناش يسمع منها حاجة ومشـى ومعاه رجالته
قعدت على أقرب كرسي قابلتها تحاوط وشها وتعيط
ربتت وداد على كتفها بمواسـاه و- بتعيطي لية دلوق.. ما عساف أداله فرصة أهو.. وأنتي عارفة إن ده كان مستحيل..
- فرصة أية يا وداد دا بيحطه جوه المستحيل حاطه في اختبار صعب علشان يستسلم ويمشي
- محسيتش إكده لا.. هو يمكن صعب بس لو عداه من خلاله عساف هيعرف إنه مشتريكي ده من ناحية.. من الناحية التانية علشان ميجيش في يوم يعايرك بأصلك زي ما أمه عملت.. هيبقى جرب بنفسه وطلع عينه علشان يطولك.. علشان لو في يوم لسانه طولك وقالك يابت البدو وراعية غنم تقوليله البدوية دي اللي جريت ورا بعيرك هنا وهناك علشان تتجوزها
أخوكي بيغليكي مبيرخصكيش.. بيأدب فراس مبيطفشهوش
بصتلها سكينة بلهفة- فكرك كدا؟
- كدا ونص.. يمكن عساف زعل إن أخته حبت وغار.. لكنه عمره ما يقف في طريق سعادتك أبدًا.. متأكدة لحظة ما شاف لمعة عيونك كل شياطينه خفت.. هو بس حطه تحت الاختبار.. هيطلع رجال ويعديه فيبقى يستحق سكينة.. مكملهوش يبقى أنتِ بنفسك تشوفي إنه ميستحقكيش
هزت راسها بتفهم قبل ما تشرح بتخوف- بس الكلام ده تقيل أوي على فراس ده حياته غيرنا خالص عمره ما يقدر يتحمل حاجة زي كدا
وداد بمكر- لو بيحبك بجد هينحت في الصخر علشان يطولك.. سيبي الأيام تبين هو قدها ولا لا.
*****
صحراء جرداء.. لا زرع فيها ولا ماء..
خيام قليلة جدًا متوزعة على أطراف مترامية، أغنام في مناطق مختلفة، ونباتات ومحاصيل صحراوية
واقف فراس يبص للمكان حواليه بفاه مفتوح، جنبه واحد من رجالة عساف بيبصله بشماتة قبل ما ينطق وهو بيشاور لمكان ما- هيدي بتكون أرضك اللي بتهتم فيها، هفرجيك مكان زريبتك فيها أغنامك وأبلك.. أنت مسئول عن كل شيء بيخصهم.. من الصباح بتطلع تعتر بيهم وتدور على أكلهم.. ما تنسى تطلع خيرهم
كان بيسمعله وعيونه بتوسع مع كلامه أكتر وأكتر، بلع ريقه وبص حواليه بدهشـة، مهمة صعبة لكن كله يهون لأجل سكينة
بص للشاب يسأله بحماس- طيب هنام فين؟ فين خيمتي
بصله الشاب من فوق لتحت و- صنعها بيدك وحتى تصنعها نام ويـا غنمك بالزريبة
- هرد للشيخ لأجل شغلي..
وسـابه ومشـى، بص فراس حواليه.. وحيد، شريد في أرض فاضية وشمس قاسيـة،
بدأ يتمشى حوالين المكان فونه وصل صوت نتفكيشن قصير فتحه الشبكة كانت معدومة، رسايل كتير ومحاولات اتصال مجنونة من الكل
أفتكر اللي حصل من بعد ما مشيت سكينة، إنه فضل مقاطع الكل وسكت لأجل فرح كارما.. وبعد الفرح والكل مفكر إنه أستسلم وقفل الموضوع، بل أتجه للمطار معاهم بعد ما اتحايل كتير على كارما إنه توصله لسكينة لكنها رفضت
فوجئ إنها سابتله عنوانها في رسالة قبل ما تسافر في شهر عسلها
محسش بنفسه وهو مفروض داخل لطيارته غير وهو بيلف بضهره ويجري ويسيب كل حاجة وراه
مش شايف غير سكينة!
بعت رسالة لأمه محتواها 'أنا عند سكينة.. وهتجوز سكينة.. متستننيش'
كان قادر يحس بصدمتها وغضبها، على صوت رنين فورًا منها بمجرد ما وصلت الرسالة ليها
لكنه قفل فونه وحطه جوه شنطته وبص حواليه
مكانه الجديد حاليًا بدأ يلف حوالين المكان مهما حاول يفكر أزاي هيتصرف يفشل، هو ميعرفش حاجة، ولا أي حاجة!
مر الوقت والشمس بدأت تغيب، الكل سايبه هنا ومش معاه أكل
بدأ يجوع، بلل شفايفه بعطش أزازة المية اللي معاه خلصت
قرب ناحية الزريبة مكان نومه مؤقتًا، كشرت ملامحه بإشمئزاز
- أوه نو.. ريحتكم بشعة يارفاق
قالها وهو فاتح الزريبة ويبص لغنمه، ساند بأيد على الباب والتانية في وسطه
المكان مقرف.. هل من المفترض ينام هنا؟
بص حواليه وجتله لحظة أدراك إن مفيش كهربا، مجرد ساعات وظلام دامس هيحاوطه..
أخيرًا سمع خطوات بشرية بتقرب ظهر قدامه عباس.. الشاب اللي رافقه للمكان
بصله عباس بطرف عيونه وهو داخل بأكل للآبل يحطه قدامهم- اليوم أنا وكلتهم لإنك جديد من بكره بيكونوا مسئزليتك.. أرضك تحرثها باليومين الجايين.. على اخر الاسبوع مفروض تبدأ تحبحبها
هز فراس راسه قبل ما يقول- الدنيا هتضلم كمان شوية هو مفيش كهربه
بصله عباس بسخرية- كهربا وهون.. ابن بندر وهتتعبنا، لا ما في كهربا
طلع من شنطة قماش في إيده لمبة جاز وعليه كبريت- هاد بده يكون مصدر نورك
وطلع حاجة شبة المفرض من الخيش وغطا خفيف ومـدهم ليه- لعلك تحتاجهم
أخيرًا طلع علبة أكل- غداك..
خده من فراس وبدأ ياكل بلهفة، كام لقمة قبل ما يبلع بصعوبة ويبصله- بس دا أكل دسم جدًا أنا مش باكل حاحات زي دي.. مفيش جرين سلات
مـد عباس إيده يسحب الطبق- ما بدها بقى.. إذا ما بدك يـاه جيبه لهون
مسك فراس في الطبق يسحبه ليه- لا خلاص خلاص هاكله.. طيب معاك مية؟
عباس بسخرية- مفكرني مصباح علاء الدين
طلع جرة مية و- هي الخدمات ما تلاقي علطول.. من بكره تدور على ميتك واكلك بحالك.. كيف بتصير بدوي لو ما أمنت قوتك بنفسك؟
هز فراس راسه بتفهم، ياكل ويشرب إنهاردة وبكره يحلها حلال.
حط عباس كل حاجة جنبه ولف علشان يمشي
نطق فراس بلهفة- أنت مش هتبات معايا
بصله عباس بإستنكار- لا بنام جوار أرضي
- طيب..
- كفاك لكلكة
وسابه ومشـى تنهد فراس وهو بيكمل أكل، مقدرش ياكل كتير الأكل كان دسم عليه جدًا وحس بالشبع بسرعة
شوية والدنيا بدأت تليل فنور لمبة الجاز وحطها على جنب..
الريح مازالت بشعة طلع علبة عطر من شنطته وبدأ يرش في المكان بعشوائية قرب من الأغنام والأبل ورش حواليهم
جمل بصله بفضول فقرب يرشه حوالين رقبته وسأله ببساطة- عجبتك الريحة؟
أخيرًا تعب اليوم حل عليه
مقدرش يقاوم
فرش الخيشة في مكان بعيد عنهم نسبيًا، حط مخدة السفر بتاعته اللي كانت معاه تحت راسه واتغطى..
لكن النوم مكنش مهمة سهلة، المكان مش مريح، الصمت الشديد
كل حاجة مخيفة ومهما حاول ميفكرش لكن فكرة إنه لوحده في وسط صحراء
كانت مرعبة.. فضل كل شوية يلتفت حواليه بخوف وقلق
لحد ما راح في النوم أخيرًا..
مستعدًا لغد مليء بالمغامرات
مغامرات فراس في البـدو..
تتوقعوا أية اللي مستنيه الأيام اللي جاية؟
هيتأقلم ولا هيستسلم بسهولة؟
