رواية فدى سكينة الفصل السابع بقلم زينب سمير
تأفف فراس وهو بيتحرك في نومه، أصوات غريبة محوطاه، رائحة كريهة، حشرات لزجة، وحر لا يُطاق..
غمغم بصوت عابس- نتالي ما هذا الضجيج
لكن خادمته المطيعة لم تجب، فتح عيونه بإنزعاج لما حس بشيء يلامسه بعبثية قبل ما تتوسع بصدمة
غنم قريب من وشـه ومطلع لسانه ومقربه من وشـه
صرخ بفزع وهو بيبعد عنه، بص حواليه وهو في حالة ذهول لحد ما استوعب الأمر، هو فين وبيعمل أية ومطلوب منه أية
بلع ريقه وهو عارف إن ده أول أيام التحدي
بص حواليه كل الآبل والأغنام بتبصله بعيون فضولية.. قبل ما تقلب لأصوات مزعجة كله بيطلب بالأكل
شـد في شعره بحيرة- طيب أهدوا أهدوا وهجبلكم أكل
لف حوالين نفسه- أجبلكم أكل منين بس ياربي
بص من شباك صغير من الزريبة، المكان هَو حواليه، ومفيش أي آثر لبشر
طلع لبره يبص حواليه لمح على بُعد منه خيمة مشابه لبتعته، حسها حبل نجاة
جري في خطواته بحماس، يمكن يلاقي حد يساعده، يـدله..
وصل أخيرًا للخيمة قبل ما يتصرف لقى حد بيطلع منها، رجل باين عليه إنه كبير في السـن، لمحه الرجل فإعتدل في وقفته وبصله بحذر- من أنت..
- أنا..
بص فراس حواليه يشاور لمكان الزريبة-..
- شـو خصك بأغنام الشيخ عساف
لمعت عيون فراس لما سمع اسم عساف- أنا شغال معاه، وده أول يوم ليـا..
بدأ يحكيله بالمختصر عن التحدي اللي عساف حاطه ليه ولازم يتخطاه علشان يتجوز أخته ونهى كلامه بـ- فلو ممكن تساعدني أعرف أزاي ممكن أجيب أكل للمعيز دي و..
قاطعه الراجل وهو بيرفع إيده- تعال معي.. هات أغنامك وبجيب أغناني وبنخرج نرتع بهم هلا.. راح كون وياك بكل خطوة جاية لحتى تقدر تفوز بهلتحدي.. شكلك ابن حلال وبتستاهل وسكينة تستاهل حدا يعمل المستحيل لأجل عيونها
بص بعدها للأرض وتنهد تنهيدة عميقة بائسة
لمعت عيون فراس بالحب.. كل صعب لأجلها يهون
رجع مكانه تاني طلع كل الآبل والأغنام وبدأ يمشي بيهم
ساب كل حاجته لكن أخد معاه آيس كاب يمكن يساعده في ظل الحرارة اللي محوطاه
وصل لنص الطريق ولمح الشيخ طلال بيقرب منه اللي ضحك و- توقعت بتكون محتاس.. تعال
قرب منه وبدأ يعلمه أزاي يجمع الأغنام في جماعة والآبل
- خليك هين معهم.. ووسع خلقك هدول بيفهموا كل شيء ومع الأيام بيفهموك أكتر من أي حدا.. بيكونوا صديقك الوحيد بيسمعوا بلا شكوة.. بيحسوا بيك لو جرى أي تغيير فيك
ما تعتبرهم هم فوق راسك وبلاء.. أعتبرهم أصدقاء من نوع أخر
هز فراس راسه وهو بيمشي معاه
لمح حد تاني معاه، ملفح بالسواد
- هيدي بنتي كريمة ما إلي في الدنيا غيرها بخدها معي لتساعدني
هز فراس راسه بأه وهزلها راسه بتحية
رفعت عيونها المكحلة تبصلة، مغطية باقي وشها بوشاح
عيونها حلوة، جذابة.. لكنها مش ساحرة زي عيون سكينة
وفيها شيء آثار حفيظته
كملوا مشي، الشمس فوق راسهم حامية، بدأ يتنهد بتعب وهو بيبص حواليه- هو أحنا هنفضل نمشي كتير كدا.. رايحين لمكان معين؟
نفى الراجل براسه- ما في مكان بنسير لحتى نتهدا على طعام لهم
شوية وخرج صوت كريمة.. هادي وخفيض- أبوي
بصلها طلال فشاورت بصباعها لقدام
بص طلال وفراس نطق فراس بفرحة- أنا شايف حاجة هناك فعلًا..
بص لكريمة وبمرح- شكل نظرك ستة على ستة
رفعت عيونها تبصله، كان بَعد عيونه عنها لكن فضلت عيونها معلقة بيـه، وسيم.. طويل وبهيبة.. مش شبة رجال البدو اللي حواليها، مش بطباعهم
لكنه مميز، لمعت عيونها وهي بتفكر أن سكينة محظوظة.. بكل حاجة
بأهل ونسب ومال وجمال وأخ مفيش زيـه
ودلوقتي حبيب مفيش شبهه
مشيوا ناحية المكان اللي شاورت عليه، بعض النباتات الصحراوية متوزعة في الصحراء بدأت الأغنام تنتشر هنا وهناك
قعدوا كلهم على جنب واستنوا شوية لحد ما يخلصوا
سأل فراس بهدوء- طيب هي دي بس حياتكم؟ تصحوا تتمشوا بيهم ياكلوا وترجعوا.. بس!
- هيدي كانت حياة البدو زمان.. ما كان عنا شيء وما كنا نعرف حدا غيرنا.. غير بالطبع كنا أكتر من هيك في المكان الواحد
لكن هلا قلة من المناطق اللي بقيت هكا..
على اطراف قبيلة بنكون هيك مشان لو حصل أي هجوم نوصل خبر للقبيلة
- ااه.. يعني أنت تعتبر من قبيلة الشيخ عساف.. بس مش تعب عليك تعيش كدا في السن ده لية متعشش جوه القبيلة
بص طلال لبنته نظرة قصيرة اللي بعدت عيونها عنه و- فيك تقول هيدي هي العيشة الوحيدة اللي برتاح فيها.. والظروف.. ظروف ما خلت قدامي إلا هيدي الطريقة
هز فراس براسه ومحبش يزود في الفضول..
قاموا بعد شوية بص فراس حواليه- فيه لسة نبات كتير ينفع ناخدهم أهو نرتاح بكره ومنجيش
مستناش رد من طلال وبدأ يجمع النبات ده بحماس
رجعوا في طريقهم، طلال- في بئر قريب منا هدلك على طريقه
فراس بلهفة- ياريت
رجع أخيرًا للزريبة، دخل الآبل والأغنام في مكانها، المغرب أوشك على القدوم
طلال وهو بيودعه- بما إن معنا طعامهم فما بنروح لمكان بكره، باجي علمك كيف تحرث هلأرض
هز فراس راسه ببسمة ومشى طلال ومعاه بنته اللي قبل ما تختفي لفت تبص وراها لفراس اللي كان لسة واقف ضيق حواجبه يبصلها قبل ما يبعد عيونه..
دخل زريبته قرب من حيوناته يقول بمرح- كلتوا وانبسطوا ومحدش قدكم أنتوا
تأفف من ريحتهم- أنتوا بقالكم قد أية مخدتوش شور! تعالوا أنا هحميكم
بدأ ينفع المية من مكان البئر اللي عرفه للزريبة وحاول ينضفهم، ونضف المكان حواليه، بص في الأخر لصنع يديه وأبتسم بفخر
ما زال مكان مزري لكنه قابل للعيش أكتر
بالنسبة ليوم أمس على الأقل
بعد القميص عنه وقربه من أنفه- يعع وأنا كمان محتاج شاور.. اعملها ازاي دي؟
لمح أخر الزريبة مربع صغير ليه باب قربله
- أوه ده حمام
مزري كعادة كل شيء هنا، لكنه يفي بالغرض!
بدأ ياخد شاور بالمية اللي معاه وهو بيغني، يمكن فراس ميملكش مميزات كتير
لكن أكتر حاجة ممكن تميزه في الدنيا.. هي التكيف والبحث عن المرح
إنه.. مبيخدش حاجة على أعصابه
خلص غنى وحموم أخيرًا، لف فوطة على وسطه وفوطه حواليه رقبته طلع من الحمام وهو بيمسح بيها وشـه، حس بالباب بيفتح فقال بمرح وهو بيبعد الفوطة عنه- عبوسة أنت جيت..
لكن كلمته وقفت في زوره لما لمحها قدامه.. كريمة!
اللي بصتله بعيون واسعة ولما هو استوعب الأمر ودخل بسرعة للحمام من تاني
نطقت وهي بتنزل عيونها ببطء- أبوي شيعلك هاد الأكل
طلع إيده من ورا الباب يشاورلها بعشوائية- طيب طيب.. حطيه في أي مكان وأشكريلي عمو
هزت راسها وهي بتتحرك ببطء
حطته ووقفت تاني- بدك شي مني قبل ما أمشي؟
شاورلها بإيده بلا.. خرجت هي وطلع هو بسرعة يسحب هدومه ويكمل لبس
قرب من طبق الأكل ياكل منه بلهفة.. جـه في وقته
ثواني وأتفتح الباب عليه بعنف، أتفزع في قعدته وهو بيبص وراه- عبوسة اية دخلة المخبرين دي
بصله عباس شزرًا، رمـى شنطة معاه على جنب وبص ليه وللي في إيده بعيون ضيقة- شو هاد اللي بيدك من وين جبته.. وكريمة بنت طلال شو كانت بتعمل بزريبتك
فراس بإريحية- ما أنت متعرفش أنهاردة اتعرفت على ابوها وخرجنا نأكل الحيوانات دي سـوا، وبعدها هو بعتلي الأكل ده مع بنته
- امم.. دير بالك
بصله فراس بتساءل كمل عباس- طلال وبنته بيكونوا تحدي تاني لألك.. بنشوف بتسلم من مكر كريمة ولا
بصله فراس بتعجب.. مكر كريمة
- لية بس ما البنت لذيذة أهـي
- شكلك غيرت رأيك وبتقعد هون لأجل عيونها مو لأجل تفوز بسكينة
نفى بفزع- مستحيل طبعًا.. أية جاب دي لدي.. بس بقولك أني مشوفتش منها حاجة وحشة
- بتشوف.. كل الشين بتشوفه منها.. رد بالك لتشوفها سكينة معك
غمز فراس بمرح- بتغير علي
- بتولع فيك
عض على شفايفه بحرج.. وبمرح- شرسة سكينة دي
بصله عباس بجانب عينه قبل ما يقف- أنا خبرتك يلي بخاطري.. بمشي هلا
- طيب متعرفش لو عايز أعمل خيمة أجيب قماشها منين
بصله بطرف عينه و- أبحث بحالك.. أنزل للسوق ولا خلي كريمة تساعدك
بعدها سابه ومشى، فضل فراس يبصله وهو مش فاهم لية متعصب من سيرة كريمة كدا وكإنه بيغير عليه منها
ولو عايز يفهم الحكاية.. يسأل مين؟
بص حواليه.. هل في طول قعدته هنا عمره ما هيلمح سكينة؟
هو عايز يشوفها، مشتاق لعيونها
إتنهد بيأس وهو بينام على ضهره ويبص لفوق
في بيت سكينة، قاعدة في أوضتها على الأرض بتبص للسما..
الدنيا بقيت ليل كحل، قربت وداد منها وقعدت جنبها تربت على كتفها بحنو- سرسبتلك كلمتين من عباس.. قال إنه زي القرد
ضحكت سكينة بنوع من الهم وهي بترد بعيون مكتوم فيها دموع- أنا بس صعبان عليا إنه بيعيش في الحالة دي ومش عارفة حتى أشوفه ولا أكلمه.. وداد فراس مش كدا.. ولا في أسوء خيالاته كان يتوقع إنه يعيش حياة زي دي.. وسط زريبة! أنتِ متخيلة واحد بينام على ريش نعام ينام على خيشة..
- الحب وبهدلته
- تتوقعي هيفضل بيحبني بعد ده كله
هنا لمع في عيون وداد نوع من التردد.. شالت إيدها ببطء من على كتف سكينة
بصتلها سكينة لقيت وداد بتبعد بعيونها عنها و- أصل.. عباس.. شاف.. عباس لما راح لـ..
وسكتت، حثتها سكينة وهي بتلف تواجهها- في أية ياوداد فهميني
ظهر التردد في عيون وداد لكن إصرار سكينة خلاها تستسلم في الأخر..
- فراس سكن جنب مكان كريمة وأبوها.. كريمة عرفت مكانه، فراس استعان بأبوها علشان يعلمه أزاي يزرع ويرعي غنمه، وعباس لما راح يشيعله الوكل لمحها خارجة من الزريبة..
جمدت ملامح سكينة، ظهر فراغ غريب في عيونها
حاولت وداد تطمنها- متقلقيش.. كريمة..
- كريمة تحدي جديد ضمن التحديات اللي موجودة.. هنشوف.. ما يمكن فعلًا يعمل كل اللي عايزه عساف بس يميل ليها
يمكن تسحره
- وقتها يبقى خسر ملكة لأجل جارية.. خسر جوهرة لأجل صخرة
ما بعرف فراس منيح بس من كلامك قلبه ما بيميل بهلسرعة، مانو محروم كيف الباقي ليريل على أي بنية، بحالك حكتيلي كيف كانوا بيرموا حالهم عليه وما جذبوا أنتباهه أبدًا..
- بتعرفي سحر كريمة
- ولا بيجي شيء قدام سحر عيونك.. بس هو يارب يفهمها وميقعش لألاعيبها، راح تحاول تسرقه منك.. راح تحاول توقعه بس لآجل إنها تآذيكِ..
وهلا.. أنتي بعيدة وهي قريبة.. وهو وحيد
- كإنك بتقدميله أعذاره
- أبدًا ياسكينة.. لو حبك جد ولا ألف بنت بتأثر فيه
بصت سكينة قدامها وعيونها بتلمع
بتفكر.. الأيام الجاية مخبيالهم أية..
تاني يوم الصبح، صحي فراس لا هو بدري أوي ولا متأخر، حط مية للغنم وقف قريب منهم ومال يبص ليهم يضيق عيونه و- أنتوا شكلكم مش مريح وتعبانين.. ليكون اللي في بالي صح
صرخ بفزع- عايزين تتحلبوا!
بلع ريقه وهو بيبص لجرادل نضيفة محطوطة بعيد، قرب منها وملامح بكاء ظاهرة على وشـه خدها وقرب منهم حطها تحتهم بشكل مناسب وبصوت راجي- ممكن تتصرفوا بنفسكم
لكن لا حياة لمَن تُنادي
دور في كل مكان، مفيش أي جلافز، ولا أي أكياس
قرب يقعد على ركبه قدامهم، يبعد وشـه عنهم وهو بيمد إيديه
بدأ يحلب لكن حركته المتوترة عصبت الأغنام
بدأوا يتحركوا بعشوائيـة ويذوموا، ربت عليهم برفق- خلاص خلاص أنا أسف.. أكيد محرجين
هديوا وبدأ يكمل شغل، بدأت عيونه تلمع وهو بيحلب وكمية اللبن قدامه بتزيد
حاسس إنه بيعمل حاجة
قام وقف بعد ما خلص ربت عليهم بلطف وببسمة واسعة- جود جيرلز..
بص لجرادل اللبن اللي معاه- نعمل بيها أية دي بقى؟ هنستنى عبوسة يجيي ياخدها
سمح خبط على الباب ودخول كريمة
- أبوي بيقولك بتحرث اليوم
- آه كنت لسة هجيله..
كريمة- هو مستنيك بره
- طالع حالًا
هزت راسها لسة هتلف علشان تمشي وقفها صوته- كريمة معلش..
لفت تبصله كمل بنوع من الذوق- لما تخبطي أستني أفتح..
ظهر الحرج على ملامحها
بينما كمل هو بتأسف- أنا مش عايز أكون قليل الذوق، ده كفاية مساعدتكم ليا.. بس كله علشانك في الأخر
هنا أعتقد أي فعل بحساب
هزت راسها بتفهم ومشيت وهي بتبتسم
خايف عليها، هين في نصيحته، لطيف في معاملته
عيونها زاد لمعانها، ودوافعها زادت من إصرارها
جـه الوقت إنها تاخد حاجة تليق بيها.. من سكينة
فشلت مرة.. لكنها مش هتفشل في التانية
