رواية فرص ثانيه الفصل السابع
اغمض عينيه لثوانٍ، كان يهز قدمه بتوتر، وهي تراقب انفعالاته بصمت، و بعد دقيقة اعتدل في جلسته وهو يأخذ شهيق عميق فرد ظهره و التفت اليها وهو يزفر الشهيق ببطء، نظر لها و تحدث بتردد:
- انا كنت شغال في شركة و يعتبر كنت من احسن المهندسين فيها، و الشغل جاب شغل لحد ما زي ما بيقولوا اتشهرت....
صمت و نظر الي الغروب بشرود، بينما ملك كانت تتابعه بصمت لا تريد الضغط عليه، ابتسم بسخريه و اشار بيده:
- حتى لو بحثتي على النت هتلاقي ليا حاجات كتير
هز رأسه يميناً و يساراً و مازالت علامات السخرية علي وجهه، ليكمل:
- حتى كنت عايش حياة هاديه مع اهلي، لكن كل ده اتدمر، اتدمر فجأة
قال كلماته الاخيره و كانت بوادر الغضب في نبرته، اردفت ملك بصوتها الهادئ:
- يحيى، كل ده بقى من الماضي و احنا هنا عشان نتخطاه و نتخطى كل النتائج الي حصلت بسببه
نظر لها و كان صوتها كالسحر عليه، هدأ انفعاله قليلاً، مسح تعرق وجهه، و ظل ينظر الي الارض موضع قدمه التي يهزها بقوة يفرغ فيها كل انفعاله، تحدثت ملك تحثه علي الحديث:
- مش هتكمل يا يحيى
عاد في فرد ظهره مرة اخرى، يحاول جعله مستقيم قدر الامكان فعظم جسده يؤلمه بشده، ابتلع ريقه و قال بصوت مهزوز:
- اتلعب عليا ملعوب قذر، بسبب زميل ليا كان معايا في الشغل، و عشان الموضوع مينتهيش بفضيحة، كان ساعتها لازم اسيب الشغل، و سبته فعلا، و دخلت في حالة احباط، و في قعده كدا من الخنقة قولت اجرب
صمت يسترجع الذكريات، كأن شريط فيلم يعرض امامه، من المهندس الناجح الي مريض الادمان ملقى في احد المصحات، فطنت ملك ما يدور في رأسه، فكان يبدو عليه الارتباك و التوتر اثناء حديثه، فقالت له بصوتها الهادئ:
- معنى انك كنت مهندس مشهور و ناجح ده معناها انك انسان قوي، و الانسان القوي ده لسه جواك نفسك القديمه كلها لسه جواك، هي محتاجه شويه اراده و وقت عشان ترجع، و انا جمبك و هنعدي من الطريق ده سوا
ابتسم لها ابتسامة صغيره و شرد مرة اخرى،دونت بعض الملاحظات، فقالت محاولة تغيير مسار الحديث:
- كانت ايه هواياتك يا باشمندس يحيى
اجابها سريعا:
- الرسم
- واو، طب جميل جدا، ليه مترجعش ترسم تاني، ده هيحسن كتير من نفسيتك هنا و هيساعدك في انك تخف
أومأ و قال باختصار:
-هحاول، هي الجلسه بتقعد قد ايه
ضحكت ملك و قالت بمزاح:
- ايه ده انت زهقت مني بسرعه كدا
ابتسم ابتسامته الصغيرة و قال:
- لا انا بس حاسس اني تعبان و عايز اروح الاوضة
هزت رأسها بتفهم و قالت:
- هي الجلسه ملهاش وقت محدد لما بنحس انه خلاص بتخلص
نهض، و اشار الي المبني قائلا:
- طب انا هدخل اوضتي
لوحت له و قالت:
- اشوفك بكرا يا بشمهندس
رفع يده ببطء يلوح لها و غادر وهو يحاول ان يجعل مشيته متزنه، و كانت هي تنظر له حتي اختفى ثم نقلت عينيها الي الغروب تشاهده
___________________________
كانت نسمة تجلس امام التسريحة تعقد حجابها الاسود، شاردة في المرآة تفكر بماذا يريدها حسين، ليضئ الهاتف ب"my EX"،انتبهت له، فأخذته و اجابت عليه، ليخبرها انه بالاسفل ينتظرها، خرجت من الغرفة بعد ان اخذت حقيبتها السوداء، و قالت لوالدتها:
-انا هنزل يا ماما، حسين تحت
نظرت لها والدتها و قالت بشفقة:
- كنتي خليه يأجل مشواره ده او خلي يطلع و تتكلموا هنا، انتي تعبانه النهاردة
كانت ترتدي حذائها و قالت:
- انتي عارفة حسين يا ماما، و انا مش عايزة ادخل معاه في نقاش
- انا بتكلم عشان كتير عليكي، شغل في المدرسة و جيتي روحتي المستشفى معايا عشان نفك الخياطة، وبعدها عملتي الغدا
اقتربت منها و مسدت علي كتفها و قالت:
- انا كويسة صدقيني، ساعه كدا و صحي أنس عشان يعمل الواجب
ربتت علي يدها الموضوعه علي كتفها و قالت:
- حاضر يا حبيبتي خلي بالك من نفسك
- حاضر
ثم تركتها و اتجهت الي الاسفل، فوجدته يصف السيارة امام المنزل، ينتظرها، فتحت الباب برفق، وجلست بجانبه،وقالت بخفوت:
- السلام عليكم
اجابها وهو يعيد تشغيل السيارة:
- و عليكم السلام
و كانت تلك اخر الكلمات التي نتطقاها طول الطريق، حتي وصلوا الي وجهتهم، فكان مقهى يطل علي النيل، فهو يعلم مدى حبها لمشاهدة النيل، صف السيارة و قال:
- وصلنا
ترجلا من السيارة، و سارا حتى وصلا الى الداخل و جلسا علي الطاولة التي اخذهم لها النادل و كانت بجوار النافذة ،وضع امامهم قائمة الماكولات و المشروبات، نظرت لها بملل، ورفعت نظرها له، وقالت:
- ها يا حسين، عايز تقولي ايه
نظر لها نظرة عابرة، و اعطى النادل طلباتهم، ثم عاد نظره لها مرة اخرى و قال:
- طب نشوف هنشرب ايه الاول
اجابت بغيظ:
- ما انت طلبت هو انت خدت رأي حد في الي طلبته
نظر في عينيها و ابتسم ابتسامة صغيرة و قال بهمس:
- عشان انا عارف انتي بتحبي ايه و بتكرهي ايه
مصمصت شفتيها بسخرية و قالت:
- و ده من امتى ان شاء الله
ابتلع سخريتها و لم يعلق، و حافظ على هدوءه و اردف:
- انا عارف اني مكنتش بعبرلك عن مشاعري ولا كنت مهتم بيكي ولا بأي حاجه تخصك ولا بأنس ولا بأهلك الي ربنا بعتهم عوض ليا بدل اهلي الي ماتوا لكن انا فهمت ده متأخر
ارتبكت اثر حديثه، فلم يكن من النوع الذي يتحدث كثيراً، او يشكو لها ما بصدره، كان كتوم حتى لو اصرت الف سنه، ليتابع هو:
- لكن انا فوقت من الغفله الي كنت فيها كنت مركز علي المصنع و ازاي اكبره و نسيت اهم حاجة، وهي انتي....
ليشير بيده بالنفي، وقال بجديه:
- بس خلاص كل ده مش هيتكرر تاني....
ومد يده و امسك يدها يضغط عليها برفق و قال بابتسامة عذبة:
- لو وافقتي انك تسامحيني و تديني فرصة، انا محتاجك جمبي، و محتاج لحضنك ووجودك في حياتي يا نسمة
نظرت الي يده بارتباك مصحوب بحيرة، رفعت نظرها له و كأنه قراء مابهما، فقال يطمئنها:
- عارف انك مش واثقة فيا و انك مش مطمنة، و خايفة ترجعي لوحدك تاني، لكن انا يا نسمة اتغيرت، اتغيرت عشان خاطرك، انا اكتشفت اني مقدرش اعيش من غيرك
كان وقع حديثه حنوناً عليها، كادت ان تنجرف خلف مشاعرها،لكن افاقها صوت عقلها يعنفها بقوة، و قد تبدل الارتباك و الحيرة الي جدية، و قالت:
- بس انا خلاص يا حسين، حياتي احسن من غيرك، انت عودتني اعيش لوحدي، و انا اتعودت خلاص، و مبقاش ليك مكان في حياتي
انهت حديثها و سحبت يدها بقوة، نظر الي اثر يدها، وثم سحب يده، كاد يتحدث لكن أتى النادل ووضع ما طلبه حسين، و كان عبارة عن مشروبها المفضل ليمون مثلج بالنعناع، و كعكه الشكولاتة، و كوب قهوه له، نظرت أليهم، فقال هو :
- انا طالب فرصة واحدة يا نسمة، و ليكي كل ضماناتك
قالت بانفعال:
- انا مش هبقى مرتاحة لو اديتك فرصه....
ثم صمتت ثوانٍ و قالت له:
- انا عايزة امشي
تنهد يحاول ان يستجمع صبره، ثم اردف:
- نسمة حبيبتي ممكن تهدي و نتكلم براحة....
قاطعته بعنف قائلة:
- انا مش حبيبتك يا حسين، انا لو حبيبتك كنت اديتني التقدير والحب و الاحترام، كنت تطبطب عليا لما اكون عيانة مش تعمل نفسك مش واخد بالك، كنت ساعدتني في تربية انس، مش افتكرت انه ابنك بعد ما اتطلقنا، كنت سمعتني كلمتين حلوين يهونوا عليا تعب اليوم لما كنت باجي بليل و احط راسي علي كتفك، كنت بتشلها بكل برود و تقولي معلش، كنت تفرحني بأبسط الحاجات، عمرك جبتلي هدية احنا اتجوزنا ١٠ سنين عمرك دخلت عليا بوردة، انت حسستني انك كنت جايب كلبة و راميها بين اربع حيطان
انهت كلماتها، و صدرها يعلوا و يهبط بقوة، فكانت تتحدث سريعاً، و قد اخرجت ما بجوفها، كان يستمع لها بصمت، و بعد ان انتهت، قال بخفوت:
- انا أسف، اسف علي كل حاجة، و عايز اعوضك على كل الوحش الي شوفتيه معايا
- وانا مش عايزة
انهت كلمتها، وامسكت حقيبتها تغادر سريعاً، فكادت ان تبكي و اخر شيء تريده هو البكاء امامه، فوضع اموال علي الطاولة، و نهض يركض خلفها، خرج من المقهى، فوجدها تركض في جهة اليمين، اتجه اليها و امسكها من كتفها، وجعلها في مواجهته، كان وجهها ممتلئ بالدموع و تغطيه بيدها و تحاول ان تملص منه لكن كان يمسكها بقوة، اصابه الحزن من هيئتها، قربها منه و عانقها،يربت عليها برفق حتى تهدأ، كان نحيبها يعلوا، كأنها تشكو له مرارة الايام معه، عشر سنوات مع من تهوى تنتظر منه كلمة حنونه، التفاته رقيقه، فعل نبيل، لكن لم تجد الا الجفاء و القسوة، مرت دقائق وهما علي هذا الحال، و كان نحيبها يهدأ رويداً رويداً، حتى هدأت تماماً، ابتعدت عنه، و اردفت ناظرة في الارض:
- انا عايزة اروح
أومأ و قال بخفوت:
- حاضر تعالي اروحك
اخذها و سار بها حتى السيارة و اوصلها الي المنزل، و اتجه الي منزله و هو عاقد العزم على ان كل شىء سيكون علي مايرام و سيكون كما تتمنى هي، يكفي رضاها
___________________________
كان يجلس حمص علي سريره، يتصفح الانترنت، يبحث علي وظيفة، فقد عقد العزم ان يكون انسان جديد، و بينما كان يبحث، دلفت والدته تحدثه بصوتها الهادر:
- انت بقالك كام يوم كدا حالك مش عاجبني
اغمض عينيه بنفاذ صبر ، اعتدل في جلسته و قال:
- في ايه ياما، ايه الي مش عاجبك
دنت منه تعنفه:
- قوم اتعدلي و اقف علي الناصية يخويا و جيب قرشين
تنهد يستجمع شجاعته و قال لها بهدوء:
- انا مش هقف علي الناصية تاني يا امي، انا هدور علي شغلانة عدلة و ناكلها حلال
شهقت شهقة ساخرة و قالت:
- و ايه كمان ياخويا، و هتخطب السنيورة الي رفضتك مرتين
مط شفتيه بضيق ولم يجيب لتلكمه في كتفه و قالت بحده:
- قوم يالا، قوم يلا، قال هتبطل و ناكلها حلال
اردف وهو يتغطت علي اسنانه:
- انا مبهزرش ياما انا خلاص بطلت
هدرت قائلة:
- هو ايه الي بطلت، الشغل هيمشي بيك او منغيرك هيمشي،
نهض و قال لها بانفعال:
- يبقي من غيري انا مش هبيع السم ده تاني
قالت بغيظ:
- بقي كدا
نظر لها و لم يعقب، لتمسكه من ملابسه و تجره، فقال حمص وهو يسير معها و يحاول ان يفك يدها عن ملابسه:
- وسعي ياما
لتصل الي باب الشقة و تركت ملابسه، و فتحت الباب، ثم دفعته قائلة بسخط:
- يلا برا، برا بيتي طالما مش هتبقي في طوعي
هدر بها قائلاً:
- امسكي العقل ياامي ايه الي بتقوليه ده
وضعت يدها في خصرها و قالت:
- ده الي عندي، هتقعد هتشتغل، مش هتشتغل يبقي برا بيتي
اشاح بيده و قال:
- مش هشتغل في الحرام تاني
امسكت الباب و قالت:
- انت الي اخترت
لتغلق الباب بغل، ظل هو ينظر الي الباب، لا يعلم ماذا يفعل، نظر الى هاتفه الذي بيده و تنهد بضيق، صعد الدرج، حتى وصل الي السطح، جلس ينتظرها لعلها تخفف عنه، لكنه غفا ولم تأتٍ هى
_______________________________
بينما في مشهد موازٍ، كانت تجلس دينا و والدتها امام احد الدجالين، الذين يظنون نفسهم شيوخاً، و اقنعوا معدومي الايمان بذلك، مدت والدة دينا كيساً اسود، الى الرجل. و قالت له :
- طلباتك اهي يا سيدنا الشيخ
كان رجل بهيئة غريبه، يلف رأسه بعمامة و يرتدي جلباباً ابيض، و بيده سبحه طويلة خشبية، قال لها بصوت عميق:
- حطيهم علي الطرابيزه
وضعتهم بهدوء شديد علي الطاولة التي كانت ممتلئة بالاشياء الغريبة، اخرج محتوى الكيس و كان فيه السوار و الوشاح و صورة لنهى و امير و بعض الطلبات الاخرى، نظر الرجل الي دينا و قال:
- جمعتي الي طلبته في وقت قليل
هزت رأسها بالايجاب، فقال لها:
- خلاص امشوا انتو و تعالولي بعد يومين
نهضوا سريعا بعد انتهاء جملته، و قالت والدة دينا:
-حاضر يا سيدنا الشيخ
غادروا سريعاً،فقالت دينا وهي تمسك في ذراع والدتها بقوة:
- انتي متأكدة يا ماما من الراجل ده
هزت رأسها سريعا بالايجاب و قالت:
- ايوا يا بت ده سره باتع، دي جارتك ام محمد، بنتها مكنتش بتخلف راحتله في ظرف شهر كانت حامل
لمعت عينيها و قالت:
-يعني في ظرف شهر هيبقي امير معايا
مسدت علي يدها و قالت:
- ايوا يا بت ده راجل مبروك
اغمضت دينا عينيها عن ذكره و قالت:
- شكله يرعب يا امي، يرعب
قالت تنهرها:
- متقوليش كدا يا بت، متغلطيش في الشيخ، ربنا يجعل كلامنا خفيف
- حاضر يا ماما مش مستاهله يعني الزعيق ده
و اكملوا طريقهم الي البيت،حتي وصلوا، و سمعوا صوت صياح يأتي من المبنى المقابل، فقالت دينا:
- ده صوت طنط فتحية
- اه يا بت دي بتقولوا لو مشتغلتش تطلع برا
دلفوا الي مبناهم، ووقفوا ينظرون في الخفاء، فشاهدوا عندما اغلقت فتحية الباب في وجهه و صعد هو الدرج، لتضع والدة دينا اصابعها تحت ذقنها و قالت بتسأل:
- يعني كدا الواد حسام بطل يشتغل في الشمال
اجابتها دينا بتفكير:
- باينلها كدا يا ماما
-بكرا نعرف، يلا نطلع، قبل ما نسمع كلمتين من ابوكي اتأخرتوا ليه
ثم صعدتا الدرج سريعا، ليقابلهم والدها، الذي قال بغضب:
- كنتي فين يا صباح كل ده انتي و بنتك
اقتربت منه تجلس علي الاريكه، تحاول ان تهدء من روعه، بينما دينا تركتهم و انطلقت الي رحمة، تزف لها الخبر،دلفت الى الغرفه بطريقة هجوميه، افزعت رحمة التي كانت تستعد للنوم، فقالت بفزع:
- ايه يا دينا، ايه داخله بوليس الاداب دي
دنت منها سريعا و جلست بجوارها و قالت:
- رحمة حمص شكله تاب و مش هيشتغل في المخدرات تاني
اعتدلت رحمة و قالت:
- عرفتي منين الكلام ده
- و احنا جايين سمعناه بيتخانق مع امه و قالته لو مشتعلتش هطردك، راح قال حاجه هو مسمعتهاش، راحت رازعه الباب في وشه
كانت تستمع الي حديثه و لمعان عينيها، يزداد، فقالت:
- يااه معقولة يا دينا ربنا استجاب لدعائى، انا بدعي ليل نهار ان ربنا يهديه
- ايوا بس لازم نتأكد،و لازم تتكلمي معاه عشان نعرف
هزت رأسها بالنفي و قالت:
- لا انا مش هتكلم معاه، هنتأكد بكذا طريقة لكن انا مش هكلمه
نظرت لها دينا بطرف عينيها ونهضت و قالت بسخط:
- انتي بومة يا بت
لم تعقب، فكان بداخلها صوت يحدثها بأنه قد تم قبول دعائها، اراحت ظهرها و اخذت وضعية النوم، شارده في حلمها الوردي مع حسام حتى غفت
__________________________
دلفت ملك الي المنزل و اتجهت الي غرفة المعيشة، لترى إذا كان والدها قد أتي، لكنها لم تجده في المنزل بأكمله، امسكت هاتفها تحادثه، ليخبرها انه اقترب من المنزل، اتجهت الي غرفتها الوردية، وضعت حقيبتها في الخزانة، و ابدلت ملابسها بأخرى مريحة، ثم اتجهت الي المطبخ، وقفت امام الثلاجة، وهي ترفع رأسها علي هيئة ذيل حصان، اخرجت الخضراوات، و اخذت تقطعها وهي تفكر كيف تحادث والدها بطريقة مقنعه، اتجهت تملئ الطنجرة بالماء و تضعها علي الموقد لكي تغلي، التفت علي اثر صوت فتح الباب، فقالت :
-بابا انا في المطبخ
أتي عادل لها، ووقف امامها بهيئته الانيقة لتقول له:
-ايه الحلاوة دي كلها كنت في عشا رومانسي ولا ايه
ضحك عادل علي مشاكستها و قال:
- عادل الديب متملاش عينه غير ام عياله
-ربنا يرحمها
فقال بخفوت:
-ربنا يرحمها
جلس امامها وقال يغير مسار الحديث:
-ايه بتعمليلنا النهاردة ايه يا شيف
وضعت الخضراوات في طنجرة صغيرة و قالت :
-مكرونة بالوايت صوص، و بانيه
اقترب ينظر الي الخضراوات الي تقلبها و قال:
-ما بعرفش اكلها غير من ايدك يا ملوكة
ثم اضاف بمزاح:
-هو و البيض بالبسطرمة
ضحكت و قالت:
- حساك بتتريق
-انا اقدر اتريق على اميرة البيت
ثم تابع:
-طب انا هروح اغير و ارجعلك
تركها و غادر، و ظلت هي تعد الطعام حتى أتي، و قال:
-ايه وصلتي لفين
كانت تصب الصوص الابيض علي المكرونة و قالت:
- انا خلاص خلصت المكرونة و ناقص البانيه
جلس يشاهدها وهي تعد صدور الدجاج، فقالت له:
-بابا ممكن نتكلم
تنهد و قال:
-لو عشان ماهر فبلاش
التفت له و قالت:
-بابا انا مضايقة من الوضع ده، حسه اننا مفككين، انا مقدرش اعيش من غيركوا انتو الاتنين، ليه متبقوش انتو الاتنين جمبي، انا ماليش غيركوا بعد ماما الله يرحمها ، تفتكر ماما هتبقى مبسوطة بالوضع ده
صمت عادل يفكر ، فقد ضغطت علي الزر الحساس عندما ذكرت زوجته المرحومة، فقال لها:
-حاضر يا ملك، بكرا نبقى نتغدى كلنا برا، هكلمه بنفسي و اقوله
وضعت اخر قطعة في الزيت و اقتربت منه تعانقه قائلة:
-انت حبيبي
عانقها و قال:
- ربنا يخليكي ليا يا حبيبتي
- ويخليك ليا يا بابا
ثم قالت، بعد ان فصلت العناق و ذهبت اتجاه الموقد:
- اغرف معايا المكرونة و انا خلاص خلصت البانيه
نهض يساعدها في اعداد الطعام، و كانت هي تنظر اليه بفرحه، فيبدو ان الامور قد تتحسن
___________________________
في صباح يوم جديد، كان يقف حسين امام المدرسة ينتظر ان تفتح له البوابة، و بالفعل بعد دقائق فُتحت البوابة و دلف الي الداخل يحمل باقة من زهور التوليب المحببه لها، سار يسأل عنها فوجدها في غرفة المعلمين تجلس بمفردها، امامها العديد من الدفاتر الملونة و تصب كل تركيزها عليهم، دق الباب، رفعت نظرها لتجده يقف بطوله الفارع ممسكاً بباقة الزهور و علي وجه ابتسامه صغيرة، عقدت حاجبيها و قالت:
- بتعمل ايه هنا يا حسين
تقدم منها و قدم لها الزهور و قال :
- صباح الخير يا نسمة
نظرت الي الزهور و اخذتها و قالت:
- الورد مش الي هيحل المشكلة يا حسين
تنهدت و قال:
- انا مش بصالحك بالورد، انا بصبح عليكي
- ماشي يا حسين شكرا
ليقطع حديثهم دخول احد المعلمين، نظر لهم و لباقة الزهور وهو يحمحم، ترك اشيائه و من ثم غادر ليتركهم بمفردهم، فقال حسين:
- عامة يا نسمة افعالي اللي هتصالحك و هترجعك لحضني و انتي مبسوطة و فرحانة كمان
رفعت احدى حاجبيها و قالت وهي تكتف يدها:
- لا والله، و انا قولتلك مش هرجع يا حسين، واني اخدت الورد ده مش معناه اني خلاص كدا سامحتك على الذل الي كنت فيه،انا خدته ذوقياً بس
اعاد عليه حديثه السابق قائلا وهو ينظر الي عينيها بتحدي؛
- وانا قولتلك يا نسمة الورد ده مش مصالحه
رن هاتفها، نظرا فوجدته منبة، ينبهها بمعاد حصتها،اغلقت المنبه و قالت له:
- ماشي يا حسين لو خلصت الي عندك انا ورايا حصة دلوقتي ولازم اروحلها
- تمام انا هروح دلوقتي، خلي بالك من نفسك، و هتصل اطمن عليكي
كانت نبرته حنونه، لم تعتاد عليها هي، أومأت بصمت و لم تجيبه، ليغادر هو و تظل هل واقفه، تنظر الي اثره ، جلست علي المقعد تنظر الي الزهور بشرود، لم تكن تعلم انه يعلم الزهور انتي تحبها، قربتها الي انفها تشم عبيرها و تبتسم، افاقت علي شرودها علي صوت زميلها، يذكرها بميعاد حصتها، فنهضت علي عجلة، الي الصف
___________________________
كانت تجلس ملك في مكتبها تأخذ استراحة صغيره بعد ان انهت جلستها مع نسرين، تحتسي كوب الشاي بالتوت و بيدها دفترها تقرأ ملاحظاتها عن حالة يحيى و تضيف بعض الاشياء، اخذت رشفتها الاخيرة، ثم نهضت تتجه الى غرفة يحيى و اخذت معها دفتر رسم و قلم رصاص، دقت الباب و دلفت بعد ان سمعت صوته يسمح لها بالدخول، دلفت بابتسامة ناعمة، و قالت:
-Good morning
كان يقف امام النافذة، و يلتف بنظره لها، و اجابها:
-Good morning
وقفت امامه و يدها خلف ظهرها، فقالت بمرح:
-خمن ايه الي معايا
نظر الي يدها، و قال بأجهاد:
- ايه مثلا
رفعت كتفها و قالت:
-خمن
قال بملل:
- تلفون مثلا هكلم اهلي
-تؤتؤ
- مش عارف عقلي واقف
تنهدت و هي تفك يدها من خلف ظهرها، و تمد يدها بالدفتر و القلم، اخذهم منها و قال:
- شكرا
قالت بحماس:
- العفو، انا متحمسة اشوف اول رسمه هترسمها
اومأ بصمت و اشار الي المقاعد و قال:
- طب ممكن نقعد
ذهبت تجلس و جلس هو ايضا، كان يتصبب منه العرق، رغم اعتدال الطقس، اخذ منديل و مسح عرقه، اخرجت المسجل و ضغطت على زر التشغيل ووضعته علي الطاولة و قالت:
- انا بحثت عنك زي ما قولتلي، و شوفت تصاميم المباني، كانت تحفه
أومأ بابتسامة صغيرة، و قال:
- اكتر مبني صممته و كان لي معزة خاصه عندي كان مبني الي في الطريق الصحراوي
اعتدلت في جلستها و قالت تجر اطراف الحديث:
- اشمعنا بقي
شرد و علي وجهه ابتسامة صغيرة، و تابع:
- عشان اتعرفت فيه علي اول حب في حياتي
رفعت حاجبيها و قالت:
- و ايه الي حصل
- كان المبني ده شراكة مع الشركة الي بشتغل فيها و الشركة الي بتشتغل هي فيها، اتعرفت عليها و كانت انسانة طموحة، و اتقدمت لها، لكن لما دخلت الدوامة دي فسخت الخطوبة، مكنتش تستاهل حد زيى
صمت وهو يمسح عرقه، فقالت ملك:
- يعني هى متعرفش الي حصل
هز رأسه بالنفي و قال:
- لا طبعا، انا انسحبت بصمت
- كدا كان احسن فعلا
لتقوم بسؤاله:
- انت قولتلي ان في مشكلة حصلت خلتك تسيب الشغل
مسح علي فخذه بألم وهو يتذكر تفاصيل ذلك اليوم المشؤوم، فقال:
- واحد زميل ليا لعب في ورق مشروع و بوظ المقاسات....
" نظر يحيى الي الورق و تفحصه بدقة، ثم وجه حديثه الي مدير الشركة:
- انا متأكد ان حد لعب في الورق ده دي مش المقاسات
ثم اخذ دفتره و اراه الملاحظات، امسك المدير الدفتر و تفحصه ثم اومأ بصمت، و اعطاه الدفتر و قال:
- هنشوف الكاميرات و نتأكد اذا فعلا حد لعب في الورق ولا لا
-تمام
وبعد يومين، كان يجلس يحيى امام المدير،يستمع حديثه:
- راجعنا الكاميرات يا بشمهندس و لاقينا ان محدش كان بيدخل المكتب غيرك، و مافيش حد دخل المكتب
قال يحيى بانفعال:
- ازاي الكلام ده، انا عايز اشوف الكاميرات
قال المدير ببرود:
- ماينفعش تشوفها، احنا مسحناها
وقف يحيى و هدر بغضب:
- يعني ايه مسحتوها، ده اسمه استعباط
دخل احد الموظفين و جلس ببرود و قال:
- يحيى اهدى، مينفعش تزعق كدا في الشركة
نظر له يحيى الغضب يتطاير من عينيه، و قال وهو يشير اليه:
- انت الي عملت كدا يا ماهر
ابتسم ابتسامة جانبيه و قال بوقاحة:
-اثبت اني عملت كدا
اقترب منه يمسكه من تلابيبه و هدر قائلاً:
- ده انا هوديك في ستين داهيه
ضحك باستفزاز و همس قائلا:
- قولتلك ابعد عن سكتي لكن انت الي اختارت نهايتك بايدك
صك يحيى على اسنانه، و دفعه بقوة و كاد ان يسقط من على المقعد لكن امسك بيده في المكتب، فهدر ماهر قائلا:
- انت اتجننت ولا ايه
- ده انت لسه هتشوف الجنان، لما اثبت انك الي عملت كدا و افضحك في المجال كله
هندم ماهر ملابسه و قال:
- اعلى ما في خيلك اركبه
نظر يحيى الي المدير و قال بسخرية:
- ايه دفعلك كام عشان تعمل كدا
اجابه قائلا:
- انت من النهاردة برا الشركة لو كان حد اكتشف المصيبة الي انت عملتها كان زمان سمعتك و سمعة الشركة راحت
تراجع وهو يشير بأصبعه لهم و قال:
- انا هعرف اخد حقي منكوا ازاي
ثم غادر يحيى، فقال ماهر للمدير قائلا:
- وعلي اتفقنا، هقنع بابا يبقي في مشروع مشترك بين الشركتين ، و هكون انا من ضمن المهندسين بتوع المشروع، تخيل كدا مشروع بين شركتك و شركة عادل الديب، دي هتبقى نقله حلوة اوي للشركة، لكن بشرط......
نظر له المدير و قال:
- و ايه هو
اعتدل في جلسته، ووضع قدم فوق قدم و قال:
- ابقي شريك بالنص في الشركة
- بس انت قولتلي هتعمل ده كله مقابل اني اشيل يحيى من طريقك
- لو مافيش شراكة مافيش مشاريع
نظر له المدير برفعه حاجب و قال علي مضض:
- ماشي موافق
مد ماهر يده يصافحه و علي وجهه ابتسامة مستفزه:
- اتفقنا
صافحه المدير وهو ينظر له بضيق، بينما في الخارج كان يستمع لهم يحيى وهو يقبض علي يده بقوة، ليغادر وبداخله يتوعدهم"
